|
إثارات |
|
|
النبي وآله (صلى الله عليه وآله) في نظرية الخلقة |
|
|---|---|---|
|
سؤال عجيب أليس كذلك؟ ولكن الجواب سيكون أعجب حيث أنه قد صار المسلمون ومن يدعي الإسلام في الجواب على هذا السؤال إلى نظريات ثلاثة:
هذا بإجمال بيان هذه النظرية ولنرى مدى صحتها - وبصورة موجزة أيضاً - فإنه لاشك ولا شبهة بأن الله تعالى هو الخالق الحقيقي وكل من يصنع أو يخلق شيئاً فإنه بإذن منه عز وجل، وقد دلت عليه العشرات بل المئات من الآيات والروايات والأدلة العقلية وهذا بديهي واضح عندنا - نحن كمسلمين - وأما أن يكون الله سبحانه وتعالى هو المباشر لخلق الخلائق من دون أن يجعل للخلق واسطة فهذا وإن كان ممكنا إلا أنه لم يدل عليه دليل - بالصراحة - بل إن هناك أدلة تدل على أنه تعالى قد وسط مجموعة من مخلوقاته في خلق وصنع بعض الأشياء مضافاً إلى الأدلة العامة التي سيأتي بيانها إن شاء الله. نعم إذا ثبت بطلان النظريتين الأخريتين فإن هذا الرأي يكون صحيحاً.
وهذه النظرية كما تراها واضحة البطلان بينة الفساد لا يساعدها دليل بل عشرات الأدلة تضادها - بالصراحة - وأن هذه الفكرة تعني تعطيل الله سبحانه واستغناء الخلق عنه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وهذه النظرية أشبه ما تكون بقول اليهود حيث قالوا: (يد الله مغلولة) فأجابهم عز من قائل: (غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء)(1). وهذه العقيدة - التي تعد استخفافاً بالله عز وجل وغلواً في أهل البيت (عليهم السلام) بما لا يرضون به - هي التي حاربها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بشدة ووقفوا بوجه هذه النظرية الضالة بكل صلابة. فقد ورد عن زرارة أنه قال: قلت للصادق (عليه السلام): إن رجلاً يقول بالتفويض فقال (عليه السلام): وما التفويض؟ قلت: التفويض الذي يقوله الرجل هو أن الله تبارك وتعالى خلق محمداً وعلياً (صلوات الله عليهما) ففوض إليهما فخلقاً ورزقاً وأماتا وأحييا. فقال (عليه السلام): كذب عدو الله، إذا انصرفت إليه فاتل عليه هذه الآية التي في سورة الرعد (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقة فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار)(2). فانصرفت إلى الرجل فأخبرته فكأني ألقمته حجراً(3). وقد ورد عن مولانا صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أنه قال لكامل بن إبراهيم: جئت تسأله (أي: الإمام العسكري عليه السلام) عن مقالة المفوضة، كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيئة الله فإذا شاء شئنا(4).
فمثلاً نرى أن الله سبحانه وتعالى خلق الجنة عبر واسطة الملائكة بمعنى أنه تعالى هو الخالق الحقيقي لكنه أعطى الملائكة مقومات خلق الجنة فخلقت الملائكة الجنة بإذن الله تعالى. وهكذا بالنسبة إلى الموت فإنه تعالى هو الذي يميت قال تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها)(5) ولكن جعل لذلك واسطة أعطاه القدرة على قبض الأرواح وهو ملك الموت (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم)(6). وأن الله سبحانه وتعالى هو الهادي قال تعالى: (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)(7) ولكن جعل لذلك وسائط وأعطاهم مقومات هداية الناس - من العلم والإعجاز وغيرهما - وهم الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) يهدون الناس بإذن الله تعالى (ولكل قوم هاد)(8). وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الحيوانات كلها ولكنه سبحانه نسب خلق طير إلى النبي عيسى (عليه السلام) حيث يقول: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني)(9) وفي آية أخرى عن لسانه (عليه السلام): (إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله)(10) وهناك أمثلة كثيرة أخرى لو أردنا سردها لطال بنا المقام. هذه كلها بالنسبة إلى بعض جزئيات الخلقة كخلق السماوات والجنة وقبض الأرواح وهداية الناس وخق الطير وهذه الحكمة الإلهية (وهي عدم تصدي الباري عز وجل بذاته لأمور الخلق) قد جرت في كل ما سواه فكل أمورها من الخلق وغيره جعله عبر واسطة وتلك الواسطة هي: نور محمد وآله (عليهم السلام) فالله عزوجل هو الذي خلق نور أهل البيت (عليهم السلام) وأمر تلك الأنوار أن يخلقوا الخلائق كلها بإذنه تعالى وبقدرة من الله تعالى وبإرادة منه عز وجل. وفي هذه النظرية مبحثان مهمان نطرحهما عبر سؤالين:
- الجواب: إن الفرق بينهما شاسع، حيث إن النظرية الثانية نفت إرادته تعالى في خلق الكائنات وجعلت قدرة أهل البيت (عليهم السلام) في عرض قدرة الله سبحانه وتعالى غير مكتسبة من قدرته جل وعلا، وهذا شرك بالله العظيم، فإن جعل قادر في عرض قدرته وجعل حكيم ومريد في عرض حكمته وإرادته شرك واضح ولذلك قال الإمام الصادق (عليه السلام) - في ما ذكر من حديث زرارة - كذب عدو الله، واستشهد الإمام لذلك بقوله تعالى: (أم جعلوا لله شركاء) هذه النظرية الثانية وأما النظرية الثالثة: فهي لا تجعل قدرة نبي الإسلام وآله (عليهم السلام) قدرة ذاتية في عرض قدرة الله عز وجل ولا حكمتهم ولا علمهم كحكمته وعلمه، بل إنه قادر بذاته حكيم بذاته عليم بذاته ولكنهم (عليهم السلام) قادرون بمقدار ما منحهم الله سبحانه وتعالى من القدرة عالمون بمقدار ما علمهم الله حكماء بمقدار ما وهبهم الله من الحكمة وهذا كما تراه ليس شركاً بل إنه عين التوحيد.
- الجواب: إن القائلين بهذه النظرية استدلوا لذلك بالدليل العقلي والأدلة النقلية. أما الدليل العقلي فهو ما مر ملخصه من أن المتتبع يرى أن الله سبحانه وتعالى وسط الوسائط في أمور الخلائق فوسط الملائكة حيناً والأنبياء الأوصياء أحياناً بل نسب الخلق في القرآن الكريم إلى بعض عباده - بالصراحة - كما نسب الخلق إلى عيسى بن مريم (عليه السلام) (إني أخلق لكم) و(وإذ تخلق) وكما نسب الخلق في آيات بصيغة الجمع (نخلق) (خلقنا) وهناك شواهد كثيرة لذلك وهذه بمجموعها ربما توحي بوجود سنة كونية - جعلها الله سبحانه وتعالى - بجعل وسائط في جميع أمور الخلائق من الخلق وغيره. وأما الأدلة النقلية فهي كثيرة أذكر ثلاثة منها تكون كافية لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
فإن مقتضى هذه الأخبار الصحيحة أن كل مقام يعني الربوبية فهو مختص بذات الله تبارك وتعالى لا غير وأما الفضائل والمقامات التي لا تعني الربوبية فهم (عليهم السلام) أهل لتلك المقامات كلها وهي بكاملها لائقة بهم وحيث إن مقام التوسط في الخلق لا يعني الربوبية فيكونون (عليهم السلام) له أهلاً وهو بهم لائق.
فإن هذا المقطع واضح الدلالة على هذه النظرية حيث إن مفاده أن الله سبحانه وتعالى يجري ما يريده من مقادير أموره في الخلائق بواسطة أهل البيت (عليهم السلام) فما أراده جل وعلا ينزله إلى أهل البيت (إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم) ومن ثم تنفذ بواسطتهم (وتصدر من بيوتكم) والمنصف يرى أن هذا المقطع ظاهر في النظرية الثالثة بل إنه شبه صريح فيها.
ومن الواضح أن المقصود ليس أن الخلق صنائع لأهل البيت (عليهم السلام) من دون إرادة الله تعالى كما لا يخفى وإنما المقصود أن الخلق مخلوقون لهم (عليهم السلام) بإذن الله تعالى وإرادة منه. والعجب كل العجب من أناس يقبلون بأن تكون الملائكة تخلق بإذن الله تعالى وأن ملك الموت يميت بإذن الله وأن الأنبياء والأوصياء يهدون بأمر الله وبإذن الله ويقبلون بأن يكون عيسى بن مريم (عليهما السلام) يخلق بإذن الله تعالى، ولكن بمجرد أن يأتي اسم نبي الإسلام محمد وآله الطاهرين (عليهم السلام) ونقول بأنهم خلقوا بإذن الله تشرئب أعناقهم ويرفضون ذلك بعنف قائلين أن ذلك لشرك وأن ذلك لكذا وكذا.. لا أعلم ما السر في معاداتهم لأهل البيت (عليهم السلام) هكذا عداوة واضحة صريحة وجوابهم ما أجاب الله سبحانه وتعالى طائفة من أعداء نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) حيث قال: (أهم يقسمون رحمك ربك؟)(17). هذا وختاماً ألفت نظر القراء الكرام إلى نقطتين مهمتين:
|
||
|
الهوامش 1 - سورة المائدة: الآية 64. 2 - سورة الرعد: الآية 16. 3 - بحار الأنوار: ج 25 ص 343. 4 - بحار الأنوار: ج 25 ص 336. 5 - سورة الزمر: الآية 42. 6 - سورة السجدة: الآية 42. 7 - سورة البقرة: الآية 213. 8 - سورة الرعد: الآية 7 9 - سورة المائدة: الآية 110. 10 - سورة آل عمران: الآية 49. 11 - قال العلامة المجلسي أن هذا المعنى ورد في أخبار كثيرة، بحار الأنوار: ج 25 ص 347. 12 - الخصال في حديث الأربعمائة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد نقله العلامة المجلسي في بحار الأنوار: ج 10 ص 91؛ ج 1 وفي ج 25 ص 270 ح 15. 13 - ورد هذا الحديث وما بمعناه في كل من كتاب بصائر الدرجات للصفار والاحتجاج للطبرسي وتفسير الإمام العسكري (عليه السلام) وكشف الغمة للأربلي وغيرها وقد نقلها العلامة المجلسي في البحار في مواضع عديدة: ج 25 ص 279 ح 22 وج 47 ص 68 و 2147 وج 26 ص 6 وغيرها. 14 - كامل الزيارات: ص 200 ومفاتيح الجنان، الزيارة المطلقة الأولى من زيارات الإمام الحسين (عليه السلام) والدعاء والزيارة، الزيارة المطلقة الثانية. 15 - نهج البلاغة، الكتاب 28 ونقله المجلسي في بحار الأنوار: ج 33 ص 58 ح 398. 16 - ورد هذا في مصادر عديدة منها الاحتجاج للطبرسي: ص 466، وغيبة الطوسي: ص 285 والصراط المستقيم: ج 2 ص 235 ومنتخب الأنوار المضيئة: ص 118 ونهج البلاغة وبحار الأنوار: ج ص 53 ص 178 ح 9. 17 - سورة الزخرف: الآية 32. 18 - بحار الأنوار: ج ص 25 باب 10. |
||