|
القسم الثاني: تعريف الشيعة الإمامية |
|
العلامة جعفر سبحاني
•• خامساً: الشيعة والإمامة والخلافة الخلافة عند الشيعة إمرة إلهية واستمرار لتحقيق أهداف النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ووظائفه، والإمام له نفس الصلاحيات والوظائف المخولة إلى النبي (صلّى اللّه عليه وآله) غير انّه ليس بنبيّ ولا يوحى إليه، والنبوّة أُوصدت وختمت بالرسول فلا نبيّ ولا رسول بعده، ولكن الوظائف كلّها مستمرة، ولأجل ذلك يجب أن يكون الإمام قائماً بوظائفه الروحية والمادّية والعلمية والاجتماعية كي يسدّ الفراغ الحاصل بوفاة النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ومن جملة وظائفه (صلّى اللّه عليه وآله): 1ـ تبيين الأحكام الشرعية والوظائف الاجتماعية. 2ـ تفسير القرآن الكريم وتوضيح إجماله وتبيين متشابهه. 3ـ تبيين الأحكام الشرعية للحوادث المستجدّة. 4ـ إزالة الشبهات الطارئة من قبل الفرق المختلفة. 5ـ إزالة الخلاف الناجم بين أصحابه باعتباره محوراً للحق والباطل. هذا ما يرجع إلى الوظائف الروحية وأمّا ما يرجع إلى الوظائف المادية فحدّث عنها ولا حرج فقد كان رئيساً للدولة، مرسلاً الجيوش لنشر الدعوة الإسلامية، مؤمِّناً لميزانية الدولة عن طريق جلب الضرائب والزكوات، باعثاً السرايا لإخماد الفتن إلى غير ذلك. فالإمام عند الشيعة الإمامية هو الذي يقوم بهذه الوظائف كافةً بلا استثناء ولا يقوم بها إلاّ الأمثل فالأمثل من الأمّة، و من تمتَّع بتربية إلهية وكان ذا كفاءة وجدارة على إدارة الدولة بمختلف شؤونها، وليس التعرّف على مثل ذلك الإنسان أمراً يسيراً بل لا يعلمه إلاّ اللّه سبحانه والنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) عن طريق إبلاغه. وهذه هي نظرية التنصيص عند الاِمامية فهم لا يرضون إلاّ بتنصيص النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) على من يخلفه لملء الفراغ الحاصل بعد غيابه (صلّى اللّه عليه وآله) عن المسرح السياسي والاجتماعي وليس في مقدرة الشورى ولا وسع البيعة العامة التعرّف على ذلك الرجل المثالي والكفوء الذي يلي النبي (صلّى اللّه عليه وآله) في الفضائل والمناقب. إنّ انتخاب الخليفة عن طريق شورى المهاجرين والأنصار أو البيعة العامّة قد تعرّض إليه علماء الكلام نظرياً، دون أن يدخل حيز التطبيق العملي بل واقع الخلافة في صدر الإسلام أثبت خلاف ذلك، ويعرب هذا عن أنّ المعهود في ذلك العصر هو التنصيص لا المشاورة ولا الاستفتاء ولا بيعة عامة. فهذا عمر بن الخطاب قد أخذ بزمام الأمور من قبل الخليفة الأوّل حيث قال: إنّي أستخلف عليكم عمر بن الخطاب(1). كما أنّ الخليفة الثالث تسلّم مقاليد الأمور عن طريق شورى سداسية عيّـن أعضاءها عمر بن الخطاب(2). روى المؤرّخون أنّ عمر بن الخطاب لمّا أحسّ بالموت قال لابنه عبد اللّه: اذهب إلى عائشة واقرأها منّي السلام واستأذن منها أن أُقبر في بيتها مع رسول اللّه ومع أبي بكر. فأتاها عبد اللّه بن عمر فأعلمها فقالت: نعم وكرامة، ثم قالت: يا بُنيّ أبلغ عمر سلامي وقل له: لا تدع أُمّة محمّد بلا راع واستخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا فإنّي أخشى عليهم الفتنة(3). إنّ عبد اللّه بن عمر دخل على أبيه قبيل وفاته، فقال: إنّي سمعت الناس يقولون مقالة فآليت أن أقولها لك، وزعموا أنّك غير مستخلف وانّه لو كان لك راع إبل، أو راع غنم ثم جاءك وتركها لرأيت أن قد ضيع فرعاية الناس أشد(4). إلى غير ذلك من النصوص الحاكية على أنّ النظرية التي تبنّاها المسلمون الأوائل هي نظرية التنصيص، ولكنّهم عدلوا عن تنصيصه سبحانه إلى تنصيص نفس الخليفة. هل المصلحة كانت تكمن في تعيين الوصي أو تركه إلى انتخاب الأمّة؟ هل المصلحة العامّة عند الرسول تكمن في تعيين الوصي والقائم بشؤون الخلافة، أو تكمن في تركه إلى الأمّة؟ إنّ دراسة أحوال المسلمين يوم ذاك، تحتم علينا، أن نقول بأنّ المصلحة العامة كانت رهن تعيين الوصيّ. وقد فرضت الأخطار الداخلية والخارجية المحدقة بالإسلام على النبي (صلّى اللّه عليه وآله) تعيين وصيّ يسدّ ذلك الفراغ الحاصل بغيابه عن المسرح السياسي ويسدّ باب الجدل والنقاش في وجه الأمّة. إنّ الخطر الثلاثي لم يكن أمراً خفياً على الرسول (صلّى اللّه عليه وآله) خاصّة إنّ إمبراطورية إيران تهدّد كيان الحكومة الفتّية، كما إنّ الإمبراطورية البيزنطية في شمال الجزيرة العربية لم تكن بأقل من إمبراطورية إيران خطراً في إيجاد الفتن والفوضى فأخذت تشغل بال النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ولم يبارحه التفكير في خطرها حتى لحق بالرفيق الأعلى، وأضف إلى ذلك خطر المنافقين من الداخل الذين كانوا يتحيّنون الفرص ويتربّصون الدوائر لتسديد ضربة قاصمة إلى الإسلام. واتّحاد هذا المثلث الخطر: الفرس والروم والمنافقون، لاكتساح الإسلام واجتثاث جذوره، بات أمراً محتملاً، خاصّة بعد رحيل النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وغيابه عن الساحة السياسية. أفهل يمكن أن يغيب عن قلب النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) هذا الخطر ليحول دون وقوعه بتعيين الوصي فيلتفّ المسلمون حوله ويفض النقاش والجدال بينهم؟! هذا التهديد التاريخي يجرّنا إلى القول بأنّ المصلحة اقتضت التنصيص على الوصي لا أن يترك الأمر سُدًى يتلقفه الصحابة بالجدال والنقاش الحاد دون أن ينتهي عند حد. فنرى أنّ الشيخ الرئيس ـ ذلك العقل الكبير ـ يقول: والاستخلاف بالنص أصوب، فانّ ذلك لا يؤدّي إلى التشعّب والتشاغب والاختلاف(5). السنّة النبويّة والتنصيص على إمامة عليّ: إنّ من أحاط علماً بسيرة النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) في تأسيس دولة الإسلام، وتشريع أحكامها وتمهيد قواعدها، وبمواقف عليَّ بن أبي طالب وزير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في أمره وظهيره على عدوّه، وعيبة علمه، ووارث حكمه، وولي عهده، وصاحب الأمر بعده ومن وقف على أقوال النبي وأفعاله في حلّه وترحاله، يجدّ أنّ نصوص النبي (صلّى اللّه عليه وآله) في خلافة علي (عليه السّلام) وإمامته متواترة، وإليك البيان:
أ ـ حديث بدء الدعوة: أخرج الطبري وغيره انّه لما نزلت هذه الآية على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): (وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقرَبين)[سورة الشعراء: الآية 214] دعا رسول اللّه علياً، فقال له: يا عليّ إنّ اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعاً وعرفت أنّي حتى أُباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فاصنع لنا يا عليّ صاعاً من طعام واجعل عليه رجل شاة وأملأ عساً من اللبن. فلمّا جاء القوم وأكلوا وشربوا قام النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وقال: يا بني عبد المطلب إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه، فآيّكم يؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت: أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثم قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا(6). ودلالة الحديث على الخلافة لعلي والوصاية له لا تحتاج إلى بيان، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النبوّة والإمامة كانتا متعاقدتين بعقد واحد تتجليان معاً ولا تتخلفان.
ب ـ حديث المنزلة: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما وكثير من أهل السير والتاريخ أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) خلّف عليَّ بن أبي طالب (عليه السّلام) على أهله في المدينة عند توجّهه إلى تبوك فأرجف به المنافقون، وقالوا: ما خلفه إلاّ استثقالاً له، وتخفّفاً به، فلمّا قال ذلك المنافقون أخذ عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) سلاحه وخرج حتى أتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وهو نازل بالجرف، فقال: يا نبيّ اللّه، زعم المنافقون أنّك إنّما خلفتني انّك استثقلتني، وتخففت بي، فقال: كذبوا، ولكنّي خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي؟ فرجع علي إلى المدينة ومضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في سفره(7). الحديث يدلّ بوضوح على أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) أفاض على علي (عليه السّلام) بإذن من اللّه سبحانه الخلافة والوصاية، فكل مقام كان ثابتاً لهارون فهو أيضاً ثابت لعليّ (عليه السّلام) إلاّ ما استثناه وهي النبوّة، على أنّ الاستثناء دليل العموم. وما جاء في صدر الحديث من أنّه خلّفه على أهله لا يكون دليلاً على التخصيص لبداهة أنّ المورد لا يكون مخصّصاً.
ج ـ حديث الغدير: حديث الغدير حديث الولاية الكبرى، حديث كمال الدين وإتمام النعمة ورضى الرب تعالى وهو حديث نزل به كتاب اللّه المبين وتواترت به السنّة النبوية، وتواصلت حلقات أسانيده منذ عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا. وقد صبّ شعراء الإسلام واقعة الغدير في قوالب شعرية وإليك خلاصة تلك الواقعة: أجمع الرسول (صلّى اللّه عليه وآله) الخروج إلى الحجّ في السنة العاشرة من الهجرة تلك الحجة التي سميت بحجّة الوداع وحجّة الإسلام وحجّة البلاغ، فلمّا قضى مناسكه انصرف راجعاً إلى المدينة ومن معه من الجموع المذكورة وصل إلى غدير خمّ من الجحفة التي تتشعّب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين، وذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة فعند ذاك نزل جبرائيل الأمين بقوله: (يا أيُّها الرَّسولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيكَ مِنْ رَبِّكَ)[سورة المائدة: الآية 67]. وكان أوائل القوم قريبين من الجحفة فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أن يرد من تقدّمهم ويحبس من تأخر عنهم حتى إذا أخذ القوم منازلهم نودي بالصلاة، صلاة الظهر، فصلّى الناس، وكان يوماً حاراً يضع الرجل بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدة الرمضاء، فلمّا انصرف من صلاته قام خطيباً وسط القوم على اقتاب الإبل، وأسمع الجميع رافعاً صوته، فقال: الحمد للّه، ونستعينه، ونؤمن به، ونتوكّل عليه، ونعوذ باللّه من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضلّ ولا مضلّ لمن هدى، وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمداً عبده ورسوله، أمّا بعد: أيّها الناس، إنّي أُوشك أن أُدعى فأجيب، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: (نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت، وجاهدت، فجزاك اللّه خيراً). قال: (ألستم تشهدون أنّ لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ، وناره حقّ، و أنّ الموت حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللّه يبعث من في القبور؟). قالوا: (بلى نشهد بذلك). قال: (اللّهم اشهد). ثم قال: (أيّها الناس، ألا تسمعون؟). قالوا: (نعم). قال: (فإنّي فرط على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين). فنادى مناد: (وما الثقلان يا رسول اللّه؟). قال: الثقل الأكبر، كتاب اللّه، والآخر الأصغر، عترتي، وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّـهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا). ثم أخذ بيد عليّ فرفعها، حتى رؤيا بياض آباطهما، وعرفه القوم أجمعون، فقال: (أيُّها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟). قالوا: (اللّه ورسوله أعلم). قال: (إنّ اللّه مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه، فعليّ مولاه ـ يقولها ثلاث مرات ـ ثم قال: اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأحب من أحبّه، وابغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب). ثم لم يتفرّقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله: (اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي)[سورة المائدة: الآية 3]، فقال رسول اللّه: (اللّه أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الربّ برسالتي، والولاية لعليّ من بعدي). ثم أخذ الناس يهنِّئون عليّاً، وممّن هنّاه في مقدّم الصحابة: الشيخان أبو بكر وعمر، كلّ يقول: بخ بخ، لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي، ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وقال حسّان: أتأذن لي يا رسول اللّه أن أقول في عليٍّ أبياتاً، فقال: قل على بركة اللّه، فقام حسان، فقال: يناديهم يوم الغدير نبيّهم بخمّ وأَسمِعْ بالرسول مناديا فقال فمن مولاكم ونبيّكم فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا إلهك مولانا وأنت نبيّنا ولم تلق منّا في الولاية عاصيا فقال له قم يا عليّ فإنّني رضيتك من بعدي إماماً وهاديا فمن كنت مولاه فهذا وليّه فكونوا له أتباع صدق مواليا هناك دعا اللّهم وال وليّه وكن للذي عادى عليّاً معاديا فلمّا سمع النبيّ أبياته قال: (لا تزال يا حسّان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك). هذا مجمل الحديث في واقعة الغدير، وقد اتفقت الأمّة على نقله، فلا نجد حديثاً يبلغ درجته في التواتر والتضافر ولا في الاهتمام به نظماً ونثراً. لا أظن أن أحداً ينكر سند الحديث وتواتره، فقد رواه: 1ـ من الصحابة 110 صحابياً. 2ـ ومن التابعين 84. وأمّا عدد الرواة من العلماء والمحدثين فنذكرهم على ترتيب القرون. 3ـ في القرن الثاني: 56 عالماً ومحدِّثاً. 4ـ في القرن الثالث: 92 عالماً ومحدِّثاً. 5ـ في القرن الرابع: 43 عالماً ومحدِّثاً. 6ـ في القرن الخامس: 24 عالماً ومحدِّثاً. 7ـ في القرن السادس: 20 عالماً ومحدِّثاً. 8ـ في القرن السابع: 20 عالماً ومحدِّثاً. 9ـ في القرن الثامن: 19 عالماً ومحدِّثاً. 10ـ في القرن التاسع: 16 عالماً ومحدِّثاً. 11ـ في القرن العاشر: 14 عالماً ومحدِّثاً. 12ـ في القرن الحادي عشر: 12 عالماً ومحدِّثاً. 13ـ في القرن الثاني عشر: 13 عالماً ومحدِّثاً. 14ـ في القرن الثالث عشر: 12 عالماً ومحدِّثاً. 15ـ في القرن الرابع عشر: 19 عالماً ومحدِّثاً(8). وقد ألّف غير واحد من أعلام الفريقين كتباً في إسناد الحديث وتواتره وإنّما المهم هو تبيين دلالة الحديث على الإمامة الكبرى.
دلالة الحديث على الولاية الكبرى: إنّ لفظة (مولى) في كلام النبي (صلّى اللّه عليه وآله) (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه) بمعنى (أولى) كما في قوله سبحانه: (فَاليومَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِديَةٌ ولا مِنَ الَّذينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هيَ مَولاكُمْ وبِئْسَ المَصِيرُ)[سورة الحديد: الآية 15]. وقد فسّر المفسّرون قوله: (هي مولاكم) بقولهم هي أولى لكم، وهناك قرائن حالية ومقالية على أنّ المراد من ذلك اللفظ هي الولاية. أمّا القرائن الحالية فهي أنّ النبي أمر بحبس المتقدم في السير ومنع التالي في محل ليس صالحاً للنزول، غير أنّ الوحي حبسه هناك والناس قد أنهكتهم وعثاء السفر وحرّ الهجير وحراجة الموقف حتى أنّ أحدهم ليضع طرفاً من ردائه تحت قدميه فعند ذاك رقى رسول اللّه منبر الأهداج. فهل يصحّ أن يراد من المولى في هذا الموقف الحرج غير إبلاغ الولاية لعليّ وانّه هو المتصرّف والآخذ بالزمام بعده، وإلاّ فلو أغمض على هذا المعنى وقيل بأنّ المراد من المولى الناصر والمحب لسقط الكلام عن البلاغة واحتفظ عامة الناس بحقّ النقد والرد على النبيّ بعدم ضرورة حبس هذه الحشود في ذلك الموقف غير الصالح للنزول، وإلقاء الخطبة لأجل تفهيم الجميع أمراً واضحاً وهو الدعوة إلى نصرة عليّ وحبّه. فلا يسوغ للنبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) حشر الجماهير في حرّ الرمضاء إلاّ أن تكون الخطبة حول أمر خطير تناط به حياة الإسلام وكيان المسلمين وهي تعيين الوصي بعده وإضفاء الولاية العامة على من بعده. وأمّا القرائن المقالية فكثيرة ونشير إلى بعضها: الأولى: صدر الحديث وهو قوله (صلّى اللّه عليه وآله): (ألست أولى بكم من أنفسكم)، فهذه قرينة على أنّ المراد من المولى ما ورد في الصدر وهي الأولوية في النفوس والأموال قال سبحانه: (النَّبيُّ أولى بالمؤمنينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ)[سورة الأحزاب: الآية 6]. الثانية: قوله في ذيل الحديث: (اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه) وفي جملة من الحديث قوله (وانصر من نصره واخذل من خذله) أو ما يؤدي مؤداه فلو أُريد منه غير الولاية العامة والأولوية بالتصرّف فما معنى هذه الإطالة. الثالثة: أخذ الشهادة من الناس حيث قال: (ألستم تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ محمداً عبده ورسوله وأنّ الجنةَ حقّ والنار حقّ) فانّ وقوع قوله (من كنت مولاه) في سياق الشهادة بالتوحيد والرسالة يحقّق أنّ المراد هو الخلافة بعد الرسالة للأولوية على الناس. ولعلّ يكفيك ما ذكرنا من القرائن ولم يفهم الشعراء والأدباء منذ صدور الحديث من صاحب الرسالة إلاّ الولاية العامة لعليّ (عليه السّلام)، وقد أنشأ حسان شعراً في هذا المقام حيث قال: فقال له قم يا عليّ فإنّني رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
وهذا هو علي صاحب الولاية يقول في شعره: وأوجب لي ولايته عليكم رسولُ اللّه يوم غدير خم
وهذا هو قيس بن سعد بن عبادة ذلك الصحابي العظيم يقول: وعليٌّ إمامُنا وإمامٌ لسوانا أتى به التنزيل يوم قال النبيّ من كنت مولا ه فهذا مولاه خطب جليل هذا هو داهية العرب عمرو بن العاص يكتب إلى معاوية رسالة وفيها قصيدته المعروفة بالجلجلية يقول فيها معترضاً على معاوية: وكم قد سمعنا من المصطفى وصايا مخصصة في علي وفي يوم خم رقى منبراً وبلغ والصحب لم ترحل فامنحه إمرة المؤمنين من آل مستخلف المنحل(9). هذا هو خلاصة القول في إمامة علي بعد رحيل الرسول (صلّى اللّه عليه وآله) من اللّه. ومن عجائب الأمور أنّ الشيعة قد ذهبت إلى أنّ عدد الخلفاء بعد النبي (صلّى اللّه عليه وآله) هو اثنا عشر خليفة، ونرى ذلك أيضاً في الصحاح والمسانيد، وقد تضافرت الروايات التي ناهزت على سبع عشرة رواية، أنّ عدد خلفاء الرسول هو اثنا عشر خليفة والمواصفات المحدّدة لهم تنطبق بالتمام على أئمّة الشيعة، وإليك بيانه. روى البخاري عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) يقول: يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلّهم من قريش(10). وروى مسلم عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): (لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة) ثم قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: (كلّهم من قريش)(11). وروى أيضاً: لا يزال هذا الدين منيعاً إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة صمنيها الناس، فقلت لأبي ما قال؟ قال: (كلّهم من قريش)(12). هذه النصوص تثبت أنّ صيغة الحكومة والإمامة عند النبي (صلّى اللّه عليه وآله) كانت هي التنصيص وقد نصّ على عليّ (عليه السّلام) وهو نصَّ على ولده الحسن (عليه السّلام) وهو على أخيه الحسين (عليه السّلام) وتوالت الأوصياء حسب التنصيص إلى اثني عشر إماماً، وعلى ضوء ذلك اتّفقت الشيعة على أنّ الأئمّة الاثني عشر خلفاء الرسول وانّهم منصوبون من اللّه لزعامة الأمة وقد نصّ الرسول على عددهم بل وعلى أسمائهم كما ونصّ كل خليفة سابق منهم على الخليفة من بعده ودونك أسماءهم: أوّلهم الإمام عليّ بن أبي طالب، ابن عمّ الرسول وصهره تربّى في حجره، ولم يزل يقفو أثره طول حياته وهو أوّل النّاس إسلاماً وأشدّهم استقامة في طاعة اللّه وتفانياً في الدين، بلغ في علمه وتقاه درجة تقاصر عنها أقرانه. كان الإمام أفضل الناس وأمثلهم بعد رسول اللّه ولم يكن يومذاك رجل أليق بزعامة الأمّة وقيادتها منه. نعم قدمت مجموعة من المهاجرين غيره (عليه السّلام) وتناسوا النصّ وأجمعوا على صرف الخلافة من أوّل يومها عن وليّه المنصوص عليه. ولم ير الإمام بداً ـ لحفظ مصالح الدين والمسلمين ـ من تسليم الأمر إليهم فلزم عقر داره مدة خمسة وعشرين عاماً إلى أن رجعت إليه الخلافة واتّفقت على قيادته وزعامته كلمتهم لا سيما جبهة الأنصار وسنام العرب. فتولى الإمام مقاليد الخلافة وأحيا سنّة النبيّ الأعظم في عدله وإنصافه ومساواته بين الناس ولم يكن لأحد فيه مطمع، ولا عنده هوادة ولم يكن يقيم وزناً لغير الحق ولم يحكم بين الأمّة إلاّ بالحقّ والعدالة حتى قتل في محراب عبادته لشدة عدله. فالحقّ أنّ الإمام مفخرة من مفاخر المسلمين على الإطلاق بل الإنسانية جمعاء. فالإمام عليّ (عليه السّلام) أوّل الأئمة الاثني عشر، ويليه: الحسن بن علي، الحسين بن علي، فعلي بن الحسين زين العابدين، فمحمد ابن علي الباقر، فجعفر بن محمد الصادق، فموسى بن جعفر الكاظم، فعلي بن موسى الرضا، فمحمد بن علي الجواد، فعلي بن محمد الهادي، فالحسن بن علي العسكري، فمحمد بن علي بن الحسن الحجة المهدي المنتظر. هؤلاء أئمّة الشيعة الاثني عشر وقادتهم يقتبس من أنوارهم ويهتدي بهداهم وقد حُفظت تواريخهم و آثارهم ودُوِّنت أحاديثهم وما رويت عنهم. والإمام الثاني عشر هو الإمام المهدي المنتظر الذي تواترت الروايات على ظهوره في آخر الزمان. إنّ الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عقيدة مشتركة بين جميع المسلمين، إلاّ من أصمّه اللّه، فكلّ من كان له أدنى إلمام بالحديث يقف على تواتر البشارة عن النبيّ وآله وأصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل والظلم، ونشر أعلام العلم والعدل، وإعلاء كلمة الحق وإظهار الدين كله ولو كره المشركون، وهو بإذن اللّه ينجي العالم من ذلّ العبودية لغير اللّه ويبطل القوانين الكافرة التي سفّتها الأهواء. ويقطع دابر التعصّبات القومية والعنصرية، ويزيل العداء والبغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الأمّة واضطراب الكلمة، وتأجيج نار الفتن والمنازعات، ويحقق اللّه بظهوره وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله: (وَعَدَ اللّهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأرضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بي شَيئاً وَمَنْ كَفَرََ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقونَ)[سورة النور: الآية 55]. وقال سبحانه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أنَّ الأرضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ)[سورة الأنبياء: الآية 105]. هذا ما اتّفق عليه المسلمون في الصدر الأوّل والأزمنة اللاحقة وقد تضافر مضمون قول الرسول (صلّى اللّه عليه وآله): (لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوَّل اللّهُ ذلك اليومَ حتى يخرج رجلٌ من ولدي، فيملأها عدلاً وقسطاً كما مُلِئت ظُلماً وجَوراً). ولو وُجد هناك خلاف بين أكثر السنّة والشيعة فالاختلاف في ولادته، فانّ الأكثرية من أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان، والشيعة بفضل الروايات المتواترة تذهب إلى أنّه ولد في (سرّ من رأى) عام 255 هـ، وغاب بأمر اللّه سبحانه سنة وفاة والده، عام 260 هـ، وهو يحيى حياة طبيعية كسائر الناس غير أنّ الناس يرونه ولا يعرفونه، وسوف يظهره اللّه سبحانه ليحقّق عدله. وهذا المقدار من الاختلاف لا يجعل العقيدة بالمهدي من المسائل الخلافية، ومن أراد أن يقف على عقيدة السنّة والشيعة في مسألة المهدي، فعليه أن يرجع إلى الكتب التالية لمُحققي السنّة ومحدّثيهم: 1ـ (صفة المهدي) للحافظ أبي نعيم الأصفهاني. 2ـ (البيان في أخبار صاحب الزمان) للكنجي الشافعي. 3ـ (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان) لملاّ علي المتقي. 4ـ (العرف الوردي في أخبار المهدي) للحافظ السيوطي. 5ـ (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) لابن حجر. 6ـ (عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر) للشيخ جمال الدين الدمشقي. وعلى ضوء ذلك اتّفقت الشيعة على أنّ الأرض لا تخلو من قائم للّه بحجة إمّا ظاهراً مشهوراً أو غائباً مستوراً، وتلك الحجج في عامة الأدوار تتمثّل إمّا في نبيّ أو في وصيّ نبيّ، والحجة المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه) هو خاتم الأوصياء حيّ يرزق منحه اللّه من العمر أطوله كما منح للمسيح ذلك، وليس على اللّه بعسير فهو القادر على كل شيء فله أن يمنح عبداً من عباده أيّ قدر شاء من العمر، فلا قدرة اللّه متناهية ولا الموضوع في نفسه محال ولا أُسس علم الحياة تعانده، وما جاء العلم بحدٍّ لحياة البشر لا يتجاوزه. وقد ادّخره اللّه ليوم يتظاهر فيه الزمان بالجور والعدوان والقتل وسفك الدماء والفساد وإحاطة المجتمع بأنواع العذاب والبلاء. فهذه الكوارث والمكاره تهيّئ المجتمع وتدفعه إلى ثورة عارمة على الظلم والعدوان، تقتلع بها جذور الفساد وتقطع دابر الجبابرة عن أديم الأرض، حتى ترفرف رايات العدل والإسلام في شرق الأرض وغربها بقيادة آخر الخلفاء وخاتم الأوصياء فيملأ اللّه به الأرض عدلاً وأمناً كما مُلئت ظلماً وجوراً. هذه خلاصة القول في الإمام المهدي. وفي خاتمة المطاف نأتي بما كتبه الدكتور عبد الباقي في كتابه الذي أسماه (بين يدي الساعة) وقد طبع في السعودية، فقال في تضافر الأخبار الواردة في حق المهدي: إنّ المشكلة ليست في حديث أو حديثين أو راوٍ أو راويين إنّها مجموعة من الأحاديث والأخبار تبلغ الثمانين تقريباً اجتمع على تناقلها مئات الرواة وأكثر من صاحب كتاب صحيح. فلماذا تردّ كل هذه الكمية، أكلّها فاسدة؟ لو صح هذا الحكم لانهار الدين ـ والعياذ باللّه ـ نتيجة تطرّق الشك والظن الفاسد إلى ما عداهما من سنّة رسول اللّه. وإذا نظرنا إلى المهدي نظرة مجردة فإنّا لا نجد حرجاً من قبولها وتصديقها أو على الأقل عدم رفضها(13).
لقد سبق قولنا أنّ مذهب الشيعة مزيج من العقيدة والشريعة وليس مذهباً كلامياً بحتاً حتى نقتصر في دراسته على بيان الأصول الكلامية، ولا مذهباً فقهياً كالمذاهب الفقهية الأربعة حتى يُكتفى في تعريفه بما يتبنّى من فروع في باب العبادات والمعاملات والإيقاعات والسياسات، وقد وقفت على موجز عقائدهم في المسائل الكلامية في الفصول الخمسة السالفة الذكر، وإليك الإشارة إلى ما يدينون به في باب الأحكام. ينقسم فقه الشيعة إلى: 1ـ عبادات 2 ـ عقود 3ـ إيقاعات(14) 4ـ سياسات. وهناك تقسيم آخر وهو تقسيمه إلى العبادات، والمعاملات، والأحوال الشخصية، والسياسات. مصادر الفقه الشيعي: تعتمد الشيعة في استنباط الأحكام الشرعية على الأدلة الأربعة لا غير: الأوّل: كتاب اللّه العزيز ولا يعدل عنه إلى غيره مطلقاً. الثاني: السنّة المأثورة عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عن طريق أئمّة أهل البيت وسائر الثقات، فإنّ المأثور عن أئمّة أهل البيت يصل إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) بسند عالٍ غير خاضع للنقاش. الثالث : الإجماع: إجماع المسلمين على حكم شرعي، أو إجماع الطائفة الشيعية الكاشف عن وجود النص الواصل إلى يد المجمعين وغير الواصل إلينا. وليس الإجماع عندهم بنفسه حجة، بل لأجل كشفه عن دليل شرعي موجود لدى المجمعين. الرابع : العقل: أعني الإدراكات القطعية العقلية التي لا يتردد فيها ولا يشك في صحتها، كيف والعقل هو الحجة الباطنية التي يحتجّ بها المولى سبحانه على العباد، ثم بحكم العقل الذي له صلاحية الحكم والقضاء يُستكشف حكم الشرع، للملازمة بين حكم العقل والشرع واستحالة التفكيك بينهما، فمثلاً إذا استقلّ العقل بقبح العقاب بلا بيان فيفتي المجتهد في الموارد التي لم يرد فيها دليل شرعي على الحكم الشرعي، بالبراءة أو الحلّية. هذه هي مصادر التشريع عند الشيعة وليس هناك مصدر آخر تعتمد عليه. وأمّا الرجوع إلى العرف، فإنّما هو لتحديد المفاهيم وتبيين الأوضاع كالرجوع إلى قول اللغوي. نعم، رفضت الشيعة منذ زمن مبكر القياس والاستحسان وسدّ الذرائع وما يماثلها من الأدلة الظنية التي لم يقم دليل عندهم على حجيتها. اتفقت الشيعة على أنّ السنّة المطهرة كما تثبت بالخبر المتواتر، والخبر المحفوف بالقرائن، تثبت أيضاً بالخبر الواحد إذا كان رواته ثقات في جميع السلسلة.
فتح باب الاجتهاد: الاجتهاد هو بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها المعينة وهو رمز خلود الدين وبقاء قوانينه، لأنّه يحفظ غضارته وطراوته ويصونه عن الاندراس ويغني المسلمين عن التطفل على موائد الأجانب بإعطاء كل موضوع ما يقتضيه من الحكم. وقد حثّ أئمّة أهل البيت شيعتهم على التفقه في الدين والاجتهاد فيه وانّه من لم يتفقّه في الدين فهو أعرابي، وأرشدوهم إلى كيفية استخراج الفروع المتشابكة، من الآيات والأصول المتلقّاة عنهم، كل ذلك صار سبباً لاندفاع الشيعة نحو دراسة كتاب اللّه والأحاديث المروية وبذل الجهد في استنباط الأحكام من أدلّتها الشرعية ورأوا أنّ الاجتهاد أمرٌ لازمٌ لأنّ بين الأخبار ما هو عام وخاص ومطلق ومقيد، وبين الآيات ناسخ ومنسوخ، وبين الأحكام ما هو مجمع عليه ومختلف فيه. كل ذلك جرهم إلى فتح باب الاجتهاد أي بذل الوسع في فهم الحكم الشرعي من أدلته. وأمّا لزوم فتح هذا الباب في عصرنا فلا يحتاج إلى البرهنة والدليل، لأنّنا أمام موضوعات مستجدّة تتطلب لنفسها الجواب، والجواب إمّا يطلب من بذل الوسع في استنباط أحكام الموضوعات المستجدة من الأصول والقواعد الإسلامية، أو اتّباع المبادئ الغربية من غير نظر إلى مقاصد الشريعة. ومن المعلوم تعيّـن الأوّل وبطلان الثاني.
فقهاء الشيعة: لقد أنجبت مدرسة أهل البيت فقهاء في عصر الأئمّة كـ (زرارة بن أعين) (80 ـ 150هـ) و (محمد بن مسلم الطائفي) (80 ـ 150 هـ) و (محمد بن أبي ( 71 ) عمير) ( المتوفّى 217 هـ) و (الحسن بن محبوب) (150 ـ 224 هـ) إلى غير ذلك من فقهاء الشيعة في القرن الثاني والثالث. احتفل القرن الرابع والخامس بفقهاء كبار لهم مكانتهم في الفقه الشيعي كـ (علي بن بابويه) ( المتوفّى 329 هـ)، و (محمد بن جعفر بن قولويه) ( المتوفّى 369هـ)، و (الشيخ الصدوق) (306 ـ 381هـ) و (الشيخ المفيد) (336ـ413 هـ)، و (السيد المرتضى) (355 ـ 436 هـ)، و ( الشيخ الكراجكي) ( المتوفّى 449 هـ)، و (الشيخ الطوسي) (385ـ460 هـ)، و (سلار الديلمي) مؤلف المراسم، و (ابن البراج) (401 ـ 489 هـ) مؤلف المهذب، وغيرهم من الذين ملأت أسماؤهم كتب التراجم والرجال، ومن أراد الوقوف على حياتهم وكتبهم فعليه الرجوع إلى الموسوعات الرجالية وفهارس المؤلفات، وأخص بالذكر كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة، وتوالى التأليف في الفقه بأشكال وصور مختلفة إلى العصر الحاضر وترى فيه موسوعات كبيرة كجواهر الكلام في 42 جزءاً، والحدائق الناضرة في 26 جزءاً. إنّ لكل كتاب أو باب فقهي شأناً ومكانة خاصة تدور عليها رحى الحياة المادّية والروحية للمسلم ولا يستغني المجتمع الإسلامي عن واحد منها، غير أنّ هناك موضوعات تعدّ بمثابة أُصول لها منزلة متميّزة وهي ما نسمّيه أركان الفقه.
أركان الفقه وأُسسه: 1ـ الصلاة: وهو ركن عظيم إسلامي، فيجب على كل مسلم أن يقيم الصلوات اليومية في أوقاتها الخاصة إلى الجهة (القبلة) التي نصّ عليها القرآن وأطبق المسلمون عليها، وهي الكعبة. 2ـ الصوم: يجب على كل مسلم أن يصوم شهر رمضان كلّه بادئاً برؤية هلاله وخاتماً بهلال شوال. 3ـ الحج: يجب على كل مسلم مستطيع أن يحج بيت اللّه الحرام ولو مرّة واحدة، ويجتمع مع سائر إخوانه في ذلك المشهد العظيم الذي ينعقد مرة واحدة كل سنة. 4ـ الزكاة: وهي عند الشيعة ركن اجتماعي بارز وضريبة إسلامية، وهي حق الجماعة في عنق الفرد وعلى عاتق المكلفين، حدّد لها الإسلام نصاباً، وجعل لها شرائط، وأوضح جهة مصارفها كمساعدة الفقراء والمساكين وتجهيز المجاهدين ودعم المرابطة وعلاج المرضى وكل ما يمت إلى مصالح الإسلام والمسلمين بصلة. 5ـ الخمس: وهي ضريبة إسلامية أُخرى تتعلق بأموال المتمكنين من المسلمين ولها شرائط وضوابط محرّرة في مواضعها. 6ـ الجهاد: وهو ركن من أركان الإسلام فيجب على كل مسلم الوقوف أمام أعداء الإسلام بكل حول وقوة بتضحية النفوس والأموال . 7 و 8 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هما من أفضل القربات لدى الشيعة أساسهما الدعوة إلى الحق، والهدى، ومكافحة الفساد، بألوانه المختلفة الفردية والاجتماعية على ضوء العلم والمنطق الصحيح، وهما وظيفة الشعب المسلم ولا يختص بطائفة دون أُخرى ليقف على الأحداث المهددة لمجتمعه ويعالجها بالحكمة والموعظة الحسنة. وأمّا تنفيذهما فيقع على عاتق الدولة الإسلامية وليس له شكل خاص وإنّما يتبع المصالح العامّة حسب اختلاف الظروف. ما ذكرنا من العناوين الفقهية تعدّ من أركان الفقه وأُسسه، وأمّا الكتب الفقهية التي وقعت في إطار البحث والنقاش بين فقهاء الشيعة فتربو على أكثر من خمسين كتاباً، وإليك أسماءها: 1ـ كتاب الطهارة. 2ـ كتاب الصلاة. 3ـ كتاب الزكاة. 4ـ كتاب الخمس. 5ـ كتاب الصوم. 6ـ كتاب الاعتكاف. 7ـ كتاب الحج. 8 ـ كتاب الجهاد. 9ـ كتاب الكفارات. 10ـ كتاب النذر. 11ـ كتاب القضاء. 12ـ كتاب الشهادات. 13ـ كتاب الوقف. 14ـ كتاب العطية. 15ـ كتاب المتاجر. 16ـ كتاب الدين. 17ـ كتاب الرهن. 18ـ كتاب الحجر. 19ـ كتاب الضمان. 20ـ كتاب الحوالة. 21ـ كتاب الكفالة. 22ـ كتاب الصلح. 23ـ كتاب الشركة. 24ـ كتاب المضاربة. 25ـ كتاب الوديعة. 26ـ كتاب العارية. 27ـ كتاب المزارعة. 28ـ كتاب المساقاة. 29ـ كتاب الإجارة. 30ـ كتاب الوكالة. 31ـ كتاب الشفعة. 32ـ كتاب السبق والرماية. 33ـ كتاب الجعالة. 34ـ كتاب الوصايا. 35ـ كتاب النكاح. 36ـ كتاب الطلاق. 37ـ كتاب الخلع والمباراة. 38ـ كتاب الظهار. 39ـ كتاب الإيلاء. 40ـ كتاب اللعان. 41ـ كتاب العتق. 42ـ كتاب التدبير والمكاتبة والاستيلاء. 43ـ كتاب الإقرار. 44ـ كتاب الغصب. 45ـ كتاب اللقطة. 46ـ كتاب إحياء الموات. 47ـ كتاب الصيد والذبائح. 48ـ كتاب الأطعمة والأشربة. 49ـ كتاب الميراث. 50ـ كتاب الحدود. 51ـ كتاب القصاص. 52ـ كتاب الديات.
الملامح العامّة للفقه الشيعي: إنّ للفقه الشيعي ملامح عامة يتميز بها عن سائر المناهج الفقهية، وإليك بيانها: 1ـ الفقه الشيعي هو حصيلة النصوص الشرعية الواردة في الكتاب والسنّة وذلك، لأنّ الأحاديث الفقهية عند أهل السنّة لا تتجاوز عن 500 حديث يدعمها مراسيل وموقوفات، قال السيد محمد رشيد رضا مؤلف المنار: إنّ أحاديث أحكام الأَُصول خمسمائة حديث فعدها أربعة آلاف فيما أذكر(15)، وما يذكره من أربعة آلاف إنّما هي موقوفات ومراسيل لا يحتج بها. وعلى كل تقدير صار ذلك سبباً للجوئهم في استنباط الأحكام إلى غير النصوص، كالقياس والاستحسان وسدّ الذرائع، وأمّا الشيعة فبما أنّهم أناخوا مطيتهم على باب العترة الطاهرة فتسنّى لهم الوقوف على حجم هائل من الأحاديث النبوية أكثر من غيرهم حتى صار ذلك سبباً لثراء الفقه الشيعي، من غير حاجة إلى العمل بغير النصوص. 2ـ قد عرفت أنّ باب الاجتهاد مفتوح عندهم منذ رحيل النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى يومنا هذا ولم يتوقف يوماً ما فأدّى إلى نضارة الفقه وتبلوره وإعداده للإجابة على المستجدات الطارئة. ولا شك أنّ الحقيقة بنت البحث، والعلم يتكامل إذا دخل حلبة الصراع الفكري، وفقهاء الشيعة بذلوا جهوداً مضنية على هذا الصعيد بغية تنمية الفقه وتكامله فصار فقههم متكامل الجوانب. 3ـ إنّ الاجتهاد عند فقهاء الشيعة ليس اجتهاداً في مذهب خاص وإنّما هو اجتهاد حر موضوعي لا يختص بمذهب دون آخر. فالمجتهد الحنفي إنّما يجتهد للبحث عن رأي إمامه في المسألة، وهكذا المجتهد الشافعي ولا يخرج عن إطار المذهب وإن تبين أنّ الحق على خلافه. وأمّا الاجتهاد في المذهب الشيعي فليس اجتهاد في مذهب الإمام جعفر الصادق أو غيره من أئمّة الشيعة، إذ ليست الأئمّة عندهم مجتهدين أو مفتين وإنّما هم رواة سنن النبي (صلّى الله عليه وآله) وعيبة علمه غير مشوب بالخطأ، فالمجتهد الشيعي إنّما هو بصدد استنباط الحكم الواقعي الذي نزل به الوحي وبيّنه النبيّ (صلّى الله عليه وآله). 4ـ المذهب الفقهي يتمتع بالدقة في السند والدلالة فربّ رواية يراها الإنسان العادي دليلاً على الحكم الشرعي، ولكنّهم بإمعان الدقة، يرونها غير دالة عليه، يعلم ذلك بالرجوع إلى كتبهم الفقهية. 5ـ الشيعة تستمد اجتهادها من القواعد العامّة المسماة بأُصول الفقه، وقد تكامل هذا العلم منذ عصر الأئمّة إلى يومنا هذا على وجه أوجد فجوة سحيقة بين ما ألفه علماء السنّة في الأصول كالمختصر لابن الحاجب، والمستصفى للغزالي، وما ألفه علماء الشيعة في أُصول الفقه في القرنين الأخيرين، وما ذلك إلاّ نتيجة التعمّق في القواعد الأصولية من خلال فتح باب الاجتهاد.
وحصيلة القول: إنّ الفقه الشيعي كالفقه السنّي يسيران جنباً إلى جنب في استنباط الحكم الشرعي مع اختلاف يسير في الطرق والمشارب. فالأدلّة الفقهية عند الشيعة هي الأربعة السالفة الذكر، وعند السنّة إضافة إلى الكتاب والسنّة والإجماع، القياس والاستحسان وسدّ الذرائع. فنجد أنّ الفقه الشيعي يتّفق في غالب المسائل الفقهية مع أحد المذاهب الأربعة نتيجة اتّفاقهم في أُصول الاستنباط، وأمامك كتاب الخلاف للشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) فهو خير شاهد على ما ندّعيه، فإنّه فقه مقارن يبحث عن الحكم الشرعي على ضوء المذاهب الخمسة. نعم ثمة مسائل خلافية انفردت الشيعة بها ونشير إلى بعضها: 1ـ إنّ الشيعي يمسح الرجلين في الوضوء والسنّي يغسلهما. 2ـ إنّ الشيعي يصلي بلا قبض اليسرى باليمنى والسنّي يصلي مع القبض إلاّ المالكي. 3ـ الشيعي يطلق ضريبة الخمس إلى أرباح المكاسب والسنّي يخصصها بالغنائم الحربية. 4ـ الشيعي جوّز الوصية للوارث دون السنّي. 5ـ السنّي يقول بالعول والتعصيب في الإرث دون الشيعي. وهذا المقدار الضئيل من الاختلافات ليس بشيء أمام الفقه الإسلامي الواسع والذي هو محيط لا يدرك ساحله. ولو أقيم مؤتمر فقهيّ حول هذه المسائل التي تفرّدت بها الشيعة لتجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها، وتقاربت الخطى وأخذ الجميع برأيٍ واحدٍ كما صار الحال كذلك في الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد، فقد أخذ الفقه المصري في هذه المسألة برأي الشيعة الإمامية من انّه يحسب طلاقاً واحداً، لا ثلاثاً وصادقت المحاكم المصرية على ذلك.
سابعاً: الشيعة والتراث الفكريّ إنّ المسلمين بصورة عامة شيّدوا أركان الحضارة الإسلامية في ظلّ الخطوط التي رسمها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من خلال القرآن والسنّة فأصبحت لهم قوة اقتصادية ونظم سياسية وتقاليد دينية وخلقية، وأصبحت العلوم والفنون تتطور وتتقدم، وقد قاموا بترجمة كتب اليونانيين والفرس وغيرهم إلى لغتهم فصارت الحضارة الإسلامية مزدهرة، بفضل هذه العلوم وتطويرها. والذي يطيب لنا في هذا الموضوع ذكر مساهمة الشيعة في بناء الحضارة خصوصاً فيما يرجع إلى العلوم والفنون:
1ـ الشيعة وعلم النحو: قام أبو الأسود الدؤلي ـ الذي كان من سادات التابعين وصاحب علياً (عليه السّلام) وشهد معه الجمل وصفّين ـ بوضع قواعد نحوية ودوّنها بأمر الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وإرشاده وتعليمه قسماً من القواعد. ومن المعلوم أنّ هذه القواعد لم تكن تسدّ الحاجة الملحّة ولكن أبا الأسود قام بإكمالها، ثم عُرف فيما بعد بأنّه مدوّن علم النحو وواضعه وتوالى التأليف بعده من الطائفتين.
2ـ الشيعة وعلم الصرف: كما أنّ أوّل من دوّن الصرف هو أبو عثمان المازني، وكان قبل ذلك مندرجاً في علم النحو كما ذكره في كشف الظنون. وأبسط كتاب في الصرف، ما كتبه نجم الأئمة أعني محمد بن الحسن الاسترآبادي الغروي، له شرح الشافية في الصرف كما له شرح الكافية في النحو، وكلا الكتابين جليلا الخطر محمودا الأثر.
3ـ الشيعة وعلم اللغة: وقد ألّفت الشيعة كتباً في علم اللغة، فأوّل من ضبط اللغة هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي الأزدي الذي وضع علم العروض فهو سيد أهل الأدب، وقد سبق الجميع إلى تدوين اللغة وترتيب ألفاظها على حروف المعجم، فألّف كتابه (العين) جمع فيه ما كان معروفاً في أيامه من ألفاظ اللغة وأحكامها وقواعدها، ورتب ذلك على ترتيب خاص. ولم يشك أحد من علمائنا أنّ الخليل كان شيعياً، وعن المرزباني أنّه ولد عام مائة بعد الهجرة وتوفي عام 170 أو 175 هـ، وقد ألف كتاباً في الإمامة كما نقله ابن قانع.
4ـ الشيعة وعلم العروض: وإذا كانت الشيعة هي التي ابتكرت علم النحو بهداية من أمير المؤمنين عليّ (عليه السّلام)، ولحسن الحظ أنّها المبتكرة أيضاً لعلم العروض وظهوره إلى الوجود، كما تقدّم وقد ألف كافي الكفاة الصاحب بن عباد الذائع الصيت، كتاباً في العروض أسماه (الإقناع) وقد توالى التأليف بعده إلى عصرنا هذا، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المعاجم حول مصنّفات الشيعة.
5 ـ الشيعة والشعر: وجدت في الشيعة طبقة راقية منذ أوائل القرون الأَُولى، وكان أئمّة أهل البيت يقدّرون جهودهم ويرحّبون بهم بكل حفاوة كما نطق به التاريخ في حقّ الفرزدق وميميته، وهاشميات الكميت، وعينية الحميري، وتائية دعبل، لقد حظوا جميعاً بتقدير واحترام الأئمّة وصار عملهم في هذا المجال أُسوة الشيعة. وإليك أسماء قليل من شعراء الشيعة: 1ـ قيس بن سعد بن عبادة. 2ـ الكميت. 3ـ السيد الحميري. 4ـ دعبل الخزاعي. 5ـ ابن الرومي. 6ـ أبو فراس. 7ـ أبو الطيب المتنبي.
6ـ الشيعة وعلم التفسير: إنّ مدرسة الشيعة منذ أن ارتحل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى يومنا هذا، أنتجت تفاسير على أصعدة مختلفة وخدمت الذكر الحكيم بصور شتى. إنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله) هم المفسرون للقرآن الكريم حيث فسروا القرآن بالعلوم التي نحلهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) بأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم التي لا تشذّ عن قول الرسول وفعله وتقريره، ومن الظلم الفادح أن نذكر الصحابة والتابعين في عداد المفسرين ولا نعترف بحقوق أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام). عكف المسلمون على دراسة القرآن وأوّل ما فوجئوا به بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) هو قصور باع لفيف منهم عن فهم بعض ألفاظ القرآن، والقرآن وإن نزل بلغة الحجاز، لكن توجد فيه ألفاظ غير رائجة وربّما كانت رائجة بين القبائل الأَُخرى، وهذا النوع من الألفاظ ما سمّوه (غريب القرآن). وبما أنّ تفسير غريب القرآن كانت الخطوة الأَُولى لتفسيره، ألف غير واحد من علماء الشيعة إبَّان التدوين كتباً في ذلك المضمار، نذكر إليك بعضها: 1ـ غريب القرآن لأبان بن تغلب بن رباح البكري (المتوفّى 141 هـ). 2ـ غريب القرآن لمحمد بن السائب الكلبي من أصحاب الإمام الصادق (عليه السّلام). 3ـ غريب القرآن لأبي روق، عطية بن الحارث الهمداني الكوفي التابعي. 4ـ غريب القرآن لعبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي. 5ـ غريب القرآن للشيخ أبي جعفر أحمد بن محمد الطبري الآملي الوزير الشيعي المتوفّى عام 313 هـ. كما أنّ هناك لوناً آخر من التفسير يهدف إلى بيان مقاصده ومعانيه فيما إذا كانت الآية مشتملة على المجاز والكناية والاستعارة، ونأتي ببعض ما أُلف في ذلك المجال بيد أعلام الشيعة: 1ـ مجاز القرآن، لشيخ النحاة الفرّاء يحيى بن زياد الكوفي المتوفّى عام 207 هـ. 2ـ مجاز القرآن، لمحمد بن جعفر أبو الفتح الهمداني وله كتاب (ذكر المجاز في القرآن). 3ـ مجازات القرآن، للشريف الرضي المسمّى بـ (تلخيص البيان في مجازات القرآن). وهناك لون آخر من التفسير يندفع فيه المفسر إلى توضيح قسم من الآيات تجمعها صلة خاصة كالمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وآيات الأحكام، وقصص الأنبياء، وأمثال القرآن، والآيات الواردة في مغازي النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والنازلة في حقّ العترة الطاهرة إلى غيرها من الموضوعات التي لا تعم جميع آيات القرآن بل تختص بموضوع واحد. وقد خدمت الشيعة كتاب اللّه العزيز بهذه الأنواع من التفاسير ومن أراد أن يقف عليها فعليه أن يرجع إلى المعاجم وأخص بالذكر الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
7ـ الشيعة والتفسير الموضوعي: إنّ هذا النمط من التفسير هو غير النمط المعروف بالتفسير الترتيبي فإنّ النمط الثاني يتّجه إلى تفسير القرآن سورة بعد سورة وآية بعد آية، وأمّا النمط الأوّل فيحاول فيه المفسر إيراد الآيات الواردة في موضوع خاص في مجال البحث وتفسير الجميع جملة واحدة وفي محل واحد. ولعلّ العلاّمة المجلسي (1037 ـ 1110 هـ) أوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه في موسوعته (بحار الأنوار) حيث يورد في أوّل كل باب الآيات الواردة حولها ثم يفسّرها إجمالاً، وبعد الفراغ عنها، ينتقل إلى الأحاديث التي لها صلة بالباب.
8 ـ الشيعة والتفسير الترتيبي: إنّ المنهج الراسخ بين القدماء وأكثر المتأخرين هو التفسير الترتيبي، وقد نهجت الشيعة منذ عصر الإمام عليٍّ إلى العصر الحاضر هذا النمط من التفسير، إمّا بتفسير جميع السور أو بعضها، والغالب على التفاسير المعروفة في القرون الثلاثة الأَُولى، هو التفسير بالأثر ولكن تحول إلى أسلوب آخر وهو التفسير العلمي والتحليلي منذ أواخر القرن الرابع. فأوّل من ألف من الشيعة على هذا الأسلوب هو الشريف الرضي (357 ـ 406 هـ) مؤلف كتاب (حقائق التأويل) في عشرين جزءاً ثم جاء بعده أخوه الشريف المرتضى فسلك مسلكه في أماليه المعروفة بالدرر والغرر، ثم توالى التأليف على هذا الأسلوب في عصر الشيخ الأكبر الطوسي (385 ـ 460هـ) مؤلف (التبيان في تفسير القرآن) في عشرة أجزاء.
9ـ الشيعة وعلم الحديث: إنّ السنّة هي المصدر الثاني للثقافة الإسلامية على كافة الأصعدة، ولم يكن شيء أهم، بعد كتابة القرآن وتدوينه وصيانته من نقص وزيادة، من كتابة حديث الرسول وتدوينه وصيانته من الدس والدجل وقد أمر به الرسول (صلّى الله عليه وآله) غير مرّة. لقد تعرّفت على أنّ أئمّة أهل البيت هم رواة سنن النبيّ وأحاديثه وقد التفّ حولهم الشيعة فأنجبت مدرسة أهل البيت في القرون الثلاثة الأَُولى محدّثين كبار لكلّ منهم جامع حديثي نذكر منهم ما يلي: 1ـ يونس بن عبد الرحمن، من تلامذة الإمام موسى بن جعفر والإمام الرضا (عليهما السّلام)، وقد وصفه ابن النديم في فهرسته بعلاّمة زمانه، له جوامع الآثار، والجامع الكبير، وكتاب الشرائع. 2ـ صفوان بن يحيى البجلي (المتوفّى 220 هـ) كان أوثق أهل زمانه وصنّف ثلاثين كتاباً. 3 و 4ـ الحسن والحسين ابنا سعيد بن حماد الأهوازي صنّفا 30 كتاباً. 5ـ أحمد بن محمد بن خالد البرقي (المتوفّى 274 هـ) صاحب كتاب المحاسن. 6ـ محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي صاحب الجامع المعروف (المتوفّى حوالي 293 هـ). 7ـ أحمد بن محمد ابن أبي نصر البزنطـي (المتوفّى 221 هـ) صاحب الجامع المعروف. هذه هي الجوامع الحديثية الأوّلية للشيعة، وهناك جوامع حديثية أُخرى أُلفت في القرن الرابع والخامس مستمدة تأليفها من الجوامع الأولية وهي: 1ـ الكافي، لثقة الإسلام الكليني (المتوفّى 329 هـ) طبع في 8 أجزاء. 2ـ من لا يحضره الفقيه، للشيخ الصدوق (306 ـ 381 هـ) طبع في 4 أجزاء. 3ـ التهذيب طبع في عشرة أجزاء. 4ـ الاستبصار طبع في أربعة أجزاء. كلاهما لشيخ الطائفة محمد بن الحسـن الطوسي (385 ـ 460 هـ) . وهذه هي الجوامع الحديثية الثانوية. وهناك جوامع أُخرى أُلّفت في القرن الحادي عشر وقد استمد مؤلّفوها من الجوامع الثانوية وهي: 1ـ وسائل الشيعة، للشيخ الحر العاملي (المتوفّى 1104 هـ) وطبع في 20 جزءاً. 2 ـ الوافي، للمحدث الكاشاني (المتوفّى 1091 هـ) طبع حديثاً وراء طبعته القديمة في خمسة وعشرين جزءاً. 3ـ بحار الأنوار، للشيخ محمد باقر المجلسي (1037 ـ 1110 هـ) وقد طبع في مائة وعشرة أجزاء. والركب بعدُ غير متوقف فقد انتشر في الآونة الأخيرة جامع حديثي للشيعة ألفته لجنة علمية بإشراف من فقيه العصر ومحدثه السيد حسين البروجردي، وقد تمّ طبعه في 26 جزءاً. كل ذلك ينم عن اعتناء الشيعة بالأحاديث النبوية والآثار المروية عن أئمة أهل البيت، ولو رجع محدّثو السنّة وفقهاؤهم إلى هذه الكنوز الثمينة لوجدوا فيها درراً ولآلئ لامعة تقرّ بها عيونهم.
10ـ الشيعة وعلم أُصول الفقه: |