الفهرس

الصفحة الرئيسية

 

هل سيرة الصحابة حجة علينا؟

العلامة محمد تقي الحكيم

سنة الصحابة:

يقول الشاطبي: (سنة الصحابة سنة يعمل عليها ويرجع إليها، والدليل على ذلك أمور(1)).

والأمور التي ذكرها لا تنهض بإثبات ما يريده نعرضها ملخصة:

أحدهما: (ثناء الله عليهم من غير مثنوية، ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها كقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس(2))، وقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا(3))، ففي الأولى إثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضي باستقامتهم على كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة على دون المخالفة، وفي الثانية إثبات العدالة مطلقا، وذلك يدل على ما دلت عليه الأولى (4)).

والجواب على الآية الأولى يقع من وجوه:

أ ­ إن إثبات الأفضلية لهم على سائر الأمم، كما هو مفاد أفعل التفضيل في كلمة (خير أمة) لا تستلزم الاستقامة لكل فرد منهم على كل حال، بل تكفي الاستقامة النسبية لأفرادها، فيكون معناها إن هذه الأمة مثلا في مفارقات أفرادها، أقل من الأمم التي سبقتها فهي خيرهم من هذه الناحية، هذا إذا لم نقل أن الآية إنما فضلتهم من جهة تشريع الأمر بالمعروف لهم والنهي عن المنكر، كما هو ظاهر تعقيبها بقوله تعالى: تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، فلا تكون واردة في مقام جعل الحجية لأقوالهم أصلا.

ب ­ إن التفضيل الوارد فيها إنما هو بلحاظ المجموع ­ ككل ­ لا بلحاظ تفضيل كل فرد منها على كل فرد من غيرها لنلتزم لهم بالاستقامة على كل حال، ولذا لا نرى أية منافاة بين هذه الآية وبين ما يدل ­ لو وجد ­ على تفضيل حواري عيسى مثلا على بعض غير المتورعين من الصحابة.

ج ­ إنها واردة في مقام التفضيل لا مقام جعل الحجية لكل ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال وتقريرات إذ هي أجنبية عن هذه الناحية، ومع عدم إحراز كونها واردة لبيان هذه الجهة لا يمكن التمسك بها بحال.

د ­ إن هذا الدليل لو تم فهو أوسع من المدعى بكثير لكون الأمة أوسع من الصحابة ولا يمكن الالتزام بهذا التعميم.

وقد تنبه الشاطبي لهذا الإشكال ودفعه بقوله: (ولا يقال إن هذا عام في الأمة فلا يختص بالصحابة دون من بعدهم).

(لأنا نقول أولا ليس كذلك بناء على إنهم المخاطبون على الخصوص، ولا يدخل معهم من بعدهم إلا بقياس وبدليل أخر، وثانيا على تسليم التعميم أنهم أول داخل في شمول الخطاب، فإنهم أول ما تلقى ذلك من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهم المباشرون للوحي، وثالثا إنهم أولى بالدخول من غيرهم إذا الأوصاف التي وصفوا بها لم يتصف بها على الكمال الأهم، فمطابقة الوصف للاتصاف شاهد على أنهم أحق من غيرهم بالمدح(5)).

ولكن هذه المناقشات لا يتضح لها وجه، أما الأولى فلأن اختصاص الخطاب بهم مبني على ما سبقت الإشارة إليه من اختصاص الحجية بخصوص المشافهين لامتناع خطاب المعدوم وقد تقدم ما فيه بالإضافة إلى أن هذا الإشكال لو تم فهو لا ينفع المستدل لاختصاصه بخصوص الحاضرين في مجلس الخطاب لامتناع خطاب غير الحاضر، وإذن تختص الآية بخصوص من حضروا المجلس عند نزول الآية، وليس كل الصحابة، على أن دليل المشاركة وحده كاف في التعميم.

وأما المناقشتان الثانية والثالثة، فهما واضحتا البطلان لإنكار الأولية والأولوية في القضايا التي يكون مساقها مساق القضية الحقيقية لأن نسبتها إلى الجميع تكون نسبة واحدة من حيث الدلالة اللفظية، على أن أولية الدخول أو أولويته لا يستلزم صرف الخطاب إليهم وقصره عليهم، لأن مقتضاها يوجب مشاركة الغير لهم في الدخول مع تأخر في الزمان أو الرتبة، فما ذكره من الاختصاص بهم من هذه الجهات لا يخلو من مؤاخذة.

ومع ثبوت التعميم لا يمكن إثبات أحكام النسبة لجميع الأمة كما هو واضح.

وما يقال عن هذه الآية يقال عن الآية الثانية فهي، بالإضافة إلى هذه المؤاخذات على الاستفادة منها والغض عن تسليم إفادتها لعدالتهم جميعا، إن مجرد العدالة لا يوجب كون كل ما يصدر عنهم من السنة وإلا لعممنا الحكم إلى كل عادل سواء كان صحابيا أم غير صحابي، لورود الحكم على العنوان كما هو الفرض، وغاية ما تقتضيه العدالة هو كونهم الحكم على العنوان كما هو الفرض، وغاية ما تقتضيه العدالة هو كونهم لا يتعمدون الخطيئة، أما مطابقة ما يصدر عنهم للأحكام الواقعية ليكون سنة، فهذا أجنبي عن مفهوم العدالة تماما.

(والثاني ما جاء في الحديث من الأمر بإتباعهم، وان سننهم في طلب الإتباع كسنة النبي (صلى الله عليه وآله) كقوله: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ)، وقوله: تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي. وعنه أنه قال: أصحابي مثل الملح لا يصلح الطعام إلا به، وعنه أيضا: (إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار لي منهم أربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا، فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي كلهم خير). ويروي في بعض الأخبار: (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم، إلى غير ذلك مما في معناه(6)).

والجواب عن هذه الأحاديث ونظائرها ­ بعد التغافل عن أسانيدها وحساب ما جاء في بعضها من الطعون أمثال ما ذكره ابن حزم عن حديث أصحابي كالنجوم من أنه (حديث موضوع مكذوب باطل، وقال أحمد: حديث لا يصح، وقال البزار: لا يصح هذا الكلام عن النبي (صلى الله عليه وآله)(7)) ­ إن هذه الروايات لا يمكن الأخذ بظاهر بعضها، ولا دلالة للبعض الآخر على المدعى.

وأول ما يرد على الرواية الأولى ونظائرها من الروايات الآمرة بالإقتداء بهم استحالة صدور مضمونها من المعصوم لاستحالة أن يعبدنا الشارع بالمتناقضين، وتناقض سيرة الخلفاء في نفسها من أوضح الأمور لمن قرأ تأريخهم وأستقرأ ما صدر عنهم من أحداث.

وحسبك إن سيرة الشيخين مما عرضت على الإمام علي (عليه السلام) يوم الشورى، فأبى التقيد بها ولم يقبل الخلافة لذلك، وقبلها عثمان وخرج عليها بإجماع المؤرخين، وفي أيام خلافة الإمام، نقض كل ما أبرمه الخليفة عثمان، وخرج على سيرته سواء في توزيع الأموال أو المناصب أم أسلوب الحكم، والشيخان نفسهما مختلفا السيرة، فأبو بكر ساوى في توزيع الأموال الخراجية وعمر فاوت فيها، وأبو بكر كان يرى طلاق الثلاث واحدا، وعمر شرعه ثلاثا، وعمر منع عن المتعتين، ولم يمنع عنهما الخليفة الأول ونظائرها ذلك أكثر من أن تحصى.

وعلى هذا، فأية هذه السير هي السنة؟ وهل يمكن أن تكون كلها سنة حاكية عن الواقع، وهل يتقبل الواقع الواحد حكمين متناقضين؟! وما أحسن ما ناقش الغزالي أمثال هذه الروايات بقوله: (فان من يجوز عليه الغلط والسهو ولم تثبت عصمته عنه فلا حجة في قوله، فكيف يحتج بقولهم مع جواز الخطأ، وكيف تدعى عصمتهم من غير حجة متواترة، وكيف يتصور عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف، وكيف يختلف المعصومان، كيف، وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه، فانتفاء الدليل على العصمة ووقوع الاختلاف بينهم وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه ثلاثة أدلة قاطعة(8)).

على أن بعض هذه الروايات أضيق من المدعى لاختصاصها بالخلفاء الراشدين كالرواية الأولى ، فتعميمها إلى مختلف الصحابة لا يتضح له وجه، والروايات الباقية أجنبية عن إفادة إثبات جعل الحجية لما يصدر عنهم وغاية ما تدل عليه ­ لو صحت أسانيدها ­ مدحهم والثناء عليهم، والمدح والثناء لا يرتبطان بعالم جعل الحجية للممدوحين.

على أن هذه الروايات ­ على تقدير تمامية دلالتها ­ مخصصة بما دل على ارتداد أكثرهم، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (بينا أنا قائم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم؛ فقلت: أين؟ قال إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقهرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم(9)) وفي روايته الأخرى عن سهل بن سعد قال: (قال النبي (صلى الله عليه وآله): إني فرطكم على الحوض من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: اشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها، فأقول: إنهم مني، فيقال انك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقا سحقا لمن غير بعدي(10)).

وفي روايته الثالثة عن انس عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى عرفتهم اختلجوا دوني، فأقول أصحابي، فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك(11)).

إلى غير هذه الروايات مما عرضها البخاري في باب الحوض وغيره، كما عرضها غيره من أصحاب الصحاح وسائر السنن(12)، ولا يهم عرضها، وطبيعة الجمع بين الأدلة تقتضي تقييد تلكم الأدلة بغير المرتدين فمع الشك في ارتداد أحد الصحابة لا يمكن التمسك بتلكم العمومات لعدم إحراز موضوعها وهو الصحابي غير المرتد، ويكون التمسك بها من قبيل التمسك بالعام في الشبهات المصداقية، والتحقيق انه لا يسوغ لأن القضية لا تثبت موضوعها بل تحتاج إلى إثباته من خارج نطاق الدليل.

وقال يقال أن المراد بالمرتدين هم أصحاب الردة الذين قاتلهم الخليفة أبو بكر، وهم معلومون فلا تصل النبوة إلى الشك والتوقف عن التمسك بتلكم العمومات، ولكن هذا الاحتمال بعيد جدا لمنافاته بصراحة لرواية أبي هريرة السابقة التي صرحت بقولها: (فلا أراه يخلص إلا مثل همل النعم) وهي أبلغ كناية عن القلة، ومعنى ذلك أنها حكمت على أكثرهم بالارتداد، ومعلوم أن هؤلاء المرتدين الذين حاربهم الخليفة لا يشكلون إلا أقل القليل.

ولولا أننا في مقام التماس الأدلة إلى أحكام الله عز وجل، وهو يقتضينا أن لا نترك ما نحتمل مدخليته في مقام الحجية رفعا أو وضعا لكنا في غنى عن عرض هذه الأخبار والأحاديث والتحدث فيها.

وما يقال عن هذه الأحاديث، يقال عن آية (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا(13)) وكأن هذه الأحاديث واردة مورد التفسير لهذه الآية، ومؤكدة لتحقق مضمونها بعد وفاته.

الثالث (إن جمهور العلماء قدموا الصحابة عند ترجيح الأقاويل، فقد جعل طائفة قول أبي بكر وعمر حجة ودليلا، وبعضهم عد قول الخلفاء الأربعة دليلا، وبعضهم يعد قول الصحابة على الإطلاق حجة ودليلا؛ ولكل قول من هذه الأقوال متعلق من السنة، وهذه الآراء وان ترجح عند العلماء خلافها ففيها تقوية تضاف إلى أمر كلي هو المعتمد في المسألة، وذلك إن السلف والخلف من التابعين ومن بعدهم يهابون مخالفة الصحابة ويتكثرون بموافقتهم، وأكثر ما تجد هذا المعنى في علوم الخلاف الدائر بين الأئمة المعتبرين؛ فتجدهم إذا عينوا مذاهبهم قووها بذكر من ذهب إليها من الصحابة، وما ذاك إلا لما اعتقدوا في أنفسهم وفي مخالفيهم من تعظيمهم وقوة مآخذهم دون غيرهم وكبر شأنهم في الشريعة، وإنهم مما يجب متابعتهم وتقليدهم فضلا عن النظر معهم فيما نظروا فيه، وقد نقل عن الشافعي أن المجتهد قبل أن يجتهد لا يمنع من تقليد الصحابة ويمنع من غيره وهو المنقول عنه في الصحابي كيف أترك الحديث لقول من لو عاصرته لحجته، ولكنه مع ذلك يعرف لهم قدرهم(14)).

والجواب على هذا النوع من الاستدلال أنه أجنبي عن اعتبار ما يصدر عنهم من السنة، وغاية ما يدل عليه ­ لو صح ­ إن جمهور العلماء كانوا يرونهم في مجالات الرواية أو الرأي أوثق أو أوصل من غيرهم، والصدق والوثاقة واصالة الرأي شيء وكون ما ينتهون إليه من السنة شيء آخر، وقول الشافعي الذي نقله نفسه يبعدهم عن هذا المجال إذ كيف يمكن له أن يحج من كان قوله سنة، وهل يستطيع أن يقول مثل هذا الكلام عن النبي (صلى الله عليه وآله)؟.

على أن هذا النوع من الترجيح لأقوالهم لا يعتمد أصلا من أصول التشريع، والعلماء لم يتفقوا عليه ليشكل اتفاقهم إجماعا يركن إليه.

الرابع: (ما جاء في الأحاديث من إيجاب محبتهم، وذم من أبغضهم، وان من أحبهم فقد أحب النبي (صلى الله عليه وآله، ومن أبغضهم فقد أبغض النبي عليه الصلاة والسلام، وما ذاك من جهة كونهم رأوه أو جاوروه فقط إذ لا مزية في ذلك، وإنما هو لشدة متابعتهم له وأخذهم أنفسهم بالعمل على سنته مع حمايته ونصرته، ومن كان بهذه المثابة حقيق أن يتخذ قدوة وتجعل سيرته قبلة(15)).

والجواب عن هذا الاستدلال أوضح من سابقه لأن ما ذكره من التعليل لا يكفي لإعطائهم صفة المشرعين أو إلحاق منزلتهم بمنزلة النبوة، وغاية ما يصورهم أنهم أناس لهم مقامهم في خدمة الإسلام والالتزام بتعاليمه، ولكنه لا ينفي عنهم الخطأ أو السهو أو الغفلة، على أن لأرباب الجرح والتعديل حسابا مع الكثير من روايات هذا الباب لا يهم عرضها الآن.

هذا كله من حيث اعتبار ما يصدر عنهم من السنة، أما جعل الحجية لأقوالهم من حيث كونهم رواة ومجتهدين فلذلك حساب آخر يأتي موضعه في مبحث (مذهب الصحابي).

 

الهوامش:

1- ص74، الموافقات ج / 4.

2- آل عمران / 110.

3- البقرة/142.

4- ص74، الموافقات ج / 4.

5- الموافقات، ج4 ص75.

6- الموافقات، ج/4 ص76.

7- اقرأ ما كتبه الشيخ عبد الله دراز في تعليقه على هذا الحديث في نفس المصدر، وما جاء فيه من تضعيف وتصحيح.

8- المستصفى ، ج1 ص135.

9- البخاري، ج 8 ص 121.

10- البخاري، ج 8 ص 120.

11- البخاري، ج 8 ص 120.

12- أجوبة مسائل جار الله للإمام شرف الدين، ص 14.

13- آل عمران/144.

14- الموافقات، ج 4 ص 77 وما بعدها.

15- الموافقات ج 4 ص 79 وما بعدها.