الفهرس

الصفحة الرئيسية

 

هل العصمة قدر المعصوم؟ أم هي خيار الله تعالى قد أصاب معدنه فاستقر؟

محمد محسن العيد

 

يقال أن الكلام صفة المتكلم، وهذا القول لا يعني قدرة المتكلم، بل يعني ماهيته أيضا، وإنك لتستطيع أن تحكم وتكون عادلاً منصفاً في حكمك على ماهية الإنسان من ماهية منطقه وخصوصاً تساؤلاته.. فيما قد لا تكون منصفاً إذا حكمت عليه من خلال أجوبته وإن لم يكن موفقاً للصواب في تلك الأجوبة، ذلك لأن الإنسان وإن كان عالماً ومهما كان متبحراً فإنه لا يمكن الإحاطة بالعلم، ولذا فإن إخفاقه ـ إن أخفق ـ في الإجابة على سؤال لا يعني أنه جاهل وحكمك عليه وتقيّمك لعلميته لا يكون صحيحاً، بل وقد يكون تقيّمك للعالم الذي يقول لك لا أدري اكبر وإجلالك له أعظم.. فالإمام علي (عليه السلام) يقول: (من ترك قول لا ادري أصيبت مقاتله)(1).

أي أصيبت مواضع قتله، لأن من قال ما لا يعلم عرف بالجهل، ومن عرف بالجهل بين الناس معتوه مخرم خيره كله فهلك.

أما الذي يبتدر الناس بالسؤال، فإنه إنما يعرض محتواه إليهم، فهو يطلب منهم أن يقيموه، ولذا فليس صعباً إذا أدركت معاني أسئلة أي إنسان أن تقيّمه بداهة دون كثير من الجهد.

وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه)(2).

والسبب في ذلك، هو أن السؤال تعبير عن حاجة النفس وعن همتها وعن غاياتها وتوجهاتها، ولذا فهو تعبير وقد يكون تجسيد لجوهرها الذي في الواقع هو القلب، والمرء، ـ بأصغريه قلبه ولسانه ـ كما يقول (صلى الله عليه وآله)، فإذا علمنا الأصغرين من الآدمي أحدهما بالآخر عرفنا قيمته.

ونحن نتكلم هنا عن الأصغرين في كيان الآدمي، فإننا قد نجد جاهلاً يملأ المجلس صخباً وثرثرة، في حين تجد في جنبه عالماً يلوذ بالصمت، ترى لماذا؟

يقول الإمام علي (عليه السلام) (إذا تم العقل نقص الكلام)(3) هذا في ضوابط المعرفة، وميزان في التعبير عن جوهر النفس الإنسانية وهما القلب والعقل في المجالس.. وهو واقع حيث نجد أن من له حظ من العلم يتحرج من أن يقول ما لديه، فقد يكون في المجلس من هو اعلم منه واكثر إحاطة في الموضوع ذات الصلة بالحديث، ومع الأسف إنا لا نجد هذا الحرج عند الجهّال. لأن (لسان العاقل وراء قلبه وقلب الأحمق وراء لسانه)(4). وكما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (كأن كل امرئ منهم أمام نفسه قد أخذ منها فيما يرى بعرى ثقاة وأسباب محكمات) ج1، ص156.

وبعد هذه المقدمة، فإن الذي يتكلم عن موضوع ليس له بأهل وليس له بأهل ذلك العلم صلة ولا حتى بسيرهم.. إن هذا المتكلم إنما يكشف للناس حقيقته ويعبر عن ماهيته.

الحديث عن العصمة وعن جبريتها

إن الحديث عن ذات العصمة وماهيتها كمادة وليس كموضوع، من قبل غير المعصوم، لا يعبر إلا عن رأي، والرأي في اصل العقائد باطل، والعصمة هي ذات العقيدة، فإن لم يكن لنا في ذاتها نص معصوم، يكن في غيره الوهم.

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):

(إن أمرنا صعب مستصعب، لا يحمله إلا عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان، ولا يعي حديثاً إلا صدور أمينه وأحلام رزينة)(5).

مثلاً يتسطح فكر من يدعي العلم في معاني دعاء الإمام علي (عليه السلام) الذي يرويه كميل بن زياد رحمة الله عليه، مثلاً: (اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم).

ترى أي ذنب اقترفه أمير المؤمنين في حياته، حتى يطلب المغفرة، وهو الذي يقول عنه رسول الله: أخبرني جبرائيل أن الملكين الكاتبين لم يكتبا عليه خطيئة منذ ولد(6)! ثم أية نعمة تلك التي يخاف عليها أمير المؤمنين (عليه السلام) من أن تتغير، وهو الذي يقول (عليه السلام): فيما يلبس: (والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل ألا نبذتها؟ فقلت أغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى)(7).

ويقول فيما يأكل: (هي نفسي أروضها... حتى اجعلها تهشى إلى القرص المأدوم بالملح).

فالأمير قد طلّق الدنيا ثلاث لا رجعة فيها، وهو يرى غير ما نرى، فله عين باصرة ببصيرة، يقول عن الناس من أهل الدنيا: (أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها، واصطلحوا على حبها، ومن عشق شيئاً أعشى بصره، وأمرض قلبه فهو يرى بعين غير صحيحة...)(8).

ومثل الإمام لا يرى في الذنب ما نراه في الموبقات القبائح، ولا يرى في النعم ما نراه في المال والجاه والسلطان لحد التخمة، بل الذنب عنده مثلاً أن يغلبه هواه إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع أو بيت مبطناً وحوله أكباد حرى.. ويتمثل:

وحسبك داءً أن تبيت ببطنة***وحولك أكباد تحن إلى القدِ

فهو يقول عليه أفضل الصلاة والسلام:

(فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها أو المرسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها)(9).

هذه هي رؤية المعصوم فيما نرى، ولذا فإن الذنب عنده صورة لمهام خلافة الأرض والخليفة كيف يكون!! وتكون النعمة التي يخاف عليها هي هذا الشموخ الذي يحياه الإمام في عز الله وعليائه.. وهذا زين العابدين في مثل هذا الوصف من معاني العصمة يقول (عليه السلام):

(إني لآنف أن أطلب الدنيا من خالقها فكيف من مخلوق مثلي؟!)(10).

حتى فيما نحب وما لا نحب، وما يحب الإمام وما لا يحب له رؤية تختلف عنا. فالأمير (عليه السلام) يقول:

(والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا، وأجر في الأغلال مصغرا أحب إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد أو غاصباً لشيء من الحطام)(11).

وهو فيما يحب وما لا يحب حر مختار، إذ يقول (عليه السلام):

(ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز.. ولكن هيهات أن يغلبني هواي...)(12).

فالمعصوم، هو الذي استوفت نفسه دين الله تعالى فصارت كل توجهاته ساعية باتجاه لقاء الله تعالى. فالمعيق من كل ملكه في دين هو حب الدنيا والعلة في كل هلكه اتباع الهوى، والهاتك لكل عصمة هو طول الأمل. يقول الإمام علي (عليه السلام):

(أيها الناس إن أخوف ما أخاف عليكم اثنان، اتباع الهوى وطول الأمل، فأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وأما طول الأمل فينسي الآخرة)(13).

والحقيقة إننا نلتقط المجزوء من معاني العصمة من خلال سيرهم الموعاة بدقة وتوفيق من الله تعالى.

إن العصمة هي مهمة الدين الكامل (الإسلام) لبني آدم، والأئمة المعصومين هم ترجمة هذا الدين والأمثلة المتجسدة الساعية على الأرض لمعاني الدين.. وقد يكون الجاهل معذوراً في إثارته لشبهة أو طرحه لسؤال، ولكن الذي لا يعذر هو من يفترض أن يكون بموقع الإجابة الصادقة من الدين، حيث يتصدى لموقع نيابة المعصوم.

أما مهمة الدين في العصمة والإحسان من بني آدم إذا ما دانوا به وخضعوا لشرعه، فقد تكفل الله تعالى الرحمن الرحيم في نهج ذلك الشرع. وأما مترجموا هذا الشرع المقدس ومعدنه فقد اختارهم المولى أيضا جل شأنه، ونحن إن كنا لا نرقى لحسن اختيار خبير في اختصاص معين وهو بشر مثلنا، فكيف نرقى لتقييم اختيار اللطيف الخبير المحسن سبحانه وتعالى، وما يتبع هذا الاختيار من رفد وسند بالوحي وبالمعجزات وبالولاية التكوينية... وتلك هي النعمة الكبرى التي تقربها عين المعصوم وتملأ قلبه وتستوفي كامل حجم نفسه، وتصير كل توجهاته منها واليها، ثمينة ليس لها مقابل عنده، نقية طاهرة يخاف عليها من التلوث.

وبعد هذا فإن قدرية العصمة وجبريتها أو عدم جبريتها سؤال لا معنى له، لأن سؤال افتراضي جدلي لا ضابط لصحة في ضوابط صحة المعرفة غير أنه يدفع للبحث في واقع معاني العصمة.

وبعد هذا يكون أفضل الحديث والبحث في معاني العصمة والمضلات، حيث يتماس مع معاني العصمة دون شطحات الجبرية والاختيار من موضوعها الفلسفي إلى واقع العصمة، لعله يجد هنا ما لم يجده في اصله، فلقد وجّه أئمتنا إلى أن (لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين)، لأن القول بهما إما يبطل الثواب والعقاب الذي هو مشيئة الله تعالى. فالمجبر على الخير لا يستحق الثواب ومثله المجبر على الشر لا يستحق العقاب، ومقابل هذا فالاختيار يبطل القول بفضل الله وبرحمته وبتوفيقه وبخياراته الحسنة التي هي في مقدمة خيارات الإنسان وقبلها.

ما يفهم من سيرة المعصوم

إن أول ما يفهم من السيرة المقدسة للمعصومين، هو أن المعصوم شخص متجه تماماً وبعزيمة صادقة لا ينالها الوهن ولا الغفلة ولا النسيان إلى بلوغ مضامين الحسن الرباني في الطاعة له سبحانه دون غيره، وفي الرحمة والمحبة دون محبة غيره سبحانه، وفي السعي للحق وإقامة العدل وفي طلب السيادة لهم بدين الله دون غيره سبحانه، وفي السعي للآخرة بطلب الشهادة، وفي معرفة غيبه ومن الله تعالى، وفي السعي بالصبر على عظيم البلاء الذي هو سمة المعصومين، وفي السعي إلى توحيده جل شأنه بكمال الوحدانية دون شائبة، وفي السعي ليكونوا شركاء الكتاب العظيم ومترجميه بما شاء فيه الله تعالى.

ولقد وجّه المعصومون من أنبياء ورسل وأوصيائهم (عليهم السلام) إلى مجامع هذا السعي في الترغيب في الآخرة، والأمر في الزهد في الدنيا ضمن رؤية للدنيا، باعتبارها مزرعة الآخرة، وباعتبار حب الدنيا رأس كل خطيئة، وجّه أمير المؤمنين (عليه السلام):

(ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، إلا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه. ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد)(14). والطمر ـ بالكسر ـ الثوب الخلق.

ويوجّه الأمير عليه أفضل الصلاة والسلام إلى معنى الدنيا عنده يقول:

(والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم)(15). وهي صورة مقرفة جداً (والعراق هو جزء من الأحشاء، وفوقها أنها في يد مجذوم) ونحن نستفيد من هذه الصورة استحكام العصمة من نفس الإمام. حيث تكون صورة الدنيا التي يقتل الآدميين بعضهم بعضاً من أجلها ويرتكبون كل موبقة للفوز بحطامها.

والإمام وهو على هذه العظمة وفي قمة هذا الشموخ الملكوتي والعز الرباني، بصور هذا الحال التي هو فيها إفلات من حبائل الدنيا وتسلل من مخالبها وكأنه اعتزلها... يقول (عليه السلام):

(إليك عني يا دنيا مخبلك على غاربك قد انسللت من مخالبك وافلت من حبائلك...)(16).

هكذا يكون المجبر في عصمته! وهكذا يقول!

يقول (عليه السلام) في تصنيف جميل للعبادة:

(إن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوماً عبدوا الله رهبة، فتلك عبادة العبيد، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار)(17).

فأي صنف اخترت يا مولاي يا أمير المؤمنين؟! أنت حتماً سيد الأحرار ومانح الحرية، فكيف تكون مجبراً؟!

الأمور العاصمة في حياة الآدميين

في حياة الآدميين العادية، وبغض النظر عن دينهم وعقائدهم، توجد هناك عواصم تمنع في سلوكهم وتعابيرهم الإتيان بالقبح ـ كما يرونه ـ ومن أمثال تلك العواصم، الحياء الفطري في النفوس التي لم تشذ بعد، نجد عاصم من التعري حتى لو كان وحده في البيت مثلاً.

ومن أمثلة تلك العواصم، تحلي البعض بحسن الخلق وفضائل الصفات حيث نجد أن المعروفين بذلك يأنفون من المعصية كونها قبح تعافها النفس السليمة الفطرة، كما كان حمزة بن عبد المطلب (عليه السلام) في الجاهلية، حيث كان يمتنع عن الخمر والزنا والكذب، وعندما سأله النبي (صلى الله عليه وآله)، عن اعتصامه من تلك الأفعال أجاب: بأن الخمر يذهب بجوهر خلقة الرجل وهو العقل، وكان ينف أن يتناول ما يذهب بجوهره.. وعن امتناعه عن الزنا قال (عليه السلام)، بأن الزنا يتنافى مع غيرة الرجل على عرضه وأعراض الآخرين.. وكانت غيرته (عليه السلام) عاصم له عن الزنى ولهذا يشير قول الأمير (عليه السلام): (ما زنى غيور قط)(18).

أما عن اعتصام حمزة (عليه السلام) عن الكذب فقد كان يرى فيه أن الكذب يتناقض مع المروءة، والكذاب لا مروءة له، وكان حمزة (عليه السلام) معروف بمروءته في الجاهلية.

وعليه فلكل فضيلة يتزين بها الآدمي عاصم من معصية.

ومن أمثال تلك العواصم في حياة الناس، هي الروادع الاجتماعية، فقد يمتنع الناس عن الإتيان بالقبيح الاجتماعي مطلقاً، والغريب أنه قد يرى مجتمع في قبيح ذنباً أكبر من موبقة المعاصي.. ففي بعض المجتمعات يمتنع الناس من إظهار الصوت الذي يرافق الحدث الأصغر مهما كان ذلك.

ومن أمثال تلك العواصم التي عرفها التاريخ العلم، حيث يعتصم العالم بعلمه دون كل جهالة تسقطه في عيون الناس.

ولكن تلك العواصم في حياة الناس العاديين مجرد أمثلة لمطلق الامتناع عما يرونه قبيحاً، وهي في الواقع حالات مجزوءة للعصمة، قد لا تعني بالضرورة مضمون الحسن الرباني في مشيئة الله تعالى في شرعه المقدس إلا أننا أوردنا هذه الأمثلة، كي ننتقل انتقالاً طبيعياً إلى معاني الكمال في العصمة، دون مجال لشبهة القدرية أو الجبرية في عصمة المعصوم المختار من قبل العليم الخبير سبحانه والمرفود بمقومات الكمال في الدين كلها في وعيه وعلمه وفي تكوين نفسه.

إن الدين بذاته، حدود عاصمة وفضائل سامية للناس كافة، وبمقدار عدم تعدي تلك الحدود وبمقدار لزوم تلك الفضائل تكون العصمة بمقدار مثلهما من الكمال.

وعليه فإن افتراض كون الإمام أسوة حسنة للناس، مختار من قبل الله تعالى طهره من الدنس وأذهب عنه الرجس بإرادته وأمر الناس بمودته وطاعته ودعا إلى الرجوع إليه ومسألته... مع افتراض كل هذا فإن عصمته لابد كاملة.

عصمة الجواهر

إذا كانت الجواهر في خلق الآدمي أربع فيما يروى عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، وهي: الدين، والعقل، والحياء، والعمل الصالح، فالإمام مثال لكمال تلك الجواهر في ذاته، فهو مثال لكمال الدين وكمال العقل وكمال الحياء وكمال العمل الصالح.

فكمال عقله تحصيل حاصل لاقترانه بالوحي مباشرة أو بالمدد، والوحي هو النور على النور الذي يرتفع به القصور عن عقل المعصوم فلا نجد له خطل في تعبير سلوكي أو لغوي لأن أحكامه العقلية مقومة بنور الوحي الذي هو نور الله.

والذي يمتلك معادلة مثلاً من الدرجة الثالثة يكشف بها مجهولات اكثر ممن هو قاصر على معادلة من الدرجة الأولى أو الذي لا يملك أية معادلة على سبيل المثال.

والذي علمه من الكتاب مثل آصف بن برخيا، يستطيع أن يجلب عرش بلقيس من سبأ في اليمن إلى القدس في الشام في طرفة عين، فكيف بالذي عنده علم الكتاب كله؟!

أما مع كمال الحياء، فإن التعفف في الإمام يبلغ الكمال والجمال، ولنكن مع هذه الصورة التي يتحدث فيها الإمام عن نفسه في تعففها:

(أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك، وتشبع الربيضة من عشبها فتربض، ويأكل علي من زاده فيهجع؟ قرت إذاً عينه إذ اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية)(19).

من هذه الصورة المتعففة، يجعلنا الأمير (عليه السلام) نتساءل في أية درجة من التجلوز للدنيا نحن؟! ومن هذه الصورة التي يحكيها الإمام المعصوم العظيم يفتح لنا على ذاتنا نافذة علناً ندرك حقيقة العصمة التي هي اصل الدين بل هي ذاته.

ومع العمل الصالح يأتي من المعصوم نماذج مسرة ومبهجة وجذابة من أقوال وأفعال لا يمكن لأي بشر آخر أن يأتي بمثلها، ثم تصبح حكايا في كل آن تتلى ويستحليها الناس، فهي مضمون جمال رباني!

وفي هذا تجد لكل معصوم نصيب من تلك الحكايا الجميلة والتي لا تفقد رونقها وحسنها أبداً عكس أي حكاية أخرى!

والأغرب من هذا والذي لا نجد له مثيل في الناس والتاريخ، هو أننا نجد أن المعصوم يصف نفسه بكل مديح ولا يزيد فيه إلا هيبة وبهاءً عكس ما نرى من أن الذي يكيل المديح لنفسه يمقته الناس ويخذله الله تعالى إلا المعصوم.

انظر إلى الزيارة الجامعة مثلاً.

ثم إن هذه الجواهر الأربعة (العقل، والحياة، والدين، والعمل الصالح) لها في الناس مزيلات، لكن لا مزيلات لها في المعصوم.

فالعقل يزيله الغضب، لكن في المعصوم لا غضب إلا في الله ولله.

هذا أمير المؤمنين (عليه السلام)، عندما تأخر في احتزاز رأس عمر بن ود العامري في واقعة الخندق بعد أن جندله الإمام، ويسأله الرسول (صلى الله عليه وآله) عن سبب هذا التأخر، يجيب الإمام بأن عمر بن ود عند ما سقط بصق في وجه الإمام مما جعله يغضب (عليه السلام) لذا يجيب الرسول (صلى الله عليه وآله)، يقول الإمام :انتظرت حتى أسكنت غضبي خوفاً من أن اقتله في ثورة غضبي فيكون قتله انتقاماً لنفسي فانتظرت حتى سكن غضبي فقتلته انتقاماً لله تعالى وهذا ما أخرني يا رسول الله ـ في سؤال الرسول إعلام من باب إياك أعني ـ.

والحياء: يزيله الطمع وقد رأيت كيف يصور لنا الإمام حالة الزهد في معاني العصمة، وكيف هو في سجال حرب مع الدنيا.

والدين تزيله الحسد، وها هم (عليهم السلام) مضوا في ظلامتهم محسودين كلهم أثاروا مصلحة الإسلام على أنفسهم.

ولكل معصوم منهم له في ظلامته قصة، أظهروا فيها الإيثار في تمامه في حين كان ذلك مثال لعنة الله لكل أعدائهم ومغتصبي حقوقهم. فهم الصابرون المصبرون.

والعمل الصالح تزيله الغيبة، لا أحد يعرف في سيرتهم إلا ويجد أنهم اكثر ما يحذرون منه هو الغيبة، وإن العمل الصالح الذي يقدمه آل البيت ويوثقه القرآن في سورة الدهر يعني كمال العصمة عندهم. فعندما يقدم أهل بيت العصمة للفقير أقراصاً من خبز الشعير لوجه الله، تنزل من عند الله سبحانه آيات كريمة في الثناء عليهم، رغم أن هذا العمل ممكن أن يصدر من شخص آخر في حين أن أهمية العمل عند الله تعالى تكمن في القصد الخالص والنية الصادقة. إن روح العمل القوية واللطيفة والتي تنبعث من القلب السليم الصافي المتوجه إلى الحبيب الذي يملأ ذلك القلب، هي مصدر الأهمية في العمل الصالح.

والخاتم الذي تصدق به الإمام (عليه السلام) ونزلت فيه آية:

(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)(20).

عمل قام بمثله أحدهم مائة مرة، ويقول هو بذاته: (تصدقت بمائة خاتم وأنا راكع ولم ينزل فيّ قرآن..) هؤلاء بعيدون عن معاني العصمة، فهم بعيدون عن رحمة الله، ورحمة الله قريب من المحسنين.

فالعصمة كمال الجوهر الآدمي، وتجسيد في المعصوم لمعاني كمال الدين العاصم من الضلال خيار الله تعالى وجهد المعصوم وخيار الله تعالى محض الخير والإحسان وجهد المعصوم محض الوفاء الإنساني لخيار الله تعالى من لدن المعصوم، استحق معها المعصوم الولاية التكوينية كخليفة لله في أرض الله وعباد الله سبحانه.

 

الهوامش

1 - نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص19.

2 - نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص93.

3 - نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص15.

4 - نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص11.

5 - نهج البلاغة، الجزء الثاني، ص129.

6 - كتاب المناقب لابن شهر اشوب، الجزء الثاني، ص12، نقلاً عن ال؟؟؟ في الجامع، وأبو نعيم في الحلية، والبخاري في الصحيح، والموصلي في المسند، واحمد في الفضائل، والخطيب في الأربعين. (طبعة حجرية)

7 - نهج البلاغة، الجزء الثاني، ص60.

8 - نهج البلاغة، الجزء الأول، ص211.

9 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص72.

10 - الأربعون حديثاً للأمام الخميني نقلاً عن علل الشرائع، تقريب محمد الغروي، ص290.

11 - نهج البلاغة، الجزء الثاني، ص216.

12 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص71.

13 - نهج البلاغة، الجزء الثاني، ص92.

14 - نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص 70

15 - نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص52-53.

16 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص73.

17 - نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص53.

18 - نهج البلاغة، الجزء الرابع، ص73.

19 - نهج البلاغة، الجزء الثالث، ص74-75.

20 - سورة المائدة، الآية 55.