الفهرس

الصفحة الرئيسية

 

ليس كل مسلم بمؤمن

السيد العلامة سلطان الواعظين الشيرازي

قلت : أولا : ، قولك : جمهور علماء الإسلام لا يفرقون بينه وبين الإيمان . فغير صحيح ، لأننا نجد في الكتب الكلامية اختلافا كثيرا حول الموضوع لا بين الشيعة والسنة فحسب ، بل نجد الاختلاف ساريا في أقوال أهل السنة والجماعة أنفسهم أيضا ، فالمعتزلة على خلاف الأشاعرة . وبعض علماء الشافعية والحنفية على خلاف رأي أحمد ومالك .

ثانيا : لا يرد إشكالك على كلامي ، لأن كلامي صدر على أساس قوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم )(1) الخ .

فالآية الكريمة تصرح بأن الإسلام والتسليم في الظاهر ، والإيمان يرتبط بالقلب ، والآية تنفي إيمان قوم في حين تثبت إسلامهم ، فالمسلم ، من شهد بالتوحيد والنبوة فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا (ص) رسول الله . فحينئذ يكون للمسلم ما للمؤمنين في الدنيا ، من الحقوق الاجتماعية والمدنية والشخصية ، دون الآخرة ، فقد قال تعالى : ( ما له في الآخرة من خلاق )(2).

السيد عبد الحي : نقبل بأن الإسلام غير الإيمان ، فقد قال سبحانه وتعالى : ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا )(3).

فهذه الآية تفرض علينا الالتزام بالظاهر وأن لا ننفي الإسلام عمن أظهر الإسلام .

قلت : نعم كل من نطق بالشهادتين ، فما لم يرتكب منكرا يلازم الكفر والارتداد ، ولم ينكر إحدى الضرورات الإسلامية كالمعاد ، فهو مسلم ، نعاشره ونجالسه ونعامله معاملة الإسلام ، ولم نتجاوز الظاهر ، فإن بواطن الناس لا يعلمها إلا الله سبحانه ، وليس لأحد أن يتجسس على بواطن المسلمين . ولكن نقول : بأن النسبة بين الإسلام والإيمان ، عموم مطلق(4).

مراتب الإيمان:

لقد أمر النبي (ص) أمته عند اختلاف الأقوال وتضارب آرائهم ، أن يأخذوا بقول أهل بيته ويلتزموا برأيهم ، لأنهم أهل الحق والحق لا يفارقهم . فلذلك إذا بحثنا في أحاديث أهل البيت عليه السلام لنجد حقيقة موضوع حوارنا ، نصل إلى قول الإمام الصادق عليه السلام إذ يقول : " إن للإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل . فمنه الناقص البين نقصانه ومنه الراجح الزائد رجحانه ومنه التام المنتهى تمامه . وأما الإيمان الراجح فهو عبارة عن إيمان الشخص الذي يتصف ببعض لوازم الإيمان ، فهو راجح على الذي لا يتصف بها فالثاني ناقص إيمانه ، وأما التام المنتهى تمامه ، فهو الذي يتصف بكل لوازم الإيمان . وقد قال سبحانه وتعالى فيهم : ( أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم )(5).

وأما الصفات اللازمة للإيمان فهي كثيرة منها كما في الحديث المروي عن رسول الله (ص) قال : يا علي سبعة من كن فيه فقد استكمل حقيقة الإيمان ، وأبواب الجنة مفتحة له : من أسبغ وضوءه وأحسن صلاته ، وأدى زكاة ماله ، وكف غضبه . وسجن لسانه ، واستغفر لذنبه ، وأدى النصيحة لأهل بيت نبيه(6) ونحن نعتقد أن زيارة مشاهد أهل البيت عليهم السلام يدخل ضمن العنوان الأخير . فالذي أسلم ، هو مؤمن في الظاهر ولا نعلم باطنه ، ولكن أعماله تكشف عن حقيقة إيمانه ، ومراتب رسوخ الإيمان في قلبه وباطنه وقد جاء في تفسير الآية الكريمة : ( يا أيها الذين آمنوا آمِنوا )(7).

أي : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم آمنوا بقلوبكم .

وخاطب النبي (ص) جماعة من أصحابه فقال : يا معشر من أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان بقلبه .

فلا شك أن بين الإسلام والإيمان فرقا لغويا ومعنويا . وللمؤمن علائم تظهر في سلوكه وأعماله .

ثم اعلموا بأننا لا نفتش عن بواطن الناس ولا نفرق بين المسلمين ، ولكن نعاملهم على حد أعمالهم ، فهناك من ينطق بالشهادتين ولكن يستخف بالصلاة والصوم ويستهين بالحج ولا يدفع الزكاة ويخالف القرآن الحكيم وأوامر النبي (ص) وأهل بيته ، فليس هذا عندنا من الاحترام والتكريم ، كمن ينطق بالشهادتين ويلتزم بأحكام الدين فيعمل بكل الفرائض ويترك المنهيات ويطيع الله ورسوله (ص) وعترته عليهم السلام لقوله تعالى : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم )(8).

فالإسلام يتحقق باللسان ، وهو بداية المرحلة الأولى من الإيمان ، ويترتب عليه الأحكام الدنيوية كالحقوق الاجتماعية والشخصية والمدنية .

ولكن الإيمان المطلق فيتحقق باللسان والقلب ، ويظهر بالأعمال الصالحة التي تصدر من جوارح المؤمن وأعضاءه بدنه ، وحتى اللسان ، وهو يحب أن يكون مطلقا ، يتقيد بالإيمان فلا يتكلم إلا بالحق والصبر ، كما قال تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)(9).

وجاء في الحديث الشريف :

الإيمان هو الإقرار باللسان والعقد بالجنان والعمل بالأركان .

لماذا ترفضون الشيعة !!

إذا كنتم ملتزمين بهذا الأصل العام ، إن كل من نطق بالشهادتين فهو مسلم ومؤمن وأخ في الدين . فلماذا تطردون الشيعة وترفضونهم بل تعادونهم ، ولا تحسبون مذهبهم من المذاهب الإسلامية ! وكلكم تعلمون بأن الشيعة يشهدون أن لا إله الله ، وأن محمدا رسول الله وخاتم النبيين . ويعتقدون بأن القرآن كلام الله العزيز ويلتزمون بكل ما جاء به المصطفى (ص) ، فيصلون ويصومون ويزكون ويحجون ويجاهدون في سبيل الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويعتقدون بالبعث والمعاد وبالمحاسبة والجزاء ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )(10) لذلك يلتزمون بترك القبائح والمحرمات كالظلم والسرقة والخمر والزنا والقمار واللواط والربا والكذب والافتراء والنميمة والسحر وغيرها من المحرمات .

فنحن معكم نعتقد بإله واحد ونبي واحد ودين واحد وكتاب واحد وقبلة واحدة ، ومع ذلك كله نراكم تفترون علينا وترموننا بالكفر والشرك ! وهذا ما يريده الأجانب والمستعمرون ويفرحون منه .

فلماذا هذا الظلم والجفاء وهذا التقول والافتراء علينا ؟!!

ألم نكن معكم متفقين على دين واحد ، ومتفقين على أصوله وفروعه وأحكامه ؟ ـ غير الإمامة والخلافة ـ وأما الاختلاف الموجود بيننا وبينكم في بعض الأحكام الفرعية ، فهو اختلاف نظري ورأي فقهي ، كالاختلاف الواقع بين الأئمة الأربعة لأهل السنة والجماعة . بل في بعض المسائل تكون اختلافاتهم أشد من اختلافنا مع بعضهم . هل أعددتم جوابا ليوم الحساب إذا سئلتم عن سبب هذا الموقف البغيض والحقد العريض على الشيعة المؤمنين ؟ وهل يقبل منكم إذا قلتم : إننا اتبعنا أسلافنا من الخوارج والنواصب ، المعادين للعترة الهادية والفرقة الناجية ؟!!

فليس للشيعة ذنب ، سوى أنهم سلكوا الطريق الذي رسمه النبي (ص) بأمر الله سبحانه ، فأمر المسلمين بمتابعة أهل بيته وإطاعة عترته من بعده .

فقال (ص) : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا .

فالشيعة أخذوا بأمر النبي (ص) وتمسكوا بالثقلين .

وأما غيرهم فقد أخذوا بقول غير النبي (ص) إذ عارضوه فقالوا : كفانا كتاب الله ! فتركوا أهل البيت والعترة الطاهرة الهادية عليهم السلام .

الشيعة أخذوا أحاديث رسول الله (ص) عن طريق أهل بيته عليهم السلام ، وغيرهم أخذوا الأحاديث عن طريق أبي هريرة وأنس وسمرة وأمثالهم ، وتركوا طريق أهل البيت الطيبين عليهم السلام .

وللحصول على أحكام الدين ابتدعوا القياس والاستحسان حسب ما تراه عقولهم ، وتحكم به أفكارهم ، كل ذلك ليستغنوا عن العترة الهادية !!

لماذا نتبع عليا وأبناءه عليهم السلام

ونحن إنما نتبع عليا عليه السلام وأبناءه الأئمة المعصومين عليهم السلام لقول النبي (ص) : أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها . لذلك نحن دخلنا من الباب الذي فتحه رسول الله (ص) لأمته وأمرهم بالدخول منه إلى مدينة علومه وأحكام دينه وحقيقة شرعه .

ولكنكم تحتمون علينا وعلى المسلمين أن نكون أشاعرة أو معتزلة في أصول الدين وأما في الفروع والأحكام فتريدوننا أن نأخذ برأي أحد الأئمة الأربعة ، لمذاهب أهل السنة والجماعة وهو تحكم منكم ، ليس لكم دليل عليه !

ولكننا نستند على أدلة عقلية ، ونقلية من أحاديث رسول الله (ص) في وجوب متابعة علي عليه السلام وأبنائه الأئمة الطيبين ، وقد نقلت لكم بعض الأحاديث الشريفة من كتبكم المعتبرة ومصادركم المشتهرة كحديث الثقلين وحديث السفينة وباب حطة وغيرها . وإذ تنصفونا وتتركوا العناد واللجاج ، لكفى كل واحد من تلك الأحاديث في إثبات قولنا وأحقية مذهبنا .

وأما أنتم فليس عندكم حتى حديث واحد عن النبي (ص) يأمر أمته بمتابعة الأشعري أو ابن عطاء في مسائل أصول الدين ، أو العمل بآراء وأقوال مالك بن أنس أو أحمد بن حنبل أو أبي حنيفة أو محمد بن إدريس الشافعي في فروع الدين وأحكام العبادات والمعاملات ، ليت شعري من أين جاء هذا الانحصار ؟!

فاتركوا التعصب لمذهب الآباء والأمهات والتمسك بالتقاليد والعادات ، وارجعوا إلى القرآن الحكيم وأحاديث النبي الكريم (ص) فلو كان عشر هذه الروايات والأحاديث المروية في كتبكم والواصلة عن طرقكم في متابعة أهل البيت عليهم السلام ، لو كانت في حق واحد من أئمة المذاهب الأربعة لاتبعناه وأخذنا برأيه وعملنا بقوله .

ولكن لا نرى في كتبكم وأسانيدكم إلا أحاديث النبي (ص) وهو يحرض ويحفز على متابعة الإمام علي عليه السلام بل يأمر المسلمين بذلك وينهى عن مخالفته ويصرح بأن الحق معه .

والآن تذكرت حديثا نبويا نقله كثير من علمائكم وأعلامكم ، أنقله لكم بالمناسبة لتعرفوا أن الشيعة لا يتبعون عليا وأبناءه عن تعصب وهوى ، بل بأمر من الله ورسوله (ص) وليس إلى الحق والجنة سبيل غير مذهب أهل البيت عليهم السلام وهو مذهب رسول الله (ص) .

روى الشيخ سليمان الحنفي القندوزي في كتابه ينابيع المودة الباب الرابع / عن فرائد السمطين لشيخ الإسلام الحمويني بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال : قال رسول الله لعلي بن أبي طالب : يا علي أنا مدينة العلم و أنت بابها و لن تؤتى المدينة إلا من قبل الباب ، و كذب من زعم أنه يحبني و يبغضك لأنك مني و أنا منك ، لحمك من لحمي و دمك من دمي و روحك من روحي و سريرتك من سريرتي و علانيتك من علانيتي ، سعد من أطاعك و شقي من عصاك ، و ربح من تولاك ، و خسر من عاداك ، و فاز من لزمك ، و هلك من فارقك ، مثلك و مثل الأئمة من ولدك بعدي ، مثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق ، و مثلهم مثل النجوم كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة .

ويصرح النبي (ص) في حديث الثقلين الذي اتفق علماء المسلمين على صحته ، إنكم ما إن تمسكتم بالقرآن وبأهل بيته وعترته لن تضلوا بعده أبدا .

وقد تكلمت حول هذا الحديث بالتفصيل في الليالي الماضية وذكرت لكم مصادره من كتبكم ومسانيدكم ، ولكن بالمناسبة أقول :

إن ابن حجر الهيثمي وهو ممن لا يتهم عندكم بشيء بل لا ينكر أحد تعصبه في مذهبه ، وتمسكه بطريقة أهل السنة والجماعة .

قال في كتاب الصواعق المحرقة / الفصل الأول من الباب الحادي عشر عند ذكره الآيات الكريمة النازلة في شأن أهل البيت عليهم السلام فيقول في ذيل الآية الرابعة قوله تعالى :
( وقفوهم إنهم مسؤولون )(11)، أي عن ولاية علي وأهل البيت .... قال ابن حجر : وأخرج الترمذي وقال : حسن غريب ، إنه (ص) قال : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي : أحدهما أعظم من الآخر و هو كتاب الله عز وجل ، حبل ممدود من الأرض إلى السماء و عترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ؟! قال : " وأخرجه أحمد " في مسنده بمعناه ولفظه : إني أوشك أن أدعى فأجيب، و إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض و عترتي أهل بيتي ، و إن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض . فانظروا بم تخلفوني فيهما ؟! وسنده لا بأس به . وفي رواية : إن ذلك كان في حجة الوداع . وفي [ رواية ] أخرى : مثله ـ يعني : كتاب الله ـ كسفينة نوح من ركب فيها نجى . ومثلهم ـ أي أهل بيته ـ كمثل باب حطة ، من دخله غفرت له الذنوب .

وذكر ابن الجوزي لذلك في " العلل المتناهية " وهم أو غفلة عن استحضار بقية طرقه . بل في مسلم ـ أي صحيح مسلم ـ عن زيد بن أرقم أنه (ص) قال : ذلك يوم غدير خم وهو ماء بالجحفة ، كما مر وزاد : أذكركم الله في أهل بيتي . قلنا لزيد من أهل بيتيه : نساؤه ؟ قال : لا ، أيم الله ! إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها . أهل بيته أهله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده .

قال ابن حجر : وفي رواية صحيحة : إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن تبعتموهما ، وهما : كتاب الله وأهل بيتي عترتي . وقال : زاد الطبراني : إني سألت ذلك لهما فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلمهم فإنهم أعلم منكم .

ثم قال ابن حجر : اعلم أن الحديث التمسك بذلك ، طرقا كثيرة ، وردت عن نيف وعشرين وصحابيا ، وفي تلك الطرق أنه (ص) قال ذلك بحجة الوداع بعرفة ، وفي أخرى أنه (ص) قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنه (ص) قال ذلك بغدير خم ، وفي أخرى أنه (ص) قال لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف .

ولا تنافي إذ لا مانع من أنه (ص) كرر عليهم ذلك في تلك المواطن وغيرها اهتماما بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة ـ وبعد سطور قال ـ : " تنبيه " سَمي رسول الله (ص) القرآن وعترته ثقلين ، لأن الثقل كل نفيس خطير مصون وهذان كذلك ، إذ كل منهما معدن للعلوم اللدنية والأسرار والحكم العلية والأحكام الشرعية ، ولذا حث (ص) على الاقتداء والتمسك بهم والتعلم منهم ... ويؤيده الخبر السابق : ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم . وتميزوا بذلك عن بقية العلماء ، لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا المتكاثرة .

وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت ، إشارة إلى عدم انقطاع العالم عن التمسك بهم إلى يوم القيامة ، كما أن الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي ... ثم أحق من يتمسك به منهم ، إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، لما قدمنا من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته الخ .

أيها الحاضرون ! هذه تصريحات أحد كبار علماء السنة وهو ابن حجر الذي اشتهر بالتعصب ضد الشيعة ومذهبهم ، والعجب أنه مع كل تلك الاعترافات بفضل أهل البيت (ع) ولزم التمسك بهم ، يؤخرهم عن مقامهم وعن مراتبهم التي رتبهم الله فيها ، لا سيما الإمام علي بن أبي طالب (ع) فيقدم عليه وعليهم من لا يقاس بهم في العلم والفضيلة فاعتبروا يا أولي الأبصار !! نعوذ بالله من التعصب والعناد .

أيها الأخوان فكروا في هذه التأكيدات المتتالية عن النبي (ص) ! وهو يبين أن سعادة الدنيا والآخرة منحصرة في التمسك بالقرآن والعترة معا وأن طريق الحق واحد وهو الذي سار فيه أهل بيته فما هو واجب المسلمين ؟ فكروا وأنصفوا !!

إنه موقف صعب واختيار الحق أصعب ، لقد وقفتم على طريقين : طريق سلكه آباؤكم وأسلافكم ، وطريق يدعوكم إليه نبيكم (ص) وقرآنكم وعقولكم .

فكما لا يجوز للمسلمين أن يغيروا شيئا من كتاب الله العزيز حتى لو أجمعوا على ضرورة التغيير لتغيير الزمان وغير ذلك ، وكذلك لا يجوز للمسلمين أن يتركوا أهل البيت ويتمسكوا بغيرهم حتى لو أجمعوا على ذلك لأن رسول الله (ص) حكم على المسلمين وأمرهم أن يتمسكوا بالقرآن وبعترته وأهل بيته معا فلا يجوز التمسك بواحد دون الآخر .

أسألكم أيها الحاضرون ! هل الخلفاء الذين سبقوا الإمام علي (ع) كانوا من أهل البيت والعترة الهادية ؟ وهل تشملهم أحاديث الثقلين والسفينة وباب حطة وغيرها حتى يتمسك بهم لازما ، وطاعتهم واجبة علينا ؟!

السيد عبد الحي : لم يدع أحد من المسلمين أن الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم كانوا أهل البيت ، ولكنهم كانوا من الصحابة الصالحين ، ولهم فضيلة المصاهرة مع النبي (ص) .

قلت : فإذا أمر رسول الله (ص) بإطاعة قوم أو فرد معين وأكد ذلك على أمته ، فهل يجوز لطائفة من الأمة أن يعرضوا عن أمر النبي (ص) ويقولوا : إننا نرى صلاحنا وصلاح الأمة في متابعة وإطاعة قوم آخرين ـ حتى إذا كانوا صلحاء ـ ؟ فهل امتثال أمر النبي (ص) وطاعته واجبة ؟ أم إطاعة تلك الطائفة المتخلفة عن أمر رسول الله (ص) ، والعاملة حسب نظرها في تعيين الصواب والصلاح للأمة ؟!

السيد عبد الحي : حسب اعتقادنا ... طاعة النبي (ص) واجبة .

قلت : إذا ، لماذا تركتم أمر النبي (ص) ولم تطيعوه حيث قال : إني تارك فيكم ثقلين أو أمرين ، لن تضلوا إن اتبعتموهما وهما : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فلا تقدموا عليهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ؟ . ومع هذا تركتموهم وهم أعلم الناس وأفضلهم ، وتبعتم واصل بن عطاء وأبا حسن الأشعري ، أو مالك بن أنس وأبا حنيفة ومحمد بن إدريس وأحمد بن حنبل !

هل إن هؤلاء أهل بيت النبي (ص) وعترته أم هم علي بن أبي طالب وأبناؤه الأئمة المعصومون (ع) ؟

السيد عبد الحي : لم يدع أحد من المسلمين أن المقصود من أهل البيت في حديث الثقلين ، أئمة المذاهب الأربعة ، أو الخلفاء الثلاثة ، أو أبو الحسن الأشعري أو واصل بن عطاء ، وإنما نقول : أن هؤلاء من أبرز علماء المسلمين ومن الفقهاء الصلحاء .

قلت : ولكن بإجماع العلماء واتفاق جمهور المسلمين ، أن الأئمة الاثني عشر الذين نتمسك نحن الشيعة بأقوالهم ونلتزم طاعتهم ، كلهم من أهل بيت النبي (ص) وعترته ، وهم أشرف أبناء رسول الله (ص) ، وثبت أنهم في كل زمان كانوا أعلم الناس بأحكام الدين وتفسير الكتاب المبين وفقه شريعة سيد المرسلين . وأقر لهم بذلك جميع علماء المسلمين .

لا أدري ما يكون جوابكم ، إذا سألكم النبي (ص) يوم الحساب : أن لماذا خالفتم رأيي وعصيتم أمري فتركتم عترتي وأهلي وقدمتم غيرهم عليهم ؟!

أليس أهل بيتي كانوا أعلم وأفضل ؟

لقد أخذ الشيعة دينهم ومذهبهم ، حسب أمر النبي (ص) من باب علمه ، ومن وصيه علي بن أبي طالب (ع) ، وأخذوا بعده من عترته وأهل بيته الذين أدركوه وعاشروه وسمعوا حديثه ورأوا أعماله وسلوكه فأخذوا منه وأصلوا ذلك إلى أبنائهم ونشروه . أما غير أهل البيت (ع) فكيف وصلوا إلى علم النبي (ص) ؟!

فالأئمة الأربعة ما كان لهم أي ذكر في القرن الأول الثاني بعد رسول الله (ص) ، فلا يعدون من الصحابة والتابعين .

ولكن أخرجتهم السياسة وأظهرتهم الحكومة والفئة المناوئة لأهل البيت والعترة (ع) .

ففسحت لهم المجال وفتحت أبوابهم ، ومنعت الحكومات الناس من التوجه إلى آل محمد (ص) : لينصرفوا نحو الأئمة الأربعة ، وإذا كان أحد من لا يهتم لأمر الحكومة ، فيتمسك بأهل البيت ويعمل برأيهم ولم ينضم إلى مذاهب الأئمة الأربعة ، فكان يرمى بالكفر والزندقة وكان مصيره السجن والمطاردة !

وما زالت هذه الحالة التعصبية تنتقل من دور إلى دور ، ومن دولة إلى أخرى ، حتى يومنا هذا !!

فما يكون جوابكم لنبيكم (ص) يوم الحساب إذا سألكم : بأي دليل كفرتم شيعة أهل بيتي ، وهم مؤمنوا أمتي ؟

ولماذا قلتم لأتباعكم وأشياعكم : إن شيعة علي (ع) مشركون ؟!

فحينئذ ليس لكم جواب ، ولكم الخزي والخجل في المحشر !

أيها الأخوة ! تداركوا اليوم الموقف ! وارجعوا إلى الحق والصواب ! واعتبروا يا أولي الألباب !

(1) سورة الحجرات ، الآية 14 .

(2) سورة البقرة ، الآية ،10

(3) سورة النساء ، الآية 94 .

(4) مورد الاجتماع : المسلم المؤمن . ومورد الافتراق : المسلم غير المؤمن ، ولا يوجد مؤمن غير مسلم .

(5) سورة الانفال ، الآية 74 .

(6) الخصال : 2/168 ، الحديث رقم 8 .

(7) سورة النساء ، الآية 136 .

(8) سورة الحجرات ، الآية 13 .

(9) سورة العصر .

(10) سورة الزلزلة ، الآية 7 و8 .

(11) سورة الصافات ، الآية 24 .