مكتبة الموقع

الحديث الشريف

فهرس الكتاب

 

الفصلُ الأوَّل

 

عُرْ ف العقلاء والتدوين , وموقفُ الشرع من هذا العرف

الكتابةُ أمرٌ حضاريّ:

قال المتكلّمُ العظيمُ هِشامُ بن الحَكَم : بِبَريق الحِبْر تهتدي العقولُ إلى خبايا الحِكَم

وجعلَ الشيخُ الطوسيٌّ الكتابةَ من وسائل بيان الأحكام , فقال : فأمّا ما يتبيَّنُ به الشيءُ , فأشياءٌ : منها ( الكتابة ) وذلك نحو ما كتبَ النبيّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم إلى عُمّاله بالأحكام التي بيَّنها لهم , ولمن بعدهم , من كتب الصدقات والديات وغيرها من الأحكام.

وأمّا بيانُ الله تعالى فقد يكون بالكتابة والقول , لأنّه تعالى كتبَ في اللوح المحفوظ , وبيَّنَ ذلك للملائكة (1)..

وقال الشهيد الأوَّل : مُحْدَثاتُ الأمور بعد عهد النبيّ صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم : أوَّلُها الواجبُ كتدوين القرآن والسُنّة , إذا خِيْفَ عليهما التَفَلُّتُ من الصدور , فإنّ التبليغَ للقرون الآتية واجبٌ إجماعاً , وللآية , ولا يتمُّ إلاّ بالحفظ (2).

وقال الشافعي : لو لا المحابر لخطبت الزنادقة على المنابر (3).

وقال ابن مَعين : إظهار المحبرة عزٌّ (4).

وقال الشهيد الثاني : الكتابةُ من أجَلّ المطالب الدينيّة , وأكْبَر أسباب الملّة الحنيفيّة من الكتاب والسُنّة , وما يتبعهما من العلوم الشرعيّة , وما يتوقّفان عليه من المعارف العقليّة , وهي مُنقسمةٌ في الأحكام حَسَبَ العلم المكتوب : فإنْ كان واجباً على الأعيان , فهي كذلك , حيثُ يتوقَّفُ حفظُه عليها , وإنْ كان واجباً على الكفاية , فهي كذلك , وإنْ كان مستحبّاً , فكتابتُه مستحبّةٌ (5).

وقال السيّد صدّ يق حسن خان : احتاجَ العلماءُ إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة , ولَعَمْري ! إنَها الأصلُ فإنَّ الخاطرَ يغفلُ , والقلمُ يحفظُ (6).

وقال الدكتور عِتِر عن الكتابة : إنّها من أهمّ وسائل حفظ المعلومات ونقلها للأجيال , وقد كانت أحَدَ العوامل في حفظ الحديث , على الرغم ممّا وقعَ فيها من اختلاف الروايات , وتباين الوجهات (7).

وقال الشيخُ أبو زهو : الخطُّ مظهرٌ من مظاهر التَحَضُر , وأثرٌ من آثار الاجتماع و التَمَدُّن , لذا سبقَ إليه الأممُ المتمدنة.

وقال: الكتابة من أدوات التبليغ (8)

وقال الدكتور رفعت : ممّا لا شكَّ فيه أنَّ الكتابة من أهمّ عوامل التوثيق , إنْ لم تكن أهمَّها جميعها ! (9).

وقال الدكتور شعبان : الكتابةُ من الأمور التي تثبتُ بها الحُجّيّة (10).

أقولُ : إنَّ الكتابةَ هي من أبْرز معالم الحضارة البشريّة , وأكثرها فائدةً , لأنّ بها يتمُّ نقلُ أفكار الأمم إلى الأجيال , بمنتهى الأمانة والبساطة , وقد أجمعَ عقلاءُ البشر على أهميّة الكتابة وفضلها , والكتاب وفضله , بما لا مجالَ لنقل كلماتهم , في هذه الدراسة (11)..

ولقد دَعَمَ الإسلامُ موقف العقلاء من الكتابة , بنصوص من القرآن الكريم , ومن الحديث الشريف , باعتبارها واحدةً من أفضل النِعَم الإلهيّة التي ألهمها للبشر , ومن أحسن الخصائص البشريّة التي يمتاز بها الإنسان.

 

الكتابة في القرآن :

ولئن كانت (اللغاتُ ) وكان (النطقُ ) من المواهب الإلهيّة , التي امْتَنَّ بها الخالقُ على خلقه , فذكر ذلك صريحاً بقوله تعالى : (... واختلافُ ألْسِنِتكُم ) [سورة الروم (30) الآية :22 ] وتعريضاً , بقوله تعالى : (... إنّه لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكُم تَنْطِقُونَ ) [ سورة الذاريات ( 15) الآية : 23]

فإنّ الكتابةَ بالقلم - بلا ريب - من تلك المواهب , التي أنْعَمَ بها على البَشَر .

ولقد عظَّمَ اللهُ سُبْحانَه أمرَ الكتابة والقلم , إلى حدِّ أنَّهُ تعالى أقْسَمَ بهما في قوله تعالى : ( ن , والقَلَمِ و ما يَسْطُرُوْنَ ) [ سورة القلم (68) الآية : ( 1 ) ](12).

والقَسَمُ لا يكونُ إلّا بأمرٍ مهمّ , ومقدَّسٍ..

وقد عَرَّفَ جلَّ ذكرُه نَفْسَه بأنَّه ( الذي علَّمَ بالقَلَم ) في سورة العَلَق (96) الآية ( 4 ) (13).

واحتجَّ ابنُ فارس بهذه الآية على إباحة التدوين للحديث , وقال: أعلى ما يُحتجُّ به في ذلك , قولُه تعالى : ( ن , والقَلَمِ و ما يَسْطُرُونَ ) قال الحسن البصريّ : ( ن ) الدواةُ , و( القلمُ ) القلمُ (14) .

قال الخطيب البغدادي: وقد أدّب الله سبحانه عباده بمثل ذلك في الدين، فقال عزّ وجلّ: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله، ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألاّ ترتابوا) [سورة البقرة (2) الآية:282] (15).

وقال البلقيني: وقد ندب الله إلى الكتابة في قوله تعالى (... فاكتبوه ...)(16).

أقول: وقد وردت في القرآن الكريم ألفاظٌ من مادّة (كتب) المراد منها الكتابة بالقَلَم , في (سبعة وخمسين) موضعاً (17).

وورد لفظ ( كتاب ) في (مائتين واثنين وستّين) موضعاً من القرآن الكريم(18). وجاء ذكر (الأقلام ) في بعض الآَيات (19).

إنّ احتواء القرآن على هذه الألفاظ، وبهذه الكثرة، يُوحي إلى الإنسان ـ بلا ريب ـ ما للكتابة من مكانة مرموقة عند الله جلّ ذكره.

قال الخطيب ـ بعد ما ذكر آية الدين السابقة (20) ـ : لمّا أمر الله تعالى بكتابة الدين، حفظاً له، واحتياطاً عليه، وإشفاقاً من دخول الريب فيه،

كان العلم ـ الذي حفظه أصعب من حفظ الدين ـ أحرى أن تُباح كتابته، خوفا من دخول الريب والشكّ فيه (21).

ومن ظريف الآثار ما روي عن أبي المليح، عن أيّوب (ت131هـ) أنّه قال: يعيبون علينا الكتاب، وقد قال الله تعالى: (... علمها عند ربّي في كتاب ...) [سورة طه (20) الآية: (52)] (22).

وروى الدارمي هذا الأثر، عن أيّوب، عن أبي المليح (23).

ومن ذلك: قالوا لقتادة: نكتب ما نسمع منك؟ قال: وما يمنعك أنْ تكتب ، وقد أخبرك اللطيف الخبير أنّه يكتب ، قال: (علمها عند ربّي في كتاب لا يضلّ ربّي ولا ينسى)(24).

ويقول بعض المعاصرين: لقد كان القرآن الكريم فتحاً جديداً رائعاً ، لا في تاريخ العقيدة ـ فحسب ـ وإنّما في تاريخ المعرفة الإنسانيّة كلّها، فهو قد كرّم العلم والعلماء ، وأقسم في محكم آياته بالكتاب المسطور، وبالقلم وما يسطرون وكان القرآن الكريم أوّل نصّ عربي كامل اتّخذ شكل كتاب (25).

 

الكتابة في السنّة والأثر:

قد قام الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم بالدعوة إلى كلّ ما يرفع من قيمة الإنسان، ويسمو به إلى المكارم، ويزيده مدنيّةً ، وكمالاً ، وحضارةً .

ومن أهمّ وسائل التمدّن والكمال والتحضّر، هي (الكتابة ) ومحو الاُمّية ، بلا ريب .

وقد اهتمّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بهذا الأمر اهتماماً بليغاً حتّى أنّه أدخل ذلك في قضيّة سياسيّة عسكريّة، وهي فداء أسرى بدر من المشركين في مقابل تعليم عشرة من أولاد المسلمين الكتابة والقراءة ، وأمر بعض الصحابة بتعليم الصبيان في المدينة.

وقد تظافرت الأحاديث عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم في ما يتعلّق بشؤون الكتابة ، فأملى على كتّابه ، وقرّر كتابتهم ، وأمرهم بالكتابة.

فتحقّقت السنّة ، بكلّ أنواعها : الفعليّة ، والتقريريّة ، والقوليّة ، في الحثّ على الكتابة عامّةً ، وكتابة الحديث خاصّةً .

والسنّة القوليّة ، وردتْ بألفاظ مختلفة ، ومنها : ما ورد فيه أسماء أدوات الكتابة ، من: كتاب ، و ورق ، و مداد ، و حبر ، و قلم ، و قرطاس . وسيأتي ذكر جميع ما يرتبط بسنّة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في الفصل الثاني من هذا القسم(26).

ولا ريب في دلالة ذلك على تقرير الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

لمّا تعارف عليه عقلاء البشر من الاعتماد على التدوين والكتابة، كأمرٍ حضاريّ مهمّ . أضف إلى ذلك أنّ أئمّة أهل البيت الأطهار ـ الذين جعلهم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم نجوماً لاُمّته ، بأنوارهم يهتدون ، وأمر بالتمسّك بحبلهم ، والاقتداء بهم ـ قد أجمعوا على أنّ الكتابة أمرٌ ضروريٌّ ، ورغّبوا فيها ، وحثّوا الاُمّة على مزاولتها . وسيأتي تفصيل ما اُثر عنهم في هذا المجال من أفعال وأقوال ، في الفصل الثالث من هذا القسم.

وكذلك أقوال الصحابة الأبرار ـ الذين اتّبعوا آثار رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أفعاله وأقواله ـ فسيأتي في الفصل الرابع أنّ كبارهم وعلماءهم قاموا بكتابة الحديث والسنّة ، ولم يألوا جهداً في الحثّ على الكتابة.

والدليل على إقرار الشريعة الإسلامية لعرف العقلاء في استخدام الكتابة: أنّ المسلمين ـ على طول التاريخ ـ استخدموها في حياتهم العلميّة بشكل واسع، بل تفنّنوا في إجادتها ، بحيث تعدّ نماذج الخطّ الإسلاميّ بأنواعه وأشكاله وزخرفته ، من أميز الفنون الجميلة العالميّة ، روعةً وبهاءً ، وتعبّر عن ذوقٍ ومهارةٍ فائقين .

وقد استخدم المسلمون الكتابة في تدوين أقدس ما لديهم من نصٍّ ، وهو القرآن الكريم.

فمن المهين للعرب ما ذكره الشيخ أبو زهو بقوله :

أمّا بادية العرب فلم تكن تخطّ بل كانت ترى الخطّ وصمة عارٍ ، وسمة

عيب ، كما هو شأنها في سائر الصناعات المدنيّة (27).

فهذا جزافٌ من القول ، يتنافى والذوق البشريّ ، وحبّ الخلود عند الإنسان ، والحقيقة التي عرفناها عن العرب قبل الإسلام ، وإنّ عدم الكتابة الذي شاع بينهم فهو على أثر التخلّف ،لا حبّا في الاُميّة وتباهياً بها ! إلاّ جهلاً وعصبيةً وغرورا ! وأين هذا من الإسلام ؟ وإشادته بالعلم والكتابة ؟ وتأكيده على محو الاُميّة ؟!

ومن المهين للمسلمين ـ والعرب منهم ـ أنْ تُنسب إليهم كراهة الكتابة ، بهدف فصلهم عن عرف العقلاء ذلك الذي بيّناه ، وإبعادهم عن أهمّ عناصر الحضارة ، بينما نجد خلاف ذلك عند العرب أنفسهم ، فإنّهم كانوا يسمّون باسم ( الكامل ) من كان يعرف الكتابة ، ويُحسن الرمي ، ويجيد السباحة (28).

ولئن نقل عن واحد من شعرائهم ـ وهو ذو الرمّة ـ قوله ـ عن الكتابة ـ : إنّها عيبٌ

عندنا ! ويطلب كتمانها عليه .

مع أنّ كلامه ليس حجةً على اُمّة بكاملها ، فالوجه فيه أنّ ذلك يتنافى

وقوّة نظم الشعر عند الشاعر، تلك المعتمدة على قريحته الذاتيّة ،لأنّ كتابته للشعر تدلّ على ضعف الشاعريّة عنده باستمداده من شعر غيره ، أو عدم نبوعها من أعماق روحه ، و إلاّ لم يحتجْ إلى نقشها على صفحات الأوراق ، بعد صفحات

القلوب .

فهذا القرآن الكريم و هو أعظم نصّ مقدّس عند المسلمين ،لأنّه الوحي الإلهيّ المبين ، وكلام ربّ العالمين ، نزل به الروحُ الأمينُ على قلب سيّد المرسلين , ومع أنّه نصٌّ محدودٌ بما بين الدفّتين، وآياتُه مشهورةٌ محفوظةٌ في صدور المسلمين ، وهم مكلّفون بتلاوتها وتكرارها كلّ حين ، في الصلوات وجوباً ، وفي غيرها ندباً , ومع أنّ سبحانه قد تكفّل حفظه وصيانته بقوله تعالى:(إنّا نحن نزّلنا الذكر و إنّاله لحافظون)سورة الحجر (15) الآية : (9) .

فمع ذلك كلّه ، نجد أنّ الإسلام لم يمنع من كتابته وتدوينه ، وخطّه بالقلم على الأوراق , بل ، إنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم اهتمّ بأمر كتابته من أوّل وهلة لنزوله ، فعيّن له كتّاباً عديدين ، بلغ بهم بعض المصادر إلى أربعين كاتباً (29).

وقد كان لكتابته أثر مهمّ في حفظه عن التحريف ، وصيانته عن التصحيف، فلم يتمكّن أعداء الإسلام من الإجهاز عليه ، والتشكيك فيه ، بالرغم من تعريضه للإحراق والتمزيق في فترات عصيبةٍ من التاريخ(30).

لكنّه ، برعاية الله ، وبفضل كتابته وانتشار نسخه ،كان أشهر من أنْ يمسّه غير الطاهرين بسوء , فبقي نصّه المقدّس مشعلاً ينير درب الهدى للمؤمنين، وأقدس محور يتّحد عنده جمع المسلمين ، والحمد لله ربّ العالمين.

وقد اُثيرت ـ حول ارتباط القرآن بالكتابة ، ووجه الفرق والتمييز بين القرآن والسنّة في أمر كتابتهما ، و حكم تدوينهما ـ بحوثٌ طويلةُ الذيل عرضناها مفصّلة في ما يلي من مواضع هذه الدراسة ، وخاصّة في الفصل الثالث من القسم الثاني، فراجع.

 

أمّا السنّة والكتابة:

فإذا كانت الكتابة بهذه المنزلة من الحضارة والمدنيّة والكمال ، يلتزم بها عقلاء البشر من دون تلكّؤ ، والقرآن يحثّ عليها في آياته العديدة ، بشتّى الأساليب ، والرسول يدعو إليها ويرغّب فيها بكلّ الأشكال ، وكذا أهل بيته الأئمّة الأطهار ، وصحابته الأخيار ! وقد كتب ما هو أفضل النصوص ، وأشرفها على الإطلاق ، وهو القرآن الكريم , فما بالُ السنّة الشريفة ، تبقى غير مكتوبة ، بل , يمنع عن كتابتها و تدوينها طوال قرن من الزمن ؟؟؟!

مع أنّها لا تقلّ أهميّة من القرآن في تشريع الأحكام وبيان قواعد الإسلام ،كما سيأتي بيانه في هذه الدراسة (31).

وسنرى أنّ السنّة والقرآن متعاضدان ، وليس ترك السنّة إلاّ تركاً للقرآن، ومؤدّيا للقضاء عليه كلّياً ، حيث إنّ السنّة هي بيان القرآن وهو يبقى بدونها مستعجماً . هذا ، مع أنّ السنّة بعيدة الأطراف ، واسعة الأكناف ، فهي ـ على المدى البعيد ـ أكثر تعرّضاً لأشكال التحريف ، وهذا ما دفع علماءَ الإسلام إلى وضع ضوابط علم الدراية والمصطلح للمحافظة عليها ، والتوثّق من سلامتها .

وممّا اعتمدوه أداةً لحفظ الحديث وضبطه هو كتابته وتدوينه ، وقد أصبح ذلك من أهمّ وسائل الحفاظ عليه وصيانته .

ويظهر من الإمام أحمد ـ إمام الحنابلة ـ أنّه جعل الكتابة أفضل من الصلاة تطوّعاً : فعن إبراهيم بن هاني : قلت لأحمد بن حنبل : أيّ شيءٍ أحبّ إليك ، أجلسُ بالليل ، أنسخ ،أو اُصلّي تطوّعاً ؟ فقال : إذا كنت تنسخ ، فأنت تعلم به أمر دينك ، فهو أحبّ إليّ (32).

فلماذا يجب أنْ نلتزم بتأخّر هذه الوسيلة المهمّة للضبط والصيانة للسنّة والحديث ، إلى نهاية القرن الأوّل ؟ مع أنّ السنّة بتلك المنزلة من الأهميّة ، والخطورة ؟ وقابلية التعرّض لأشكال من السوء؟؟

ولو كانت المحافظة على الكتاب والسنّة وعلومهما ، واجبةً على المسلمين ، وجوباً كفائيّاً ، فإنّ وجوب كتابتهما - التي هي من أهمّ وسائل حفظهما - أمرٌ واضح.

قال المحقّق الشيخ الدربندي : لا ريب في كون كتابة الأحاديث من المندوبات العينيّة و الواجبات الكفائيّة ، بل قد تجب على جماعة فرضاً عينيّا (33).

ومن القواعد المعلومة ـ كما يقول الشيخ الشهيد الثاني ـ :أنّ فرض الكفاية إذا لم يقم به من فيه كفاية ، يخاطب به كلّ مكلّف ، ويأثم بالتقصير فيه كلّ مكلّف به ، فيكون في ذلك كالواجب العينيّ ، إلى أنْ يوجد من فيه كفاية (34).

أليس في الالتزام بالمنع من تدوين الحديث مخالفةٌ بيّنةٌ لعرف العقلاء الذي أقرّه الإسلام في قرآنه ، وحديث رسوله ، وكلام أئمته ، وسيرة أصحابه؟

أليس في الامتناع عن كتابة السنّة طوال قرن واحد ، إخلالٌ بواجب المحافظة عليها ؟

أمّا نحن، فلا نتصوّر أنّ الإسلام العظيم ، دين المدنيّة، يهمل الكتابة ، وهي من أهمّ اُسس الحضارة البشريّة. وكذلك لا نتّهم أحداً من الصحابة الكرام بالتقصير في أداء هذا الواجب الديني المقدّس.

بل، نعتقد بأنّ الإسلام وقوانينه الرصينة أجلّ من أن يمنع مثل هذا الأمر الدالّ على الكمال والرقيّ،فكيف يمنع كتابة الحديث الشريف،الذي هو ثاني مصادر هذا الدين،باتّفاق المسلمين،على اختلاف الفرق والمذاهب ؟!

كما نعتقد أنّ أصحاب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم المخلصين لهذا الدين ، والمدافعين بكلّ وجودهم عن شريعة سيّد المرسلين ، قد بذلوا جهداً واسعاً مشكوراً من أجل صيانة الحديث الشريف ، وضبطه وحفظه في الكتب المدوّنة. ولقد قاوموا عملية المنع ، وتهديدات المانعين ، فتحملّوا المشاقّ من أجل ذلك , فلم ينقطعوا عن أداء هذا الواجب المقدّس ، طرفة عين، وسنأتي على ذكر طرف من أحاديثهم ، وما بُلوا به في هذا المجال(35).

كما أنّ المانعين من تدوين الحديث ، ومن التزم برأيهم ، واتّبع آثارهم قد رجعوا إلى الحقّ ، فعادوا إلى الرشد ، ولحقوا بسائر المسلمين، وتبعوهم في كتابة الحديث الشريف ، كتابةً عامّةً ، ولو بعد قرن من الزمان، دون تحرّج أو منع أو تحريم!

 

1- العدّ ة , للطوسي ( طبع الهند ) ص ( 2 -3).

2- القواعد والفوائد , للشهيد , القاعدة (205) (2/ 145).

3- سير أعلام النبلاء (10/ 70).

4- الكامل لابن عدي( 1/ 133) والجامع لأخلاق الراوي والسامع (1/ 387).

5- منية المريد في آداب المفيد والمستفيد للشيخ الشهيد الثاني(ص339).

6- /الحِطّة (ص 106) وانظر مفتاح السنة للخولي (ص21). .

7- منهج النقد ( ص 39 - 40).

8- الحديث والمحدّثون ( ص119و225).

9- توثيق السنّة في القرن الثاني (ص43).

10- دراسات حول القرآن والسنّة (ص190).

11- لاحظ : تقييد العلم , للخطيب , باب فضل الكتب وبيان منافعها (ص113-117) وسيأتي في الفصل الرابع من القسم الثاني ذكر المقارنات بين الكتابة والحفظ وكلمات العلماء في ذلك , فراجع الصفحة (265وما بعدها ).

12- لاحظ : نور الحقيقة ( ص 108 ) وأدب الدنيا والدين ( ص68)..

13- لاحظ : نور الحقيقة ( ص 108 ) وأدب الدنيا والدين ( ص 68).

14- محاسن الاصطلاح , للبلقيني ( ص 299).

15- تقييد العلم (ص71 ) .

16- محاسن الاصطلاح ( 299 ) .

17- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم (ص1- 595) مادة ( كتب ) .

18- المصدر السابق (ص592-595) ماد ة (كتب) .

19- في سورة لقمان (31) الآية : 27 , وسورة آل عمران (3) الآية :44 .

20- عند الهامش رقم (1) .

21- تقييد العلم ( ص 71 ) .

22- تقييد العلم ( ص 110 ) .

23- سنن الدارمي ( ج 1/104) ح 495 .

24- المحدث الفاصل (ص372 ) رقم ( 340 ) و تقييد العلم ( ص 103 ) .

25- مصادر التراث العربي , عمر الدقاق (ص9) عن عبد الستار الحلوجي , مجلة الكتاب العربي , أكتوبر 1970 .

26- لاحظ ص (45)

27- الحديث والمحدثون لأبي زهو (ص119) .

28- انظر : طبقات ابن سعد (ج3 ص613) و فتوح البلدان للبلاذري (ص459) و عيون الأخبار لابن قتيبة (ج2ص168) و سير أعلام النبلاء 1/8 -279) .

29- التنبيه والإشراف للمسعودي (ص 246-7) وانظر السنّة قبل التدوين (ص 298) .

30- لاحظ الإتقان للسيوطي (ج1ص209)و مدخل إلى القرآن الكريم , لدراز (ص 50 ) و تاريخ القرآن , للزنجانيّ (ص75) .

31- لاحظ السنة قبل التدوين (ص23-27) .

32- الفقيه والمتفقّه للخطيب (1/17) .

33- القواميس - مخطوط - (ورقة17) من قسم الدراية .

34- منية المريد (ص39-340) .

35- في الفصل (4) من القسم الأوّل , وفي تمهيد القسم الثاني و خاتمته .