الفهرس  

 

أوقات الصلوات وأدلة الجمع بين الصلاتين في الكتاب

الشيخ عبد اللطيف البغدادي

تمهيد:

من المعلوم المتفق عليه أن أول الأدلة الإسلامية التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية إنما هو الكتاب المجيد، الذي هو الدستور الإلهي، وهو المرجع للجميع ولا سيما عند الاختلاف.

وأهل البيت أنفسهم يأمرون الناس بالرجوع إلى القرآن، والرد إليه في الأحكام والسنن، فما وافقه يؤخذ به، وما خالفه يترك.

روى شـيخنا الكليني بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه"(1).

وروى بسنده أيضاً عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: "خطب النبي(صلى الله عليه وآله) بمنى فقال: أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله"(2).

وروى بسنده عن أيوب بن الحر، قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف"(3).

ومضامين هذه الأحاديث متفق عليها عند جميع المسلمين. فقد روى البخاري في صحيحه عن النبي(صلى الله عليه وآله) أنه قال: تكثر لكم الأحاديث من بعدي فإذا روي لكم حديث فأعرضوه على كتاب الله فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالفه فردوه(4).

مواقيت الصلوات في القرآن:

وقد جاءت في الكتاب جملة من أمهات الأحكام في500 آية تقريباً كما ذكر، ومن جملة تلك الآيات، الآيات النازلة في مسألة أوقات الصلوات، نذكرها على حسب ترتيبها في القرآن، من سبع سور منه وهي:

1- قوله تعالى: (وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [سورة هود/115].

2- قوله تعالى:(أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) [سورة الإسراء/79].

3- قوله تعالى:(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) [سورة طه/131].

4- قوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ(17)وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) [سورة الروم/18-19].

5- قوله تعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ(39)وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) [سورة ق/40-41].

6- قوله تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ(48) وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) [سورة الطور/49-50].

7- قوله تعالى: (وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(25)وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) [سورة الإنسان/26-27].

فهذه إحدى عشرة آية، استعرضت أوقات الصلوات، وإليك البيان حول الآيات..

الآية الأولى في سورة هود:

(وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ).

التحقيق حول الآية الكريمة:

صرح الفقهاء والمفسرون من الفريقين أن الأمر بإقامة الصلاة في هذه الآية الكريمة وارد على الصلوات الخمس المكتوبة، وأن المراد من الحسنات التي تذهب السيئات إنما هو الصلوات نفسها. وهذا هو الظاهر منها. وقيل: الحسنات هي الصلوات وسائر أنواع الطاعات، كما جاءت في هذه المعاني روايات صريحة سيمر عليك بعضها.

والآية (كما ترى) تعّرضت لأوقات إقامة الصلاة فجعلتها ثلاثة فقط هي:

(طَرَفِي النَّهَارِ) والظاهر – وظواهر القرآن حجّة - إن المراد من الطرفين هو الطرف الأول من النهار، والطرف الثاني منه..فهذان وقتان، و(وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) أي ساعات قريبة من الليل، وهذا الوقت الثالث. ولما كانت صلوات النهار ثلاث: الصبح والظهر والعصر، فيكون الصبح في الطرف الأول من النهار، ويكون وقت الظهر والعصر معاً في الطرف الثاني منه، ويبتدئ من زوال الشمس ظهراً وينتهي بغروبها. وصلاة الليل الواجبة إنما هي المغرب والعشاء فيكون وقتهما معاً مبّيناً في قوله:(وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْل).

قال شيخنا الطريحي: (قوله تعالى: (طَرَفِي النَّهَارِ" أي أوله وآخره)(5).

وقال أيضاً: (قوله:(وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) أي ساعة بعد ساعة، واحدتها زلفة كظلم وظلمة، من أزلفه إذا قرّبه، فيكون المعنى ساعات متقاربة من الليل، ومِن للتبيين… والمراد صلاة المغرب والعشاء، والمراد بطرفي النهار نصفاه، ففي النصف الأول صلاة الصبح، وفي النصف الثاني صلاة الظهر والعصر)(6).

فدّلت الآية إذاً دلالة واضحة على اتساع الوقت وامتداده لصلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وإن مجموع أوقات الصلوات ثلاثة لا خمسة. وهذا ما مر علينا صريحاً في روايات أهل البيت الذين هم مع القرآن، والقرآن معهم في كل آياته، (لن يفترقا) فاتّبِعهُم.

أقوال وروايات أهل السنة في الآية الكريمة:

وإليك أقوال بعض المفسرين ورواياتهم من أهل السنة حول الآية الكريمة:

1- قال محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 في تفسيره:

((طَرَفِي النَّهَارِ) صلاة الغداة والعشي)(7) ونقل الطبري إجماع المفسرين على أن المراد من صلاة طرف النهار الأول صلاة الفجر وهي الغداة، ثم ذكر اختلاف أهل التأويل(8) في المراد من الصلاة في الطرف الثاني، ثم قال: قال بعضهم: عِنَيَت بذلك صلاة الظهر والعصر. قالوا: وهما من صلاة العشي. وروى تأييداً لهذا القول روايات عديدة من طرقهم، منها ما رواه بسنده عن منصور، عن مجاهد، في قوله تعالى:(وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ) قال: الفجر وصلاتي العشي يعني الظهر والعصر. وروى عن مجاهد أيضاً من طريقين آخرين مثله. وروى مثله أيضاً عن محمد بن كعب القرظي من طريقين، ومثله عن الضحاك أيضاً.

ثم روى روايات أخرى في ص72 تدل على أن صلاة الطرف الثاني هي المغرب، وأختار هو هذا القول بحجة أن الإجماع حاصل على أن صلاة الطرف الأول من النهار هي صلاة الفجر، وهي تُصلى قبل طلوع الشمس، فالواجب إذاً أن تكون صلاة الطرف الثاني هي صلاة المغرب لأنها تصلى بعد غروب الشمس.

نقاش علمي مع الطبري:

والحقيقة أنها حجة لا تتفق مع الآية، لأن نص الآية:(طَرَفِي النَّهَارِ) والمراد من طرفيه أوله وآخره كما نص على ذلك المفسرون واللغويون. وصلاة المغرب لم تكن واقعة في آخر النهار بل واقعة في أول الليل وخارجة عن النهار، وداخلة تحت قوله تعالى:(وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) كما أن المعلوم أن طرفي الشيء (أي شيء كان) منه لا خارج عنه، فالقول الأول هو الأرجح والمتبادر إلى الذهن، وهو الذي رواه الكثير من أصحابه ونقل هو أكثر رواياتهم.

وقال الطبري في (ص73) في قوله تعالى:(وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ):

فقد قال قوم: (وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ): صلاة المغرب والعشاء. وروى تأييداً لهذا القول روايات عديدة، منها باسناده عن الحسن من طريقين، ومنها عنه أيضاً أنه قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (هما زلفتا الليل، المغرب والعشاء) وعن مجاهد من طرق ثلاثة أيضاً، وعن المبارك بن فضالة، عن الحسن: ) وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ): المغرب والعشاء. وقال: فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (هما زلفتا الليل، المغرب والعشاء). ومثله أيضاً عن قتادة، وعن محمد بن كعب القرظي من ثلاثة طرق، وعن الضحاك أيضاً.

هكذا أكثر الطبري من نقل الروايات من طرقهم في هذه الآية من (ص71-78) من الجزء الثاني عشر في إن قوله:(طَرَفِي النَّهَارِ) صلاة الفجر والظهر والعصر، و(وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) المغرب والعشاء، فراجع إذا شئت.

2- وقال أبو بكر احمد بن علي الجصّاص الحنفي المتوفى سنة370 ما نصه:

(من مواقيت الصلوات، وقال تعالى:(وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) روى عمرو عن الحسن في قوله تعالى:(طَرَفِي النَّهَارِ) قال: صلاة الفجر، والأخرى الظهر والعصر، و(زُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) قال: المغرب والعشاء).

ثم قال: فعلى هذا القول قد تضمنت الآية الصلوات الخمس(9).

3- وقال جار الله محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي، المعروف بالزمخشري المعتزلي المتوفى سنة 528:

(…(طَرَفِي النَّهَارِ) غدوة وعشياً، و(زُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) ساعات من الليل وهي ساعات قريبة من آخر النهار، من أزلفه إذا قرّبه وأزدَلف إليه. وصلاة الغدوة: الفجر، وصلاة العشية: الظهر والعصر، لأن ما بعد الزوال عشي. وصلاة الزلف: المغرب والعشاء)(10).

4- وقال محمد بن عمر المعروف بفخر الدين الرازي المتوفى سنة 606:

(كثرت المذاهب في تفسير(طَرَفِي النَّهَارِ)، والأقرب أن الصلاة التي تقام في طرفي النهار هي الفجر والعصر، وذلك لأن أحد طرفي النهار طلوع الشمس، والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب لأنها داخلة تحت قوله: (وزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) فوجب حمل الثاني على صلاة العصر)(11).

ثم صرح الفخر الرازي في (ص96) بدخول المغرب والعشاء تحت قوله تعالى: (وزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) ولكنه (عفى الله عنه) نسي ذكر صلاة الظهر وكأنها غير داخلة في الآية.

نعم قال في تفسير خاتمة الآية: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ): المسالة الأولى في تفسير الحسنات قولان: الأول – قال أبن عباس: المعنى إن الصلوات الخمس كفارات لسائر الذنوب بشرط الاجتناب عن الكبائر.

فحديث أبن عباس هذا، صريح في إن الصلوات الخمس داخلة في الآية الكريمة، وأوقاتها ثلاثة لا خمسة.

5- وقال الحافظ إسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة774:

(قوله تعالى: (وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ) قال الحسن في رواية، وقتادة والضحاك وغيرهم: هي الصبح والعصر(12). وقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر مرة أخرى.(وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلَ) قال أبن عباس، ومجاهد، والحسن وغيرهم: يعني صلاة العشاء. وقال الحسن في رواية أبن المبارك عن مبارك بن فضالة عنه(وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) يعني المغرب والعشاء. قال رسول الله: وهما زلفتا الليل، المغرب والعشاء، وكذا قال مجاهد، ومحمد بن كعب، وقتادة، والضحاك: إنها صلاة المغرب والعشاء)(13).

6- وقال جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة991:

(وأخرج عبد الرزاق، وأبن جرير،وأبن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله (وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ) قال: صلاة الفجر وصلاتي العشي يعني الظهر والعصر…(وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) قال: المغرب والعشاء.

وأخرج أبن جرير، وأبن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن في قوله تعالى: (وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ) قال: الفجر والعصر،(وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) قال: هما زلفتان: صلاة المغرب وصلاة والعشاء. قال: وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): هما زلفتا الليل.

وأخرج أبن جرير، ومحمد بن نصر، وأبن مردويه، عن أبن مسعود في قوله: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) قال: الصلوات الخمس.

وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وأبن أبي شيبة، ومحمد بن نصر، وأبن جرير، وأبن المنذر، وأبن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن أبن عباس في قوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) قال: الصلوات الخمس، و(الباقيات الصالحات) قال: الصلوات الخمس(14).

وأكثر السيوطي من نقل الروايات المتظافرة في سبب نزول الآية، وأن الحسنات فيها هي الصلوات الخمس من (ص351) إلى (ص355) فراجع إذا شئت.

7- وقال الجلالان، جلال الدين محمد بن أحمد المحلي، وجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في (تفسير الجلالين):

(وأقم الصلاة طرفي النهار: الغداة والعشي أي الصبح والظهر والعصر، )وزلفاً) جمع زلفة أي طائفة (من الليل) أي المغرب والعشاء، (إِنَّ الْحَسَنَاتِ) الصلوات الخمس (يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) الذنوب الصغائر..)(15).

8- وقال أبو السعود العمادي في تفسيره المطبوع على هامش (مفاتيح الغيب):

(وأقم الصلاة طرفي النهار: أي غدوة وعشية، وانتصابه على الظرفية لكونه مضافاً إلى الوقت (وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) أي ساعات منه قريبة من النهار، والمراد بصلاتهما الغداة والعصر، وقيل: الظهر موضع العصر، لأن ما بعد الزوال عشىّ، وصلاة الزلف، المغرب والعشاء…إلى أن قال: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ) التي من جملتها بل عمدتها ما أمرت به من الصلوات (يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) التي قل ما يخلو منها البشر أي يكفرونها. وفي الحديث: "إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما اجتنبت الكبائر"…)(16).

9- وقال الشيخ طنطاوي جوهري المدرّس بالجامعة المصرية ومدرسة دار العلوم:

(وأقم الصلاة طرفي النهار: غدوة وعشية، وهو منصوب على الظرفية لأنه مضاف إلى الظرف،وصلاة طرفي النهار الأول، الصبح، وطرف النهار الثاني الظهر والعصر…(وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) الزلف: جمع زلفة، من أزلفه إذا قرّبه أي ساعات من الليل قريبة من آخر النهار، وهي صلاة المغرب والعشاء… (إِنَّ الْحَسَنَاتِ) كالصلوات الخمس (يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) أي الذنوب. وفي الحديث: "إن الصلوات الخمس تكفّر ما بينهما من الذنوب"، ومثل الصلوات جميع الطاعات. قال عليه – وآله - الصلاة والسلام: "واتبع السيئة الحسنة تمحها")(17).

10- وقال الأستاذ سيد قطب في تفسيره:

(ومن الاستقامة إقامة الصلاة في أوقاتها، والآية هنا تذكر طرفي النهار، وهما أوله وآخره، وزلفاً من الليل أي قريباً من الليل، وهذه أوقات الصلاة المفروضة دون تحديد عددها، والعدد محدود بالسنة، ومواقيته كذلك)(18).

ونسجل هنا ملاحظة على عبارة الأستاذ سيد قطب جديرة بالانتباه، وهي أن مواقيت الصلاة محددة بهذه الآية حسب اعترافه، كما هي محددة في السنة فقوله: "ومواقيته كذلك" عبارة زائدة لا يجوز عطفها على عدد الصلاة، فأن الآية لم تتعرض لعدد الصلاة وإنما تعرضت لأوقاتها وأنها ثلاثة فقط (طَرَفِي النَّهَارِ، وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ).

الآية الثانية في سورة الإسراء: قال تعالى: (أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا).

التحقيق حول الآية الكريمة:

اتفق الفقهاء والمفسرون من الفريقين إلا من شذ منهم(19) على أن المراد بإقامة الصلاة في هذه الآية إنما هو الصلوات الخمس المفروضة دون غيرها.

والآية – كما ترى - قد استعرضت أوقات إقامتها فجعلتها ثلاثة فقط: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) وهو وقت الابتداء لفريضتي الظهر والعصر مشتركاً بينهما (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) وهو الانتهاء لفريضتي المغرب والعشاء على الاشتراك بينهما أيضاً (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) لفريضة الصبح خاصة.

ودلوك الشمس هو زوالها على ما هو المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن كثير من الصحابة والتابعين، كما أنه مروي عن الإمامين أبي جعفر الباقر وولده أبي عبد الله الصادق (عليهما السلام) ، وعليه اتفاق الشيعة الإمامية في كل العصور، ووافقهم على هذا القول أيضاً أكثر علماء أهل السنة(20).

وروى مالك بن أنس – إمام المالكية - في كتابه (الموطأ)(21) بسنده عن عبد الله بن عمر كان يقول: (دلوك الشمس ميلها). وقال محمد الزرقاني: "ميلها وقت الزوال، وكذا روي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي برزة، وعن خلق من التابعين".

وأما غسق الليل فهو أما ظلمة الليل في أوله على قول ضعيف، وإما نصف الليل وهذا هو الأقوى والأصح، وهو المروي أيضاً من طرق الفريقين،والمؤيد عند أكثر المفسرين كما سيمر عليك.

وعلى هذا يكون إبتداء وقت صلاتي الظهر والعصر من زوال الشمس، ثم يكون انتهاء وقت صلاتي المغرب والعشاء نصف الليل، وصلاة الصبح وقت الفجر، فالآية فيها دلالة واضحة على اتساع الوقت وامتداده للصلوات الأربع من زوال الشمس إلى نصف الليل.

قال الزرقاني في شرحه على (الموطأ) ص29:

(وهذه الآية إحدى الآيات التي جمعت الصلوات الخمس، فدلوك الشمس إشارة للظهرين، وغسق الليل العشاءين، وقرآن الفجر إلى صلاة الصبح).

وقال الحسن – أي البصري - : (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ): لزوالها صلاة الظهر وصلاة العصر إلى (غَسَقِ اللَّيْلِ) صلاة المغرب والعشاء الآخرة، كأنه يقول: من ذلك الوقت إلى هذا الوقت على ما يبين لك من حال الصلوات الأربع، ثم صلاة الفجر، فأفردت بالذكر(22).

فتكون أوقات الصلوات كلها – إذن - ثلاثة لا خمسة، وهذا ما مر علينا صريحاً في روايات أهل البيت الذين هم مع القرآن والقرآن معهم في كل آياته (لن يفترقا)..فاتبعهم.

أقوال وروايات أهل السنة في الآية الكريمة: وإليك أقوال بعض المفسرين ورواياتهم من أهل السنة حول الآية الكريمة…

1- قال الطبري في تفسيره:

(أختلف أهل التأويل في الوقت الذي عناه الله بدلوك الشمس. فقال بعضهم، هو وقت غروبها، واستشهد على ذلك بأقوال بعض المفسرين، ثم قال: وقال آخرون: دلوك الشمس ميلها للزوال، والصلاة التي أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله) بإقامتها عند دلوكها الظهر)(23).

واستشهد الطبري على ذلك بروايات عديدة، عن عبد الله(24)، وعن ابن عباس، وعن ابن عمر، وعن أبي برزة السلمي، وعن سيار بن سلامة الرياحي عن أبي برزة أيضاً، وعن مبارك عن الحسن، وعن يونس عن الحسن أيضاً، وعن جويبر عن الضحاك، وعن أبي جعفر (أي الإمام الباقر(عليه السلام))، وعن الزهري عن ابن عباس، وعن معمر عن قتادة، وعن سعيد عن قتادة أيضاً، وعن مجاهد من طريقين.

ثم قال الطبري في (ص86): وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى بقوله: (أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) صلاة الظهر، ثم استدل على صحة هذا القول بدلائل عديدة من كلام أهل اللغة وغيرهم، ثم قال: وبذلك ورد الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ثم روى بسـنده عن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أتاني جبرئيل (عليه السلام) لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر، وعن أبي برزة: كان رسول الله يصلي الظهر إذا زالت الشمس ثم تلا: (أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ). وعن جابر بن عبد الله قال: دعوت نبي الله ومن شاء من أصحابه فطُعموا عندي ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: "أخرج يا أبا بكر قد دلكت الشمس".

ثم قال الطبري: إن معنى قوله جل ثناؤه: (أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ): أن صلاة الظهر والعصر بحدودهما مما أوجب الله عليك فيها، لأنهما الصلاتان اللتان فرضهما الله على نبيه (صلى الله عليه وآله) من وقت دلوك الشمس، وقوله: (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) فسر الطبري الغسق ببدء الليل وظلمته، ونص على أنه وقت لصلاة المغرب والعشاء، وأن قوله:(وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) هي صلاة الفجر، وتشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.

2- وقال أبو بكر بن أحمد بن علي الجصّاص الحنفي:

(فيما ذكر في الكتاب من أوقات الصلاة قوله تعالى:(أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) ذكر مجاهد عن ابن عباس (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) قال: إذا زالت الشمس عن بطن السماء لصلاة الظهر. وكذلك روي عن ابن عمر في دلوكها أنه زوالها… وقد علمنا أن دلوكها هو أول الوقت، وغسق الليل نهايته وغايته، لأنه قال:(إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ).. فأن حمل المعنى على الزوال انتظم أربع صلوات(وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) وهو صلاة الفجر فتنتظم الآية الصلوات الخمس، وهذا معنى ظاهر قد دل عليه إفراد صلاة الفجر بالذكر)(25).

وقال في موضع آخر: "وقال الحسن: غسق الليل صلاة المغرب والعشاء. وقال إبراهيم النخعي: غسق الليل العشاء الآخرة. وعن أبي جعفر (يعني الإمام الباقر (عليه السلام)): غسق الليل انتصافه"(26).

3- وقال الزمخشري المعتزلي في تفسيره:

(دلكت الشمس: غربت، وقيل: زالت. وروي عن النبي(صلى الله عليه وآله): أتاني جبرئيل (عليه السلام) لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر. واشتقاقه من الدلك، لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها. فأن كان الدلوك للزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس، وأن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) صلاة الفجر (مَشْهُودًا) يشهده ملائكة الليل والنهار)(27).

ثم قال الزمخشري عند تفسير الآية التالية: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ): (عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس).

4- وقال الفخر الرازي في تفسيره:

(المسألة الثانية: أختلف أهل اللغة والمفسرون في معنى دلوك الشمس على قولين… والقول الثاني: إن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء، وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين. وأحتج القائلون بهذا القول على صحته بوجوه..) وبعد أن ذكر ثلاث حجج على ذلك قال: (الحجة الرابعة، قال الأزهري: الأولى حمل الدلوك على الزوال في نصف النهار، والمعنى أقم الصلاة أي أدمها من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل، وعلى هذا التقدير فيدخل فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم قال تعالى (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ)، فإذا حملنا الدلوك على الزوال دخلت الصلوات الخمس في هذه الآية، وأن حملناه على الغروب لم يدخل فيه إلا ثلاث صلوات وهي المغرب والعشاء والفجر، وحمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة أولى، فوجب أن يكون المراد من الدلوك الزوال.. (إلى أن قال): وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتاً للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين. فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء مطلقاً، إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز، فوجب أن يكون الجمع جائزاً بعذر السفر وعذر المطر وغيره(28).

نقاش علمي مع الفخر الرازي:

ما أدري أي دليل دل الفخر الرازي على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز؟ فأن كان الكتاب فهذه آية من آياته نص هو نفسه على أنها تقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء مطلقاً، وهكذا بقية آياته في المسألة وهي نصب عينيك، وأن كان الدليل من السنة، ففعل النبي(صلى الله عليه وآله) وقوله وإقراره على جواز الجمع ثابت كما سيأتيك البيان مفصلاً ومسنداً إلى صحاحهم وسننهم ومسانيدهم، وأن كان الإجماع فمعلوم أن لا إجماع بين فقهاء المسلمين في أن الجمع بين الصلاتين لا يجوز بدون عذر. نعم، قد يقصد بالدليل فتاوى المذاهب الأربعة فذلك عذره أن كان مقلداً لهم.

ومن هنا قال في جوابه سيدنا الأجل السيد عبد الحسين شرف الدين (ره) في كتابه الصغير الحجم الكبير النفع (مسائل فقهية) ص15 ما نصه: (قلت: أمعنّا بحثاً عما ذكره (أي الفخر الرازي) من دلالة الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز، فلم نجد له –شهد الله- عيناً ولا أثراً… نعم كان النبي (صلى الله عليه وآله) يجمع في حال العذر، وقد جمع أيضاً في حال عدمه لئلا يحرج أمته، ولا كلام في أن التفريق أفضل، ولذلك كان يؤثره رسول الله (صلى الله عليه وآله).. كما هي عادته في المستحبات كلها (صلى الله عليه وآله)).

5- وقال الحافظ ابن كثير الدمشقي الشافعي في تفسيره:

(يقول تبارك وتعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله) آمراً له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها: (أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) قيل: لغروبها، قاله ابن مسعود، ومجاهد، وابن زيد، وقال هشيم عن مغيرة عن الشعبي عن ابن عباس: دلوكها زوالها، ورواه نافع عن ابن عمر، ورواه مالك في تفسيره عن الزهري عن ابن عمر، وقاله أبو برزة الأسلمي، وهو رواية أيضاً عن ابن مسعود، ومجاهد، وبه قال الحسن، والضحاك، وأبو جعفر الباقر، وقتادة، واختاره ابن جرير. ومما استشهد عليه ما رواه عن ابن حميد، عن الحكم بن بشير: حدثنا عمرو بن قيس، عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن جابر بن عبد الله قال: دعوت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم، ومن شاء من أصـحابه، فطُـعموا عندي ثم خرجوا حيـن زالت الشمس فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس. ثم رواه عن سهل بن بكار، عن أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نحوه. فعلى هذا تكون الآية دخل فيها أوقات الصلوات الخمس، فمن قوله: (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) وهو ظلامه، وقيل: غروب الشمس أخذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) يعني صلاة الفجر)(29).

6- وقال جلال الدين السيوطي في تفسيره:

(وأخرج ابن مردويه عن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في قوله: (أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) قال: لزوال الشمس. وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر قال: دلوك الشمس زياغها بعد نصف النهار. وأخرج البزار وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي بسند ضعيف عن ابن عمر قال: دلوك الشمس زوالها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير عن ابن عباس قال: دلوكها زوالها. واخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): أتاني جبرئيل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر، واخرج ابن جرير عن أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله (ص) يصلي الظهر إذا زالت الشمس، ثم تلا قوله تعالى: (أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يصلي الظهر عند دلوك الشمس.

أخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: غسق الليل اجتماع الليل وظلمته. وأخرج ابن الأنباري في (الوقف) عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) قال: الغسق دخول الليل بظلمته… قال فيه زهير بن أبي سلمى: ظلّت تجوب يداها وهي لاهية حتى إذا أجنح الاِظلام في الغسق

أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) قال: صلاة الصبح. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله:( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) قال: صلاة الفجر. وأخرج أحمد، والترمذي – وصححه - والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم – وصححه - وابن مردويه، والبيهقي في (شعب الأيمان) عن أبي هريرة في قوله:(إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار تجتمع فيها)(30).

7- وقال الجلالان في تفسيرهما:

((أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي من وقت زوالها (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) إقبال ظلمته، أي الظهر والعصر والمغرب والعشاء (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) صلاة الصبح (إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار)(31).

8- وقال أبو السعود العمادي في تفسيره:

((أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) لزوالها كما ينبئ عنه قوله عليه (وآله) الصلاة والسلام: أتاني جبرئيل(عليه السلام) لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر… فالآية على تفسير الدلوك بالزوال جامعة للصلوات الخمس)(32).

9- وقال الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره:

((أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) لزوالها أي بعد زوال الشمس لأن الدلوك من الدلك وهو الأنتقال، والدالك لا تستقر يده في مكان(إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) إلى ظلمته، وذلك وقت صلاة العشاء الأخيرة إذا زال الشفق، (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) صلاة الصبح، وسميت قرآناً من تسمية الكل باسم البعض لأن القراءة من أركانها(33) كما تسمى ركوعاً وتسمى سجودا(إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) تشهده شواهد القدرة، وبدائع الحكمة، ونظام الخليقة، وبهجة العالم العلوي والسفلي.. وهذه هي الصلوات الخمس، فمن دلوك الشمس إلى غسق الليل أي غروب الشفق الذي يتبعه الظلام أربع صلوات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء وقرآن الفجر هو الصبح)(34).

10- وقال الأستاذ سيد قطب في تفسيره:

(دلوك الشمس هو ميلها إلى المغيب. والأمر هنا للرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم خاصة. أما الصلاة المكتوبة فلها أوقاتها التي تواترت بها أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) وتواترت بها سنته العملية وقد فسر بعضهم دلوك الشمس بزوالها عن كبد السماء، والغسق بأول الليل، وفسر قرآن الفجر بصلاة الفجر، وأخذ من هذا أوقات الصلاة المكتوبة وهي الظهر والعصر والمغرب والعشاء (من دلوك الشمس إلى غسق الليل) ثم الفجر. وجعل التهجد وحده هو الذي اختُصّ رسول الله بأن يكون مأموراً به، وإنه نافلة له. ونحن نميل إلى الرأي الأول: وهو أن كل ما ورد في هذه الآيات مختص بالرسول (صلى الله عليه وآله) ، وأن أوقات الصلاة المكتوبة ثابتة بالسنة القولية والعملية)(35).

نقاش علمي مع سيد قطب:

لقد وجد الأستاذ (قطب) في الآية القرآنية دليلاً صريحاً في أن أوقات الصلوات ثلاثة، في حين أن فتاوى المذاهب الأربعة تذكر أنها خمسة، ووجد أن الآية تقضي بجواز الجمع بين الصلاتين، والمذاهب لا تجيزه، فوقف موقف الحيرة في الجمع بين ما نصت عليه الآية من أوقات الصلوات، وبين ما عليه فتوى المذاهب فرأى أن يميل إلى صرف الآية عن هدفها الحقيقي من بيان أوقات الصلاة المكتوبة إلى أنها مختصة بالرسول (صلى الله عليه وآله) ، وأن أوقات الصلاة المكتوبة ثابتة بالسنة القولية والعملية، فخالف بذلك كافة الفقهاء والمفسرين من حيث يشعر أو لا يشعر.

أما قوله: أن أوقات الصلاة المكتوبة ثابتة بالسنة القولية والعملية فصحيح، ولكن السنة الثابتة مع هذه الآية والآيات الأخرى لن تفارقها، وسيأتيك بيانها.

هذا والمعلوم بالضرورة والإجماع عند علماء المسلمين أجمعين أن من خصائص النبي (صلى الله عليه وآله) وجوب صلاة الليل عليه فقط دون غيرها من النوافل الأخرى، وهي مندوبة لأمته، ووقتها من بعد نصف الليل إلى وقت طلوع الفجر، وإليها أشارت الآية التالية [79 من سورة الإسراء]:(وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) وهذا لا خلاف فيه لأحد.

ولم تسمع أذن الدنيا قولاً قبل قول الأستاذ قطب أن هناك صلاة واجبة على النبي وخاصة به غير صلاة الليل، فمن أين جاء باختصاص النبي بصلاة عند دلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر؟ وما هي هذه الصلاة؟ وما كيفيتها؟!

لست أدري ولا أظن أن الأستاذ يدري… نعم أن الله (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) [سورة المؤمن/20].

الآية الثالثة في سورة طه:

قال تعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى).

التحقيق حول الآية الكريمة:

صرح أكثر الفقهاء والمفسرين من الفريقين(36) بأن التسبيح الذي أمر الله سبحانه به في هذه الآية هو الصلوات الخمس المكتوبة، أو المكتوبة والمندوبة، وأن الله سماها تسبيحاً من باب تسمية الكل باسم البعض كما سماها قرآناً وسجوداً وذكراً، أو لأن التسبيح لغة هو التنزيه والتقديس، والصلاة من أبرز مظاهرهما.

قال السيد محمد رشيد رضا في تفسيره: "وكانوا يعبرون عن الصلاة بالتسبيح ويقولون سبح الغداة مثلاً أي صلى الفجر"(37).

ويؤيد هذا نصوص مروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه والتابعين كما ستمر عليك قريباً.

والآية - كما ترى - تذكر أوقاتاً أربعة(قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) وهذا وقت لصلاة الصبح بلا خلاف، وهو بيان لآخر وقتها، وعلى هذا نعلم بطلان من رأى أن وقت صلاة الصبح الاختياري ينتهي في وقت تعارف الوجوه وهو الإسفار والتنوير(38) (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا). وهذا وقت للظهر والعصر مشتركاً بينهما، وهو بيان لآخره، ومن هنا نعلم أيضاً بطلان من رأى أن وقت صلاة العصر الاختياري ينتهي إلى اصفرار الشمس في الأرض والجدران(39)، ومن ذهب أيضاً إلى أن من أخّرَ صلاة العصر إلى تجاوز الظل عن مثليه يأثم، وأنه يحرم عليه أن يؤخرها إلى هذا الوقت(40).

(وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّح) أي ساعات من الليل وهو وقت للمغرب والعشاء مشتركاً بينهما أيضاً، وإن هذا الوقت هو بعض الليل لا كله، لأن (مِن) للتبعيض، وينتهي الوقت (حسب روايات أهل البيت وفتاوى شيعتهم) للمختار غير المضطر في منتصف الليل، وهو الوقت القريب من النهار في قوله تعالى: (وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْل) أي ساعات من الليل قريبة من النهار، وبذلك نعلم بطلان من رأى أن صلاة العشاء يمتد وقتها إلى طلوع الفجر الصادق الذي به يكون انتهاء الليل(41).

(وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) وهذا الوقت الرابع اختلف المفسرون في المراد منه وستمر عليك بعض أقوالهم فيه، والظاهر لنا –والله أعلم- أن (أَطْرَافَ) جمع طرف، والجمع في اللغة لا يكون أقل من ثلاثة وعليه فإن أُريد به أول النهار ووسطه وآخره، يكون ذلك تأكيداً من الله سبحانه لعباده على صلوات النهار المفروضة الواقعة في أطرافه وهي الصبح والظهر والعصر التي ذكرها بقوله: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا). وإن أُريد به مطلق أطرافه أي ساعاته فإنه يكون ترغيباً من الله لعباده في التطوع بمطلق الصلاة المندوبة في أي وقت شاء من النهار.

ويـؤيد هذا ما روى شيخنا الكليني بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) قال: يعني تطوع بالنهار(42).

فظهر لنا من الآية الكريمة أن فيها دلالة واضحة على اتساع الوقت وامتداده لصلاة الصبح إلى طلوع الشمس، ولصلاتي الظهر والعصر إلى غروبها، والمغرب والعشاء إلى منتصف الليل، وأن مجموع أوقات الصلوات المفروضة ثلاثة لا خمسة. وهذا ما مر علينا صريحاً في روايات أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم مع القرآن والقرآن معهم في كل آياته (لن يفترقا) فاتبعهم.

أقوال وروايات أهل السنة في الآية الكريمة:

وإليك أقوال بعض المفسرين ورواياتهم من أهل السنة حول الآية الكريمة:

1- قال الطبري في تفسيره:

(…(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك) يقول: وصلّ بثنائك على ربك (إلى أن قال) وقوله: (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْس) وذلك صلاة الصبح، (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) وهي العصر، (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) صلاة العشاء الآخرة، لأنها تُصلى بعد مضي آناء الليل، وقوله: (وَأَطْرَافَ النَّهَار) يعني صلاة الظهر والمغرب، وقيل (أَطْرَافَ النَّهَار) الصلاتان اللتان ذكرناهما)(43).

يقصد الطبري بالصلاتين اللتين ذكرهما صلاة الصبح والعصر، وعليه يكون الوقت الرابع في الآية للتأكيد على الصلاة المذكورة (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) وهي الصبح والظهر والعصر، وهذا هو الأصوب.

وروى الطبري(44) بإسناده عن أبي زيد عن أبن عباس (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) قال: الصلاة المكتوبة، وروى حديثاً آخر عن جرير بن عبد الله البجلي عن النبي(صلى الله عليه وآله) أن المراد من التسبيح هو الصلوات المكتوبة. وروى عن قتادة في قوله تعالى:(فسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) قال: هي صلاة الفجر، (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) قال: صلاة العصر( وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) قال: صلاة المغرب والعشاء، (وَأَطْرَافَ النَّهَار) قال: صلاة الظهر.

2- وقال أبو بكر احمد بن علي الجصّاص الحنفي في عرضه لمواقيت الصلوات في القرآن:

((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى). وهذه الآية منتظمة لأوقات الصلوات أيضاً، فهذه الآيات كلها فيها ذكر أوقات الصلوات)(45).

3- قال الزمخشري المعتزلي في تفسيره:

(والمراد بالتسبيح الصلاة، أو على ظاهره، قدّم الفعل على الأوقات أولاً، والأوقات على الفعل آخراً، فكأنه قال: صلّ لله قبل طلوع الشمس يعني الفجر، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا يعني الظهر والعصر، لأنهما واقعان في النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس وغروبها، وتعمّد آناء الليل وأطراف النهار مختصاً لهما بصلاتك.. وقد تناول التسبيح في آناء الليل صلاة العُتمة (أي صلاة العشاء) وفي أطراف النهار: صلاة المغرب وصلاة الفجر على التكرار إرادة الاختصاص كما اختصت في قوله: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى…) (46).

4- وقال الفخر الرازي في تفسيره:

(المسألة الثالثة: اختلف المفسرون في التسبيح على وجهين.

فالأكثرون على أن المراد منه الصلاة وهؤلاء اختلفوا على أوجه.

الأول إن الآية تدل على الصلوات الخمس لا أزيد ولا أنقص، فقال أبن عباس: دخلت الصلوات الخمس فيه، فقبل طلوع الشمس هو صلاة الفجر، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا هو الظهر والعصر، لأنهما جميعاً قبل الغروب، (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) فسبّح: المغرب والعشاء الأخيرة، ويكون قوله: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) كالتوكيد للصلاتين في طرفي النهار، وهي صلاة الفجر وصلاة المغرب كما اختُصت في قوله:(وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى) بالتوكيد)(47).

ثم قال: (القول الثاني: إن الزيادة تدل على الصلوات الخمس وزيادة، وأن الزيادة هي قوله تعالى: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) للنوافل)(48).

5- وقال الحافظ أبن كثير الدمشقي الشافعي في تفسيره:

(..(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) يعني صلاة الفجر(وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يعني صلاة العصر.. وقال الإمام احمد: حدثنا سفيان بن عُيينة، عن عبد المـلك بن عمير، عن عمـارة بن رؤيبة، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لن يلج النار أحد صلى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا. ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير..(وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) أي من ساعاته فتهجّد به، وحمله بعضهم على المغرب والعشاء(وَأَطْرَافَ النَّهَارِ" في مقابلة آناء الليل)(49).

6- وقال جلال الدين السيوطي في تفسيره:

(أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وأبن المنذر، وأبن أبي حاتم، عن أبن عباس في قوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا" قال: هي الصلاة المكتوبة. وأخرج عبد الرزاق، وأبن جرير، وأبن المنذر، وأبن أبي حاتم عن قتادة في قوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) قال: هي صلاة الفجر، (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) قال: صلاة العصر، (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) قال: صلاة المغرب والعشاء، (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) قال: صلاة الظهر. وأخرج أبن أبي شيبة، ومسلم، وأبو داود، والنَسائي، عن عمارة بن رؤيبة: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لن يلج النار أحد صلى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا). وأخرج الحاكم عن فضالة بن وهب الليثي أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال له: حافظ على العصرين، وما العصرين؟ قال: صلاة (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا)..)(50).

7- وقال الجلالان في تفسيرهما:

(..(وَسَبِّحْ) وصل (بِحَمْدِ رَبِّكَ) حال، أي متلبساً به (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) صلاة الصبح (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) صلاة العصر(وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) ساعاته (فسبّح) صلّ المغرب والعشاء (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) عطف على محل (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) المنصوب، أي صل الظهر لأن وقتها يدخل بزوال الشمس فهو طرف النصف الأول، وطرف النصف الثاني(لَعَلَّكَ تَرْضَى) بما تُعطى من الثواب)(51).

8- وقال أبو السعود العمادي في تفسيره:

(.."وسبّح" متلبساً "بحمد ربك" أي صلّ وأنت حامد لربك الذي يُبلِغك إلى كمالك على هدايته وتوفيقه، أو نزّهه تعالى عما ينسبون إليه بما لا يليق بشأنه الرفيع، حامداً له على ما ميّزك بالهدى، معترفاً بأنه مولى النعم كلها، والأول هو الأظهر المناسب لقوله تعالى(قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) فإن توقيت التنزيه غير معهود، فالمراد صلاة الفجر،(وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يعني صلاة الظهر والعصر لأنهما قبل غروبها وبعد زوالها..(وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ) أي ساعاته جمع إنى بالكسر والقصر، وآناء بالفتح والمدّ (فسبّح) أي فصلّ والمراد به المغرب والعشاء…(وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) تكرير لصلاة الفجر والمغرب، إيذاناً باختصاصهما بمزيد مزيّة.. أو أمر بالتطوع في أجزاء النهار)(52).

9- وقال الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره:

(…"وسبّح" أي صلّ "بحمد ربك" أي وأنت حامد لربك على هدايته وتوفيقه، معترفاً بأنه مولى النعم كلها، بأن تقول في صلاتك: الحمد لله رب العالمين… الخ، وليكن ذلك(قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) وهي صلاة الفجر التي تكون في أوقات الصفاء والجمال والبهجة وإشراق الجو بنور بهج بديع مشرق مذكّر بالنور الإلهي المالئ للكون "وقبل غروبها" وقت الظهر ووقت العصر، وقد أزفت ترحل من العالم الأرضي إلى عالم أرضي آخر، فتكون الصلاة في هذين الوقتين للاعتراف بما حباه الله للناس من النور الذي أكسبهم حياة ومعيشة، وسبّب لهم الخيرات والنعم، وأحاطهم بأصناف الكرامات من جنات وأعناب وسحاب وضياء به يبصرون طرقهم (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فسبَّح) الآناء جمع إنى بالكسر والقصر، أو آناء بالفتح والمدّ أي الساعات يقول: صل في ساعات الليل المغرب والعشاء… وأما قوله تعالى (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) فأنه تكرار لصلاة الصبح وصلاة المغرب وهو معطوف على "قبل" يقول الله: سّبحني في هذه الأوقات(لَعَلَّكَ تَرْضَى) أي رجاء أنك ترضى…)(53).

10- وقال الأستاذ (سيد قطب) في تفسيره:

(وأتجه إلى ربك بحمده قبل طلوع الشمس وقبل غروبها. في هدأة الصبح وهو يتنفس ويتفتح بالحياة، وفي هدأة الغروب والشمس تودّع، والكون يغمض أجفانه، وسبح بحمده فترات من الليل والنهار.. كن موصولاً بالله على مدار اليوم… لعلك ترضى.

إن التسبيح بالله اتصال، والنفس التي تتصل تطمئن وترضى، ترضى وهي في ذلك الجوار الرضي، وتطمئن، وهي في ذلك الحمى الآمن.

فالرضى ثمرة التسبيح والعبادة، وهو وحده جزاء حاضر ينبت من داخل النفس، ويترعرع في حنايا القلب)(54).

الآية الرابعة والخامسة في سورة الروم:

قال تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ(17)وَلَهُ الْحَمْدُ 0فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ).

التحقيق حول الآيتين الكريمتين:

نصّ الكثير من الفقهاء والمفسّرين من الفريقين أن التسبيح في الآية هو الصلوات الخمس المكتوبة، وهو خبر، ولكن المراد به الأمر، أي سبّحوه ونزّهوه بمعنى: صلوا له في هذه الأوقات.

ووردت في ذلك نصوص صريحة عن بعض الصحابة والتابعين كما سيأتي.

ووجه تسمية الصلاة بالتسبيح هو أن التسبيح تنزيه لله تعالى عن صفات المخلوقين، إذ هو المتعال عنهم المختص بالعبادة له دونهم، وكما أنه منزّه عن صفات المخلوقين كذلك هو جلّ وعلا متصف بما وصف به نفسه من صفات الكمال المطلق الذي لا يتصف به المخلوقين، ومن كان كذلك استحق مطلق الحمد والثناء، ولذلك قرن الحمد له بالتسبيح.

والآيتان – كما ترى - تذكران أوقاتاً أربعة(َفسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) صلاة المغرب والعشاء معاً على ما نص عليه أكثر المفسرين. إذ الإمساء الدخول في المساء وهو مجيء الليل، كما أن الإصباح الدخول في الصباح وهو مجيء ضياء النهار، ثم قال: (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) صلاة الصبح بلا خلاف، (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وذُكِرَ الحمد هنا إشارة إلى أن له تبارك وتعالى الحمد والثناء المطلق في العالمين العلوي والسفلي،(وَعَشِيًّا) صلاة العصر عطفاً على أوقات الصلوات المتقدمة،(وَحِينَ تُظْهِرُونَ) وهذا الوقت الرابع، والمراد منه صلاة الظهر.

فتكون الآية – على هذا - قد ذكرت للصلاة المكتوبة أربعة أوقات، في حين بقية الآيات السابقة والآيات اللاحقة تذكر للصلاة أوقاتاً ثلاثة.

والظاهر لي بعد التدبّر والإمعان – والله أعلم - أن من أهداف هاتين الآيتين بالخصوص بيان أن الجمع بين الصلاتين مشرّع ولا مانع منه لذا عيّنت الآية الأولى وقتاً واحداً لصلاتي المغرب والعشاء معاً بنصها: (وحِينَ تُمْسُونَ) ثم بيان أن التفريق بين الصلاتين مشرّع أيضاً ولا مانع منه، لذا ذكرت الآية الثانية وقتاً خاصاً لصلاة الظهر، وآخر لصلاة العصر، بنصها:(وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ).

فتكون الآيتان (مع ملاحظة الآيات الأخرى) مؤيدين لروايات أهل البيت (عليهم السلام) في جواز الجمع بين الصلاتين من جهة والتفريق بينهما من جهة أخرى، وأنهم مع القرآن والقرآن معهم في كل آياته (لن يفترقا) فاتبعهم.

أقوال وروايات أهل السنة في الآيتين الكريمتين:

وإليك أقوال بعض المفسرين ورواياتهم من أهل السنة حول الآيتين الكريمتين.

1- قال الطبري في تفسيره:

(…(فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) يقول تعالى ذكره: فسبّحوا الله أيها الناس، أي صلّوا له حين تمسون وذلك صلاة المغرب(55) وحين تصبحون وذلك صلاة الصبح، (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وله الحمد في جميع خلقه دون غيره في السماوات من سكانها، والأرض من أهلها من جميع أصناف خلقه فيها،(وَعَشِيًّا) يقول: وسبّحوه أيضاً عشياً وذلك صلاة العصر(وَحِينَ تُظْهِرُونَ) يقول: وحين تدخلون في وقت الظهر. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل)(56).

وذكر في هذا روايات عديدة منها عن ابن عباس قال: جمعت هاتان الآيتان مواقيت الصلاة (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) قال: المغرب والعشاء، (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) الفجر، (وَعَشِيًّا) العصر (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الظهر.

ثم ذكر الطبري مثل هذه الرواية من طرق ثمانية عن ابن عباس، ومجاهد، وابن زيد.

2- وقال أبو بكر أحمد بن علي الجصاص الحنفي:

(وروى ليث، عن الحكم عن أبي عياض، قال: قال ابن عباس: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) المغرب والعشاء (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) الفجر، (وَعَشِيًّا) العصر (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الظهر، وعن الحسن مثله)(57).

3- وقال الزمخشري المعتزلي في تفسيره:

(والمراد بالتسبيح ظاهره فيها الذي هو تنزيه الله من السوء والثناء عليه بالخير في هذه الأوقات لما يتجدد فيها من نعمة الله الظاهرة، وقيل: الصلاة، وقيل لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم وتلا هذه الآية (تُمْسُونَ) صلاة المغرب والعشاء (وتُصْبِحُونَ) صلاة الفجر(وَعَشِيًّا) صلاة العصر (وتُظْهِرُونَ) صلاة الظهر)(58).

4- وقال الفخر الرازي في تفسيره:

(وأما المعنى فقال بعض المفسرين: المراد منه الصلاة، أي صلّوا. وذكروا أنه أشار إلى الصلوات الخمس ..)(59).

5- وقال الحافظ ابن كثير الدمشقي الشافعي في تفسيره:

(هذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه عند المساء وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح وهو إسفار النهار بضيائه. ثم اعترض بحمده مناسباً للتسبيح وهو التحميد فقال تعالى:( وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي هو المحمود على ما خلق في السموات والأرض، ثم قال تعالى: (وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ) فالعشاء هو شدة الظلام، والإظهار قوة الضياء)(60).

6- وقال جلال الدين السيوطي في تفسيره:

(وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم – وصححه - عن أبي رزين قال: جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس فقال: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، فقرأ (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) صلاة المغرب (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) صلاة الصبح، (وَعَشِيًّا) صلاة العصر(وَحِينَ تُظْهِرُونَ) صلاة الظهر، وقرأ "ومن بعد صلاة العشاء")(61).

وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وأبن المنذر، عن ابن عباس قال: جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) قال: المغرب والعشاء، (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) الفجر، (وَعَشِيًّا) العصر، (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الظهر.

وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وأبن المنذر، عن مجاهد مثله)(62).

7- وقال الجلالان في تفسيرهما:

(…(فَسُبْحَانَ اللَّهِ) أي سبحوا الله بمعنى صلوا (حِينَ تُمْسُونَ) أي تدخلون في المساء، وفيه صلاتان: المغرب والعشاء،(وَحِينَ تُصْبِحُونَ) تدخلون في الصباح، فيه صلاة الصبح،(وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) اعتراض ومعناه يحمده أهلهما(وَعَشِيًّا) عطف على (حين) وفيه صلاة العصر،(وَحِينَ تُظْهِرُونَ)، تدخلون في الظهيرة وفيه صلاة الظهر)(63).

8- وقال أبو السعود العمادي في تفسيره:

(وقيل: المراد بالتسبيح والحمد الصلاة لاشتمالها عليهما، وقد روي عن أبن عباس: أن الآية جامعة للصلوات الخمس(تُمْسُونَ) صلاتا المغرب والعشاء، و(تُصْبِحُونَ) صلاة الفجر، و(عشياً) صلاة العصر، و(تُظْهِرُونَ) صلاة الظهر)(64).

9- وقال الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره:

(..(فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون) أي فسبّحوا لله، والتسبيح تنزيه الله من السوء، والثناء عليه بالخير في الصلاة وغيرها، وقد سأل نافع بن الأزرق أبن عباس قائلاً: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال نعم، وقرأ هاتين الآيتين، وقال: جمعت الصلوات الخمس ومواقيتها، قال العلماء: وذلك أن قوله(تُمْسُونَ) صلاة المغرب والعشاء، وقوله (تُصْبِحُونَ )صلاة الفجر، (وَعَشِيًّا) صلاة العصر، (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) صلاة الظهر)(65).

10- وقال الأستاذ سيد قطب في تفسيره:

(والنص يربط التسبيح والحمد بالأوقات: الإمساء والإصباح والعشي والإظهار، كما يربطهما بآفاق السماوات والأرض. فيتقصّى بهما الزمان والمكان، ويربط القلب البشري بالله في كل بقعة وفي كل أوان، ويشعر بتلك الرابطة في الخالق مع هيكل الكون ودورة الأفلاك وظواهر الليل والنهار والعشي والإظهار.. ومن ثم يظل القلب مفتوحاً يقظاً حساساً، وكل ما حوله من مشاهد وظواهر، وكل ما يختلف عليه من آونة وأحوال يذكّره بتسبيح الله وحمده ويصله بخالقه وخالق المشاهد والظواهر والآونة والأحوال)(66).

الآية السادسة والسابعة في سورة ق:

قال تعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ(39)وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ).

التحقيق حول الآيتين الكريمتين:

هاتان الآيتان قريبة في نصهما ومفادهما من آية سورة طه(67) وقد صرح أكثر الفقهاء والمفسرين من الفريقين أن التسبيح الذي أمر الله به فيهما هو الصلوات الخمس المكتوبة والمندوبة بعدها.

ويؤيد هذا نصوص مروية عن بعض الصحابة والتابعين(68).

والآيتان – كما ترى - تذكر أوقاتاً أربعةَ(قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْس) وهذا وقت للصبح بلا خلاف، (وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) وهذا وقت للظهر والعصر مشتركا بينهما، (وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْه) أي بعض الليل فصلّ له، وهو وقت للمغرب والعشاء مشتركاً بينهما أيضاً،ُ(وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) وهذا الوقت الرابع، وقد ذهب المفسرون في المراد منه إلى قولين:

الأول: أن المراد منه النوافل بعد الفريضة أو بعضها.

الثاني: أنه التعقيب والذكر بعدها، والقول الأول أشهر، وقد وردت فيه نصوص عن الأئمة الأطهار من طرق الفريقين. فقد روى شيخنا الكليني في (فروع الكافي)(69) بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر قال: قلت له: (وأدبار السجود)؟ قال: ركعتان بعد المغرب، والظاهر أنه عليه السلام يريد صلاة الغفيلة وهي ركعتان تصلى بعد صلاة المغرب استحباباً.

وروى العلامة الشيخ احمد الجزائري قائلاً: (وفي الصحيح عن أبن أبي عمير، عن الرضا(عليه السلام) قال: أدبار السجود أربع ركعات بعد المغرب، وأدبار النجوم ركعتان قبل صلاة الصبح)(70).

وروى علي بن إبراهيم في تفسيره بسنده عن أبن أبي بصير(71) قال: (سألت الإمام الرضا(عليه السلام) عن قول الله (وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) قال أربع ركعات بعد المغرب)(72) والمراد بأربع ركعات هنا نافلة المغرب.

ويمكن أن يستظهر من هذا الاختلاف بين الرواية الأولى عن أبي جعفر، وبين الروايتين عن الإمام الرضا (عليه السلام) أن المراد من قوله (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) مطلق النوافل البعدية ويكون ذكر الركعتين عن أبي جعفر (عليه السلام) والأربع ركعات عن الرضا (عليه السلام) من باب التمثيل لا التعيين.

وروى أهل السنة عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) أنها ركعتان بعد المغرب.

فالآيتان الكريمتان فيهما دلالة واضحة (كغيرها من الآيات) على اتساع الوقت وامتداده لصلاة الصبح إلى طلوع الشمس، والظهر والعصر إلى الغروب، والمغرب والعشاء إلى منتصف الليل، وأن مجموع أوقات الصلوات المفروضة ثلاثة لا خمسة، وهذا ما مر علينا صريحاً في روايات أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم مع القرآن والقرآن معهم في كل آياته (لن يفترقا) فاتبعهم.

أقوال وروايات أهل السنة في الآيتين الكريمتين:

إليك أقوال بعض المفسرين ورواياتهم من أهل السنة حول الآيتين الكريمتين:

1- قال الطبري في تفسيره:

(..(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) يقول: صلّ بحمد ربك صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، وصلاة العصر قبل الغروب)(73).

وذكر الطبري على ذلك روايات من طرقهم عن علمائهم، ثم قال: وقوله تعالى (وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) فقال بعضهم: عنى بذلك صلاة العُتمة (أي العشاء) وقال آخرون: هي صلاة بالليل في أي وقت صلّى.

ثم روى الطبري عن مجاهد: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) قال: الليل كله، ثم قال الطبري: والقول الذي قاله مجاهد في ذلك أقرب إلى الصواب، وذلك أن الله – جل ثناؤه - قال: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) فلم يحدّ وقتاً من الليل دون وقت، وإذا كان ذلك كذلك كان على جميع ساعات الليل، وإذا كان الأمر في ذلك على ما وصفنا فهو بأن يكون أمراً بصلاة المغرب والعشاء أشبه منه بأن يكون أمراً بصلاة العُتمة، لأنهما يصليان ليلاً. وقوله (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) قيل: هما الركعتان بعد صلاة المغرب. وذكر في ذلك روايات عديدة.

2- وقال أبو بكر احمد بن علي الجصاص الحنفي في كتابه:

(وروى أبو رزين عن أبن عباس (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) قال: الصلاة المكتوبة)(74).

3- وقال الزمخشري المعتزلي في تفسيره:

(..(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) حامداً ربَك، والتسبيح محمول على ظاهره، أو على الصلاة، فالصلاة (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) الفجر، (وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) الظهر والعصر، (وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) العشاءان، (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) التسبيح في آثار الصلوات، والركوع والسجود يُعَبّر بهما عن الصلاة. وقيل: النوافل بعد المكتوبة. وعن علي رضي الله عنه: الركعتان بعد المغرب، وروي عن النبي(صلى الله عليه وآله): من صلّى بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في علييّن. وعن أبن عباس: الوتر بعد العشاء، والأدبار جمع دبر، وقرأ: وأدبار من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت. ومعناه وقت انقضاء السجود كقولهم: أتيتك خفوق النجم)(75).

4- وقال الفخر الرازي في تفسيره:

(..(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) يحتمل وجوهـاً. أحدها أن يكون الله أمر النبي(صلى الله عليه وآله) بالصلاة، فيكون كقوله تعالى: (أَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ) وقوله تعالى:(قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) إشارة إلى طرفي النهار، وقوله:(وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) إشارة إلى زلفاً من الليل..وقوله: (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) وقد تقدم بعض ما يقال في تفسيره، ووجه آخر هو إشارة إلى الأمر بإدامة التسبيح، فقوله:(بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ(39)وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْه) إشارة إلى أوقات الصلوات، وقوله: (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) يعني بعدما فرغت من السجود وهو الصلاة فلا تترك تسبيح الله وتنزيهه بل داوم أدبار السجود ليكون جميع أوقاتك في التسبيح..)(76).

5- وقال الحافظ أبن كثير الدمشقي الشافعي في تفسيره:

(..(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتان قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر (إلى أن قال): صلاة الصبح والعصر فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب: (وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) أي فصلّ له، (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) قال أبن أبي نجيح عن مجاهد عن أبن عباس: هو التسبيح بعد الصلاة.

والقول الثاني: أن المراد بقوله: (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) هما الركعتان بعد المغرب. وروي ذلك عن عمر، وعلي، وأبنه الحسن، وأبن عباس، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وبه يقول مجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، والحسن، وقتادة وغيرهم)(77).

6- وقال جلال الدين السيوطي في تفسيره:

(..أخرج الطبراني في (الأوسط)، وابن عساكر عن جرير بن عبد الله عن النبي(صلى الله عليه وآله) في قوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) قال : قبل طلوع الشمس صلاة الصبح، وقبل الغروب صلاة العصر..وأخرج ابن جرير عن أبن زيد في قوله:(وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) قال: العُتمة، (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) النوافل. وأخرج أبن جرير عن مجاهد (وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) قال: الليل كله.. وأخرج أبن المنذر، وأبن نصر عن أبي تميم الجيشاني قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) في قوله (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) هما الركعتان بعد المغرب)(78).

وأكثر السيوطي من نقل الروايات في هذه المعاني.

7- وقال الجلالان في تفسيرهما:

(..(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) صلّ حامداً (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) أي صلاة الصبح، (وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) أي صلاة الظهر والعصر، (وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) أي صلاة العشائين (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) بفتح الهمزة جمع دبر، وبكسرها مصدر أدبر، أي صلّ النوافل المسنونة عقب الفرائض)(79).

8- وقال أبو السعود العمادي في تفسيره:

(..(قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) هما وقت الفجر والعصر، وفضيلتهما مشهورة، (وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) وسبحه بعض الليل (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) وأعقاب الصلوات، جمع دبر، وقرئ بالكسر من أدبرت الصلاة إذا انقضت وتمت، ومعناه وقت انقضاء السجود. وقيل: المراد بالتسبيح الصلوات، فالمراد بما قبل الطلوع صلاة الفجر، وبما قبل الغروب الظهر والعصر، وبما من الليل العشاءان والتهجد، وما يصلّى بأدبار السجود النوافل بعد المكتوبة)(80).

9- وقال الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره:

(..(قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) أي وقت الفجر، ووقت الظهر والعصر، (وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) أي وسبّحه بعض الليل (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) وأعقاب الصلاة، ومعنى هذا أن يقول: سبحان الله والحمد لله في أحوال أربعة وقت الفجر، ووقت الظهر والعصر، أو العصر فقط، وفي الليل، وعقب الصلوات، فيكون التسبيح على ظاهره.

وقيل: أن التسبيح نفس الصلاة فيكون صلاة الفجر، وصلاة الظهر والعصر، وصلاة المغرب والعشاء، والرابع النوافل بعد الصلوات. وإنما سميت هذه الصلوات تسبيحاً تسميةً بالجزء منها وهو ما في الركوع والسجود من التسبيح، فالتسبيح على الأول خارج الصلاة، والتسبيح في الثاني صلاة وتسبيح داخل فيها، ولا جَرَم أن الحمد مذكور في (الفاتحة) والتسبيح في الركوع والسجود، ومعنى (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) وقت انقضاء السجود كقولهم (آتيك خفوق النجم) وفي حديث البخاري عن أبن عباس قال: أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يُسبّح في أدبار الصلوات كلها، يعني قوله (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)..)(81).

10- وقال الأستاذ سيد قطب في تفسيره:

(وطلوع الشمس وغروبها ومشهد الليل الذي يعقب الغروب..كلها ظواهر مرتبطة بالسماوات والأرض. وهو يربط إليها التسبيح والحمد والسجود، ويتحدث في ظلالها عن الصبر على ما يقولون من إنكار للبعث وجحود بقدرة الله على الإحياء والإعادة. فإذا جوٌّ جديد يحيط بتلك اللمسة المكررة، جو الصبر والحمد والتسبيح والسجود، موصولاً كل ذلك بصفحة الكون وظواهر الوجود، تثور في الحس كلما نظر إلى السماوات والأرض، وكلما رأى مطلع الشمس، أو مقدم الليل، وكلما سجد لله في شروق أو غروب)(82).

الآية الثامنة والتاسعة في سورة الطور:

قال تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ(48)وَمِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ).

التحقيق حول الآيتين الكريمتين:

كثرت أقوال الفقهاء والمفسرين ورواياتهم حول هاتين الآيتين وتفسيرهما(83) وترجع مجموع تلك الأقوال إلى ثلاثة:

أولها- أن المراد من التسبيح الصلاة المفروضة والأمر بها في هذه الأوقات (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) أي من نوم القائلة(84) وهو وقت لصلاتي الظهر والعصر،َ(مِنْ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) وهو وقت لصلاتي المغرب والعشاء، (وَإِدْبَارَ ا