|
الملحق الأوّل : المنع من رواية الحديث ونقله _ أيضا _ .
قال الدكتور صبحي الصالح : إنّ الخلفاء الراشدين لم يتشدّدوا في أمر كتابة السنّة وحدها , بل بلغ بهم الورع أنهم راحوا يتشدّدون في روايتها (1). فلنر :كيف قاموا بهذا المنع , وما كانت اهدافهم من ورائه؟؟ أبو بكر يمنع رواية الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: قد عرفنا في تمهيد القسم الثاني(2) أنّ أبا بكر كتب الحديث _ بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم _ ثمّ عمد إلى إبادته بالإحراق . ولم نقف على صدور منعٍ منه للتدوين , سوى هذا الإقدام العملي , الذي قد يكون أدلّ على المنع من مجرد المنع بالألفاظ والكلمات . لكنا نرى أبا بكر يقدم على منع نقل الحديث وروايته عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بصورة لفظيّة علنيّة . وقد يكون هذا آكد في كون أبي بكر مانعاً للتدوين , حيث أنّ منع الرواية يلازم منع التدوين بطريق أولى , لأنّ التدوين من أشكال الرواية , بل أثبت وأخلد , ومن يحاول إبادة الحديث ويتصدّى لمجرّد نقله شفهياً فهو على منع تخليده أحرص!!. مع أنه لا قائل بمنع الرواية وإ باحة التدوين , بخلاف العكس , لأنّ في من منع التدوين عدّة ممن يقول بإ باحة الرواية , بل لم يعهدْ منع الرواية إلا من الخلفاء والأمراء المانعين للتدوين , كما سيأتي . وأمّا حديث منع أبي بكر للرواية : فرواه الذهبي في ترجمة أبي بكر, قال : إن الصدّيق [ يعني أبا بكر ] جمع الناس بعد وفاة نبيّهم ! فقال : إنّكم تحدّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحاديث تختلفون فيها , والناس بعدكم أشدّ اختلافاً , فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً , فمن سألكم فقولوا :بيينا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه(3) . وفي ما يرتبط بهذا النصّ بحثان : البحث الأوّل : في مدلول كلام أبي بكر , في نقاط : 1ً _ في قوله : أحاديث تختلفون فيها . فالملاحظ أنّ أبا بكر أخبر عن أحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله كان الناس يختلفون فيها , وإذا لاحظنا أنّ الخلافات الواقعة في تلك الفترة محدودة , وأهمّ ما وقع بين الناس من الخلاف والنزاع والتخاصم , هو موضوع الخلافة والإمامة , كما تتّفق عليه كتب التاريخ والفرق(4) إذ لم ينقل - في البداية الأولى من خلافة أبي بكر - أنّ الناس اختلفوا في أحكام الصلاة أو الصوم أو غير ذلك من العبادات أو المعاملات , فالأحاديث المختلف فيها التي توجب الخلاف الأشدّ - في تلك الفترة - إنّما هي تلك التي تمسّ نظام الحكم وتؤثر على سيطرة الحاكمين . وهذا ممّا يدلّ على أنّ الهدف الأساس من منع الحديث هو منع تلك الأحاديث التي تدلّ على خلافة عليّ عليه السلام وإمامته من الانتشار الواسع بين الناس . 2ً_ قوله : لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً . إنّ ظاهر هذه الجملة هو العموم , لأنّ النكرة ( شيئا ) بعد النهي ( لاتحدّثوا ) تدلّ على العموم , بلا خلاف معروف بين الأصوليين . 3ً_ قوله : بيننا وبينكم كتاب الله . وهذه الجملة خطر ة للغاية , إذْ فيها الدعوة _ علناً _ إلى الاكتفاء بكتاب الله في مقابل الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهي الدعوة التي حذّر منها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أحاديث ( الأريكة ) حيث قال : يوشك الرجل متكئاً على أريكته , يحدَّث بحديثٍ من حديثي , فيقول : بيينا وبينكم كتاب الله ...(5). وقد أبدى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم استياءه من قائل تلك الجملة, بعبارات شتى, مثل قوله : لا أعرفنّ ... و قوله : لا ألفينّ ... . كما ردّ النبي صلّى الله عليه وآله على ذلك بقوله :الا ما حرّم رسول الله , كما حرّم الله (6) ردّاً على من فصل بين الكتاب والسنة . البحث الثاني : مع الذهبي في دفاعه عن أبي بكر : إنّ الذهبي _ بعد أنْ نقل هذا الحديث , عن أبي بكر _ قال : إنّ مراد الصديق التثبّت في الإخبار , والتحرّي , لا سدّ باب الرواية ... ولم يقل : حسبنا كتاب الله ,كما تقول الخوارج(7) . أقول : يرد على الذهبي ا مور : 1ً _ قوله : مراد الصديق التثبّت ... لا سدّ باب الرواية : ففيه : أنّ من يريد سدّ باب الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , و يريد منع نقل الحديث عنه مطلقاً , هل يجد كلاماً أوضح دلالةً , على عموم المنع , من جملة : لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ؟ ولو لم يرد المتكلم بهذا الكلام سدّ باب الرواية , بل كان يريد التثبّت والتحرّي _ كما فرض الذهبي _ لما جاز له أن يأتي بما يدل على عموم المنع والنهي عن الحديث مطلقاً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . بل كان عليه أن يقول _ مثلاً _ : لا تحدّثوا ببعض ما تسمعون أو تروون . أو يقول : لا تحدّثوا بما لا تتثبّتون ... .وما أشبه ذلك ,أو يأمرهم بالاحتياط , ويحذّرهم عن الخطأ والاشتباه . كما أنّ قوله : بيينا وبينكم كتاب الله , فاستحلّوا حلاله , وحرّموا حرامه , قرينة واضحة على أنّ مراده نبذ السنة مطلقاً , والاكتفاء بكتاب الله وما فيه من حلال وحرام , تلك الدعوة التي نادى بها أهل الفصل بين الكتاب والسنة , والاكتفاء بالقرآن مستغنين به عن السنة . 2ً _ قول الذهبي :ولم يقلْ _ يعني أبا بكر _ : حسبنا كتاب الله ,كما تقول الخوارج . أقول : هل يتصوّر الذهبي أنّ منع الحديث والرواية مطلقاً يتوقّف على قول :حسبنا كتاب الله ,فقط ؟ أليس كلّ ما يؤدّي مؤدّى هذه الجملة , فقائله يكون ممن يمنع الاستناد إلى الحديث , ويدعو إلى الاكتفاء بكتاب الله ؟! وترك الحديث والسنّة؟ ومؤدّى حسبنا كتاب الله ,هو الاكتفاء بكتاب الله , في مقابل الحديث الشريف المنقول عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . و قول أبي بكر :بيننا وبينكم كتاب الله , فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه ,بعد قوله :لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ,يؤدّي نفس معنى قول :حسبنا كتاب الله ,بلا أدني فرقٍ , وبوضوح تامٍّ ,ويدل على الاكتفاء بالقرآن وما فيه من حلال وحرام , عما وردت به السنّة . وبما أنّ أبا بكرٍ ذكر هذه الجملة في مقابل الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , فهو يدلّ على الاستغناء بالقرآن عن الحديث , وهذا واضح لا غبار عليه . والعجيب أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لما أراد الإنكار على الفصل بين حديثه وبين الكتاب _ في أحاديث ( الأريكة ) حذّر عن قول نفس جملة : بيننا وبينكم كتاب الله ... , هذه الجملة بالذات التي قالها أبو بكر في حديث منعه . ثمّ , أيّ فرقٍ يراه الذهبي بين جملة ؛ حسبنا كتاب الله ,التي ذكرها هو , وجملة : بيننا وبينكم كتاب الله ,في كلام أبي بكر ؟؟ 3ً_ قول الذهبي : حسبنا كتاب الله , كما تقول الخوارج . سبق أنْ تعرّضنا لهذا الكلام بما حاصله : إنّا لم نعهدْ من الخوارج ذكرهم لجملة : حسبنا كتاب الله ,وإنما شعارهم :لا حكم إلاّ لله . وأمّا جملة :حسبنا كتاب الله ,فهي معروفة من كلام عمر قالها في عهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وقد جابهه بها , وهو صلّى الله عليه و آله وسلّم مسجىً على فراش الموت(8) وذكرنا سابقاً مصادر قول عمر :حسبنا كتاب الله(9). وأهمّ ما يجب التنبيه عليه في هذا المجال :أنّ النصوص النبويّة الدالّة على وجوب رواية الحديث , ونقله , وتبليغه , ونشره , وحمله , وأدائه إلى الآخرين , متضافرة , لا مجال للتشكيك في صدورها عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , بل هي تجوز حدّ التواتر المعنويّ , وبعض ألفاظها مستفيضٌ قطعاً , إليك بعض نصوصها , ومصادرها :قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : نضر الله أمرءً سمع مقالتي فوعاها , وأدّاها , فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه , وربّ حامل فقه ليس بفقيه (10) . وقال _ في حديث _ : احفظوهنّ , وأخبروا بهنّ من ورائكم(11). وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم , أنه قال : مثل الذي يتعلّم علماً ثمّ لايحدّث به , مثل رجل رزقه الله مالاً فكنزه , فلم ينفق منه(12) . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : من سئل عن علمٍ فكتمه , ألجمه الله بلجامٍ من نارٍ يوم القيامة(13) . وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: من رغب عن سنتي فليس منّي(14) . وقد روى حذيفة بن اليمان , قال : دخلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مرضه الذي قبض فيه , فرأيته يتساند إلى عليّ ,فأردتُ أنْ أنحّيه وأجلس مكانه ,فقلت : يا أبا الحسن , ما أراك إلاّ تعبتَ في ليلتك هذه , فلو تنحيتَ , فأعنتُك ؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : دعْهُ ,فهو أحقّ بمكانه منك ,ادنُ منّي يا حذيفة , من أطعم مسكيناً لله عزّ وجلّ دخل الجنّة . قال : قلت : يا رسول الله , أكتم أم أتحدّث ؟ قال : بل تحدّث به (15). ولا أظنّ مسلماً يتردّد في أنّ حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا بدّ أن ينشر ويبلّغ وينقل , بل إنّ ذلك من بديهيّات الإسلام . فأينَ كان أبو بكر _ في صحبته الطويلة مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم _ من هذه الحقيقة الواضحة القطعيّة , حتى يقف بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم _ بفترةٍ غير طويلةٍ _ ويمنع من نقل أيّ حديثٍ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله , بقوله :لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً ؟ عمر , والرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : لقد عرفنا أنّ عمر كان أوّل من أعلن المنع عن تدوين الحديث , بعد أن أراد كتابته , وشاور الصحابة في ذلك , وأشار عليه عامّتهم بأن يكتب , لكنه خالفهم وعزم على المنع(16) . وقد وقف عمر من رواية الحديث ونقله موقفه الشديد من تدوين الحديث(17) . وقد رويت آثار في ذلك , نستعرضها في ما يلي : 1 _ فمنع وفد الصحابة الذين أرسلهم إلى الكوفة من الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . قال قرظة بن كعب : بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة , وشيّعنا إلى موضع قرب المدينة , يقال له :(صرار ) وقال : أتدورن لِمَ شيّعتكم , أو مشيت معكم ؟ قال : قلنا : نعم , لحقّ صحبة رسول الله ,أو : نحن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولحقّ الأنصار . قال عمر : لكنّي مشيت معكم لحديثٍ أردت أن أحدّثكم به , فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم , إنّكم تقدمون على قومٍ ,أو :تأتون قوماً , تهتزّ ألسنتهم بالقرآن اهتزاز النخل _ أو : للقرآن في صدورهم هزيزٌ كهزيز المرجل , أو :لهم دويٌّ بالقرآن كدويّ النحل _ فإذا رأوكم مدّوا إليكم أعناقهم , وقالوا : أصحاب محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم _ أو :فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث _ فأقلّوا الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم, وأنا شريككم. أو : فلا تصدّوهم بالحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(18). 2_ ومنع عمر صحابة كباراً بالخصوص عن الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : ا_فمنع أبا هريرة : قال عمر لأبي هريرة : لتتركنّ الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أو لألحقنّك بأرض دوس (19). وقال له _ أيضاً _ : لتتركنّ الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , أو لألحقنّك بأرض الطنيح _ يعني أرض قومه _(20). وقال عمر له :لتتركنّ الرواية _ أو الإكثار من الرواية _ أو لألحقنّك إلى جبال دوس (21). وقال ابن أبي الحديد :ضربه عمر بن الخطاب _ في خلافته _ بالدِرّة ,وقال له : لقد أكثرت الرواية , وأحْرِ بك أنْ تكون كاذباً على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(22). 2_ ومنع ابن مسعود , وأبا مسعود : قال ابن عساكر : بعث عمر إلى أبي مسعود, وابن مسعود, فقال :ما هذا الحديث الذي تكثرونه عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟؟(23) . ونقله ابن عدي , وفيه :بعث عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود , وإلى أبي الدرداء , وإلى أبي مسعود الأنصاري , فقال :ما هذا الحديث الذي تكثرون عن رسول الله صلّى الله عليه ؟ فحبسهم بالمدينة حتى استشهد(24). وأخرجه ابن عساكر , وفيه أسماء أخرى : عبد الله بن حذيفة ,وأبي الدرداء ,وأبي ذرّ ,وعقبة بن عامر(25). 3_ ومنع أبا موسى الأشعري _ لما بعثه إلى العراق _ بمثل ما ورد في حديث قرظة بن كعب(26). 4_ومنع عمّار بن ياسر :إنّ عمر بن الخطاّب سئل عن الرجل يجنب في السفر فلا يجد الماء ؟ فقال : لا يصلّي حتى يجد الماء. فقال عمّار بن ياسر:ياأمير المؤمنين ,أما تذكر إذ كنت أن وأنت في الإبل فأجنبنا , فأما أنا فتمرّغت كما تمرّغ الدابّة ,وأما أنت فلم تصلّ ,فذكرت ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال:إنما يكفيك هكذا_ وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه وكفّيه_. فقال له عمر :اتّق الله يا عمّار؟ فقال : إن شئتَ لم أحدّث به...(27). وإنما فهمنا التهديد لأنّ أمر عمر عمّاراً بالتقوى يدلّ على أنه حدّث بما لايجوز في شرع عمر وهو الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولذا قال له عمّار :إن شئت لم أحدّث به , فإنه يدل على كراهة عمر للحديث , فرضاه عمار بتركه . 5_ ومنع عمر عامّة الناس عن الحديث : خطب عمر , وقال :ألا ,لا أعلمنّ ما قال أحدكم :إنّ عمر بن الخطاب منعنا أن نقرأ كتاب الله ,إني ليس لذلك أمنعكم ,ولكنّ أحدكم يقوم لكتاب الله ,والناس يستمعون إليه ,ثمّ يأتي بالحديث من قبل نفسه [؟] إن حديثكم هو شرّ الحديث ,وإنّ كلامكم هو شرّ الكلام ,من قام منكم فليقم بكتاب الله , و إلاّ فليجلس ,فإنكم قد حدّثتم الناس حتى قيل :قال فلان , وقال فلان ,وترك كتاب الله(28). إن ظاهر هذه الخطبة المنع من حديث المتكلّمين خلال القرآن , ولم يصرّح فيه بالمنع من حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , لكن يمكن فهم المراد بملاحظة أمور : 1_إيراد ابن شبّة لهذه الخطبة في سياق ما نقله من منع عمر للصحابة من نقل الحديث والرواية عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم . 2_ ظهور الخطبة _ وخاصّة الفقرة الأخيرة منها _ في تأكيد عمر على ترك كلّ حديث ما سوى كتاب الله , وهو نفس المقولة المعروفة عن عمر :حسبنا كتاب الله , ويؤدّي مؤدّاها . ومن الواضح أن عمر إنما كان يردّد مقولة :حسبنا كتاب الله ,في مقابل الحديث النبويّ وروايته ,كما يظهر من تعليله المنع من الحديث بالمحافظة على القرآن وخوف تركه والاشتغال بغيره ,وهو التبرير الذي عرفناه مكرّراً في أحاديثه التي تضمّنت منع التدوين , كقوله : إني لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً (29). 3 _ إنّ حسن الظن بالمحدّثين في ذلك العصر وبالمسلمين في تلك الفترة , يقتضي أن الشيء الذي ينقله المحدّثون خلال قراءتهم للقرآن الكريم , وإلى جنب آياته , بحيث يقبله المسلمون إذا استمعوا إليه أن يكون كلاماً مقدّساً وحقاً , لا أيّ كلام كان من أيّ أحدٍ صدر , وبأيّ محتوى ؟ أفهل يعقل من معلمي القرآنفي ذلك العصر _ ولا بدّ أن يكون فيهم مجموعة من الصحابة إن لم يكن كلهم منهم , ومجموعة من كبار التابعين _ أن يقرأوا القرآن ويحدّثوا الناس في أثناء تلاوتهم له بأشياء باطلة , وبأشياء هي شرّ الحديث ,كما يعبّر عنها عمر ؟ ومع هذا يقبل المسلمون ذلك منهم, ويسكتون عليه ؟ ولم ينتبهوا إلى بطلان ذلك إلاّ بتنبيه عمر ؟ إن أفضل محملٍ لذلك أن يكون ما نقلوه من حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولكن من تلك الأحاديث التي لم ترق للسلطة الحاكمة , ومما يعارض سياستها . ويشد لذلك أن كرب عمر على الحديث أصبح مضرب الأمثال ,كما في كلام سفيان بن عيينة أنه كان ينظر إلى أصحاب الحديث ويقول :أنتم سخنة عين , لم أدركنا وإياكم قمر بن الخطاب لأوجعنا ضرباً(30). 6_ عمر يهدّد الصحابة على الحديث ويهينهم : 1_ قال عمر لأبي موسى :... والله , لتقيمنّ عليه بينة ,وفي لفظ مسلم :أقم عليه البينة وإلاّ أوجعتك (31). 2_ وأخذ بمجامع أبيّ بن كعب , وقال : لتخرجنّ مما قلت , فجاء يقوده حتى أدخله المسجد , فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , منهم أبو ذر , فقال:أنا سمعته. فأرسل عمر أبيّاً (32). 3_ وفي حديث قال لأبي : لتأتينّي على ما تقول ببينّة (33). وقد تذرّع له بأنّه خشي الكذب على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,وأراد الاحتياط في الحديث والرواية . لكنها ذريعة باطلة , إذْ أنّ الصحابي العادل إذا سمع شيئاً من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وجب عليه تبليغه وأداؤه إلى الآخرين ,لأنه سنة , والسنة شريعة , والصحابة من حفا ظها(34) . فكيف يجوز لأحد أن يتشدّد عليهم هكذا إلاّ أن لا يكون معتقداً بعدالتهم المطلقة التي يلتزم بها أهل التسنن اليوم؟. ولو فرضنا أنه لم يجد من سمع الحديث من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيشهد له , فهل حقه أن يهان ويهدّد ؟ أليس هذا سدّاً لباب الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ 7_عمر يحبس الصحابة كي لا يحدّثوا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :إنّ عمر حبس جماعة من كبار الصحابة , مصرّحاً بأنّ السبب في ذلك هو روايتهم الأحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأن هدفه من حبسهم منعهم من رواية الحديث , وقد وردت في ذلك آثار عديدة : 1_قال الحاكم النيسابوري : عمر بن الخطاب حبس جماعة من الصحابة وقال :قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (35). _ إن عمر بن الخطاب حبس بعض أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , فيهم : ابن مسعود , وأبو الدرداء , فقال : قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . قال ابن البري : يعني منعهم الحديث , إذ لم يكن لعمر حبس (36). 2_ أسند الحاكم عن إبراهيم: أن عمر قال لابن مسعود ,ولأبي الدرداء ولأبي ذ ر : ما هذا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب . قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين , ووافقه الذهبي في ذيله(37). 3_ قال الذهبي : إنّ عمر حبس ثلاثة : ابن مسعود , وأبا الدرداء ,وأبا مسعود الأنصاري , فقال : لقد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(38) . 4_ قال عبد الرحمن بن عوف : ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,فجمعهم من الآفاق : عبد الله , وحذيفة , وأبا الدرداء , وأبا ذر , وعقبة بن عامر , فقال : ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله في الآفاق ؟ قالوا : تنهانا ؟ قال : لا ,أقيموا عندي , لا والله لا تفارقوني ما عشت , فنحن أعلم , نأخذ عنكم ونرد عليكم . فما فارقوه حتى مات (39). رواه عساكر وأضاف : وما خرج ابن مسعود إلى الكوفة ببيعة عثمان إلا من حبس عمر في هذا السبب(40) . توجيهات العامة لحبس الصحابة : لقد ارتبك علماء العامّة أمام هذه الإقدام , ارتباكاً غريباً . فهم بين منكرٍ لهذه الروايات _ وخاصّة ما نقل عن عمر في حبس الصحابة _ وحاكم بعدم صحّتها , وبوضعها , ومن أشدّهم في ذلك ابن حزم الظاهريّ , الذي عبّر عن رواياتها بالروايات الملعونة . وبين من صحّحها سنداً , وهم الأكثر , إلاّ أنّهم اختلفوا في توجيهها , مع الاعتراف بظهورها في التشديد على الصحابة في نقل الحديث والرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . إلاّ أنّ فيهم من أسفر عن حقيقة الأمر , بلا تورية , وهو أبو بكر ابن العربي , صاحب ( العواصم من القواصم ) فإنه _ على تعنته وجرأته في إنكار ما لا يوافق مذهبه وهواه ورأيه _ في الدفاع عن عثمان إذْ أخذ عليه إخراج أبي ذر إلى الربذة ,قال : فقد روي أنّ عمر بن الخطاب ... سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة , سنةً , بالمدينة ,حتى استشهد , فأطلقهم عثمان , وكان سجنهم لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . وهو وإنْ كان حرّف علّة السجن , فجعلها الإكثار , بينما هي مجرّد الإفشاء , أي الإعلان والإذاعة والنقل والنشر لحديث الرسول وسنة المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم ,لكنه مسلّم بأصل فعل عمر, ولا ينكره. ولابدّ من ذكر التوجيهات التي وقفنا عليها لنرى مدى صحتها أوقابليتها للقبول,وما يرد عليها من النقوض : 1_ توجيه الخطيب البغدادي : قال الخطيب : إن قال قائل : ما وجه إنكار عمر على الصحابة روايتهم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وتشديده عليهم في ذلك ؟ قيل له : فعل ذلك عمر احتياطاً للدين , وحسن نظر للمسلمين , لأنه خاف أن يتكلوا عن الأعمال , ويتكلوا على ظاهر الأخبار , وليس حكم جميع الأحاديث على ظاهرها , ولا كل من سمعها عرف فقهها , فقد يرد الحديث مجملاً ويستنبط معناه وتفسيره من غيره , فخشي عمر أن يحمل حديث على غير وجهه , أو يؤخذ بظاهر لفظه , والحكم بخلاف ما أخذه . وأضاف: وفي تشديد عمر _ أيضاً _ على الصحابة في رواياتهم حفظٌ لحديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وترهيبٌ لمن لم يكن من الصحابة أن يدخل في السنن ما ليس منها(41). وكأنّ الخطيب أخذ هذا الذي ذكره أخيراً من ابن حبان (ت354هـ) حيث قال : وتشديدهم فيها [أي رواية الحديث ] على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم كان ذلك منهم توقّياً للكذب عليه ممن بعدهم(42). وفي هذا التوجيه نظر من وجوه : 1ً_ أما احتياطه للدين : 1_ فإنه لم يكن أحدٌ أحرص على هذا الدين من نفس الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الصادع بالرسالة , الذي صدرت منه تلك الروايات , وهو قد أمر بنشرها , وحثّ على تبليغها , وأمر باتباعها .ولو كان في الأحاديث أدنى خطر أو سوء على الدين , لم تصدر هي من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم . 2_ إن احتياط عمر للدين لا يقتضي منع الحق الذي سمعه الصحابة الكرام من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , فإن الصحابة لاينسبون إلى النبيّ باطلاً , وخاصة مثل أبي ذر الغفاري ,الذي قال فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم :ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ (43) الحديث الذي رواه من الصحابة عليّ عليه السلام , وأبو الدرداء , وابن عمر(44). 3_ ولماذا يفرض عمر نفسه أنه أحرص على الدين , والمحافظة على الحديث من سائر الصحابة ؟ أفهل كان الصحابة متهاونين في أمر الحديث أو الدين ؟أو كانوا ينشرون بالحديث حقّا , ويؤدّون بنشره واجباً ؟وحديثهم هو من الدين ؟ وإذا فرضنا أنّ الصحابة يخطئون , فهذا يشمل عمر أيضاً . 4_ وإذا كان الصحابة يرون _ حسب اجتهادهم _ وجوب أداء الأحاديث بما يفهمون من ظواهرها , أفهل يجوز لأحدٍ أن يمنعهم , ويفرض عليهم رأيه ؟ومن أين له حقّ السيطرة على فهم الناس للحديث , واجتهادهم في استنباط الأحكام من الروايات ؟هل كان هو أفهم منهم, أو أعلم ؟؟ خاصة مع دعوى أن المسلمين في القرن الأوّل _ الذي هو خير القرون عندهم _ كانوا أتقى من أن يتعمّدوا خلاف ما تدلّ عليه النصوص ؟ والمفروض حجيّة الأحاديث عليهم , لبلوغها إليهم من أفواه الصحابة _ الذين هم قاطبة عدول عندهم _ ؟ أفهل كان عمر يريد أن يحجز فهم النصوص على نفسه ؟ أو يريد الخطيب حجزه عليه ؟ 5_ وأما حبس الصحابة والتشديد عليهم لغرض ترهيب غيرهم ممن عاصرهم أمن جاء بعدهم , فهل يجوز في شريعة الإسلام أن يشدّد على شخص بغرض تأديب غيره ؟ ولو فرضنا لعمر حقّاً في تأديب الناس , لحقّ له أن يباشر تأديب المخالفين أنفسهم , لا تأديب البريئين من الصحابة بغرض تأديب غيرهم ؟ فلماذا يأخذ عمر الجار بذنب الجار؟ ويرمي البريء بحجر المسيء ؟ والله يقول : ( لا تزر وازرة وزر أخرى ) في خمس مواضع من آيات القرآن - الذي يقول :إنه حسبه ,أولها في سورة الأنعام : 6 ,الآية 164 . 6- ثمّ,هل من الصحيح أن يمنع الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهو ثاني أعمدة هذا الدين,بمثل هذا التوجيه,مع أنّ بالإمكان لمن يريد إر شاد الناس _ لا ترهيبهم طبعا-أن يبين لهم الطريق الصحيح,ويحدّد لهم نوعيّة الأحاديث المقبولة , أو تعيين مراجع خاصّة ليأخذوا منها . لا أن يعمد إلى عيون الصحابة الكرام , بالتهديد والتشديد عليهم وحبسهم عنده , ومنعهم من إبلاغ ما تحمّلوه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟! والملاحظ أنّ الخطيب _ وهو من أعيان العامة في علوم الحديث ونقده _ لم يتعرّض لهذا الحديث بالنقد السنديّ , وهذا يدلّ على صحته , وسلامته من أي إشكال رجالي أو علّة قادحة في الاحتجاج به ,كما أنّ تصدّيه لتوجيهه يدلّ على ذلك , كما لا يخفى . 2_ توجيه ابن حزم الظاهري : ذكر ابن حزم الظاهري رواية عبد الرحمن بن عوف في حديث حبس عمر للصحابة(45) ثمّ اعترض عليه سنداً , ودلالةً ,وكلامه طويل , اختصرناه , ورتبناه كما يلي : قال : هذا مرسلٌ , ومشكوكٌ فيه عن شعبة , فلا يصحّ , ولا يجوز الاحتجاج به . ثمّ هو في نفسه ظاهر الكذب والتوليد , لأنه لا يخلو عمر من : 1ً_ أن يكون ات هم الصحابة . وفي هذا ما فيه . 2ً_ أو يكون نهى عن نفس الحديث , وعن تبليغ سنن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المسلمين , وألزمهم كتمانها وجحدها وأن لا يذكروها لأحدٍ . فهذا خروج عن الإسلام ... ! 3ً_ ولئن كان سائر الصحابة متّهمين بالكذب على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم , فما عمر إلاّ واحدٌ منهم . 4ً_ ولئن كان حبسهم _ وهم غير متهمين _ لقد ظلمهم . فليختر المحتجّ بمثل هذه الروايات الملعونة ,أيّ الطريقتين الخبيثتين شاء ؟ ولا بدّ له من أحدهما . أقول :أما إشكاله على السند , ففيه : أوّلاً :أنّ الحديث هو من روايات التابعين لما فعله الصحابة وما حدث بينهم , وهذا لا يسمّى مرسلاً اصطلاحاً , إلاّ إذا خالف ابن حزم اصطلاح المحدّثين , وهو منه ليس بقليل . وثانياً :أنّ الحديث قد ورد بطرق أخرى , وهو لا ينحصر بالسند الذي عنده , ولا يدور على من رواه عن شعبة ,كما عرفت ,وسيأتي بعض الكلام حول سنده أيضاً ,إلاّ أنّ المهمّ أنّ الحاكم ذكر ما روي عن شعبة , وقال فيه : صحيح على شرط الشيخين; ووافقه الذهبي , فقال : على شرطهما (46). وأين ابن حزم من صيارفة نقد الحديث من أمثال الحاكم والذهبي ؟حتى يعترض على الحديث بخلافهما ؟! (47). كما عرفنا أنّ الخطيب _ وهو من أعيان علوم الحديث _ لم يتكلّم في سنده وإنما اكتفى بتوجيهه دلالةّ , وهذا منه ومن كلّ من تصدّى لتوجيه الحديث , دليلٌ على عدم مناقشتهم فيه سنداً . وأما إشكاله على متن الحديث : فلا ينكر أحدٌ أنّ الحبس قد تحقّق من عمر قطعاً , كما لم يناقش فيه أحدٌ من أعلام الحديث , ولهذا تصدّوا لتوجيهه , ولو كان في أصله أدنى مناقشة , لما فاتهم ذلك ,لأنّ المناقشة في الدلالة فرع ثبوت الحديث وصحة سنده ,كما لا يخفى . وظاهر الحبس هو رفض ما صدر من الصحابة من نقل الحديث ,كما يظهر من كلامه حيث عاتبهم بقوله :ما هذا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ مستنكراً لفعلهم ؟ والاستنكار لا يكون إلاّ إذا كان الصحابيّ قد جاء بما لم يتوقع منه ,وهذا هو واحدٌ من أشكال الاتهام الذي فرضه ابن حزم في عمل عمر تجاه الصحابة. ولا أقلّ من احتواء ما فعله عمر على التشديد على الصحابة ,وقد اعترف أكثر المحدّثين بذلك , وصرّح به الخطيب(48) وابن عساكر(49) وابن قتيبة(50) . والتشديد _ أيضاً _ حرامٌ , وخاصّة على الصحابة الكرام . وإذا نفينا أنْ يكون فعل عمر بالصحابة بوجه التهمة , فيبقى احتمالان _ مما ذكر ابن حزم _ لا بدّ من أحدهما : الأوّل :أن يكون غرض عمر منع الحديث والرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . وهذا هو ظاهر جميع النصوص التي وردت في مسألة الحبس , و سائر تصر فات عمر وأقواله لمنع الصحابة , حيث استنكر عليهم أصل الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,كما يدل عليه إقدامه الشديد على منع تدوين الحديث , وخاصّة احتجاجه بالاكتفاء بالقرآن ,الذي هو من أدلّة المدّعين للفصل بين الكتاب والسنّة , ودعاة نبذ السنّة أصحاب مقولة حسبنا كتاب الله التي ابتدأها عمر نفسه. الثاني:الالتزام بأنه حبس الصحابة ظلماً . وإنْ لم يتحمّل ابن حزم أيّ واحد من هذه الاحتمالات في حقّ عمر , فليخضع لما توصّلنا إليه من أن غرضه _ من منع الحديث روايةً وتدويناً _ كان سياسيّاً بهدف منع تداول نوع خاصٍّ من الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهو ما كان ينافي وجوده على أريكة الخلافة , من الأحاديث الدالّة على إمامة الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام وخلافته المباشرة بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم . ومن الغريب أنْ يتابع رأي ابن حزم في معالجة أحاديث سجن عمر للصحابة من قبل مؤلّف أحدث كتاب تعرّض لموضوع تدوين السنة والحديث , وهو دلائل التوثيق المبكر ,حيث نجده يقول : وعلى الرغم من قراره _ أي عمر _ بعدم جمع الحديث رسميّاً , فقد كان عمر حريصاً على نشر الحديث , بل وحتى كتابته !!؟ ويقول بعد سطور : وفي ضوء هذه المقولات ,فرواية سجنه لأبي مسعود الأنصاري , وأبي الدرداء , وعبد الله بن مسعود بتهمة نقل عدد من الأحاديث [ نقلاً عن : تذكرة الحفاظ ( 1 : 7) والمحدّث الفاصل ( ص 355 )] تبدو أنها مشكوكٌ فيها ,وفي الحقيقة يمكن رفض هذه الرواية على أساس إسنادها ومتنها . ثمّ قال : وجدنا اسم إبراهيم في إسناد هذه الرواية , وإبراهيم هذا ولد سنة (20هـ)أو سنة (21هـ) [نقلاً عن : مشاهير علماء الأمصار ( ص 66 ) الترجمة(450)] أي في أخريات حياة عمر , فمن غير المحتمل على الإطلاق أن يروي أيّ شيء مباشر من فترة الفاروق عمر . وقال : وعلى هذا الأساس أوضح ابن حزم بجلاء أنّ نسبة هذه الأحاديث إلى عمر غير صحيحة [ نقلا عن إحكام الأحكام (2/141)] وشكك الجزائري في صحة هذا الحديث على أساس إسناده أيضاً (نقلاً عن توجيه النظر ( 81 ) ] (51). أقول : وتتحدّد مؤاخذتنا عليه بنقاط : 1ً_ قد عرفت في جواب ابن حزم , كما سيأتي أيضاً _ في المقطع التالي _ : أن الحديث الدال على حبس عمر للصحابة هو صحيح , بحكم صيارفة نقد الحديث والرجال , من أمثال الحاكم النيسابوري , والحافظ الذهبي , فقد اعتبراه من الصحيح على شرط الشيخين . وكذلك قد اجبنا عن إشكال الإرسال بما حاصله :أنّ الحديث ذاك من روايات التابعين لما وقع في زمن الصحابة , وما حدث بينهم من مجريات الأفعال وما صدر منهم من الأقوال والجدال , ونقل التابعي له لا يسمّى مرسلاً اصطلاحاً . كما أن الذين تصدّوا لتبرير فعل عمر بالصحابة , يظهر منهم الموافقة على ورود أصله , وعدم اعتراض منهم على إسناده , فلا يمكن ردّه على أساس النقاش السندي . مع أن وضوح هذا الأمر وشهرته لا يحتاج معها إلى التطرق إلى إسناده. ثمّ إنّ ما نقله عن الجزائري ليس شيئاً زائداً على كلام ابن حزم ,لأن الجزائري في ذلك الموضع من كتابه نقل نصّ كلام ابن حزم فحسب , بلا اختلاف ولا إضافة . وقد أوضحنا اعتراف الجميع بأصل صدور الحبس من عمر لكبار الصحابة , معلناً انّ ذلك من اجل إفشائهم حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وإنما حاول بعض المحدّثين تبرير ذلك موقف من عمر ,وعملهم هذا دليل على وقوعه منه . 2ً_ وأما حديث معارضة عمر لتدوين الحديث , فهو أمرٌ سارت به الركبان , ولم يختلف فيه اثنان , حتى أنّ اسم عمر يكتب في صدر قائمة أسماء المانعين من التدوين عند جميع المؤرّخين , ومنهم مؤلّف دلائل التوثيق المبكّر نفسه , حيث جعل في عداد العوامل التي منعت تدوين الحديث النبوي _ : ( 41 _ منع الفاروق عمر ) وقال : عامل رئيسي آخر لعدم تدوين أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في وقت مبكّر ,كان الأمر المشدّد الذي أصدره عمر بمنع الصحابة من تسجيل أقوال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم . وقال : وجدنا أنّ الفاروق عمر أثناء خلافته نفّذ هذا بنجاح , وفي سعيه لتنفيذ سياسته حرق بعضاً من مجموعات الأحاديث المكتوبة(52). ويعترف بإصرار عمر على هذه السياسة طيلة خلافته , فيقول : إنّ أمر الفاروق عمر بالتحريم ظلّ سارياً حتى وفاته(53). ولكنه , مع هذا ! يحاول هنا أن يعتبر عمر مؤيّداً لتسجيل الحديث ؟ (54). ويحاول أن يعتبره حريصاً على نشر الحديث ,بل وحتى كتابته ؟!(55). إنّ التهافت والتناقض واضح بين هذه الكلمات , ولا أدري كيف يكون عمر مؤيّداً للتدوين ,أو حريصاً على نشر الحديث , وهو يحرق المجموعات التي دوّن فيها الحديث !؟ أو يعمّم على الأمة قانون تحريم كتابة الحديث ! ولا يرفع التحريم حتى وفاته ؟! 3 _ توجيه ابن عبد البرّ : وقد أغرب ابن عبد البرّ القرطبيّ في توجيه هذه الأحاديث , حيث إنه جمع في الاحتمال بين أن لا تكون حجة , وبين أن تكون صحيحة حاول تأويلها . فإنه قال _ ومورد كلامه ما رواه قرظة من حديث عمر مع وفد الكوفة _ :طعن في حديث قرظة هذا , لأنه يدور على ( بيان )عن الشعبي , وليس مثله حجة في هذا الباب , لأنه يعارض السنن والكتاب , فكيف يتوهّم أحد على عمر أنه يأمر بخلاف ما أمر الله به؟والكلام في هذا أوضح من النهار (56). ثم قال : وقد يحتمل عندي أن تكون الآثار كلّها _ عن عمر _ صحيحة متفقة . ويخرّج معناها على أنّ من شكّ في شيء تركه(57). أقول :إنّ ترديده في الحديث بين احتمال الإشكال السندي , وعدم الحجية , وبين احتمال أن يكون صحيحاً , عمل غريبٌ جدّاً _ وخاصّة من مثل ابن عبد البرّ _حيث إنه مع الإشكال في السند بما ذكر , لم يبق مجال لاحتمال الصحة . إلاّ إذا أراد أن يجيب على ذلك الفرض أيضاً تنزّلاً وتسليماً ,فلا بدّ أن يذكره فرضاً ,لا احتمالاً . وأما إشكاله السنديّ ,من جهة دوران الحديث على بيان فهو غير وارد , وذلك : لأن الرجل هو : بيان بن بشر , وهو _ عندهم ثقة(58). وقد اعترض محمد عجاج الخطيب على ابن عبد البرّ في كلامه هذا , بقوله : طعن عبد البرّ في روايته هذه , لأنه خالف من هو أوثق منه , وهذا لا يمنع صحتها (59) . أقول : مع أنّ الحديث منقول بأسانيد أخرى وفيها الصحاح , ولا تنحصر روايته بهذا السند , بل إنّ حديث منع عمر للصحابة عن الحديث مشهورٌ معروفٌ , لا يحتاج إلى ملاحظة أسانيده . وأما تأويله للحديث على احتمال صحته والاتفاق عليه بأنه:يخرّج على أنّ من شكّ في شيء تركه . ففيه : أنه تخريج بعيد ,لأنه لا يرتبط بأمر الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , الذي سمعه الصحابة منه , وحاولوا نشره وإذاعته , ولا بمنع عمر لهم عن ذلك إلى حدّ التشديد والحبس . فلا الصحابة كانوا شاكّين في ما يروون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , حتى يتركوه , ولا عمر كان شاكّاً في شيء مما يفعل من المنع والحبس حتى يتركه . وإذا صحّ الحديث بأنّ عمر قد حبس الصحابة ومنعهم عن الرواية , فلا بدّ من النظر في مدى موافقة ذلك العمل للنصوص الثابتة الدالة على الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وجوازها في كل عصر ومصر , بل ضرورة ذلك ولزومه , الذي هو من بديهيّات الإسلام , وهو أوضح من النهار _ كما ذكر ابن عبد البرّ _ ونعم ما قال في نهاية كلامه المذكور , ونصّه : ولو كان مذهب عمر ما ذكرناه , لكانت الحجة في قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , دون قوله ,فهو القائل : نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ... (60). أقول : فلا يحتاج الحديث إلى تخريج أو توجيه , بل يؤاخذ عمر على فعله ذلك في حقّ كبار الصحابة وأعيانهم من استدعائهم إلى المدينة , وحبسهم عنده ,لأنهم لم يلتزموا بأوامره في الامتناع عن نشر الحديث وإفشائه وإبلاغه !. كما لم يلتزموا بإجراءاته الشديدة في منع التدوين وكتابة الحديث ,بل خالفوه, فكتبوا, وخلّفوا لنا وللأجيال ما نشكرهم عليه وتشكرهم الأيّام . 4_ توجيه ابن حبان وابن عساكر : قال ابن حبان (ت354هـ):وتشديدهم فيها[ أي في رواية الحديث ] على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان منهم ذلك توقّياً للكذب عليه ممن بعدهم لا أنهم كانوا متهمين في الرواية (61). وروى ابن عساكر حديث منع عمر لابن مسعود , وقال بعده : لم يكن هذا من عمر على وجه التهمة , وإنما أراد التشديد في باب الرواية لئلاّ يتجاسر أحد إلاّ على رواية ما تحقّق صحّته(62). أقول : أمّا وجود التشديد على الصحابة فهو أمر مفروض ومسلّم عند هذين الرجلين ,وأما التهمة للصحابة , فهو المحسوس من ظاهر كلّ الأحاديث المتضمّنة لمنع عمر لهم من الحديث , حيث إنّه تكلّم معهم مستنكراً حديثهم, فقال : ما هذا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؟! والمرء يؤخذ بظاهر كلامه . كما أنّ قوله للصحابة في حديث عبد الرحمن بن عوف(63) بكلّ صراحة : ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الأفاق؟ ثمّ يقول لهم : فنحن أعلم , نأخذ منكم , ونردّ عليكم . هو كلام من لا يقبل من الصحابة , ويتّهمهم في بعض أحاديثهم ,وإلاّ فلماذا يردّ عليهم؟ وما هو المردود عند عمر من أحاديثهم؟ و العجيب أنّ هؤلاء العلماء ! يحاولون التمويه , فيسمّون هذه الأفعال من عمر تثبّتاً في الحديث , ومحافظةّ عليه , حتى أوردوا أخبار منع عمر للحديث في أبواب ترجموها بالتوقّي في الحديث !. وقد أشرنا ,في جوابنا عن توجيه الخطيب ,إلى أن أسلوب منع الصحابة بغرض ترهيب غيرهم , أسلوب غير شرعيّ ولا مقبول , تجاه الصحابة , فلاحظ . وبعد ذلك نجيب عن هذا التوجيه بما يلي : أوّلاً : أنّ منع الحديث بغرض المحافظة ,أشبه ما يكون بالتناقض ,كما إذا أراد الإنسان أن يصلح أداةً معيو بة ومعطوبة ,فيعمد إلى إبادة تلك الآلة و تهشيمها !. وكما إذا أراد الإنسان أن يؤدّب شخصاً , فيعمد إلى قتله وإعدامه !. إنّ من يريد التثبّت من الحديث , يلزمه أن يحوطه بما لديه من إمكانات احتياطية ,ويحدّد له طرقاً معيّنة ,ويشخّص له موارد مأمونة ,ومراجع صالحة ,تقوم على رعايته والمحافظة عليه . لا أن يعمد إلى كبار الصحابة وحفاظهم للحديث , فيكمّم أفواههم , ويخوّفهم , ويشدّد عليهم , ويستنكر رواياتهم , ويهدّدهم بالإبعاد عن المدينة , أو بجبرهم على الإقامة فيها ؟! أليس هذا نقضاً لغرض المحافظة على الحديث؟ إنّ عمر _ بحبس الصحابة ومنعهم من الحديث _ جعل ما عند أولئك الصحابة من أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مكتومةً في صدورهم !فلم يبثّوه إلى الأمة! ولعلّها تعرّضت لعوامل النسيان وغيره ! أمثل هذا العمل يسمّى محافظةً ,و تثبّتاً ؟ و توقيّاً ؟ أم يسمى هدراً , وتفريطاً , وتضييعاً , وإماتة ؟. وثانياً : من المتّفق عليه _ لدى كافّة العقلاء _ أنّ كتابة العلم , وتسجيل المعلومات هما من أفضل وسائل الحفظ والصيانة والتثبّت . ولو كان عمر يهدف من إجراءاته تلك المحافظة على الحديث والتثبّت والتوقّي فيه , وكان يخاف من تداوله بين الناس وعدم صحّته , لكان يلجأ إلى تدوينه , ويأمر بتقييده , وضبطه , أو يشرف هو _ وجمع من الصحابة الحافظين له , المأمونين _ على عملية جمعه . لكن نرى أنه , إلى جنب منع رواية الحديث ونقله بهذه الشدّة ,كان من أشدّ المانعين للتدوين , بأعذار مختلفة , كما سبق لنا عرضها . فبأيّ شكلٍ كان يريد المحافظة على الحديث ؟ إذا هو يمنع من جهةٍ نقله وتداوله والمذاكرة به , ويمنع من جهةٍ أخرى كتابته وضبطه وتدوينه وتقييده؟! هل هناك معلّم أمين يحثّ تلاميذه على العلم , ويحرص على محافظة طلاّبه على المعلومات , لكنه يوصيهم بعدم المذاكرة بها ,وعدم الكتابة لها؟ أو أنّ الذي يريد إضاعة الحديث وإبادة السنّة يقوم بأمر غير منع كتابته من جانب ,ومنع تداوله ونقله من جانب آخر؟ وثالثاً :إنّ محاولة إظهار عمر _ وهو المانع للصحابة من الحديث والرواية _ بمظهر المحافظ على الحديث المتثبّت فيه ,تستلزم _ بوضوح _ أن يكون الصحابة الممنوعون _ وفيهم كبار أجلاّء مثل أبي ذرّ الغفاري , وأبي مسعود الأنصاري , وغيرهما , وهم الذين لم يأبهوا بمنع عمر , فلم يزالوا مستمرّين على الإكثار من رواية الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , حتى التجأ عمر إلى جلبهم إلى المدينة ,من الآفاق وحبسهم عنده بالإقامة الجبرية . إنّ تلك المحاولات تستلزم أن يكون هؤلاء _ كلّهم _ لم يحافظوا على الحديث , ولم يتثبّتوا فيه , ولم يحتاطوا له , بل فرّطوا فيه . إنّ مثل هذا الالتزام تجرّؤ على مقام أولئك الصحابة الكرام , الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه . 5_ توجيه ابن قتيبة : وتصدّى ابن قتيبة الدينوريّ لتوجيه تلك الروايات , مع تخصيصه البحث بما ورد بلفظ الإقلال ,فقال :كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية , وكان يأمرهم بأن يقلّوا الرواية يريد بذلك ألاّ يتّسع الناس فيها ,ويدخلها الشوب , ويقع التدليس والكذب من المنافق , والفاجر , والأعرابيّ . وكان كثير من جلّة الصحابة وأهل الخاصّة برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم _ كأبي بكر , والزبير , وأبي عبيدة , والعباس بن عبد المطلب _ يقلّون الرواية عنه ,بل كان بعضهم لا يكاد يروي شيئاً ,كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل , وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة(64). أقول :وأوّل ما يرد على ابن قتيبة أنه لم يذكر الروايات الدالّة على أنّ عمر منع عن عموم الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , بلا تخصيصٍ بالإكثار,وهي أكثر روايات الباب . فاقتصاره على ذكر الرواية التي فيها أمر عمر بالإقلال , وتوجيهها , لا ينهض جواباً عن الروايات الدالّة على منع عمر لعموم الحديث . وهذا خارج عن الموضوعيّة العلمية المطلوبة من المحقّق في العلم . وقد يخطر على البال أنّ ابن قتيبة _ ومن تبعه _ حملوا الروايات العامة في منع الحديث, على خصوص الإقلال, حملاً للعامّ على الخاصّ . لكن هذا غير صحيح , وذلك : 1ً-لأنّ ابن قتيبة لم يذكر الأخبار العامّة أصلاً, ولا بالإشارة , فكيف ينسب إليه هذا التخصيص ؟ 2ً_ إنّ المخاطبين بقول عمر :أقلّوا الرواية ... ,هم وفد الكوفة ,ومنهم أبو موسى الأشعري الذي أرسله إلى الكوفة , لكن الممنوعين من عموم الحديث هم غير هؤلاء , فمنهم أبو هريرة , وأبو ذرّ , وأبو مسعود , وغيرهم,ومن الواضح أن المخاطب بالكلام العام إذا اختلف عن المخاطب بالكلام الخاص , امتنع التخصيص . فإذا كُلف زيدٌ بإكرام العلماء , وكُلف عمروٌ بإكرام العلماء النحويين , لم يجز لزيدٍ ترط العام عملاً بخطاب عمرو , وهذا واضح . 3ً_ إنّ التخصيص إنما يجري في الخطابين إذا كان أحدهما يحتوي على لفظ عامّ , والثاني على لفظ خاصّ , فيكون حمل العام على الخاصّ تخصيصاً . والمقام ليس كذلك , فإنّ الحبس الصادر من عمر لم يكن إلاّ عملاً صدر منه , وعرفنا من عتابه لهم أنّ سبب الحبس هو أنّ الصحابة كانوا يروون الحديث عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولم ينههم لفظاً عن رواية الحديث , كي يقال :إنه عامٌ فيكون قابلا للتخصيص بقوله : أقلّوا . مضافاً إلى أن ما سنورده على هذا التوجيه واردٌ على فرض إرادة الخاص أيضاً , فلاحظ . ويرد على هذا التوجيه , أمور : الأوّل : قول ابن قتيبة :كان عمر شديد الإنكار على من أكثر الرواية ... يريد ألاّ يتّسع الناس فيها . يردّه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صاحب الرسالة , والصادع بأمر الشريعة , ومصدر الرواية والحديث ,كان يريد الاتّساع في الرواية , والإكثار منها , وكان يحثّ أصحابه وأمّته على سماع الحديث , ونقله , وتحمّله , وأدائه , وتبليغه , ونشره ,وإن رغبة الشارع في التوسعة في الحديث والرواية , أمرٌ لا ينكره عالم من علماء الإسلام , حتى أصبحت التوسعة فيها من مفاخرهم , وقد لقّبوا كبار المحدّثين المكثرين من حفظ الرواية , بألقاب خاصّة مثل الحاكم , والحافظ , والحجة , وغير ذلك(65). فما بال عمر , يريد أن لا يتّسع الناس في الحديث والرواية !؟ ونصوص الأحاديث لا تزال في عصر ه غضّةً نظرةً , عبقة بأثر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الباهر , ويفوح منها أريج النبو ة العاطر. لماذا لا يريد عمر , الاتّساع في الحديث , وهو سنّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , التي أمر الله المسلمين باتّباعها , ولهم فيها برسول الله أسوةٌ حسنةٌ؟ ثمّ إنّ ابن حزم الظاهري قد عقد فصلاً في كتاب الأحكام ,للردّ على من ذمّ الإكثار من الرواية , فقال :فصل في فضل الإكثار من الرواية للسنن , وذهب قوم إلى ذمّ الإكثار من الرواية ونسبوا ذلك إلى عمر ... ,وقولهم هذا داحضٌ بالبرهان الظاهر , وهو أن يقال لمن ذمّ الإكثار من الرواية : أخبرنا , أخيرٌ هي أم شرٌّ؟ ولا سبيل إلى وجه ثالث . فإن قال : هي خيرٌ , فالإكثار من الخير خيرٌ . وإن قال هي شرٌّ , فالقليل من الشرّ شرٌّ , وهم قد أخذوا بنصيب وافرٍ منه ... . ثمّ نقول لهم : عرّفونا حدّ الإكثار من الرواية ,المذموم عندكم ؟ لنعرف ما تكرهون ؟وحدّ الإقلال المستحبّ عندكم ,إلى آخر ما قاله(66). وأقول :ومن هم الناس الذين لا يريد عمر اتّساعهم في الرواية ؟أليسوا هم _ في ذلك العهد _ الصحابة الأمناء , الذين لا يرتاب فيهم , ولا يرتاب على الحديث منهم ؟ هذا مع أنّ الوارد في حديث حبس عمر للصحابة إنما هو لفظ :أفشيتم ,لا أكثرتم ,مما يدلّ على أنّ الجرم الذي قام به الصحابة ومن أجله جلبهم عمر وحبسهم هو مجرّد ذكر الحديث ونشره وإذاعته , حتى لو لم يكن بحدّ الإكثار!. الثاني : قول ابن قتيبة : يريد ألاّ يتّسع الناس فيها , ويدخلها الشوب , ويقع التدليس والكذب من المنافق , والفاجر , والأعرابي !. أقول : إنّ الممنوعين في زمان عمر كانوا من الصحابة _ كما عرفنا أسماء كثير منهم في نصوص منعه _ أو لا أقل من وجود الصحابة فيهم . فإنْ كان ما احتمله من الشوب والتدليس والكذب , يحتمل صدوره من الصحابة , وأنْ يكون المنافق والفاجر والأعرابي يوجد منهم , باعتبار أنهم كانوا محطّ منع عمر وإنكاره وتشديده وحبسه , فهذا ينافي ما يلتزم به كلّ المسلمين من احترام الصحابة وتقديسهم ,مثل أبي ذرّ الغفاري ,وأبي مسعود الأنصاري , فكيف على رأي العامّة في الصحابة بأنهم كلهم عدول !. وإنْ كان المذكورون من غير الصحابة , فذلك لا يبرّر إنزال العقوبة والإهانة والتضييق بالصحابة الكرام , من أجل روايتهم لحديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ الثالث : قول ابن قتيبة : وكان كثيرٌ من جلّة الصحابة وأهل الخاصّة برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ... يقلّون الرواية . فهذا جزافٌ من القول , بلا ريب , يشهد على ذلك عدم تمثيله إلاّ بهذا العدد النزر , بينما المكثرون للحديث من الصحابة كثثرون , وفيهم من هو أخصّ برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ممن ذكر , كأهل بيته , ونسائه , وخدمه , والمخلصين من أتباعه , فإنهم قد رووا وأكثروا , وفيهم من منعه عمر , وحبسه , مثل أبي ذرّ الغفاري وأبي مسعود الأنصاري . فكيف يجعل ابن قتيبة الصحابة موافقين لعمر في إجرائه , مع أنهم خالفوه في أمر التدوين , حيث أشاروا عليه _ عامّتهم _ بالتدوين , فخالفهم , ومنع من التدوين . وسيأتي أن جمعاً من الصحابة عارضوا إجراءات عمر لمنع الحديث , وفيهم عليّ عليه السلام , وأبو ذرّ , وابن عبّاس , وهؤلاء من مكثري الصحابة من نقل الحديث . إن نسبة ما سنّه عمر من منع الحديث _ سواءٌ عامّاً أم خاصّاً بالإكثار _ إلى الصحابة الكرام , تخالف الواقع الموجود في ما بأيدينا من كتب الحديث حيث إنّ هذه الآلاف المؤلّفة من الأحاديث لم ترو إلاّ من طريق صحابة الرسول صلّى الله عليه وآله , وهي الدليل القاطع على أنّ الصحابة لم يلتزموا بأوامر عمر بالإقلال , ولم يأبهوا بإجراءاته في المنع من الإكثار . والعجب من الدكتور نور الدين عتر أنه جعل الإقلال في الحديث من قوانين الرواية , فقال : وأهمّ قوانين الرواية _ في عهد الصحابة _ تقليل الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , خشية أن تزلّ أقدام المكثرين ,بسبب الخطأ أو النسيان , فيقعوا في شبهة الكذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , من حيث لا يشعرون . فكان أبو بكر وعمر يشدّدان في ذلك , وقد سلك عموم الصحابة هذا السبيل (67). أقول : هذا الكلام بعيد عن الموضوعية من جهات : 1ً_ انه تعرّض لمسألة الإقلال , وأهمل ذكر منع عمر وأبي بكر لأصل الحديث والرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عامّةً ,قليلاً كان أو كثيراً , وهو ما يظهر من أخبار المنع التي قدّمنا ها , ومن لفظة أفشيتم في خبر الحبس . وقد فهم الصحابة من عمر النهي عن كلّ الحديث , حيث سألوه : أتنهانا ؟ وهو _ وإن قال لهم :لا ,إلاّ أنه أقدم عمليّاً على حبسهم عنده, فمنعهم _ عمليّاً _ من الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . كما مضى أنّ ابن البري فسّر الحبس بالمنع من الحديث(68). وقد فهم قرظة الراوي للحديث المذكور ذلك فلم يحد ث بشيءٍ , كما يأتي . 2ً_ وأما قوله : تقليل الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خشية أن تزلّ أقدام فيقعوا في شبهة الكذب من حيث لا يشعرون. ففيه : مضافاً إلى ما أوردنا على مثل ذلك في كلام ابن قتيبة ,في ما مر (69) : أن ترك الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم استناداً إلى مثل هذه الشبهة والتخو ف من الكذب الموهوم , مخالف للحقّ الذي دعا إليه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,حيث إنه تلافى مثل ذلك الوهم بصراحة , في ما رواه رافع بن خديج , قال : مرّ علينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يوما,ونحن نتحدّث, فقال : ما تحدّثون ؟ فقلنا : ما سمعنا منك , يا رسول الله . قال : تحدّثوا , و ليتبوّأ مقعده _ من كذب عليَّ _ من جهنّم ! ومضى لحاجته , وسكت القوم , فقال : ما شأنهم لا يتحدّثون ؟ قالوا : الذي سمعناه منك , يا رسول الله ؟ قال : إني لم أردْ ذلك , إنما أردتُ من تعمّد ذلك. , فتحد ثنا ,قال : قلتُ : يا رسول الله ! إنّا نسمع منك أشياءً ,أ فنكتبها ؟ قال : اكتبوا , ولا حرج (70). ومعنى ذلك أنّ توهّم الكذب ,لا يسدّ به باب الرواية والحديث ,لا قليله ولا كثيره , وأن الذي حذر عنه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إنما هو تعمّد الكذب . و العجب من الدكتور أنه يقول مثل هذا الكلام , مع أنه يرى قيد ( متعمّداً ) في الحديث المتواتر :من كذب عليَّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار (71). ومن الواضح أنّ الاعتناء بتوهّم الكذب , ومنع الرواية كلّها أو بعضها بتقليلها , لئلاّ يقعوا فيه , يساوي لغوية قيد التعمّد بالكذب ,ويلزم منه ترك الحديث مطلقاً , سواءٌ كان الكذب فيه عن عمد أو غير عمد , وهذا باطلٌ. 3ً_ وأما قوله :وقد سلك عموم الصحابة هذا السبيل . فهو ادّعاءٌ لا يوافق الواقع , فإنّ الآثار _ ومنها ما نقلناه سابقاً _ تدلّ على أنّ المانع من الحديث _ ولو بعنوان الإقلال منه _ ليس إلاّ أبو بكر وعمر ,وأمّا الصحابة فكان كبارهم و أجلاّؤهم من الممنوعين ,ويفهم من فحوى تلك الآثار أنهم لم يكترثوا بأوامر عمر ,حتى لجأ إلى جلبهم من الآفاق إلى المدينة , وحبسهم عنده , وفيهم مثل أبي ذرّ الغفاري , وأبي مسعود الأنصاري . فكيف يجعل الدكتور الصحابة الممنوعين , في سلك عمر وأبي بكر المانعين؟! 4ً_ إنّ حدّ الإقلال غير واضح : فمحمد عجاج الخطيب _ بعد أنْ نقل خبر الذهبي في حبس عمر للصحابة (72)_ قال: هؤلاء ثلاثة من جلّة أصحاب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأتقاهم , وأورعهم . هل يعقل من مثل عمر بن الخطّاب أن يحبسهم ؟ وهل يكفي لحبسهم أنّهم أكثروا من الرواية ؟ وأضاف :إنّ المرء ليقف متسائلاً أمام هذا الخبر , ويعتريه الشكّ فيه ,ويتبادر إلى نفسه أنْ يتساءل عن الحدّ الذي يمكن أن يعرف به الإقلال والإكثار ؟(73). أقول : أما السؤال الأخير فلابدّ أنْ يسأل عنه عمر نفسه , الذي أمر وفده إلى الكوفة بالإقلال؟ فقال : أقلّوا الحديث ... ؟ وكذلك يسأل ابن قتيبة الذي أخبر بأن فلاناً وفلاناً كانوا يقلّون الرواية ؟ وكذلك يسأل الدكتور عتر الذي جعل الإقلال في الرواية ,من قوانينها ؟ فأيُّ قانونٍ هو هذا المجهول الهويّة , والكمّ , والكيف ؟؟؟ وأما الشكّ في هذا الخبر , والقدح في صحته , فليس من شأن العلماء ,بعد ثبوته في الكتب والمؤلّفات المعتبرة وبأسانيد عديدة فيها الصحاح بحكم صيارفة الفن مثل الحاكم والذهبي ,واشتهار أمر ذلك بحيث تصدّى كبار حملة الحديث وحماته لتوجيهه ,وليس لشخصٍ مثل العجاج أن يشكّك في ذلك . وإذا لم يتمكّن من الاقتناع بهذا التوجيه فليس معناه جواز ردّ الخبر, بل التحقيق يفرض على العالم أن يبحث ليجد الحلّ المناسب . لكن العجّاج لما لم يجد إجابةً لأسئلته تلك , لجأ إلى ردّ الحديث تارةً بما ذكر , وا خرى بقوله : هناك خلاف في المحبوسين : فهل تكرّر الحبس من عمر؟ ولو تكر ر لاشتهر ؟ وقال أيضاً : وقد كان غير هؤلاء أكثر منهم حديثاً , ولم يردنا خبرٌ عن حبسهم , فلا يعقل أن يحبس أميرالمؤمنين[ عمر ] بعضاً دون بعضٍ ,في قضيةٍ واحدةٍ , هم فيها سواء وهي الإكثار من الحديث , معاذ الله أن يفعل ذلك عمر , فيحبس هؤلاء , ويترك أبا هريرة _ مثلاً _ وهو أكثر حديثاً منهم ؟ قال :وبهذا البيان لا يرقى إلى الصحّة خبر حبس عمر للصحابة . وأضاف العجاج قائلا :ومما يؤكّد لنا أنه لم يحبس أحداً : ما يرويه الرامهرمزي , عن شيخه ابن البري , قال : يعني منعهم الحديث , ولم يكن لعمر حبس . فقد فسّر ابن البري الخبر تفسيراً جيّداً , فهو يريد أنه منعهم كثرة الحديث , خوفاً أنْ لا يتدبر السامعون كلام رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا كثر عليهم . وخلاصة ما ذكره العجاج أمورٌ ثلاثة : 1_ الخلاف في المحبوسين , وعدم اشتهار تكرّر الحبس . 2_ لماذا لم يحبس عمر أبا هريرة , مع أنه أكثر حديثاً من غيره ؟ 3_ أن عمر لم يكن له حبس , والحبس بمعنى المنع . أقول : وقد جعل هذه الأمور الثلاثة دليلًا على بطلان الخبر , ونفى _ من أجل ذلك _صحة ما ورد في حبس عمر للصحابة لكونهم أكثروا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم !. وفي كل ما ذكر نظر : أما الأوّل _ وهو الخلاف في المحبوسين, وعدم اشتهار تكرّر الحبس _: ففيه : أن خبر حبس عمر , ورد في مختلف المصادر التاريخية والحديثية , واشتهر بين المؤلفين , بحيث لم ينكره القدماء , وإنما يسعون لتوجيهه . مع أنه قد ورد خبره بالأسانيد الصحيحة , بتصديق علماء كبار من أهل الفنّ , كالحاكم والذهبي , فلا يمكن ردّه ونفي صحّته ,بمجرّد عدم فهم المراد منه . وليس النزاع في حبس هذا أو ذاك , حتى يثبت أو ينكر , وإنما قيام عمر بحبس الصحابة أمر مسلّم , كواحد من أساليب عمر في التشديد على الصحابة من أجل رواية الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ? أفهل ينكر أحدٌ ذلك ؟ مع أن في بعض النصوص :إ نه حبس الصحابة ,وهذا يشمل مجموعة منهم , والوارد في كلّ رواية بعض الأسماء , فلا منافاة بين الروايات , لأن كل واحد منها لا يدلّ على الحصر , ولا يعارض أن يكون غير من فيها أيضاً محبوساً . ويكون من ذكر في كل رواية من باب المثال , لا الحصر . ومع وجود هذه الاحتمالات لم يبق مجال لردّ الرواية ونفي صحّتها لاختلاف الروايات في أسماء المحبوسين . وأما الثاني _ وهو عدم حبس أبي هريرة _ ففيه : أن الروايات , وان لم تذكر أبا هريرة في المحبوسين , لكن شيئاً من الروايات لم ينفِ حبس أبي هريرة , مع أنه ليس معنى عدم حبسه عدم منعه من رواية الحديث , الذي هو الهدف من عملية الحبس . وقد وردت آثار عديدة في منع عمر أبا هريرة عن رواية الحديث , وتهديده بالإبعاد إلى أرض قومه , ذكرنا بعضها سابقاً . وقد أعلن أبو هريرة عن تخوّفه من نقل الحديث في عهد عمر , وأن عمر لو كان حيّاً لما سمح له بنقل الحديث ولضربه بالمخفقة على ذلك(74). لأنه قد ضربه بالدِرّة وقال له : قد أكثرت من الرواية , وأحْرِ بك أن تكون كاذباً على رسول الله صلّى الله عليه(75)!. بل قال أبو هريرة :ما كنّا نستطيع أن نقول :قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم « حتى قبض عمر(76). وهذا النص مع أنه يدلّ على أن مطلق الحديث كان ممنوعاً على الصحابة في عهد عمر , حتّى الحديث الواحد!! فهو يدل - كذلك - على أنّ أبا هريرة كان ممن خضع للأوامر والتهديدات العمرية ,فلم يحتجْ إلى أن يحبس . ولسنا نحن بصدد البحث عن خصوص حبس عمر للصحابة,إلاّباعتباره واحدا من أساليبه لمنع الحديث . وأما الثالث : فكلمة الحبس يراد بها _ لغةً _ السجن , والمنع , والظاهر أن الأصل في معنى الحبس هو ضد التخلية (77) و تخلية كلّ شيء بحسبه . فلو منع عمر صحابة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الخروج من المدينة إلى الآفاق , فقد حبسهم في المدينة , كما جاء في بعض النصوص نفس هذا التعبير(78). ويدل عليه قول عمر في بعض الروايات :أقيموا عندي لا تفارقوني ... فما فارقوه حتى مات (79). ومن المعلوم أن منعهم من الخروج عن المدينة , إنما كان لأجل أن لا يحدّثوا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ذلك الحديث الذي أثار عمر , وألجأه إلى حبسهم . وأما تفسير الحبس بالمنع من الحديث , فهو صحيح لغةً , لكنه لا يختلف عن المعنى الأوّل في شيء , حتى يعتبره العجاج جيّداً ,وكأن المعنى الأوّل ليس بجيّدٍ ! فالمنع من الحديث هو مغزى هذاالخبر, ومغزى كلّ الآثار المذكورة عن عمر في تعامله مع الصحابة, وهو الأمر الذي يتصدّى علماء العامّة لتوجيهه . على أنّ أبا بكر ابن العربي قال : إن عمر سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة ... فأطلقهم عثمان ... وكان سجنهم لأن ...(80) فاستعمل كلمة السجن . وأما قول العجاج _ توضيحاً لتفسير ابن البري _ : يريد أنه منعهم كثرة الحديث خوفاً أن لا يتدبّر السامعون ... إذا كثر عليهم . فهذا تصرّف غير أمين , لأن ابن البري يقول :منعهم الحديث عن رسول الله , والعجاج يقول : يريد منعهم كثرة الحديث . فكلمة( كثرة) زادها العجاج ليفيد منها , موهما أن ابن البري يريدها وهو لا يريدها , ولو أرادها لأضافها في كلامه . وأما نحن فنعتقد أنّ الهدف الأساس من منع رواية الحديث ونقله هو الهدف من منع تدوينه و تقييده و ضبطه , و هو إخفاء الأحاديث الدالة على إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام ,و على أساس سياسة مدبّرة . ولئن لم تكن هذه السياسة واضحة أيّام عمر , لكثرة التعتيم الإعلامي , فإن مجريات الأحداث المتعاقبة بعده , أوضحت ذلك (81) فلنقرأ الآثار المنقولة : بغض الحديث ومعارضة تدوينه , خلق في آل عمر : نقلت آثار تدلّ على أنّ معارضة الحديث وبغضه أمر أصبح خلقاً في آل عمر . قال الشعبي : جالست ابن عمر سنةً , فما سمعته يحدّث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئا (82)! . وروى عن حفصة بنت عمر أنهاكانت تعارض تدوين الحديث(83). وقال سفيان بن عيينة : دخلت على العمري _ يعني الرجل العابد من آل عمر _ فقال : ما أحد من الناس _ يدخل عليّ _ أحبّ إليّ منك , إلاّ أنّ فيك عيباً , قلت : وما هو ؟ قال : تحبّ الحديث(84). وقال سعيد بن المسيب : كتبّ إلي أهل الكوفة مسائل ألقى فيها ابن عمر , فلقيته , فسألته من الكتاب , ولو علم أنّ معي كتاباً لكانت الفيصل في ما بيني وبينه(85). منع الحديث سنّة للحكّام: لقد أصبح منع الحديث سنّة اتبعها الحكّام من بعده . قال الشيخ محمّد أبو زهو :وقد تتابع الخلفاء على سنّة عمر ... فلم يشأ أحدهم أن يدوّن السنن ،ولا أن يأمر الناس بذلك، حتّى جاء عمر بن عبد العزيز(86). فكانوا يعلنون أنّ منهجهم في ذلك منهج عمر ،وقاموا بما قام به عمر من تهديد الصحابة ،ومنعهم من الرواية. وبما أنّ السلطة قد تمكّنت من الرقاب بشكلٍ لا تخشى من أيّ شيء ومن أيّ أحدٍ ،فإنّ أهداف المنع من الحديث ـ تدويناً وروايةً ـ لم تعدْ طيّ الكتمان ،بل بدأت يعلن عنها ،ويتحدّث بها على المنابر ،وتصدر الأوامر الأميريّة بها. والآثار المنقولة كثيرة جدّاً نكتفي بما يلي: 1ـ عثمان يمنع رواية الحديث: قال محمود بن لبيد: سمعت عثمان على المنبر يقول: لا يحلّ لأحد يروي حديثاً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، لم يسمع به في عهد أبي بكر، ولا عهد عمر(87). وهذا النصّ يدلّ على أنّ الممنوع في عهد عثمان ،هو الممنوع في عهد أبي بكر وعمر ،وقد أثبتنا أنّ الممنوع في ما سبق عثمان إنّما هو الحديث لا مجرّد الإقلال منه، فالممنوع في عهد عثمان ـ أيضا ـ كذلك. لكن محمّد عجاج الخطيب يحاول التمويه هنا أيضاً ،فيقول :روي عن عثمان أنّه اتّبع منهج عمر في الإكثار من الرواية (88). ثمّ أورد رواية محمود بن لبيد ،مع أنّ تلك الرواية لا تحتوي على كلمة (الإكثار) فلاحظ. وقد فعل عثمان بأبي هريرة ما فعله عمر، من تهديده بالإبعاد، فقال له :ما هذا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، لقد أكثرت، لتنتهينّ أو لأُلحقنّك بجبال دوس (89). 2 ـ معاوية يُعارض الحديث: 1ـ قال رجاء بن حيوة :كان معاوية ينهى عن الحديث، يقول: لا تحدّثوا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (90). 2ـ روى ابن عدي ،عن إسماعيل بن عبيد الله :أنّ معاوية نهى أن يُحدّث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بحديث، إلاّ حديث ذكر على عهد عمر، فأقرّه عمر. إنّ عمر كان قد أخاف الناس في الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (91). ورواه ابن عليّة، عن رجاء بن أبي سلمة أنّه قال: بلغني أنّ معاوية كان يقول ...(92). 3 ـ وروى ابن عساكر: كان معاوية يقول على منبر دمشق :إيّاكم والأحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ،إلاّ حديثاً ذكر على عهد عمر(93). 4_وفي صحيح مسلم عن اليحصبي، قال: سمعت معاوية يقول: إيّاكم وأحاديث، إلاّ حديثاً كان في عهد عمر ،فإنّ عمر كان يخيف الناس في الله عزّ و جلّ(94). 5_ وقال معاوية: ما بال رجالٍ يتحدّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحاديث ،قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه. فقام عبادة بن الصامت، وعارضه(95). 6_وكتب يزيد بن معاوية إلى أبيه: أنّ جبير بن نفير قد نشر في مصري حديثاً, فقد تركوا القرآن !فبعث معاوية إلى جبير فجاءه ،فقرأ عليه كتاب يزيد، فعرف بعضه وأنكر بعضه. فقال معاوية: لأضربنّك ضرباً أدعك لمن بعدك نكالاً . 7 ـ قال ابن أبي الحديد: روى أبو الحسن، علي بن محمّد بن أبي سيف المدائني ،في كتاب (الأحداث): كتب معاوية نسخةً واحدةً إلى عمّاله بعد عام الجماعة [سنة 40]أن : برئت الذمّة ممّن روى شيئاً في فضل أبي تراب، وأهل بيته. وكتب إلى عمّاله في جميع الآفاق أن : انظروا مَنْ قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه ،فأدْنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم ،واكتبوا لي بكلّ ما يروي كلّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته. ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه ،لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات، والكساء والحباء والقطائع. ثمّ كتب إلى عمّاله: إنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية ،فإذا جاءكم كتابي هذا، فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ،ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلاّ وتأتوني بمناقض له في الصحابة. فقرئت كتبه على الناس ،فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة، مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، واُلقي إلى معلّمي الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع، حتّى رووه، وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتّى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ,فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر. وأضاف ابن أبي الحديد: وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه ـ وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم ـ في (تاريخه) ما يناسب هذا الخبر(96). وقد استمرّ المنع بعد معاوية ,ولاغرو فإنّ السياسة واحدة والتدبير متّفق عليه ,وقد سمعت إقدام يزيد ضدّ الحديث في عهد أبيه في موقفهما من جبير بن نفير ,واقرأ عما جري في عهده المشؤوم: بعث أميره على الكوفة عبيد الله بن زياد بن أبيه! إلى زيد بن أرقم فقال : ما أحاديث بلغني عنك تحدّث بها عن رسول الله لانجدها في كتاب الله !؟ تزعم أنّ له حوضاً في الجنّة! فقال : حدّثنا ذاك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ووعدناه. فقال : كذبت ,ولكنّك شيخ قد خرفت؟!(97). وأضيف في بعض مصادر الحديث :قال زيد : اما إني قد سمعتهأذناي ووعاه قلبي يقول : من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مفعده من جهنّم, فما كذبت عليه!(98) وروى الحاكم بسنده عن شهر بن حوشب قال : لما جاءت بيعة يزيد بن معاوية قلت : لو خرجت إلى الشام فتنحّيت من شرّ هذه البيعة فخرجت حتى قدمت الشام , فأخبرت بمقام يقومه نوفٌ ,فجئته فإذا رجل فاسد العينين عليه خميصة ,وإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص , فلما رآه نوف أمسك عن الحديث ! فقال له عبد الله : حدّث بما كنت تحدّث به ! قال : أنت أحقّ بالحديث منّي ,أنت صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ! قال: إنّ هؤلاء منعونا عن الحديث - يعني الأمراء - (99). ولقد جرّأتْ تلك السياسة الغاشمة بني مروان أنْ يقفوا موقف العداء للحديث الشريف : فواجه مروان أبا هريرة لما روى حديثاً في فضل عليّ وفي فضل الحسن عليهما السلام فقال له :إنّك - والله - قد أكثرت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الحديث ,فلا أسمع منك ما تقول ,فهلمّ غيرك يعلم ما تقول ؟! قال أبو هريرة :هذا أبو سعيد الخدري ! قال مروان : لقد ضاع حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى لا يرويه إلاّ أنت وأبو سعيد الخدريّ !؟ والله ما أبو سعيد يوم مات رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلاّ غلام ! ولقد جئت أنت من جبال دوس قبل وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم!فاتّق الله ,يا أبا هريرة . قال أبو هريرة قلت : نعم ما أوصيت به وسكتُّ عنه !؟,(100). ويصرح مروان للغرص الذي دعاه للتعرّض لأبي هريرة عندما أتاه في مرض موته فقال له : ما وجدت عليك إلا في حبّك الحسن والحسين ؟؟ فتحفّز أبو هريرة فجلس وذكر حديثاً في فضل الحسن والحسين عليهما السلام وإرضاع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لهما بلسانه ,ثم قال : فأنا لا أحبّ هذين وقد رأيت هذا من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟؟ (101). وهي التي أدّت بالحديث الشريف إلى أن يتجرّأ الحجّاج الثقفي، فيختم على الصحابة بهدف منعهم من الحديث ،في ما رواه ابن الأثير الجزري، قال : كان الحجّاج بن يوسف الثقفي، قد ختم في يد جابر بن عبد الله ،وفي عنق سهل بن سعد الساعدي ،وأنس بن مالك، يريد إذلالهم، وأن يجتنبهم الناس، ولا يسمعوا منهم(102). وقال اليعقوبي :وختم أعناق قوم من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليذلّهم بذلك ,منهم (و ذكر هؤلاء الثلاثة )وجماعة معهم ,وكانت الخواتم رصاصاً(103). ولئن رفع المنع العلني عن رواية الحديث بشكل عام , إلاّ أن المنع على الأحاديث التي كانت تخالف السياسة ظلّ على شدّته حتى عصر متأخّر : فهذا الخطيب البغدادي نقل عن كتاب حسين بن عمار , عن يحيى بن معين في ترجمة موسى بن عبد الله بن الحسن المثنى أنه قال فيه : ثقة مأمون , دخلت عليه هاهنا ببغداد , وتشفّع إليه رجل فقال : قد منعتُ من الحديث ولولا ذلك لحدّثتك . قال يحيى : فلم نسمع منه شيئاً(104). هذه جملة من الآثار المنقولة في ذلك. والذي يُستخلص منها بوضوح أنّ الممنوع في عهد عثمان ومعاوية هو الممنوع في عهد عمر , وكذلك المسموح في عهدهما هو المسموح في عهده ,فما هو المسموح في عهد عمر ؟ يمكن تحديده من خلال النصّين التاليين: 1 ـ قال عمر: أقلّوا الرواية عن رسول الله، إلاّ فيما يعمل به(105). فأحاديث العمل ـ وهي ما يرتبط بالصلاة، والصوم، والحجّ، وغير ذلك من متعلّقات الأحكام الشرعيّة ـ واجبات وفرائض، و مستحبّات وسنن ـ مسموح بها، ولا غرض لعمر فيها، لكن غيرها ممنوع. 2 ـ ذكر الدارمي ـ في شرح حديث منع عمر لوفد الكوفة، وأمرهم بالإقلال في الرواية ـ ما نصّه: معناه عندي الحديث عن أيّام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ليس السنن والفرائض(106). إنّ أحاديث السنن والفرائض، وهي أحاديث الأحكام، ليست ممنوعةً ولكن غيرها هو الممنوع. 3 ـ وقال ابن عبد البرّ ـ وهو يفسّر منع عمر عن الحديث ـ نقلاّ عن بعضهم: إنّ عمر إنّما نهى عن الحديث عمّا لا يفيد حكماً ولا يكون سنّة (107). وأمّا الممنوع في عهد معاوية: فقد أعلن عنه بكلّ جرأة أنّه كلّ ما روي في فضل الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام وأهل بيته. ومن الواضح أنّ منع معاوية لذلك إنّما كان بهدف سياسي، وهو صدّ الناس عن عليّ وأهل بيته الكرام , حذراً من أن ينتبه الناس إلى أنّ معاوية ومن استنّ بسنّته إنّما هم غاصبون . وإذا ضممنا هذا إلى ما رويناه سابقاً من حرق عبد الله بن مسعود للصحيفة التي كانت تحتوي على فضل أهل البيت ،أهل بيت النبي (108) عرفنا أنّ المصلحة التي كان يطلبها عمر ومن اتّبعه في سنة منع الحديث إنما هي السياسة التي كان يدبّرها من أجل إبعاد أهل البيت عليهم السلام عن الحكم ,وهي التي اتّبعها بعده عثمان ومعاوية ومن تبعهما من الأمراء والحكام . وبهذا نصل إلى القول الفصل في سبب منع الحديث، تدويناً و روايةً ، وهو إخفاء الأحاديث النبويّة الدالّة على خلافة علي عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام . نموذج من الأحاديث الممنوعة: إنّ إباحة رواية الحديث عموماً ، بما يشمل رواية فضل علي عليه السلام وأهل بيته ، وفيها أحاديث كثيرة تدلّ على ولايته على الاُمّة، وخلافته عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وتقدّمه على غيره من المتصدّين لها. و الكثير ممّا يدلّ على وجوب طاعتهم ،وحرمة التقدّم عليهم ،وحرمة إيذائهم وسبّهم، وقتلهم !كلّ ذلك مما يمسّ ـ بوضوح ـ كيان الحُكّام ،ويزلزل الأريكة من تحتهم، ويمنعهم من الاستيلاء على تلك المناصب المقدّسة. كحديث الغدير ،الحيّ في الأذهان بمشاهده، ومناظره، حيث رفع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّاً ،ونادى ـ في الجمع، وفي حجّة الوداع ـ : من كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه ،اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله (109). ذلك الكلام الذي يرنّ صداه في الأسماع والآذان. فهل يخفى تأثير ذلك على أبي بكر، وعمر؟ وخاصةً إذا كان الناقلون له صحابة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وخاصّته من الأجلاء ذوي الورع والفضل والتقى ،من أمثال أبي ذرّ الغفاري، وأبي مسعود الأنصاري ممّن لا يرتاب أحدٌ في صدقهم ،ولا يتهمون في نقلهم؟! إنّ الحكّام كانوا يهابون ـ بلا ريب ـ مثل هذه الأحاديث ، فكان أسهل السبل وأفضل الوسائل للقضاء على آثارها هو منع روايتها ونقلها ,ومنع تدوينها. وهذا هو ما حصل، ولقد نجحت تلك السياسة: فاعتدت الحكومات على السنّة والحديث فأخفتها وأبادتها. وتجاوزت كرامة الصحابة فأهدرتها ،واتّهمتهم ,وتعدّت على حرّياتهم فحبستهم. ومنعتهم من بثّ علومهم ،وهو من أبسط حقوقهم. وأعظم ما في تلك السياسة أنّها كادت أن تؤدّي إلى وأْد حقّ عليّ وأهل بيته في الخلافة والإمامة ,وهذا من أسوأ آثار تلك السياسة التي سنستعرضها في ما يلي. فذلكة أخيرة: ومهما يكن أمـر تدوين الحديث وسبب منعه ؟! فإنّ عدم صحّة العمل الذي قاموا به من منع تدوين الحديث الشريف هي مما لا يحتاج إلى مزيد استدلال واحتجاج ,لما هو من الواضحات عند المسلمين _ قديماً وحديثاً _ من أهميّة الحديث وضرورة نشره والمحافظة عليه. ولعلّ هذا هو السبب في أنّا لا نجد الموافقة لإجراءات عمر على منع رواية الحديث ,من الكبار الذين وقفوا معه موقف التأييد في موضوع منع تدوين الحديث وكتابته ,كأبي هريرة ,وابن مسعود ,وأبي سعيد الخدريّ ,بل وقفوا من منع النقل ومنع رواية الحديث موقفاً معارضاً حتّى أدّى بأبي هريرة إلى التهديد بالإبعاد , وبابن مسعود إلى السجن حسب ظاهر الأحاديث ,وبأبي سعيد أن يقول :تحدّثوا وتذاكروا فإنّ الحديث يذكّر بعضه بعضاً (110). فذلكة أخرى: ثم مما يؤيد أن منع عمر لم يكن من أجل ما التزمه البعض من عدم معرفة الصحابة للكتابة , وهو ما ذكرنا بطلانه في الفصل الخامس مفصلاً ,هو ما قام عمر في عصره من أمره برواية الشعر الجاهلي وحثه على تدونه وحفظه : فكان يقول : ارووا الشعر ,فإنه يدل على محاسن الأخلاق (111). وعن ابن عباس ,قال عمر : تعلّموا الشعر فإنّ فيه محاسن تبتغى ,ومساوئ تتقى ,وحكمة الحكماء ,ويدل على مكارم الأخلاق (112). والأفضع من ذلك أنه كان يأمر بكتابة الشعر: روى الشعبي , قال: كتب عمر بن الخطاب إلى المعيرة بن شعبة - وهو عامله على الكوفة - أنْ ادْعُ من قبلك من الشعراء فاستنشدهم ما قالوا من الشعر في الجاهلية والإسلام ,ثم اكتب بذلك إليَّ!. فدعاهم المغيرة(113). فمال(شعر العرب ) يروى ويكتب ؟ وحديث رسول الإسلام تمنع روايته؟؟ ويمنع تدوينه وكتابته ؟؟؟ ألم عمر أن خير الهدي هدي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأنه بعث بمكارم الأخلاق (114)؟؟!! و في صحبته الطويلة مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ! أين كان عمر , من مكارم الأخلاق التي بثّها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بين أصحابه ,حتى يرويها هو ,أو يدعو إلى روايتها ,ويدعو إلى كتابتها ,أو على الأقل يدع الصحابة يروون ويكتبون ولم يمنعهم من ذلك ,بدلاً من الدعوة إلى أخلاق الجاهلية وإحيائها ؟؟!!
|
|
1- لاحظ ( ص 263) من هذه الدراسة . 2-علوم الحديث لصبحي (36). 3- تذكرة الحفاظ (1/2 - 3 ) والأنوار الكاشفة ( ص 53 ) . 4- انظر الملل والنحل (1/22) والإمامة والسياسة - ط زيني - (1/12- 20 ) . 5- سنن ابن ماجة (1/6) باب ( 3 ) ح ( 12 ) . 6- اوردنا نصوص الأحاديث عن مصادرها في ( ص 352 - 356 ) نهاية الفصل الثالث من هذا القسم . 7- تذكرة الحفاظ (1/3) . 8- انظر ( ص 359 ) الفصل الثالث من القسم الثاني . 9- انظر ( ص 80 - 81 ) الفصل الثاني من القسم الأول . 10- رواه أحمد في مسنده (1/437) و (4/80) و (5/183) وفي طبعة شاكر : (6/96) والحديث رقم (4157) وبألفاظ أخرى في (4/82) و (3/325) وانظر سنن ابن ماجة (1/4- 85 ) ومستدرك الحاكم (1/87و88 ) وجامع بيان العلم (/39) وكنز العمال (10/ 258) رقم(29375) وقبله وبعده . 11- فتح الباري لابن حجر (1/194) ومسند أحمد (1/228) . 12- الجامع لأخلاق الراوي والسامع (1/509). 13- مسند أحمد (2/263و305و495 و353 و296 ) وطبعه شاكر : (14/5) ح 7561 و (15/86) ح 7930 . والمستدرك للحاكم (1/101) وباختلاف في الجامع لأخلاق الراوي(1/509). 14- الفقيه والمتفقه , للخطيب (1/144) . 15- مختصر تاريخ دمشق (18/259) . 16- انظر ما ذكرناه في التمهيد للقسم الثاني (ص272) . 17- حتى عدَّ - بحقٍّ - رائداً للمانعين !. 18- رواه أصحاب الكتب , وقد جمعنا بين ألفاظهم المختلفة بقولنا (أو :كذا ) فانظر : طبقات ابن سعد (6/ 7) وسنن الدارمي (1/73) ح 285 و286 وسنن ابن ماجه (1/12) باب التوقي في الحديث , ومستدرك الصحيحين للحاكم (1/110) وشرف أصحاب الحديث (ص92) وجامع بيان العلم (2/120)وتذكرة الحفاظ (1/7) وكنز العمال (2/284 - 285 ) رقم ( 4017 ) . 19- المحدّث الفاصل ( ص 554 ) رقم ( 746 ) والبداية والنهاية لابن كثير (8/106) . 20- أخبار المدينة المنوّرة لابن شبّة (3/800) . 21- الاعتصام بحبل الله المتين , للقاسم اليمني(2/29) . 22- شرح نهج البلاغة (4/68) ونقله في الاعتصام (2/29)وفيه :وأخشاك ,بدل : وأحر بك . 23- تاريخ دمشق (39/108) . 24- الكامل لابن عدي (1/18) والمجروحين لابن حبان (1/34) والطبراني في الأوسط لاحظ الطبقات لابن سعد(7/68و83). 25- لاحظ ترجمة : إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. 26- مستدرك الحاكم (1/125) والبداية والنهاية لابن كثير (8/107) . 27- أخرجه مسلم في صخيخه (1/280) وأبو داود في سننه(1/88). 28- أخبار المدينة المنوّرة (3/800) . 39- تقييد العلم ( ص 49 ) . 30- جامع بيان العلم(2/130). 31- صحيح مسلم (3/1694) وموطأ مالك (2/964) بلفظ آخر , والرسالة للشافعي (ص 430 ) . 32- طبقات ابن سعد (4/1/13-14). 33- تذكرة الحفاظ (1/8) . 34- فانظر إلى موقف عبادة بن الصامت من معاوية لما عارض الحديث , في صحيح مسلم (3/1210) كتاب المساقاة . 35- المدخل في اصول الحديث للحاكم(ص171). 36- المحدّث الفاصل للرامهرمزي (ص 553 ) رقم ( 744 ) والإلماع للقاضي عياض (ص 217). 37- المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/110)و مجمع الزوائد (1/149) . 38- تذكره الحفاظ (1/7) . 39- كنز العمال (1/239) ط الهند وانظر عن موضوع حبس عمر للصحابة ,و منعهم من الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , في المصادر التالية : طبقات ابن سعد (5/188) وتقييد العلم (ص 53 )وانظر سنن الدارمي (1/85) والمستدرك على الصحيحين للحاكم (1/102) ومجمع الزوائد (1/149) . 40- مختصر تاريخ دمشق (17/101) . 41- شرف أصحاب الحديث ( ص 97 - 98 ) . 42- المجروحين لابن حبان (1/38). 43- الكنى للدولابي (2/62) و (2/169) . 44- مسند أحمد (2/175و223 ) و (6/442)ومستدرك الحاكم (4/480) و (3/342 و344 ) . 45- هو الذي نقلناه عن كنز العمال (1/239) ط- الهند . 46- المستدرك للحاكم (1/110) وتلخيص الذهبي له , بذيله . 47- وكذلك من قلّد ابن حزم من المحدَثين - كالشيخ أبي شهبة - حيث قال عن رواية حبس عمر للصحابة :إنها مكذوبة , لاحظ دفاع عن السنة (ص280) . 48- شرف أصحاب الحديث ( ص 97 - 98 ) وقد مضى نقل كلامه . 49- تاريخ دمشق (39/108-109) وسيأتي نقل كلامه . 50- تأويل مختلف الحديث (ص39) وسيأتي نقل كلامه . 51- دلائل التوثيق المبكر ( ص 511 - 512 ) . 52- دلائل التوثيق المبكر ( ص 230 ) . 53- دلائل التوثيق المبكر ( ص 435 ) . 54- دلائل التوثيق المبكر ( ص 234 ) . 55- دلائل التوثيق المبكر ( ص 511 - 512 ) . 56- جامع بيان العلم (2/122) . 57- جامع بيان العلم (2/123) وانظر السنة قبل التدوين (ص110-103) . 58- تهذيب التهذيب (1/506) . 59- السنة قبل التدوين (ص101) هـ 1 . 60- جامع بيان العلم (2/ 124) . 61- المجروحين لابن حبان , المقدمة(1/38). 62- تاريخ دمشق ( 108/39 - 109 ) . 63- مضى نقله برقم ( 4 ) ص ( 437 ) . 64- تأويل مختلف الحديث ( ص 39 ) . 65- انظر كتب دراية الحديث ومصطلحه , وانظر : منهج النقد (ص57-77) . 66- الأحكام لابن حزم (1/252 - 253 ) نقله الجزائري في توجيه النظر (ص 16 - 17 ) وانظر جامع بيان العلم (2/122) . 67- منهج النقد ( ص 52 ) . 68- انظر ذلك ذيل الحديث ( 1 ) ص ( 436 ) . 69- انظر ما اوردناه ثانيا على ابن قتيبه ( ص 460 ) . 70- تقييد العلم ( ص 2 - 73 ) ومحاسن الاصطلاح ( ص 300 ) عن المحدّث الفاصل ( ص 963 ) رقم ( 133 ) والكامل لابن عدي (1/36) . 71- انظر مسند أحمد (1/165) و (2/195) و (3/39)ومواضع أخر . 72- ذكرناه برقم ( 3 ) . 73- السنة قبل التدوين ( ص 106 وما بعدها ) . 74- تذكرة الحفاظ (1/7) وجامع بيان العلم (2/121) . 75- شرح نهج البلاغة , لابن أبي الحديد (4/7-68) . 76- البداية والنهاية لابن كثير (8/107) . 77- انظر صحاح اللغة للجوهري ( مادة : حبس ) . 78- انظر ( ص 432 رقم ( 2 ) . 79- انظر ( ص 437 ) رقم ( 4 ) . 80- العواصم من القواصم ( ص 76 ) . 81- من باب ( ستبدي لك الأيام ما كان خافياً ) . 82- الحديث والمحدّثون ( ص 68 ) . 83- ذم الكلام , للهروي . 84- فاتني تسجيل مصدر هذا الكلام , فلتلاحظ ترجمة سفيان ,وترجمة عبد الله بن عمر بن حفص في الجرح والتعديل(5/109). 85- تقييد العلم ( ص 44 ) . 86- الحديث والمحدّثون (ص126). 87- الطبقات لابن سعد (2/2/100) مسند أحمد (1/2 ـ 363). 88- السنّة قبل التدوين (ص97). 89- المحدّث الفاضل (ص554) رقم (749) والسنّة قبل التدوين (ص459-460) وانظر أضواء على السنّة لأبي ريّة (ص54). 90- الفقيه والمتفقه، للخطيب (1/7). 91- الكامل لابن عدي (1/33) وانظر (1/18) ومسند أحمد (4/99) وتذكرة الحفّاظ (1/7). 92- حجيّة السنّة (ص467). 93- تاريخ دمشق لابن عساكر (3/160). 94- صحيح مسلم (2/718) كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة. 95- صحيح مسلم (ج3 ص1210) باب الصرف وبيع الذهب من كتاب المساقاة. 96- شرح نهج البلاغة (11/44-46)وانظر وصية معاوية 'لى واليه على الكوفة في تاريخ الطبري(2/112). 97- مستدرك الحاكم (1/77) ومشكل الآثار(1/170) 98- أمالي المحاملي (الورقة 28)ومسند أحمد (4/367) والمعجم الكبير (5/186 رقم 5021) ونقله في مجمع الزوائد(1/144) عن الطبراني والبزار وأحمد. 99- ثم عزم عليه فروى حديثين مشبوهين في كونهما مما يواطئ أهداف الأمويين! مستدرك الحاكم (4/486). 100- مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (7/42). 101- المعجم الكبير للطبراني (3/50) رقم 2656. 102- أسد الغابة (2/472) الطبعة الحديثة. 103- تاريخ اليعقوبي (2/272). 104- تاريخ بغداد (13/27). 105- البداية والنهاية لابن كثير (8701). 106- سنن الدارمي (1/72) ح286. 107- جامع بيان العلم (2/121). 108- تقييد العلم (ص54) وانظر ما مضى (ص421). 109- حديث الغدير من متواترات أحاديث الإسلام ،وقد اتفقت على نقله كافّة الفرق الإسلامية ,جمعنا جملةً من مصادرها في تخريجاتنا لتفسير الحبري (ص448 ـ 450) وانظر عنها كتاب (الغدير) للأميني، المجلّد الأوّل، وعبقات الأنوار للسيد حامد حسين الهندي. واعترف بتواتره العامة، فراجع: نظم المتناثر، للكتاني (ص194) رقم (232). 110- الجامع لأخلاق الراوي (1/365 رقم 470)و انظر المحدث الفاصل (الفقرة: 722)وجامع بيان العلم (1/101و111). 111- ربيع الأبرار للزمخشري (4/267). 112- كنز العمال (3/849)رقم8945 عن ابن السمعاني . 113- كنز العمال (3/849)رقم8935 عن ابن سعد . 114- اقرأ كتاب مكارم الأخلاق للمحدّثين البرقي (ت274هـ )وللخرائطي ,وللطبرسي ,وكلّها مطبوعة ,لتقف على طرف من ذلك . |