مكتبة الموقع

الحديث الشريف

فهرس الكتاب

 

التمهيد

 

ما هو الأصلُ في حكم التدوين؟

من المتَّفَق عليه أنَّ تدوين الحديث قد تحقَّقَ في عصر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , كما أنَّ كثيراً ممّا تحقَّقتْ كتابتُه في عصره كانَ بإذنه وبإشْرافٍ منه.

قال الدكتور الشيخ عبد الحليم محمود - شيخ الأزهر سابقاً -: لقد وَقَرَ في أذهان الناس بصورةٍ راسخةٍ : أنَّ السُنّةَ لم تُدَوَّ نْ إلاّ في القرن الثاني , ومن أجل اقتلاع هذه الفكرة الخاطئة أطلنا في نقل بعض النصوص التي تُثبتُ الحقيقةَ , وهي أنَّ السُنّة دُوِنَتْ في القرن الأوَّل , في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وفي عهد الصحابة الأجِلاّء (1).

وقال الدكتور عِتِر : وردتْ أحاديث كثيرةٌ عن عَدَدٍ من الصحابة تَبْلُغُ بمجموعها رُتبةَ التواتر , في إثبات وقوع الكتابة للحديث النبوي , في عهده صلّى اللهُ عليه وآله وسلَّم (2).

وقال الدكتور رفعت : نقربُ من الحقيقة عندما نقول: إنَّ الماد ةَ التي كتبتْ في عهد رسول الله صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم ليستْ بالشيء القليل (3).

وقال آخر : لا مجالَ للشكِّ في تحقيق تقييد الحديث في عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم نفسه , وليس على رأس المائة الثانية للهجرة,..., لأنَّ الكتب والأخبار والوثائق التاريخيّة لا تَدَعُ مجالاً له (4).

ويعترف عِتِر : بتوافُر الدلائل العلميّة , التي تبلغُ درجة المسلّمات - في نطاق العلم - على إثْبات الكتابة لقسمٍ كبيرٍ من الحديث في عصر النُبوّ ة (5) .

ولا ريبَ أنّ الأشياءَ -كلَّها - على أصْل الإباحة في الشرع الإسلاميّ , حتّى يقومَ الدليلُ الخاصُّ على حكمها ,كما ثَبَتَ ذلك في علم أصول الفقه.

والتدوينُ كواحدٍ من الأعمال , لو لم يدُلّ على حكمه دليلٌ خاصٌّ , فهو على أصْل الإباحة , كذلك.

وإذا دلَّت الأخبارُ الكثيرةُ , والدلائلُ العلميّةُ المسلَّمةُ , والوثائق التاريخيّة , على و قوع التدوين - للحديث الشريف - في عهد الرسول صلّى اللهُ عليه وآله وسلّم , تأكَّدَ ذلك الأصْلُ , بتقرير الشارع الحكيم لجوازه , وهو بمعنى الموافقة عليه وعدم المنع منه.

مضافا إلى أنَّ الكثير من تلك الأدلّة يدلُّ على الجواز صريحاً , وبوضوحٍ , بحيثً لا يقبلُ التأويلَ , ولا التقييدَ , كما سيأتي بيانُه.

ويُمكنُ الاقتناعُ بهذا الإجمال , لدفع المنع عن التدوين , وحمل ما ادُّعِيَ للمنع - من حُجَجٍ - على صُوَرٍ خاصّة , أو تحديدها بحالاتٍ معيَّنةٍ , أو طرحها رأساً , لأنَّ شيئاً منها لا يُقاومُ عمومَ أدلَّة الجواز , ولا إطلاقَ أدلّة الإباحة.

وبما أنَّه لا يُمكنُ الاقتصار في البحث العلميّ على هذا الإجمال , فإنَّ من المُمكن وقوع مُناقشاتٍ خاصّة حولَ كلّ واحدٍ من تلك الأدلّة والأخبار والوثائق , فنحن نعرضُ كلَّ ذلك للبحث , فنقول:

يمكن أن يُستَدَلَّ لجواز تدوين الحديث وإباحته بالأدلّة التالية:

1 - عُرْ ف العقلاء , المقرَّ ر عند الشرع.

2 - السُنّة النبويّة الشريفة.

3 - إجماع أهْل البيت عليهم السلام.

4 - سيرة الصحابة , وكبار التابعين , وسائر علماء المسلمين .

ولنذكر كلَّ واحدٍ في فصل

 

1- السنة في مكانتها وفي تاريخها ( ص48).

2- منهج النقد في علوم الحديث , للدكتور نور الدين عتر(ص 40).

3- صحيفة علي بن أبي طالب عليه السلام (ص44).

4- علوم الحديث , لصبحي الصالح (ص33).

5- منهج النقد (ص50).