الفهرس  

 

السنة والخلافة

العلامة السيد محمد علي الموسوي البحراني

دحض دعواهم:

1- النبي(صلى الله عليه وآله) لم يستخلف.

2- الخلافة من حق الأمة.

3- تحقق الإجماع لأبي بكر.

احتج العامة من أهل السنة فيما ذهبت إليه في الخليفة: بان النبي (صلى الله عليه وآله) مات ولم يستخلف(1) ولم يوص بالخلافة إلى أحد. بل أهمل الأمة جمعاء بلا راع ولا إمام. وقالت: (أن الخلافة حق من حقوق المسلمين ومن مختصاتهم فانهم متى رشحوا أحدا واجمعوا على تعيينه خليفة كان خليفة وإماما. وزعمت أن الأمة أجمعت على خلافة أبي بكر وإمامته فكان خليفة وإماما بلا ريب).

هذه خلاصة دعوى أهل السنة في الخليفة وتعيينه وتعينه.

فها هنا دعاوٍ ثلاث ادعاها القوم يجب التطرق إليها والبحث عنها. وتحليلها تحليلا علميا يكشف القناع عن مدى صدقها وصحتها لتظهر جلية حقيقتها وتبدو هنالك قيمتها للقارئ الكريم وهي:

أولا: النبي (صلى الله عليه وآله) لم يستخلف.

ثانيا: الخلافة من حق الأمة وطريق إثباتها الإجماع.

ثالثا: تحقق الإجماع لأبي بكر.

أما الدعوى الأولى

اعني قولهم: (النبي لم يستخلف) فنقول فيها:

إنها أول خطيئة ارتكبها القوم وتقحموها بنسبتهم عدم الوصية إلى النبي الأقدس ولا شك أنها خطيئة لا تغفر وعثرة لا تقال مع إصرارهم عليها.

ونحن نعلم وهم يعلمون والناس كلها تعلم علما لا يشوبه الريب: أن الوصية عند المسلمين أجمعين ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والعقل فعليه أي عاقل يا ترى يتجرأ أم أي ذي مسكة بالدين يمكنه التفوه بان النبي (صلى الله عليه وآله) أمر بها جميع أمته؟

فهل يا ترى انه عليه الصلاة والسلام أمر الأمة بالبر ونسي نفسه؟

أم خص الله سبحانه عباده بآية اخرج منها نبيه الكريم؟

أم اختص الحكم ها هنا بما عدى الرسول (صلى الله عليه وآله) من أفراد الأمة في قوله سبحانه: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيرا الوصية)(2).

وقوله: (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضآر وصية من الله والله عليم حليم)(3).

هذا والنبي (صلى الله عليه وآله) نفسه يقول: ما حق إمرء مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده(4).

فإذا كان هذا ما شرعه الله في كتابه وأثبته الرسول (صلى الله عليه وآله) في سنته فكيف يا ترى يصح القول: بان النبي (صلى الله عليه وآله) مات ولم يوص؟

وكيف يا ترى لم يوص ولم يستخلف وترك الأمة هملا بلا راع ولم يخش عليهم الفتنة وهو القائل: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)(5) وكيف لم يستخلف وهو القائل: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية) أي ميتة كفر.

وكيف اهتدى الناس بغرائزهم إلى هذا الواجب فتسابقوا إليه من أول يوم قبض فيه الرسول والله قد نسيه والنبي قد أهمله وأغفله فلم يرعيا واجب اللطف؟!

أو ما كان الله ورسوله يعلمان انه لو أهملا هذا الواجب ولم ينصبا للامة هاديا ومرشدا ستفترق الأمة إلى نيف وسبعين فرقة وتعود إلى أدبارها القهري إلى الجاهلية الجهلاء يقتل بعضهم بعضا ويبرأ البعض من بعض. قال سبحانه: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أ فإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم..)(6).

أترى الناس حين بادروا إلى نصب الخليفة كانوا أشفق على الشريعة والمسلمين من الله ورسوله؟ أم اعرف منهما بالأصلح؟ أم ماذا؟

وإذا لم يستخلف النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يوص فما معنى حديث الإنذار والولاية والثقلين وو..؟ وما معنى ذكر الخلفاء وحرصهم في اثني عشر وتعيين نسبهم؟ ستعرف كل ذلك بوضوح في خلال ما نقلا عن صحاح أهل السنة ومسانيدهم المعتبرة.

اجل: لما كان اعتراف القوم بالوصاية والاستخلاف مما يقتضي استخلاف شخص معين. إذا الوصاية إلى جماعة أو واحد غير معين مما يزيد في الطين بلة. والاعتراف بان النبي أوصى إلى واحد بعينه وانه نص عليه بخصوصه مما يقضي بها لعلي دون غيره كما دلت نصوص الفريقين تنازلوا فرارا من ذلك ونسبوا عدم الوصية إليه (صلى الله عليه وآله) دون أن يشعروا بان ذلك من اشد المطاعن في الدين وفي سيد المرسلين ولقد أجاد العوفي حيث قال:

فما ترك النبي الناس شورى***بـــلا هـــاد ولا علــــم مقيـــم

ولكــــن سـول الشيطان أمرا***فأودى بالسوام وبالمسيم(7)

أما الدعوى الثانية

اعني قولهم: (الخلافة من حق الأمة) فنقول فيها:

لو أنا سلمنا وتنازلوا جدلا وقلنا: أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يستخلف وان الأمة هي التي تختار لنفسها وتنصب الخليفة. ولوينا الجيد صفحا عما في هذا القول من الخطل فنقول: لا ريب أن الخلافة على هذا الوجه لا تخلو أما أن تكون صحتها مشروطة بالإجماع واتفاق الكل أم لا تكون كذلك.

فان لم تكن مشروطة بالإجماع واتفاق رأى الكل. فكل طائفة من المسلمين قلت أم كثرت إذا رضيت بخلافة شخص وإمامته وبايعته على ذلك وانقادت له كان إماما لها واجب الطاعة عليها دون غيرها. إذ لا ترجيح لمختار هذه الطائفة على مختار من سواها. فعليه يلزم تعدد الخلفاء وعدم الانحصار في واحد وهو خلاف مذهب جمهور المسلمين بل جميعهم من لزوم انحصار الخليفة في واحد في كل زمان.

وان كان الإجماع شرطا فصفوة القول هو أن عمدة الدليل على هذا القول حديث مروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: (لا تجتمع أمتي على الخطأ). ونحن لا نبحث عن سند الحديث وصحة صدوره لان البحث عن ذلك ذو شجون ولكنا نرشد القارئ الكريم إلى مفاده ومعناه ليعلم هو ثمة وجه الدلالة وعدمها على المطلوب ويحكم بحكمه فنقول:

لا مشاحة في أن المراد من الأمة في قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تجتمع أمتي) هو المسلمون أجمعون من لدن عصر الرسالة إلى يوم البعث والنشور إذ من المعلوم لدى العقلاء وذوي العلم كافة أن أمة محمد (صلى الله عليه وآله) بقول مطلق لا تصدق إلا على المسلمين كافة من غير تخصيص بزمان دون زمان وبجيل دون جيل إذ الموجب لكون الشخص من أمته عليه الصلاة والسلام دخوله في الدين الإسلامي الحنيف وهو صادق على الجميع على حد سواء. وما قوله (صلى الله عليه وآله) (أمتي) إلا مثل قول القائل: أمة موسى وأمة عيسى الدالة على جميع اليهود والنصارى كافة بلا تخصيص. قال الراغب الأصبهاني في المفردات(8): (الأمة كل جماعة يجمعهم أمر ما. أما دين واحد أو زمان واحد أو مكان واحد...) ولا شك أن المقصود من الأمة في أمثال هذا المقال هو ما يجمعهم الأمر الأول اعني (الدين الواحد) لا الأخيران: (الزمان والمكان) فيكون مفاد الحديث ومعناه على فرض صحته من حيث الصدور هو: أن الخطأ لا يستمر في الأمة من مبدأ الظهور إلى يوم النفخ في الصور ومن البديهي انه لا يحصل هكذا إجماع أبدا.

وكيف يكون الإجماع حجة في نفسه(9) والحال أن كل من سوى الله كائنا من كان جائز السهو والخطأ إلا المنصوص من الباري عصمته. فالأمر الذي يختاره غير الله سواء كان مختارا لواحد لم للجميع. يحتمل فيه الخطأ فإذا احتمل الخطأ فيه لا يجوز متابعته.

وأيضا لو أنا فرضنا جدلا وقلنا بشرطية الإجماع في تحقق الخلافة. فلا بد في انعقاده من اتفاق الكل فلا يحصل العلم بحقيقة كل خليفة وثبوت إمامته إلا بعد العلم التام والاطلاع الكامل على اتفاق كل المسلمين (الحاضر منهم والبادي العربي منهم والعجمي) على خلافته إذ الجميع في الأحكام الإلهية وفي هذا الحق المزعوم سواء.

فعليه إذا خالف البعض ولو كان واحدا خرق الإجماع وأزاح حجيته بإزاحة الموضوع. فإذن لا يمكن إثبات الإجماع على خلافة أحد أبي بكر وغيره. كيف؟ وقد أنكرها جميع فرق الشيعة وكثير من غيرهم كسعد بن عبادة سيد الأنصار....(10).

فان قيل المراد من الإجماع إجماع أهل الحل والعقد.

قلنا لا نسلم ذلك لان الحديث اعني قوله (صلى الله عليه وآله): (لا تجتمع أمتي على الخطأ) (على فرض اختصاص الأمة بالأفراد الموجودة في كل عصر) عام من هذه الجهة أيضا ولا اختصاص له بأهل الحل والعقد ولأجل عدم إفادة الحديث الاختصاص وعدم إمكان الأخذ بظاهره من العموم عدل جمع من فطاحل أهل السنة وزمرة من محققيهم عن مقتضاه واكتفوا ببيعة واحد من المسلمين في تحقق الخلافة والإمامة(11)وغفل هؤلاء عن المفاسد المترتبة على هذا القول وانه فرار من البئر إلى البالوعة وموجب لازدياد النغمة في الطنبور.

وأيضا إذا كانت الخلافة تتحقق بالإجماع فما معنى عقد أبي بكر لعمر؟ وما معنى وصية عمر وجعلها شورى في ستة أشخاص ليس غير؟ وما معنى جعل الخلفاء إياها كسروية يتوارثها الأبناء عن الآباء؟

وأيضا إذا كانت الخلافة ونصب الإمام بانتخاب الأمة فمن المعلوم أن الأمة ليست متفقة في الرأي وان لكل فرد منها رأيا يخالف رأي الباقين فهم لا يتفقون على واحد بعينه ومن اختلافهم تحصل المفاسد التي لا تعد كما يشهد بذلك التاريخ فتكون الخلافة على هذا الوجه بلاء ونقمة والنبي (صلى الله عليه وآله) من حيث إهماله نصب الخليفة قد أوقع الناس في هذا البلاء. أيسوغ ذلك وقد قال سبحانه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)(12) أ هكذا تكون الرحمة؟!

ثم انه يجب أن يكون المنتخب للخلافة والمختار للإمامة والزعامة صالحا لها من جميع الوجوه بان يكون عاقلا لبيبا شجاعا لسنا عالما بالشريعة كما جاءت. معصوما من الزلل والخطل في القول والعمل.

إذا المقصود من الخليفة بحكم العقل والنقل محافظته لكيان الإسلام والدين الحنيف وإزاحة الشبهات عن الشريعة وقطع دابر الكفار والمنافقين ونشر الأحكام الإلهية في المجتمع وبث الحقائق الإسلامية بين الأمم.

فهل يا ترى يمكن للناس الوصول إلى من يتصف بهذه الصفات المذكورة؟ أم هل هناك ما يوقفهم على تلك الشخصية الفذة؟

فلو أنا فرضنا أن الناس في وسعهم أن يميزوا بين الغث والسمين وميزوا اللائق بان يتربع عرش الخلافة ويجلس على مسند الرسول فهل في وسعهم الاتحاد والاتفاق على اختياره وانتخابه؟ أم يفرقهم الهوى أيادي سبأ(13)؟

وأيضا إذا لم تكن الخلافة بالنص منه تعالى لم تكن إلا الملكية والسلطنة الدنيوية التي تكون كيانها من اتفاق ثلة من الناس على شخص ونصبهم إياه ملكا على أنفسهم فيكون شان الخليفة شان الملوك ورؤساء الجمهورية فلا يترتب حينئذ على مخالفته ومعارضته وإنكار شيء من أفعاله والرد عليه شيء له دخل في الدين ومساس في الشريعة فيكون النزاع الواقع بين المسلمين ومحاربة بعضهم لبعض دفاعا عن أولئك الذين تربعوا العروش باسم الخليفة وتعاديهم وتباغضهم باسم الدين نزاعا واقعا في غير موضعه وحالا في غير محله. ولا شك أن ذلك محض السفه والعناد والظلم والفساد. ومن قبيل نزاع رعايا الملوك الذي منشأه الأمور الدنيوية والأهواء النفسانية التي لا تمت بالدين بصلة.

فيكون على هذا التقرير نزاع المرتضى أبي الحسن (عليه السلام) مع ابن هند ومحاربتهما وسفك دماء عشرات الألوف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان في ركابه (عليه السلام) نزاعا ومحاربة من غير حق ومحض الفساد. فهل يجوز لمسلم ذي مسكة بالدين الحنيف أن يتفوه بذلك؟ ويغض الطرف عن قوله (صلى الله عليه وآله): (علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض)(14)في حين انه يعلم انه (صلى الله عليه وآله) لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى كما نص عليه الذكر الحكيم في سورة النجم الآية 3- 5 (وما ينطق عن الهوى..).

فقد بان لك أيها القارئ الكريم مما سردناه ودبجناه في الموضوع انه لابد في تعين الخليفة المقرون طاعته بطاعة الله وطاعة رسوله في قوله سبحانه: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)(15)من وجود النص من الله تعالى يصدع به الرسول (صلى الله عليه وآله) لا الإجماع. لأنه سبحانه اعرف بالأشخاص وبمصالح الأمة من الأمة نفسها ولا يصدر منه ترك الأولى والأصلح خصوصا في مثل هذا الأمر الجلل الذي يوجب تركه والإخلال به الإخلال في الدين والدنيا لجمهور المسلمين ولقد أجاد ابن حماد حيث يقول:

رأيت النص يفضح جاحديـــه*** ويلجئهم إلى ضيق الخناق

فلو كان اجتماع الناس رشدا*** لما أدى إلى طول الفــراق

أما الدعوى الثالثة

اعني قولهم: (تحقق الإجماع لأبي بكر) فنقول فيها:

لو أنا فرضنا جدلا وقلنا أن إجماع الأمة فحسب هو الشرط الوحيد والسبب والفذ في تحقيق مصداق الخليفة وتعيين الإمام وليس لله تعالى فيه شان كما ادعاه خصوم الشيعة. فلا بد إذن من القول بان هذا الإجماع لا يتحقق إلا باختيار الكل أي لابد في تحققه أن يعطي كل فرد من المسلمين رأيه للمرشح للخلافة والإمامة باختياره ورضاه لا بالقهر والغلبة.

ولا غرو إذ هو حق من حقوق الكل والكل سواسية في هذا الحق المزعوم. فإذا انكمش بعض المسلمين عن إعطاء رأيه أو انصاع قهرا أو قسرا إلى ذلك ولو كان واحدا لا يتحقق الإجماع ضرورة. فعليه لا يكون المنتخب على هذا الوجه خليفة شرعية ولا قيمة له ولا كرامة فلا تجب أطاعته والانقياد له بل يجب على المسلمين ردعه وصده عن ذلك بل محاربته لأنه تقمص ما لا يستحق وابتز المسلمين حقا من حقوقهم.

وها نحن نضع بين يدي القارئ الكريم صورة مصغرة عن كيفية بيعة المسلمين أبا بكر تنبئه بوضوح مدى صحة دعوى القوم في تحقق الإجماع له ليحكم فيها برأيه نفيا أم إثباتا. وهي ما يلي:

قد اجمع المؤرخون ورواة الحديث بأنه لما أطبق النبي (صلى الله عليه وآله) فمه واغمض عينيه وفاضت روحه الزاكية إلى الدرجات العالية والغرف السامية بادر شطر من الناس للاجتماع في سقيفة بني ساعدة لينفذوا أمرا دبروه بالليل ولينتزعوا سلطان محمد من أهل بيته هذا والنبي مسجى بعد لم يغسل ولم يدرج في أكفانه.

ونحن نحجم القلم عن التعرض إلى ما جرى في ذلك الحفل. ولا نتطرق إلى البحث عما جرى بين تلك الخصوم المناوئة بعضها لبعض ولا ندبج ما وقع في البين من الجدال والتنابذ بل نغض الطرف ونلوي الجيد صفحا عنها كلها لان البحث عنها ذو شجون مع أن كتب الأثر والتاريخ متضمنة بيان ذلك كله. ونقصر البحث عن القضية المتوخاة اعني بيان حصول الإجماع على ذلك الخليفة الذي نسجته يد السقيفة وعدمه فنقول:

لما بويع أبو بكر فلتة ومن غير روية كما صرح به عمر بن الخطاب(16) وغلب حزب الأنصار وانقلبوا صاغرين حتى طفق عمر ابن الخطاب ومن معه الغالبون قتل سيد الخزرج سعد بن عبادة(17).

أنثال فريق الغالب على أبي بكر فاقبلوا به يزفونه إلى مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) رافعين أصواتهم بالتكبير.

فسمع العباس وعلي التكبير في المسجد ولم يكونوا بعد فارغين من غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال علي: ما هذا؟!

قال العباس ما رئى مثل هذا قط(18).

فبينما هم متعجبين فإذا ببراء بن عازب قد اقبل فضرب عليهم الباب وقال: يا معشر بني هاشم بويع أبو بكر. فقال بعضهم: ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه ونحن أولى بمحمد (صلى الله عليه وآله) وقال العباس: فعلوها ورب الكعبة(19).

واقبل حزب أبي بكر على الناس يسترهبونهم ويمنونهم حتى أنثال عليهم الهمج وبايعوا أبا بكر والتفوا حوله.

فلما استتب لأبي بكر الأمر وقويت شوكته وظهر سلطانه بانصياع العوام إليه اقبل على من تخلف عن بيعته ليأخذ بيعتهم طوعا أو كرها وهم: علي بن أبي طالب ومن مال إليه من بني هاشم رهط النبي (صلى الله عليه وآله) كالعباس بن عبد المطلب عم النبي وابنه الفضل بن العباس وعتبة بن أبي لهب وغيرهم من كبار الصحابة وذوي الرأي والتدبير كالزبير بن العوام وخالد بن سعيد بن العاص والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأبي بن كعب(20) وكثيرين آخرين من وجوه الأنصار والمهاجرين.

وكان بعضهم قد قعد مع علي (عليه السلام) في بيت الصديقة فاطمة بنت الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال عمر لأبي بكر ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟ (يعني علي). فقال أبو بكر لقنفذ- وهو مولى له-: اذهب فادع لي علي.

فذهب قنفذ إلى علي (عليه السلام) فقال له علي ما حاجتك؟ قال: يدعوك خليفة رسول الله. فقال علي: لسريع ما كذبتم على رسول الله فرجع قنفذ وابلغ الرسالة(21).

فقال عمر الثانية: ألا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة؟! فقال أبو بكر: عد إليه وقل: أمير المؤمنين يدعوك لتبايع. فجاء قنفذ فادى ما أمر به فرفع علي صوته وقال: سبحان الله لقد ادعى ما ليس له) فرجع قنفذ وابلغ المقال(22).

فلما سمع أبو بكر ذلك بعث إليهم ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: أن أبوا فقاتلهم فاقبل عمر بن الخطاب بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار. فلقيته فاطمة بضعة(23) الرسول (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا بن الخطاب أ جئت لتحرق دارنا؟ فقال عمر: نعم(24)فنادت بأعلى صوتها يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة...(25)وها نحن نعرض صفحا عما جرى على آل الرسول (صلى الله عليه وآله) في ذلك اليوم الحالك بين إضرام النار وإخراج علي للبيعة ونكف القلم عن تثبيته في هذا الكتاب ونحيل الطالب إلى ما أثبته أئمة التاريخ في كتبهم عن ذلك اليوم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

قال قتيبة في الإمامة والسياسة(26): (وبقى عمر ومعه قوم فاخرجوا عليا فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا له: بايع: فقال: أن أنا لم أبايع فمه؟ قالوا: إذا والله الذي لا اله إلا هو نضرب عنقك قال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله. قال عمر أما عبد الله فنعم وأما أخو رسوله فلا(27). وانك لست متروكا حتى تبايع. فقال له علي: احلب حلبا لك شطره واشدد له اليوم أمره يرده عليك غدا- أي ساعده على الخلافة ليوليك بعده- ثم قال: والله يا عمر لا اقبل قولك ولا أبايعه(28) هذا وأبو بكر ساكت لا يتلكم.

فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك فقال: لا اكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه(29). فلحق علي بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصيح ويبكي وينادي: يا بن أم أن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني(30).

قال بشير بن سعد الأنصاري(31): وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة.

فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به.

فيقول علي كرم الله وجهه: أ فكنت ادع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيته لم ادفنه واخرج أنازع الناس سلطانه؟!

فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له. ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم.

وبقى علي (عليه السلام) وبنو هاشم والزبير ومن حذا حذوهم ستة اشهر لم يسالموا أبا بكر حتى ماتت فاطمة (عليها السلام) فسالموه(32).

وما كان (عليه السلام) ومن معه مختارين في مسالمتهم تلك بل كانوا مجبورين ومقهورين عليها(33).

اجل: امسك (عليه السلام) عن طلب حقه. حينما رأى إصرار قريش ومناوئيه على هضمه حقه ونهب تراثه. ووجد نفسه أن هو نابذهم لم يفز بالنصر لقلة من معه وكثرة خصومه.

بل كانت منابذته والحالة هذه توجب في الإسلام ثلمة لا تسد وفتقا لا يرتق إذ كانت توجب نشوب الحرب الداخلية بين المسلمين وتقويض دعائم الإسلام في ذلك الحين العصيب حيث ارتد ثلة كبرى من العرب عن الإسلام بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) مباشرة.

وتنبأ آخرون. كالأسود العنسي- عيهلة- في اليمن ومسيلمة في اليمامة, وطليحة في أسد وطيء, وكذلك تنبأت سجاح في الجزيرة.

وقويت شوكة المتنبئين والتف حولهم جمع كبير من الرعاع واقبلوا يريدون غزو المسلمين وإبادة الإسلام ومحو رسومه ودرس آثاره.

فلو كان (عليه السلام) يناضل أبا بكر في إحقاق حقه والأمر على ما دريت لكان ذلك بلا شك وهنا وضعفا في الدين الإسلامي الحنيف وقوة وصلابة في خصومة الألداء.

بل ما كان يبعد أن يسري الارتداد في أهل المدينة عاصمة الإسلام ودار ملك المسلمين آنذاك. ولا غرو, إذ أن منهم من قد صرح بذلك في السقيفة عند تشاجرهم على الخلافة بقوله: أما والله لئن شئتم لنعيدنها جذعه(34) نعم سالم أبو الحسن (عليه السلام) خصومه حفظا للدين الحنيف وضحى بخلافته الظاهرية في سبيل تدعيم كيان الشريعة وتركيز أصول الإسلام, كيف لا؟ وقد أوضح (عليه السلام) نهجه مع القوم في كتاب له إلى أهل مصر فلم يدع مجالا للشك.

قال (عليه السلام): (فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام, يدعون إلى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله). فخشيت أن لم انصر الإسلام وأهله, أن أرى فيه ثلما أو هدما, تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم...)(35).

وكم له (عليه السلام) أمثال هذه الكلمات- وقد تقدم بعض منها- التي تنبئ بوضوح انه لم يستسلم تنازلا عن عقيدته وعدولا عن التمسك بنصوص الرسول (صلى الله عليه وآله). بل إنما ضرورة الموقف ألجأته أن يسكت مهادنا ويصبر على مضض.

فقد تلخص مما قدمنا: أن بني هاشم قاطبة وكذا من والاهم وعلى رأسهم زعيمهم وإمامهم علي (عليه السلام) لم يبايعوا أبا بكر طوعا ورغبة بل ألجأوا على الاستسلام والمهادنة.

فهل بعد هذا كله يجد القارئ الكريم معنى محصلا للإجماع الذي ادعاه القوم على خلافة ابن أبي قحافة؟

أفهل يا ترى يتحقق إجماع بدون اشتراك علي وبني هاشم رهط الرسول (صلى الله عليه وآله)؟

أو ليسوا مسلمين؟!

أم لم يكونوا من أهل الحل والعقد؟!

أم يعد استسلامهم ومهادنتهم خوفا وكرها بعد ردح من الزمن بيعة شرعية؟!

أم خص الحكم بمن عداهم؟!(36)

أم ماذا؟!

ولقد بان لك أيها القارئ الكريم واتضح مما مر عليك أن دعاوى أهل السنة الثلاث:

1- النبي (صلى الله عليه وآله) لم يستخلف.

2- الخلافة من حق الأمة.

3- تحقق الإجماع لأبي بكر.

كلها من شطط الكلام وزخرف القول لم تدعم بدليل بل الدليل القاطع القائم على خلافها كلها يدحضها ويبطلها. قال الله سبحانه: (ما لهم بذلك من علم أن هم إلا يخرصون)(37).

وها نحن نزف إلى القارئ الكريم ما يعتقده الشيعة الأمامية (شيعة أهل البيت القائلون بخلافة الأئمة الأثني عشر علي وبنيه الأحد عشر (عليهم السلام)) في الخليفة والإمام ونقدم إليه شطرا من الأدلة التي أقاموها على مذهبهم ومقتصرين في ذلك على بعض ما دبجه جهابذة علم الحديث من أهل السنة في غضون صحاحهم وخلال مسانيدهم المعتبرة فقط. لان ذلك ادعم للحجة وأوضح للحق وأرغم للخصم اللدود.

الهوامش:

1- روى فطاحل علماء أهل السنة: انه قيل لعمر: لو استخلفت؟ قال: أن استخلف فقد استخلف أبو بكر وان لم استخلف لم يستخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله). انظر صحيح البخاري في أواخر كتاب الأحكام, ج4,ص174, وصحيح مسلم, ج6, مجلد3, ص5 ط م1334, وصحيح الترمذي بشرح ابن العربي, ج9,ص70, ومسند احمد, ج1, ص47,ط1313 وتاريخ الخلفاء للسيوطي, ص4, والإمامة والسياسة لابن قتيبة, ج1, ص23, ط1.

2- سورة البقرة, الاية180.

3- سورة النساء, الاية12.

4- أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الوصايا, ج2, ص2, وص83, ومسلم في صحيحه كتاب الوصية, ج5, جلد2, ص70, ومالك في الموطأ, ج2, ص761, ط1370. والسيوطي في الجامع الصغير رقم7893. وغيرهم من نقلة الحديث. قال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير عند ذكر الحديث: (ما حق امرئ مسلم) أي ليس الحزم والاحتياط لشخص أو ما المعروف في الأخلاق إلا ما يأتي والمسلم غالبي فالذمي كذلك).

5- صحيح الترمذي بشرح ابن العربي, ج9, ص71.

6- سورة آل عمران, الاية144.

7- أودى أي ذهب والسوام بفتح السين المهملة الإبل الراعية والمسيم اسم فاعل من اسام بمعنى ارعى فالمعنى: فذهب بالرعية والراعي.

8- المطبوع بهامش النهاية لابن الأثير, ج1, ص43, مادة: أم.

9- تقول الشيعة بحجية الإجماع لا من جهة انه إجماع بل من جهة دخول المعصوم في المجمعين أو من جهة الحدس بذلك أو كشفه عنه على الاختلاف بين علماء الأصول فحجيته عندهم بالغير لا بنفسه فهو بهذا الوجه طريق إلى الحجة أي السنة لا حجة في مقابلها.

10- انظر الإمامة والسياسة لابن قتيبة, ج1, ص9- 11, ط1, والعقد الفريد لابن عبد ربه, ج3, ص63, ط1, وغيرهما من كتب التاريخ.

11- منهم المحقق التفتازاني في شرح المقاصد, ج2, ص281, في نصب الإمام باختيار أهل الحل والعقد. قال: اختيار أهل الحل والعقد وبيعتهم من غير أن يشترط إجماعهم على ذلك ولا عدد محدود بل ينعقد بعقد واحد منهم- وقال القاضي ايجي في المواقف المقصد الثالث في الإمامة: وإذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة فاعلم أن ذلك لا يفتقر إلى الإجماع إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع.بل الواحد أو الاثنان من أهل الحل والعقد كاف لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لأبي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان. وقال ابن العربي المالكي في شرح صحيح الترمذي, ج13, ص229: ولا يلزم في عقد البيعة للإمام أن تكون من جميع الأنام بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد على الخلاف المعلوم فيه.

12- سورة الأنبياء, الاية107.

13- أيادي سبأ: بمعنى متفرقين راجع لسان العرب لابن منظور, ص136, ج6, مادة سبأ.

14- الإمامة والسياسة, ج1, ص80, ط1, ونقله العلامة الأميني في- الغدير- ج3, ص178, ط2, عن الخطيب في تاريخ بغداد, ج14, ص321, والهيثمي في مجمع الزوائد, ج7, ص236, والزمخشري في ربيع الأبرار والخوارزمي في المناقب وابن مردويه في المناقب.

15- سورة النساء, الاية59.

16- قال عمر بن الخطاب: (أن بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه) أخرجه البخاري في صحيحه, ج4, ص122, ط م1351. كتاب الحدود باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت وابن حجر في الصواعق, ص21, والطبري في التاريخ, ج2, ص446, ط م 1357. والشهرستاني في الملل والنحل, ص13, والسيوطي في تاريخ الخلفاء, ص135. وقال ابن تيمية في منهاجه ج4, ص216, عن عمر!(أن بيعة أبي بكر كانت فلتة) وغيرهم من أئمة الأثر. قال ابن الأثير في النهاية, ج3 في مادة(فلت): ومنه حديث عمر(أن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها) أراد بالفلتة: الفجأة ومثل هذه البيعة جديرة بان تكون مهيجة للشر والفتنة فعصم الله من ذلك ووقى. والفلتة كل شيء فعل من غير روية وإنما بودر بها خوف انتشار الأمر وقيل أراد بالفلتة: الخلسة أي الإمامة يوم السقيفة مالت إلى توليتها الأنفس ولذلك كثر فيها التشاجر فما قلدها أبو بكر إلا انتزاعا من الأيدي واختلاسا).

17- انظر صحيح البخاري, ج4, ص122, ط م1351, باب رجم الحبلى إذا أحصنت وتاريخ اليعقوبي, ج2, ص103, وفي تاريخ الطبري, ج2, ص459, ط م1357: فقال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا لا تطؤوه. فقال عمر: اقتلوه قتله الله ثم قام على رأسه فقال: هممت أن أطأك حتى تندر عضوك فاخذ سعد بلحية عمر فقال: والله لو حصصت منه شعرة ما رجعت وفي فيك واضحة).

18- العقد الفريد, ج3, ص62, ط1.

19- تاريخ اليعقوبي, ج2, ص103.

20- تاريخ اليعقوبي, ج2, ص103, وتاريخ ابن شحنة هامش كامل ابن الأثير, ج11, ص112, طبع1301.

21- الإمامة والسياسة, ج1, ص13, ط1, وانظر أيضا تاريخ الطبري, ج3, ص444, ط م1357, وتاريخ أبي الفداء, ج1, ص160, وشرح النهج لابن أبي الحديد, ج2, ص19.

22- الإمامة والسياسة, ج1, ص13.

23- قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني) أخرجه جمع كثير من الحفاظ بألفاظ مختلفة منها فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها ومنها (فاطمة مضغة مني فمن آذاها فقد آذاني) وغير ذلك بطرق كثيرة اخرج في الغدير منها في, ج7, ص231- 235, ط2, ما يناهز الستين طريقا ولا ريب أن ذلك ينبئ عن جلالة شانها وعظم قدرها قال زين الدين المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير للسيوطي ج4 ص421 عند شرحه الحديث المذكور: استدل به السهلي على أن من سبها كفر لأنه يغضبه وأنها افضل من الشيخين.

24- العقد الفريد لابن عبد ربه, ج3, ص63, ط1.

25- الإمامة والسياسة, ج1, ص13, قال ابن قتيبة في, ج1, ص12, من الكتاب المذكور؟ فدعا عمر بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها فقيل يا أبا حفص أن فيها فاطمة. قل: وان. واخرج الطبري في تاريخه, ج2, ص443, ط م1357, عن زياد بن كليب قال: أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن إلى البيعة فخرج عليه الزبير مصلتا بالسيف فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه. واخرج أيضا في, ج2, ص619, ط م1357, عن عبد الرحمن بن عوف: أن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال: ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن... إلى أن قال: فوددت أني لم اكشف بيت فاطمة وان كانوا قد أغلقوه على الحرب).

وقد تطرق سوى من ذكرنا لذكر مجيء عمر بالنار ليكبس دار فاطمة مضغة الرسول على من فيها من أهل البيت كثير من المؤرخين ونظمه الشعراء في قريض الشعر منهم شاعر النيل حافظ إبراهيم المصري حيث قال مكبرا بسالة عمر وشجاعته تجاه أهل البيت:

وقـــــولـة لعلـــي قالهــا عمـــــر***اكـــــرم بسامعهــا اعظم بملقيها

أحـــرقت دارك لا ابقي بهــا أحدا***أن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كـان غير أبي حفص يفوه بها***أمــام فــارس عدنــان وحاميهــا

هكذا فلتكن البسالة!! 26- ج1 ص13 ط1.

27- الله اكبر ما أجرأ عمر على نبذ أمر الرسول الثابت لدى المسلمين أجمعين. فقد تواتر حديث المؤاخاة من طرق الفريقين. ففي تاريخ ابن عساكر ومناقب احمد وكفاية الكنجي ص82 و83 والمرقاة في شرح المشكاة ص569: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) آخى بين أصحابه فبقى رسول الله وأبو بكر وعمر وعلي فآخى بين أبي بكر وعمر. وقال لعلي: أنت أخي وأنا أخوك فان ناكرك أحد فقل: (أنا عبد الله وأخو رسوله لا يدعيها بعدك الا كذاب) وفي كنز العمال ج6 ص399 فقال رسول الله: إنما تركتك لنفسي أنت أخي وأنا أخوك فان حاجك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله... الخ. وجاء في البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي ج7 ص335: (لما آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين الناس آخى بينه وبين علي) وقال: وورد عن طريق انس وعمر: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي: أنت أخي في الدنيا والآخرة) وروى أيضا عن ابن عمر انه قال: آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين أصحابه فجاء علي تدمع عيناه فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد فقال رسول الله: أنت أخي في الدنيا والآخرة.

وقد اخرج العلامة الأميني في الغدير ج3 حديث المؤاخاة من كل من جامع الترمذي ج2 ص213 ومصابيح البغوي ج2 ص199 وتذكرة السبط ص13 و15 والسيرة النبوية لابن سيد الناس ج1 ص200- 203 واسنى المطالب للجزري ص9 والصواعق ص73 و75 وتاريخ الخلفاء ص114 والإصابة ج2 ص507 والمواقف ج3 ص276 وشرح المواهب ج1 ص373 وطبقات الشعراني ج2 ص101 وغيرهم فراجع.

28- اخرج ابن قتيبة قول عمر: وانك لست متروكا... الخ في ص11 من الكتاب المذكور أقول: ما كان قولة علي (عليه السلام) لابن الخطاب: (احلب حلبا لك شطره الخ) مستقية من علمه المخصوص علم الإمامة فحسب ولم تك منه تنبأ محضا ورجما بالغيب كما يخاله البعض بل كل من حضر الموقف في حينه واطلع عل الوضع من كثب كان يجد بوضوح أن عمر لم يرد من تهديده عليا بالقتل وكبس دار فاطمة وغير ذلك تدعيم خلافة صاحبه فحسب بل ليجر النار إلى قرصه ليكون شريكا له في الحل والعقد وولى الأمر من بعده كما صرح بذلك (عليه السلام).

ولذلك ترى أبا بكر حينما استتب له الأمر وأراد تنفيذ جيش أسامة الذي أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) بإنفاذه ولعن المتخلف عنه. يطلب من أسامة أن يخلى له عمر. انظر طبقات ابن سعد ج3 ص136 وتاريخ الكامل ج2 ص227 ط1349.

واخرج الطبري في تاريخه ج2 ص618 ط م1357 وعيره من المؤرخين. أن أبا بكر لما حضرته الوفاة دعا عثمان خاليا وقال له: اكتب:بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين أما بعد: ثم أغمي عليه فذهب عنه فكتب عثمان- من عند نفسه لما كان يعلم من حقيقة الأمر- : أما بعد فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيرا منه: ثم أفاق أبو بكر فقال: اقرأ علي فقرأ عليه. فكبر أبو بكر فقال: أراك خفت أن يختلف الناس أن افتلتت نفسي في غشيتي قال نعم. قال: جزاك الله خيرا عن الإسلام وأهله واقرها أبو بكر من هذا الموضع انتهى.

أقول: وقد عرف ذلك عمر لعثمان فعقد الخلافة له من بعده بشكل خفي وبصورة غير مباشرة وذلك كما ذكره الطبري أيضا في تاريخه ج3 ص294 وغيره من المؤرخين بعد ذكر خروج القوم من عند عمر بعد طعنه ووصيته: لقى العباس عليا فقال له علي: عدلت عنا فقال: وما أعلمك؟ قال: (قرن بي عثمان وقال: كونوا مع الأكثر فان رضى رجلان رجلا. ورجلان رجلا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف فسعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها عبد الرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبد الرحمن فلو كان الآخران معي لم ينفعاني). هكذا فلتكن المحاباة!!

29- أقول لم يمتنع أبو بكر من إكراه علي بدافع الإيمان لكنه قال هذا القول لما رأى من إصرار علي على عدم مبايعته وحلفه على ذلك ولو أدى ذلك إلى قتله. وعلم علما يقينا أن هو قتله ففي قتله انهيار سلطانه لمكان فاطمة بنت الرسول (صلى الله عليه وآله) منه (عليه السلام) ولذا قيد إكراهه إياه بما دامت فاطمة إلى جنبه. وإلا فقد عرفت انه هو الذي بعث عمر إلى دار فاطمة وقال له: أن أبوا فقاتلهم.

30- الإمامة والسياسة, ج1, ص13.

31- نفس المصدر, ص12.

32- الكامل لابن الأثير, ج2, ص224, وفي تاريخ الطبري, ج2, ص448, ط م1357: قال رجل للزهري: أ فلم يبايعه (يعني أبا بكر) على ستة اشهر قال: لا ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر.

واخرج الطبري أيضا في تاريخه, ج2, ص448, والبخاري في صحيحه, ج3, ص37, ط م1351 كتاب المغازي باب غزوة خيبر ومسلم في صحيحه كتاب الجهاد, ج5, ص145 باب قول النبي لا نورث عن عائشة: أن فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه وآله) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر...

إلى أن قالت فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ستة اشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة فلما توفيت استنكر على وجوه الناس فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر.

33- في النهج: انه (عليه السلام) كتب في جواب كتاب لمعاوية: وقلت: أني كنت اقادكما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع: ولعمر الله لقد أردت أن تذم فمدحت وان تفضح فافتضحت وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما)) ما لم يكن شاكا في دينه ولا مرتابا بيقينه)). واخرج المسعودي في المروج ج3, ص21 ط1367. كتابا لمعاوية إلى محمد بن أبي بكر يقول فيه: فقد كنا وأبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب وحقه لازما لنا مبرورا علينا فلما اختار الله لنبيه عليه الصلاة والسلام ما عنده وأتم له ما وعده واظهر دعوته وابلج حجته وقبضه الله إليه صلوات الله عليه فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزه حقه وخالفه أمره على ذلك اتفقا واتسقا ثم انه دعواه إلى بيعتهما فإبطا عنهما وتلكا عليهما فهما به الهموم وأرادا به العظيم.. إلى أن قال: فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك استبد به ونحن شركاؤه ولولا ما فعل به أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلمنا إليه ولكنا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا فأخذنا بمثله فعب أباك بما بدا لك أودع ذلك والسلام على من أناب))

34- انظر تاريخ الطبري, ج2, ص458, ط1357. والكامل لابن الأثير, ج2, ص223. ومروج الذهب للمسعودي, ج2, ص310, ط2. والإمامة والسياسة لابن قتيبة ج1, ص8, ط1. والعقد الفريد, ج1, ص8, ط1. والعقد الفريد, ج3, ص62, ط1- غير انه ليس فيه كلمة لئن شئتم-.

35- نهج البلاغة, ج3, ص130. وذكره ابن قتيبة في الإمامة والسياسة, ج1, ص162, فيما كتبه (عليه السلام) إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها.

36- وهناك (سوى أهل البيت) غير واحد من المسلمين خالفوا أبا بكر ولم يبايعوه وأصروا على ذلك حتى الموت فقد سجل المؤرخون بعضا منهم وأهملوا بعضا لعدم أهميته والاعتداد به عندهم.

وممن أثبتوه: سيد الخزرج سعد بن عبادة. قال المؤرخون ومنهم ابن قتيبة في الإمامة والسياسة, ج1, ص10, بعد ذكر بيعة أبي بكر: ثم بعث إليه (يعني سعدا) أبو بكر أن اقبل فبايع فقد بايع الناس وبايع قومك. فقال: أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل, وأخضب منكم سناني ورمحي وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي... إلى أن قال: فكان سعد لا يصلي بصلاتهم ولا يجتمع بجمعتهم ولا يفيض بإفاضتهم ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم ولو يبايعه أحد على قتالهم لقاتلهم فلم يزل كذلك حتى توفى أبو بكر (رضي الله عنه) وولي عمر بن الخطاب فخرج إلى الشام فمات بها ولم يبايع لأحد رحمه الله انتهى.

37- سورة الزخرف, الاية20.