|
الملحق الثاني آثار المنع من التدوين
ومهما كان شأن التدوين:جوازه، أوحرمته. ومهما كانت الأسباب التي دعت إلى منع تدوين الحديث، إلى جانب منع روايته ونقله، كلّه أو بعضه .فإنّ الأمر الذي ليس لأحد إنكاره هو أنّ الحديث قد منع كتابةً وتدويناً ،وروايةً وتحديثاً ,من قبل الحكّام بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى فترة حكم عمر بن عبد العزيز . وقد أثّر ذلك المنع آثارا سيّئةً ،سواء أراد المانعون أم لم يريدوا؟ وسواء رضي المدافعون عنهم أم غضبوا؟! وقد عبّر البيهقي عن هذه الآثار لمّا عنون لأحاديث الأريكة ,بقوله: باب ما جاء في إخباره صلّى الله عليه وآله وسلّم بشبعان على أريكته ،يحتالُ في ردّ سنّته، بالحوالة على ما في القرآن من الحلال والحرام دون السنّة، فكان كما أخبر، وبه ابتدع من ابتدع، وظهر الضرر (1). وقال الشيخ محمّد أبو زهو :كاد القرن الأوّل ينتهي ،ولم يُصدر أحد من الخلفاء أمره إلى العلماء بجمع الحديث ،بل تركوه موكولا إلى حفظهم ،ومرور هذا الزمن الطويل كفيلٌ بأن يذهب بكثيرٍ من حملة الحديث من الصحابة والتابعين (2). ونحن لا نعتقد أنّ هذه الآثار قد أفقدت الحديث شيئاً من قُدسيّته أو اعتباره أو حجّيته ،بل نعتقد أنّ هذه الآثار هي الدليل الواضح على فساد محاولات المنع ،سواء منع رواية الحديث ،أم منع تدوينه ؟ وأنّ الحديث النبوي قد صانه المخلصون للحقّ ،والمبلّغون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بكلّ ما لديهم من أدوات الحيطة والحصانة والضبط ،أُولئك الذين عارضوا إجراءات الحكّام ،ولم يلتزموا بشرعيتها ،كما لم يلتزموا بشرعية حكمهم على الأُمّة. فمن المجموعة الكبيرة التي حفظها الصحابة بالكتابة والتقييد بأيديهم الأمينة ،إلى المجموعة الكبيرة التي تناقلتها القلوب المخلصة بأفئدة ذكيّة ،إلى المحاولات الجادّة الهادفة لوقف الزحف المخرّب ضدّ الحديث وعلومه ! فقام علماء الإسلام بالسعي الجادّ بتحديد قوانين الرواية وتحمّلها وأدائها، بما لم يسبق له مثيل بن الأُمم والحضارات السالفة ، و قاموا بتأسيس علم مصطلح الحديث ,أو دراية الحديث. وعلى أثر تلك الجهود لم يمسّ الحديث من كيد المانعين بسوء ،وردّ الله كيد أعداء الدين المعتدين على حديث سيد المرسلين ،فبقي الحديث الشريف محفوظاً عند المخلصين المحافظين عليه. نعم ،سبّب ذلك المنع تضليل الأُمّة ،واتّهام الإسلام من قبل الجهّال ، وزيادة تعب العلماء للتمييز بين مختلف الأحاديث، وفتح المغرضين ألسنتهم على الحديث وأهله. وأهمّ تلك الآثار المخرّبة هو ابتعاد الأُمّة عن أهل بيت النبي عليهم السلام ،أُولئك الهداة الثقات العلماء الأوتاد ,وقرناء القرآن ,وهو ما جرّ الويلات عبر التاريخ على الإسلام والمسلمين. لكنّ الحديث لا يزال هو الركن الثاني للإسلام ،وبه يمكن إزالة كلّ تلك الغشاوات، وكشف تلك الظلمات ،لأنّه من الحقّ الذي يعلو ولا يُعلى عليه. وقد توصّل كثير من علماء العصر ومحقّقي علوم الحديث والسنّة إلى الحقيقة الناصعة ،القائلة بأنّ الحديث النبوي قد دوّن وكُتب في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,وبإشراف تامّ منه نفسه عليه السلام ,,أطبق على هذا الرأي المسلمون والمستشرقون الناشدون للحقيقة. إلاّ أنّ الغريب في محاولة بعض أهل السنّة من المعاصرين إخفاء الحقائق ,وعدم الإفصاح عن أسماء من كان وراء عملية المنع ، ومن سبّب كلّ ذلك النزاع والضوضاء على كتابة الحديث إلى حدّ إحراق الكتب وإبادتها ومراقبة الكاتبين للحديث إلى حدّ التهديد والعتاب والسجن. بل الأغرب محاولة بعضهم تبرير مواقف المانعين من تدوين الحديث وكتابته وتسجيله وحفظه ،ومحاولة التغطية على صنيعهم بالكتب الكاتبين لها ،أو إنكار ما اقترفوه في هذا المجال من أعمال ,بدلاً من أن يستنكروها ويتبرّأوا من صانعيها ومؤجّجي نارها التي أحرقت تلك المجاميع من كتب الحديث ،وسبّبت هذه المشاكل العلمية والعملية للمسلمين بما لا ينمحي أثره إلى يومنا الحاضر. فكان من الضروري أن نعرض بعض آثار تلك المواقف السيّئة تجاه الحديث الشريف ،إتماما للبحث ،وتوضيحا لجوانب مهمّة من تاريخ الحديث والسنّة. 1ـ اختفاء جملة كبيرة من الحديث: لا شكّ أنّ المنع من تدوين الحديث، كالمنع من روايته، بل والإقدام على إبادته بالإحراق، والإماثة في الماء، والدفن ، أدّى إلى انعدام كثير من نصوص الحديث الشريف، وفقدانه، وعدم نشره وتداوله (3). ولولا ذلك المنع لبقي كلّ ذلك ،ولاستفادت الأُمّة منه ،بتداوله ونقله ،باعتباره سنّةً يجب اتّباعها ،وحديثاً من خير الحديث. ولدينا أدلّة على فقدان جملة كبيرة منه ،كما في الآثار التالية: 1 ـ دلّت الأخبار على أنّ أبا بكر جمع أحاديثه في كتاب، فكان عددها ـ كما أخبرت ابنته عائشة ـ خمسمائة حديث. لكنّه عمد إلى إبادتها(4). فإذا كان قد جمع في ذلك الكتاب ما رواه عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وعلمنا من خلال إحصاء الحفّاظ لحديث أبي بكر، الموجود في الكتب، أنّ مجموع أحاديثه هو [ 142] حديثاً فقط من الأحاديث المرفوعة (5) وإذا طرحنا هذا العدد (142)ـ وهو حديثه الموجود ـ من (500) وهو الذي كتبه ثمّ أباده ،نجد أنّ المفقود (358) حديثاً . فهذا يدلّ على أنّ أبا بكر قد أباد من أحاديثه (358) حديثاً ،على أقلّ تقدير ، ولم يوجد لها بين الأُمّة اليوم عينٌ ولا أثرٌ ؟ ! 2 ـ قرظة بن كعب، لم يحدّث: روى قرظة بن كعب خبر منع عمر لوفد الكوفة من الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (6) وقال ـ بعد ذلك ـ : فما حدّثت بشيء ! وقد سمعت كما سمع أصحابي. ولا شكّ أنّ هذا الصحابي لو كان يحدّث لكانت الأُمّة تستفيد من حديثه ،في عصره ،وفي الأجيال بعده ،وتثبت أحاديثه في ما ثبت وخلد من السنّة الشريفة ! ولكنّه لم يفعل ،من أجل المنع!! 3 ـ أبو هريرة يخفي وعاء من حديثه، وإنّما نشر واحداً فقط: لقد عرفنا أنّ أبا هريرة كان ممّن هدّده عمر بالإبعاد بسسبب روايته الحديث ،وقد خضع أمام التهديدات ،كما يظهر من الآثار التالية: 1ـ روى المقبري ،عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعائين : فأمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم(7)! وفي حديث له , قال :حفظت ثلاثة أجرب', وبثثت جرابين (8)وفي نصٍّ آخر: إن أجربته كانت خمسة(9). 2 ـ قال أبو سلمة: سألت أبا هريرة :أكنت تحدّث في زمان عمر هكذا؟ قال أبو هريرة :لو كنت اُحدّث في زمان عمر ـ مثل ما أُحدّثكم ـ لضربني بمخفقته (10)! 3 ـ وقال أبو هريرة: لقد حدّثتكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر لضربني بالدرّة (11). 4 ـ وقال: ما كنّا نستطيع أن نقول: ( قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ) حتّى قبض عمر(12). قال أبو زهو :هذا أبو هريرة يمسك عن التحديث في زمن عمر بن الخطاب ،مع أنّه معدود من المكثرين من الصحابة لرواية الحديث ، ولكنّه اتّباعاً لسنّة الشيخين في التقليل من الرواية ,يكفّ(13). لكن النصّ السابق يدلّ على أنّ أبا هريرة إنّما ترك الحديث رهبةً من درّة عمر ,لا رغبةً في سنّة عمر. وإلاّ ,فلابدّ أن يعرف هو وغيره أنّ اتّباع سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في التكثير من الرواية هو الواجب عليه وعلى كلّ من تحمّلها ؟! ثم _ وحسب اعتراف أبي هريرة نفسه _ فالأكثر من رواياته لابدّ أن ينظر إليها بمنظار الشك والريب حسب رؤية عمر على الأقل! فالظاهر أنّ عدّأبي هريرة من المكثرين في الحديث ،جاءت لما رواه بعد زمان عمر ،أو أنّ المجموعة الموجودة من رواياته لم تضرّ السلطات المتعاقبة ،بل تؤيّدها(14) لإنّ سياسة عمر في منع الحديث ،كانت سنّةً يتبعها عثمان ومعاوية، كما عرفنا(15). ومع ذلك، فقد خفي القسم الأكبر من أحاديث أبي هريرة، كما يدلّ عليه ما اشتهر عنه من حديث الوعائين الذين لم ينشرهما وكذلك الأجربة !، وإنّما نشر واحداً منها . وإذا كان الواحد منها بهذه الكثرة ,التي أوجبت استكثار بعض الصحابة ذلك(16) فكيف بجميعها؟؟!! والكتب التي اُبيدت: فالصحيفة التي أبادها عبد الله بن مسعود ،والتي كانت تحتوي أحاديث حسانا ... في فضل أهل البيت، بيت النبي(17) ماذا كانت تحتوي؟ وأين أحاديثها؟. وكتب الناس ،التي أحرقها ابن مسعود (18) ماذا كانت تحتوي؟ وأين صارت أحاديثها؟. وكتب الناس التي جمعها عمر ،وأمر بإبادتها(19) ماذا كانت تحتوي؟ وأين أحاديثها؟. هل بقي من كلّ ذلك شيء، من يدري؟! وممّا لا ينكره مؤرّخو الحديث أنّ الانتظار إلى مطلع القرن الثاني لكي يدوّن الحديث ،يقارن موت معظم الصحابة(20) وذهاب كثير من حملة الحديث(21). لأنّ آخرهم موتا هو أبو الطفيل عامر بن واثلة الكناني الذي توفي سنة (مائة) من الهجرة(22). فلو التزمنا بمنع التدوين، إلى ذلك الحين، كما هو رأي أكثر المؤرّخين من محدّثي العامة ،والتزمنا إلى جانب ذلك بتشديد عمر في منع نقل الحديث والرواية ،لصحّ القول بأنّ أكثر الحديث قد ضاع بموت حامليه ،حيث لا رواية ولا كتابة ،عدا ما أباح تسجيله وروايته الحاكمون وهو القليل ،ومن أحاديث الأعمال فقط ،أو تمّ نقله بصورة غير قانونية؟! أثر المنع في الشريعة الإسلامية: وقد ألجأت هذه الحقيقة اعتراف الجميع بضياع قسم عظيم من الحديث ,حتى المتعصبين من أمثال رشيد رضا الذي قال :ونحن نجزم بأننا أضعنا من حديث نبينا حظاً عظيماً ,لعدم كتابة علماء الصحابة كلّ ما سمعوه (23). ومن أوضح نتائج هذا الاختفاء أنّ الفقهاء العامة واجهوا قلّة في النصوص التي تستفاد منها الأحكام الشرعيّة ،فلجأوا إلى الرأي والقياس ـ الذي هو الأساس لمحق الدين ـ كما وقع لأبي حنيفة ، فقالوا في حقّه :إنّ أبا حنيفة إنّما كثر القياس في مذهبه ،لكونه في زمن قبل تدوين الحديث، ولو عاش حتّى دوّنت الأحاديث الشريفة، وبعد رحيل الحفّاظ في جمعها من البلاد والثغور وظفر بها ،لأخذ بها وترك كلّ قياس كان قاسه (24). أقول: بل، لو دوّنت الأحاديث قبل أن يولد أبو حنيفة ،لما ضاع شيء منها ،ولاستفادت الأُمّة كلّها منها في معرفة دينها ،وإصلاح دنياها !. لكن المانعين كانوا يتعمّدون ضياع الأحكام، وتشتيت أحوال أُمّة الإسلام ،بتحريم تدوين السنّة ،مضافا إلى منع روايتها على الألسنة. وأمّا نوعيّة الحديث الذي اختفى: إنّ من غير الممكن تحديد نوعيّة جميع الحديث الذي اختفى على أثر عمليّة المنع، إلاّ أنّه يمكن الجزم بنوعيّة بعض ما اختفى نظراً إلى الآثار الواصلة إلينا، والتي سبق ذكرها موثوقة بمصادرها ،وإجمالها: 1 ـ إبادة الصحيفة التي فيها فضل أهل البيت. 2 ـ قول معاوية إلى عمّاله: برئت الذمة ممّن روى شيئاً في فضل علي وأهل بيته. 3 ـ قول الدارمي بأنّ الممنوع إنّما كان ما يرتبط بأيّام رسول الله صلّى الله عيله وآله وسلّم ،دون السنن والفرائض. وهي الأُمور التي ذكرناها سابقا بتفصيل مّا وقلنا: إنّها تدلّ على أنّ الهدف من المنع إنّما كان عدم انتشار الأحاديث التي ترتبط بخلافة علي عليه السلام ، ممّا كان يعارض السلطة القائمة ويهدم أساس خلافة الحكّام. 4 ـ أضف إلى ذلك ما ذكروه عن محتوى الوعائين والأجربة ,مما لم ينشره أبو هريرة من أحاديثه ,فقد بيّنوا أنّ ما عنده ممّا لم ينشره لا يتعلّق بالأحكام والاَّداب ،وليس ممّا يقوم عليه أصل من أُصول الدين، بل هو بعض أشراط الساعة، أو بعض ما يقع للاُمّة من الفتن(25). ومن الواضح، لدى علماء الحديث، أنّ المراد بعنوان ( الفتن ) هو ما يرتبط بأمر الخلافة وما وقع حولها من نزاع وتشاحّ وحروب وغير ذلك، قبل أن يصبح ملكاً عضوضاً. وإذا علمنا من خلال ترجمة أبي هريرة وسيرته أنّه مال إلى معاوية وحزبه (26) وكان مع السلطة ،اتّضح أنّ الذي لم ينشره من الحديث منه ما كان مرتبطاً بفضل عليّ عليه السلام وأهل البيت وذلك الذي كانت السلطة تسعى بكلّ قواها في إخفائه ومنعه تدويناً وروايةً . وقال ابن حجر : حمل العلماء ( الوعاء الذي لم يبثه ) على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم (27). أقول : ويكفي أنهم اعترفوا بأن الرسول صلّ الله عليه وآله وسلّم قد بين للأمة ما يلزم حول هؤلاء ,ولكن السياسة هي التي أوجبت إخفاء الحقائق النبوية عن الأمة ! وأيضاً :يمكن أن نعرف نوعا آخر ممّا اختفى: وهو ما رواه عليّ عليه السلام من الحديث ،فإنّ أصحاب الإمام عليه السلام وتلامذته الذين اقتبسوا منه ،قد شرّدوا بعد استيلاء معاوية على الحكم، وكانوا تحت الرقابة الشديدة ،بل زجّوا في السجون ، وقتّلوا تقتيلا. بحيث لم يجرؤ بعض الرواة أن يذكر اسم الإمام عليه السلام عندما أراد أن يروي عنه بل كان يقول: حدّثني أبو زينب ، كنايةً عنه عليه السلام (28). وقال يونس بن عبيد: سألت الحسن [ البصري ] قلت: يا أبا سعيد، إنّك تقول :قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,وإنّك لم تدركه؟ قال: يابن أخي ،لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحدٌ قبلك ، ولولا منزلتك منّي ما أخبرتك، إنّي في زمان كما ترى (وكان في عمل الحجّاج) كلّ شيءٍ سمعتني أقوله: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم,فهو عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام,غير أنّي في زمان لا أستطيع أن أذكر عليّاً(29). بل، أدّى بهم بغضّ علي عليه السلام إلى ترك السنّة. أخرج النسائي، عن سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عباس بعرفة، فقال: ما لي لا أرى الناس يلبّون؟! قلت: يخافون من معاوية، فخرج من فسطاطه يقول: لبّيك اللهمّ لبّيك ،فإنهم قد تركوا السنّة من بغض عليّ (30). لكن الذين اشتروا أنفسهم ابتغاء مرضاة الله ,وجعلوا أرواحهم رخيصةً في سبيل أهداف الإسلام الغالية ،لم يأبهوا بالتهديدات، ولم تؤثّر فيهم الاتهامات، فقاوموا السلطات، وقاموا بكلّ جرأة بأداء الحقّ بعد تحمّله، كي لا يعذر الناس، وبلّغوا القدر الممكن الكافي لإتمام الحجّة على الأُمّة، فوصل إلينا ما لا يبقى معه عذر لمعتذر . فقد حفظوا لنا الدين المعتمد ـ بعد القرآن ـ على سنّة سيدنا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ,سالكين أفضل السبل وأوثقها وأصحّ الأسانيد وأقومها، ألا وهو ما أسنده الأئمّة العظام من أهل البيت : إلى جدّهم المصطفى. هذا مع أنّ أهل البيت أدرى بما في البيت، وأحرص على حفظه، وضبطه، ونشره ،وتبليغه ،لما لهم من الفضل والجهاد والعلم والسداد. فعلى المسلمين بعد انسداد أبواب العلم على غيرهم، وانقطاع الطرق إليه السير في طريقهم ,والالتجاء إليهم في معرفة علوم الدين وقواعد الإسلام من تفسير القرآن، ورواية الحديث والسنّة . ومن أجل ذلك يجب الرجوع إليهم في أخذ أحكام الشرع، والعمل بفقههم الأصيل، المتّصل الإسناد بالرسول صلّ الله عليه وآله وسلّم ، والمعتمد على مصادر الشريعة المكرّمة ،بدون انقطاع أو تحريف أو شبهة . وقد أكّدت النصوص المنقولة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على وجوب الرجوع إليهم ،وأنّهم مع القرآن ،فهما الخليفتان له في أُمّته من بعده لو تمسّكت بهما لم تضلّ أبداً ،كما سبق بيانه في حديث الثقلين الذي تحدّثنا عنه مفصّلاً في بداية الفصل الثالث من القسم الأوّل (31). كما اعترف كلّ المسلمين المؤمنين بفضل أئمّة أهل البيت عليهم السلام وتقدّمهم في معرفة الإسلام اُصوله وفروعه، والعمل به في أخلاقياته وإرشاداته وواجباته ومسنوناته. فالأخذ منهم هو سبيل النجاة من ورطة الهلكات ،في هذه الدنيا وبعد الممات. 2 ـ وضع الحديث: قال محمّد علي السايس: نشأ ـ من عدم تدوين الحديث، واكتفاء الصحابة بالاعتماد على الذاكرة، وصعوبة حصر ما قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وفعل ،في مدّة ثلاثة وعشرين عاماً، من بدء الوحي إلى الوفاة ـ أنْ وجد أعداء الإسلام ـ الذين غلبوا على أمرهم ـ منفذاً يدسّون منه على المسلمين، ما يفسد دينهم، ليتسنّى لهم قلب الدولة الإسلامية، واسترجاع ما فقدوا من عزّ وسلطان! لم يجدوا ـ وقد سدّت في وجوههم أبواب الكتاب ـ إلاّ أن يلجوا على المسلمين من باب السنّة الواسع(32). وقد ذكر المدائني في كتاب (الأحداث) إجراءات معاوية في منع الحديث في فضل الإمام علي عليه السلام وأهل بيته، وتشجيعه على وضع الحديث في فضائل الخلفاء والصحابة، غير علي وأصحابه، وبذله الأموال والإقطاعات على ذلك , قال: حتّى رروه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن ،وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم. وأضاف: فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر. وقال ابن أبي الحديد ـ الذي نقل ذلك عن المدائني ـ : وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه ـ وهو من أكابر المحدّثين وأعلامهم في (تاريخه) ما يناسب هذا الخبر، وقال: إنّ أكثر الأحاديث الموضوعة ـ في فضائل الصحابة ـ افتعلت في أيّام بني اُميّة تقرّباً إليهم، بما يظنّون أنّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم(33). وقال أبو ريّة: كان من آثار تأخير تدوين الحديث، وربط ألفاظه بالكتابة، إلى ما بعد المائة الاُولى من الهجرة وصدر كبير من المائة الثانية: أن اتسعت أبواب الرواية، وفاضت أنهار الوضع، بغير ما ضابط ولا قيد(34). وقال السيد شرف الدين: لا يخفى ما قد ترتّب على هذا [ المنع ] من المفاسد التي لا تُتلافى أبداً ... وليت أبا بكر وعمر صبّرا نفسيهما على جمع السنن وتدوينها في كتاب خاصّ يرثه عنهما من بعدهما ... . ولو فعلا ذلك لعصما الأُمّة والسنّة من معرّة الكاذبين بما افتأتوه على رسول الله صلّ الله عليه وآله وسلم . إذ لو كانت السنن مدوّنة من ذلك العصر في كتاب تقدمه الاُمّة ، لأرتجّ على الكذّابين باب الوضع. وحيث فاتهما ذلك، كثرت الكذابة على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولعبت في الحديث أيدي السياسة، وعاثت به ألسنة الدعاية الكاذبة، ولا سيّما على عهد معاوية وفئته الباغية، حيث سادت فوضى الدجاجيل، وراج سوق الأباطيل(35). وقد كان في وسعهما وأوليائهما أن يكفوا شرّ هؤلاء بتدوين السنن ... . وما كان ليخفى عليهم رجحان ذلك ... لكن أهدافهم التي أعدّوا، وتعبّأوا لها، لا تتّفق مع كثير من النصوص الصريحة المتوافرة، والتي لابدّ من تدوينها ـ لو اُبيح التدوين ـ لكونها ممّا لا يجحد صدوره، ولا يكابر في معناه(36). وقال السيد هاشم معروف الحسني العاملي: لو وقف المسلمون ـ بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ من السنّة موقفاً سليماً ،وعملوا على تدوينها وجمعها من صدور الحفّاظ ،قبل أن تأكلهم الحروب، والغزوات، وقبل أن تعبث بها أيدي الدسّاسين والمخرّبين. لو وقفوا منها هذا الموقف، لقطعوا الطريق على هؤلاء وغيرهم من المرتزقة الذين كانوا يتقرّبون إلى الحكّام بوضع الأحاديث التي تمسّ أخصامهم السياسيين، وتؤيد عروشهم. ولكنّ الحكّام ـ بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ بدلاً من أن يفسحوا المجال لجمعها من الصدور، قبل أن تعبث بها الأيدي، منعوا من تدوينها، وجمعها في الكتب(37). أقول: ومن الغريب أنّ بعض المؤرّخين الجدد للحديث الشريف، من أهل التسنّن يهملون ذكر أثر منع التدوين والرواية للحديث في حدوث الوضع وشيوعه. نوعيّة الحديث الموضوع : ومع أنّ منع التدوين أنتج أثرا سيّئا ضدّ علي وأهل بيته عليهم السلام ،وتسبّب إلى إخفاء فضائلهم وحديثهم، خاصّةً في زمان آل اُميّة ومروان، حيث كان نقل فضيلة لعلي عليه السلام يعني الهلاك ،فكان كبار الناس يخشون السلطة ،ولا يذكرون اسم علي عليه السلام ، فضلا عن أن يرووا له فضيلةً، أو ينقلوا عنه حديثاً. ومع أنّ أحباء أمير المؤمنين عليه السلام وأولياءه كانوا مطاردين، من قِبل الدولة ،ومصيرهم القتل أو السجن ,فضاعت أكثر فضائل الإمام عليه السلام بين سندان المنع من التدوين والرواية ومطرقة التهديد والسجن والتعذيب والقتل والمطاردة . فمع هذا نجد أنّ المؤرخّين الجدد ـ تبعا للأمويين الحاقدين على الإسلام وآل البيت عليهم السلام يتّهمون الرواة الشيعة بوضع أحاديث في فضائل أهل البيت !. وإليك نماذج من التهديدات التي واجهها أهل الحقّ من الولاة وأمراء السوء إذا هم رووا الحديث الحقّ والسنة الشريفة: قال المغيرة بن شعبة ـ والي الكوفة من قبل معاوية ـ لصعصعة بن صوحان: إيّاك انْ يبلغني عنك أنّك تظهر شيئاً من فضل عليّ، فأنّا أعلم بذلك منك ! ولكن هذا السلطان قد ظهر ،وقد أخذ بإظهار عيبه للناس ،فنحن ندع شيئاً كثيراً ممّا اُمرنا به ،ونذكر الشيء الذي لا نجد منه بُدّا ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا ،فإنْ كنت ذاكراً فضله فاذكره بينك وبين أصحابك في منازلكم سرّاً ،وأمّا علانية في المسجد فإنّ هذا لا يحتمله الخليفة لنا (38). وهذا خالد القسري ـ أحد ولاة بني اُميّة الطغاة ـ طلب من أحدهم أن يكتب له السيرة ،فقال الكاتب فإنّه يمرّ بي الشيء من سيرة عليّ بن أبي طالب، أفأذكره ؟ فقال خالد :لا، إلاّ أن تراه في قعر جهنّم(39). وقال ابن قتيبة الدينوري: أهملوا من ذكره [ يعني الإمام عليا عليه السلام ] أو روى حديثا من فضائله، حتّى تحامى كثير من المحدّثين أنْ يتحدّثوا بها، وعنوا بجمع فضائل عمرو بن العاص، ومعاوية، كأنّهم لا يريدونهما بذلك، وإنّما يريدونه (40). وأخرج ابن الجوزي، عن طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ، قال: سألت أبي: ما تقول في عليّ ومعاوية ؟ فأطرق، ثمّ قال: اعلم أنّ عليّاً كان كثير الأعداء ،ففتّش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا ،فعمدوا إلى رجل قد حاربه فأطروه كيداً منهم لعليّ (41) . وللإمام محمّد بن علي أبي جعفر الباقر عليه السلام حديث طويل، يتحدّث فيه عن ما قام به أعداء أمير المؤمنين عليّ عليه السلام من التلاعب بالأحاديث بإخفاء ما ورد في أهل البيت ،ووضع ما يؤيّد مواقف الحكّام (42). ففي مقل هذه الظروف التي يخشى الراوي أن يروي فضيلةً واقعيةً، صحيحةً لعلي وأهل بيته عليهم السلام !كيف يجرؤ أحدٌ على وضع مثلها ؟ ومن هو الذي يرغب، أو يحاول أن يروي فضيلةً صحيحة، فضلاً عن فضيلة موضوعة؟! فبدلاً من أن يعدّ الراوي لفضيلة أهل البيت ـ في مثل تلك الظروف الصعبة القاسية ـ إنساناً مؤمناً ،طالباً للحقّ ،حيث أنّه جازف بحياته ، وبسلامته، فتصدّى لعمل هو أخطر ما يكون عليه؟ وهو رواية حديث في فضائل علي وآله ؟! أو محبّاً متفانياً في حبّ آل الرسول ، حيث عرّض سمعته لاتّهام أعداء الحقّ الحاكمين وسطوتهم زأتباعهم الجهلة من أهل الجرح والتعديل ؟! نجدهم يتّهمون الشيعة المؤمنين أتباع آل محمّد عليهم السلام! ويصمونهم بوضع الأحاديث ؟ مع أنّ وضّاع الحديث إنّما يسعون لدنياهم، إمّا مالاً وثروةً أ و جاهاً ومقاماً وتسللاً إلى منزلة وشهرة ، ومن المعلوم أنّ شيئا من هذه المغريات لم يكن إلى جانب أهل البيت عليهم السلام حتّى يدعو أحداً إلى وضع أحاديث في فضائلهم ؟! بينما كلّ المغريات كانت متوفّرة لدى السلطة (43) فالمتّهم بالوضع إنّما هم أنصار الدولة ورجالها ،ورواتها ،لا الشيعة المضطهدون ! وقد رأينا أنّ معاوية كان يغري وضّاع الحديث بالأموال، والعقارات، والصلات والهبات والإقطاعات، والولايات، والإمارات، والزلفى التقرّب لديه!!! فكيف يتغاضى مؤرخو الحديث ـ وخاصّةً الجدد منهم ـ عن هذه الحقيقة ؟! إن هذا إلاّ افتراء وهراء وفرية بلا مرية ،شهرها سلف أعداء أهل البيت قديماً ،وينشره خلفهم السلفية استمرارا لسياستهم التي منعوا الحديث على أساسها ،روايةً وتدويناً، فأخفوا بذلك فضائل أهل البيت عليهم السلام ،وأبعدوا المسلمين عن معين معارفهم. ثمّ لم يزل أتباعهم يتّهمون كلّ من روى فضائل آل محمّد ،بالوضع والكذب، إبطالاً لأثر الحديث المروي _ بعد أن يأسوا من منعه _لأنّه كان بحدّ من الكثرة، مع إصرار أهل الحقّ على تداوله ، بحيث لم يتمكّن أعداؤهم من إبادته ومنع تدوينه أو روايته ،جميعاً. ولكن هيهات أن يؤثّر الاتّهام والإبطال في الواقع الذي لا ريب فيه ، كما لمّ يؤثّر المنع من التدوين والرواية ،بكلّ أشكاله في استمرار الحقّ ودوامه . مع أنّ اللجوء إلى هذه الأساليب إنّما هو جهد العاجز،لأنّ أحاديث فضائل علي وأهل البيت عليهم السلام إنّما رويت بطرق قويّة , و متعدّدة، ذكرت في الصحاح ،والمسانيد ،والمصنّفات ،والسنن ، و التفاسير,والمعاجم ،ممّا رواه رواة أهل التسنّن. وأمّا ما رواه الشيعة من ذلك بطرقهم ،فهي منقولة عن أشخاص اعترف الأعداء أنفسهم بعدالتهم وثقتهم وحجيّة أحاديثهم ،واعتمد أصحاب الصحاح على حديثهم . وبعد إخراج روايات هؤلاء وهؤلاء من حيّز الاتهام بالوضع ,فكم يبقى من أحاديث الفضائل ؟حتّى تقام الدنيا على أنّ الشيعة تضع أحاديث الفضائل لعليّ وأهل بيته ؟ إنّ زمان اكتفاء القراء بما يلقى عليهم ـ وخاصّة من أهل المذاهب المعارضة ـ من الدعاوى الفارغة عن الحجّة والدليل ،وكيل الاتهامات الواهية المجرّدة عن كلّ إثبات ـ قد ولّى. والمجال مفتوح لكلّ عاقل، عارف بأوّليات العلوم أن يتابع بنفسه التاريخ، ويقرأ شواهده ليعرف أنّ أحاديث الفضائل رغم كلّ محاولات المعارضة، وتزوير أحاديث مناقضة، ورغم عمليّات الإبادة والإحراق والدفن لكتب الحديث، ورغم إجراءات المنع والحبس والتشريد والتبعيد لرواته، قد وصل إلينا منها المقدار الكافي المقنع، بأيد أمينة من الصحابة الكرام ،والتابعين الفضلاء. وهي منقولة عن أهل السنّة وطرقهم بأكثر وأوفر ممّا وصل إلينا من طرق الشيعة، وإن كانت الطرق الشيعيّة لخصوص هذه الأحاديث طرقا أمينة موثوقة، ليس فيها إلاّ رجال أتقياء حافظوا على الحديث فنقلوه، وجازفوا بحياتهم ووجودهم في تلك العصور المظلمة ـ عصور الجهل والظلم وحكم الفسقة من آل أُميّة وبني العبّاس(44) ـ فنقلوا هذه الأحاديث، بالرغم من مطاردة الحكّام لهم، وتعريضهم لأجل ذلك لكلّ أنواع التهم والعذاب. ولو كان رواة الفضائل ـ كما يريد أن يصوّرهم الظالمون ـ من طلاّب الدنيا ،و ممّن يريد أن يخرّب الدين ويضرب قواعده ،ويقتل أهله ،فهل كان في تلك العصور سبيل أسهل وأقرب وأقوى من الدخول في سلك الحكّام والتسلل إلى المناصب ،وضرب أفضل ما يمتّ إلى هذا الدين بصلة ، وهم علماء أهل البيت والأئمّة من ذريّة علي وفاطمة ،وقتل الصحابة وهتك حرماتهم،و منع حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من أن يكتب أو ينقل أو يسمع ؟! كما كان الحجّاج يفعله مع الصحابة وكرام التابعين، فقتل من قتل ، و حبس من حبس ،وها هو يفعل مع الصحابة ما يذلّهم ،حتّى لا يسمعهم الناس! قال ابن الأثير: كان الحجّاج بن يوسف الثقفي ـ والي العراق من قبل الأمويين ـ قد ختم في يد جابر بن عبدالله[ الأنصاري ] وأنس بن مالك [ خادم النبي ] وعنق سهل بن سعد الساعدي , يريد إذلالهم، وأن يجتنبهم الناس، ولا يسمعوا منهم(45). فهل لمن يريد ضرب الدين طريق أفضل من الوجود تحت ظلّ الحكم الأموي ،والسعي في تخريب الدين، وقتل أهله ؟ وأيّ عاقل يريد ذلك، فينتخب طريقاً مخالفاً لإرادة الحكّام، فيلجأ إلى نقل حديث أهل البيت :، الذي كان عقابه الموت والقتل، أو التعذيب ومصادرة الأموال أو الاتهام والطرد؟! لا أدري ، لماذا لا يتدبّر أهل التسنن في عصرنا في ما يكتبون عن هذا الأمر ؟؟ وإنّما يكتفون بتقليد الآباء والأجداد ،ممّن ولّى ذكره مع مرور زمانه من المستأجرين لدول الظلم عبر التأريخ، والمغرضين الذين ملأهم الحقد على الإسلام فعدوا على أهل بيت النبي ، و محبّيهم , وهم من أكرم الناس عند الله ورعاً وتقوىً، والتزاماً بالدين والشرع ، عدوا عليهم بالتُهم والقذف !! من دون دليل ولا حجّة. وإلى الله المشتكى، وهو المستعان على ما يصفون. ولقد وقف علماء الإسلام من الأئمة الكرام ,والصحابة العظام ، والتابعين لهم بإحسان ,وقفوا موقفاً صلباً من الوضع والوضّاعين ، زيّفوا ما افتروه ،وأبطلوا ما ابتدعوه ،وكشفوا أهدافهم ونواياهم الخبيثة. وكذلك جاء العلماء فوضعوا القواعد للحديث، وقرّروا طرقا لنقد الصحيح من الزيف، وبذلك كلّه ذهبت أدراج الرياح محاولات أعداء الإسلام ، بالتشويه على الحديث الشريف، هذا الأصل القويم من أُصول الدين الإسلامي العظيم. 3 ـ اختلاف الحديث، والتشكيك فيه: قال أبو العباس الحنبلي سليمان بن عبد القوي البغدادي الشهير بالطوفي (ت716 هـ ): إن أسباب الخلاف الواقع بين العلماء تعارض الروايات والنصوص , وبعض الناس يزعم أن السبب في ذلك عمربن الخطاب ,لأن الصحابة استأذنوه في تدزين السنة فمنعهم ! مع علمه بقول النبي صلّى الله عليه وأله وسلّم ,اكتبوا لأبي شاهٍ ,وقوله : قيّدوا العلم بالكتاب !. فلو ترك الصحابة يدوظذن كل واحدٍ منهم ما سمع من النبي صلّى الله عليه وأله وسلّم لانصبطت السنة ,فلم يبق بين آحر الأمة وبين النبي صلّى الله عليه وأله وسلّم إلاّ الصحابي الذي دوّ ن روايته ,لأن تلك الدواوين كانت تتواتر عنهم كما تواتر البخاري ومسلم (46). وقد أثارت هذه الكلمة ثائرة بعض المتعصّبين (47). والحقيقة أنّ منع عمر للتدوين ـ هو قطعاً ـ من علل اختلاف الحديث، وليس ذلك مجرّد وعم وظنّ، وذلك: أولاً ـ للاعتبار: فإنّ كلّ إنسان يشهد بوجدانه ،بأنّ تقييد المعلومات بالكتابة هو من أحسن الوسائل لضبطها ،وإبعادها عن الاختلاف ،لما في الحفظ على الخاطر من المخاطر التي يتعرّض لها ذهن الإنسان ،من النسيان والغفلة والخلط بين الكلمات المتشابهة ,وغير ذلك ممّا هو عارض لكلّ البشر ،وليس المسلمون الأوائل مستثنين من ذلك. وممّا لا شكّ فيه ولا ريب أنّ كثيرا ممّا وقع في الحديث من الاختلاف في الألفاظ ،وما تؤدّيه من الأحكام ،إنّما هو على أثر عدم وجود نصّ مضبوط للحديث الشريف , ولو كانت مدوّنة مضبوطةً متداولة بشكل علمي قطعي , لتخلصت من ذلك . 2 ـ لاعتراف العلماء : وقد اعترف بهذه الحقيقة عدّة من العلماء المعترف بهم ،ممّن لا يُشكّ فيهم: 1 ـ قال ابن عساكر في النقل من الحفظ ممّن ضاعت كتبه ،أو احترقت ،أو دفنها ،ثمّ حدّث من حفظه ،فلم يتقن الحفظ ،ومَن كان يعتمد المرسل ،أو يسندون الموقوف ،أو يسقطون الإسناد ،أو يدخلون حديثاً في حديث (48). أقول: فكيف بمن لم يكتب أصلاً ،ولم يتعب نفسه بذلك ؟! 2 ـ وقد جعل ابن السِيْد البطليوسي في كتابه (الإنصاف في التنبيه على الأسباب التي توجب الاختلاف بين المسلمين) الباب الخامس في الخلاف العارض من جهة الرواية والنقل ،وذكر فيه علل الحديث، والعلّة الثانية منه هي: نقل الحديث على المعنى(49). ومن الواضح أنّ نقل الحديث على المعنى، إنّما يكون إذا لم يكن اللفظ محفوظاً ،كما إذا حدّث الراوي من حفظه لا من كتابه ،ولم يحفظ اللفظ مضبوطاً ،ولو كان الحديث مدوّناً مضبوطاً ،لم يحتج إلى النقل بالمعنى ،حتّى يؤدّي إلى ذلك الاختلاف. 3 ـ وقال الجزائري ـ في الاحتجاج لجواز النقل بالمعنى ـ : إنّ الصحابة كانوا يسمعون الأحاديث ،ولا يكتبونها ،ولا يكرّرون عليها ، ثمّ يروونها بعد السنين الكثيرة ،ومثل هذا يجزم الإنسان فيه بأنّ نفس العبارة لا تنضبط ،بل المعنى فقط(50). و حاصله : أنّ تأخّر تدوين الحديث أدّى إلى اختلاف الأحاديث ، وكلّف ذلك جهوداً جبّارةً من العلماء للجمع بينها ،والتوفيق بين الألفاظ المختلفة الدلالة على معانيها التي قد يعرضها تفاوت على مرور الأزمان ،وخاصّة عند اختلاف الاصطلاحات ،أو على أثر ضعف القدرة اللغوية في الأجيال المتعاقبة بتجدّد أوضاع جديدة ، وغير ذلك ،وكلّ تلك المسؤولية تقع على عاتق المانعين لتدوين الحديث . فلو كان الحديث مدوّناً من البداية ، بلفظ واحد ،كانت النصوص متّحدةً ،لا يعرضها مثل ذلك . بل قد أثّر ذلك في اختلاف الأحكام الفقهيّة بين الصحابة. قال الدكتور محمّد سلام مدكور ، وهو يتحدّث عن أسباب اختلاف الأحكام: إنّ السنّة لم تكون مدوّنة ،ولم تجتمع الكلمة على مجموعة منها ،بل كانت تتناقل بالرواية والحفظ ،وربّما علم منها المفتي في مصر ما لم يعلمه المفتي في بلد آخر ،وكثيراً ما كان يرجع المفتي عن فتواه إذا علم فيها سنّةً(51). وقال أبو رية: ولو أنّ هؤلاء الصحابة كانوا قد فعلوا في تدوين حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مثل ما فعلوا في تدوين القرآن ,لجاءت هذه الأحاديث على غير ما هي عليه الآن ,فتكون كلها متواترة ليس فيها شيء اسمه صحيح ولاشيء اسمه حسن ولا ضعيف ولا موضوع (52). وأخيراً : لقد أفصح شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني عن تلك الحقيقة - المرّة على مذاق البعض - بعبارة مهذّبة ,فقال : ولقد كان استيعاب الأحاديث سهلاً , لو أراد الله تعالى ذلك ! بأن يجمع الأول منهم ما وصل إليه ,ثمّ يذكر من بعده ما اطّلع عليه مما فاته ...فلا يمضي كثير من الزمان إلاّ وقد استوعبتْ ,وصارت كالمصنّف الواحد , ولعمري لقد كان هذه في غاية الحسن (53). الاختلاف لا يُسقط الحديث عن الحجّية: لكنّ بعض المتأخّرين، جعل من ذلك نقطة ضعف في الحديث نفسه، وبدأ من خلال ذلك بالتهجّم على متون الأحاديث، و الخدشة في اعتبارها. يقول الجزائري: في تتمّة كلامه السابق :لأنّ لفظ السنّة ليس متعبّداً به بخلاف لفظ القرآن ,فإذا ضبط المعنى فلا يضرّ ما ليس بمقصود(54). وهذا الكلام إن أُريد به أنّ لفظ الحديث _ وهو ذلك الذي نطق به الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم _ ليس مقدّساً مثل القرآن ،حتّى يلزم الراوي به عيناً ،فيكون تكراره واجباً ,بل إنما المراد به مدلوله ومعناه ومفاده ،فإذا ضبط المعنى فلا يضرّ فوات نفس الألفاظ والعبارات ،وتبديلها بعبارات أُخرى تؤدّي المعنى دقيقاً _فهذا صحيح وحقّ، وقد أجمع المحدّثون والفقهاء عليه ، لكن: 1 - إنّ مثل هذا التصرّف _ أعني تجاوز ألفاظ الحديث ،وأداؤه بألفاظ أُخرى ، مع ضبط المعنى ـ لا يقدر عليه إلاّ من كان عارفا بالمعنى بدقّة ،وعارفاً بكلّ خصائص اللغة التي جاء بها الحديث ، وهذا يعني أن لا تفوت الراوي أيّة نكتة بلاغية ،أو سرّ من أسرار العربية ،أو علاقة من علاقات المجاز المعروفة ،أو كناية خفيّة إن وجدت في الحديث. ومثل هذا لا يتسنّى إلاّ للأوحدي ، وإلاّ لمن حضر مشاهد الحديث ، وأزمنته ، ومنازله ، ومواقعه ,أو حدّد ذلك بطريق علمي ، وعلم بأسبابه ، ومقارناته . 2 ـ إنّ من الحديث ما يكون لفظه متعبّدا به، كما في الأدعية والمناجاة والأذكار الخاصّة المرويّة ،فقد استثنى العلماء كل ذلك من جواز النقل بالمعنى،بل أكّدواعلى لزوم المحافظة على ألفاظه (55). وكذلك لابدّ من استثناء الموارد الخاصّة التي ورد الحديث فيها معتمدا على الصيغ الخاصّة ،كالخطب في المناسبات الحسّاسة ،أو الكلمات الرائعة المحتوية على السجع المعين ، والنغمات المعيّنة ، فإنّ من المتيقّن أنّ الرواة لم يغيّروا من ذلك شيئاً ،بعد أن كانوا هم من أهل اللغة ،يتذوّقون حلاوة الألفاظ الواردة في مثل تلك الأحاديث. 3 ـ إنّ إباحة ذلك إنّما كان لفترة وجيزة جدّا، وأمّا بعد شيوع التدوين فإنّ العلماء لم يسمحوا بذلك، وخاصة بعد تغيّر الألسنة، وابتعاد الناس عن مصادر اللغة الأصيلة، فلم يسمح لمن تأخّر عن ذلك العصر أن يقوم بنقل الحديث بالمعنى، بل إنّ الإقدام على ذلك _ بعد العصر الأوّل _ في الحقيقة خروجٌ عن الشرط الأساسي لجواز النقل بالمعنى،وهو ضبط المعنى،فإنّ أهل القرون المتأخّرة لم يملكوا تلك القدرة اللغوية التي تُبيح لهم ذلك . وأمّا إذا كان المراد من ذلك الكلام أنّ الراوي لا يتقيّد بألفاظ الحديث، وأنّ ذلك ليس مهمّاً، ولا ممنوعاً ,فهذا غير صحيح ،بل هو مناقضٌ لشرط ضبط المعنى ، فكيف يضبط المعنى من لا يتقيّد باللفظ ،فالمعنى لا ينضبط إلاّ إذا كان الراوي قد حقّق اللفظ ودقّق في المراد منه ،وعندما يضبط المعنى فحينئذٍ يجوز له أن يعبّر عن ذلك بألفاظ أُخرى غير مخالفة لمراد الحديث (56). ويدلّ على عنايتهم الفائقة بألفاظ الحديث أنّهم كانوا يحفظون المتون على ظهر الخاطر ،ويفتخرون بذلك. ثمّ إنّا إذا لم نعلم أنّ الحديث مرويٌّ بلفظه ،أو منقول بمعناه ،فإنّا ملزمون بما ورد فيه من ألفاظ ،ولابدّ أن نتقيّد بكلّ ما فيه من حروف وإضافات وأجزاء وكلمات ,وهذا هو المعمول به عند الفقهاء من اعتمادهم على ما ورد في الحديث من ألفاظ واستفادة الأحكام على أساس ذلك. وبعدُ :فإنّ أُولئك الأوّلين إن جاز لهم نقل الحديث بالمعنى ،لأنّهم ضبطوا المعنى ،فلا يعني ذلك جوازه لغيرهم ،إلاّ مع اليقين بضبط المعاني. نقل الحديث بالمعنى ليس مضرّاً: ولكن المغرضين، الذين يريدون أن يطعنوا الحديث من هذه الناحية ,يهوّلون الأمر، وكأنّه يجوز لكلّ أحدٍ أن ينقل الحديث بالمعنى ،وعند ذلك لا تبقى لألفاظ الحديث أيّة قدسيّة. كيف؟ وهذا مخالف ـ لسيرة المسلمين ـ أجمعين ـ من تقديسهم ما ورد في نصوص الأحاديث من ألفاظ ،وبذلهم جهودا جبّارة في ضبطها ،وسنّهم قواعد متينة محكمة لتسجيلها ،وتحقيقها ،وتثبيتها في الكتب، باختلافاتها. وقد سبق المسلمون كلّ الأُمم في وضع قواعد لتحقيق النصوص ، و ضبط الكتب من بركة الحديث الشريف ،وقواعده المتينة الموثوقة . ومن المدهش أن نجد في المهتّمين باللغة العربية في عصرنا من يعترف بأنّ منع التدوين كانت له آثار مشينة على اللغة :فيقول مصطفى صادق الرافعي : لو كان التدوين شائعاً في الصدر الأوّل ، وتيسّر لهم أن يدوّنوا كلّ ما سمعوه من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وألفاظه ،وصوغه ،وبيانه ،لكان لهذه اللغة شأن غير شأنها(57). لكنه يتجاهل في حديثه أنّ المانعين من التدوين تقع على عواتقهم تلك الآثار ،ويحاول أن يضع اللائمة على الذين نقلوا الحديث بالمعنى. فنقول: إنّ نقل الحديث بالمعنى لم يكن ذا أثر سيّءٍ ولا أدري ،لماذا يذرفون هذه الدموع؟ فهل إنّ نقل الحديث بالمعنى كان من الشيوع بحيث غطّى كلّ الحديث قاطبةً ؟أم إنّه كان أمراً التزم به العلماء عند الضرورة ،وبشروط صعبة التحقّق ،ولم يكن ـ في اعتقادي ـ إلاّ في ما يرتبط بالأحكام والأعمال من الروايات ،وهي لا تمثّل إلاّ بعض الحديث . فإن كانت لكم أعينٌ ،فافتحوها على غير ذلك من الأحاديث التي لولاها ـ ولولا القرآن ـ لم يكن للغة العربية أيّ شأنٍ يذكر! ثمّ ،أليس كثير من الحديث قد دوّن ،وضبط ،وقيّد ،وكتب ؟ فلماذا تنعون الحديث وكأنّه لم يكتب أصلاً ،ولم يدوّن أصلاً ؟ ومن هنا نعتقد أنّ الذين يضربون على هذا الوتر إنّما يريدون ضرب الحديث الشريف كلّه. وقد أوغل في إثارة هذه الضجّة محمود أبو ريّة المصري(58) في كتابه (أضواء على السنّة المحمّدية)(59) فهو يقول ـ في أسباب تأليفه للكتاب _: ممّا كان يثير عجبي أنّي إذا قرأت كلمةً لأحد أجلاف العرب اهتزّ لبلاغتها وتعروني أريحيّة من جزالتها ،وإذا قرأت أكثر ما ينسب إلى النبي من قول لا أجد له هذه الأريحيّة ،ولا ذلك الاهتزاز وكنت أعجب ! كيف يصدر عنه صلوات الله عليه مثل هذا الكلام المغسول من البلاغة ! العاري عن الفصاحة !وهو أبلغ من نطق بالضاد ؟(60). ويقول: حتّى انتهيت ... إلى إنّه لا يكاد يوجد في كتب الحديث ـ كلّها ! ـ ممّا سمّوه صحيحاً ،أو ما جعلوه حسناً ،حديثٌ قد جاء على حقيقة لفظه ومحكم تركيبه ,كما نطق الرسول به(61) . أقول: لا ريب أنّ في كلام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ما يجري مجرى المعتاد من كلام الناس ،لم يأت لغرض من أغراض البلاغة ولا فيه صنعة كلاميّة ,وكذلك البلغاء ليس كلّ كلامهم طافحاً بالبلاغة ،وكذلك الشعراء ليس كلّ كلامهم شعراً له وزنٌ وقافيةٌ ،وحتّى الشاعر الواحد ليس كلّ شعره متساوياً في القوّة والجودة ,وإنّما البلغاء كانوا يبرزون قابلياتهم في المناسبات ،وكان الشعراء يستعدّون للمواسم والحلبات ،فينظمون لها القصائد ،وكلّ يقدّم أفضل ما يقدر عليه ،ويتبارون في المواسم والأسواق ،وهذا واضح لمن تابع منشئاتهم القويّة ،وداخل أغوار تاريخ الأدب الجاهلي. والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إنّما جاء مربّيا ومعلّما للناس ،فليس اهتمامه بمجرّد صنعة الكلام ،وإنّما كان يتكلّم بلسان قومه ليبلّغ إليهم الأحكام , لكنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا أراد أن يخلّد شيئاً من الكلام ، كانت البلاغة تتفتّق من جوانبه ،والفصاحة تنساب بين يديه ، فيأخذ كلامه بمجامع القلوب، كيف لا ؟ وهو الذي أُوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب. والبليغ الشامخ في البلاغة ،والبالغ القمّة الشمّاء في الفصاحة والطلاقة ،ليس في كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم قليلاً ،بل ما روي عنه في صحف الأعلام ودواوين أهل الإسلام ـ سواءٌ من مؤلّفات الشيعة، أو السنّة ـ من الكلام البليغ الرائع ،كثيرٌ كثيرٌ جدّاً ، وفي كلامه ما ترتاح له قلوب غير المؤمنين به ،بله المؤمنين ،وتخضع له أفئدة الفجّار، بله المتّقين، وتهتزّ له نفوس الأجلاف ،بله الأشراف. وقد جمع نماذج من بليغ كلامه السيد الشريف الرضي في المجازات النبويّة , والقاضي القضاعي في (شهاب الأخبار) ومنه الآلاف في (الجامع الصغير) للسيوطي ,دع عنك المئات من الرسائل ,والخطب ، والكلمات القصار الحكميّة ،التي هي أمثلة رائعة من بلاغته الناصعة . والقارىء إن كان ذا ذوق أنيق اطّلع على بعض أسرار كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ومراميه البعيدة وقد كشف شرّاح الحديث ما في أحاديثه من ضروب المحسّنات البديعيّة والنكت البلاغيّة. فأنّى لأبي ريّة التفوّه بمثل ذلك الكلام الفارغ ؟! وكيف ينكر أبو ريّة أن يكون في الروايات حديث[ ومراده الواحد] جاء على حقيقة لفظه ! إنّ من الجفاء أن يهتزّ الرجل لكلمة واحد من الأجلاف ! ولا يهتزّ لهذه الآلاف من الكلمات التي تهتزّ لها الأشراف. إنّ النقص ليس ـ إذن ـ في الروايات والكلمات المرويّة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ،وإنّما النقص في ما انتهى إليه ذوق أبي ريّة وإحساسه وبصيرته التي امتلأت بالجلف من الكلام، فلا مجال لكلام خير الأنام أن يأخذ موقعاً منه. لا، ولا كرامة! ( إنّها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) [ الآية (46) من سورة الحج (22)]. مع أنّ أبا ريّة قد اعتمد في دعواه الباطلة تلك على أساسين هزيلين: 1 ـ مسألة نقل الحديث بالمعنى: قال: إنّ الأحاديث التي جاءتهم عن الرسول صلوات الله عليه وعلى آله قد رويت عنه بمعناها ،لمّا لم يستطيعوا أن يأتوا بها على حقيقة مبناها ، لنسيان أهلها ،أو لمضيّ الزمن عليها ،بعد أن عجزت ذاكرة كلّ راوٍٍ عن ضبط ألفاظه ،ولم يكونوا قد عنوا في أوّل الأمر بتدوينه (62). ويقول: لمّا رأى بعض الصحابة أن يرووا للناس أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ،وذلك في المناسبات التي تقتضي روايتها، وقد يكون ذلك بعد مضي سنين طويلة على سماعها، ووجدوا أنّهم لن يستطيعوا أن يأتوا بالحديث على أصل لفظه، كما نطق النبي به ، استباحوا لأنفسهم أن يرووا على المعنى ,ثمّ سار بعدهم كلّ من جاء من الرواة بعدهم فيتلّقى المتأخّر عن المتقدّم ما يرويه عن الرسول بالمعنى ,ثمّ يؤدّيه إلى غيره بما استطاع أن يمسكه ذهنه منه ,ولقد كان لرواية الحديث بالمعنى ـ ولا جَرَمَ ـ ضررٌ كبير على الدين، واللغة، والأدب(63). أقول: إنّ الرجل إنّما يتّبع هواه ،فيحوك كلماته حسب ما يراه ،فهو يصوّر أنّ (بعض الصحابة) أراد أن يروي للناس ،وكأنّ الصحابة ليس كلّهم قد انبرى للرواية ـ قليلاً أو كثيراً أن من شذّ منهم فلم يرو شيئاً ، فهو قد حرم نفسه من ذلك الخير الجسيم ،وقصّر في أداء ما وجب عليه من أمر تبليغ الأحكام ،بالمسموع له من الأحاديث . لكنّه يذكر الرواة عن الصحابة يقول: ثمّ سار بعدهم كلّ من جاء من الرواة !. ولا أدري من أين له هذه التخمينات بالكلّ تارةً، وبالبعض أُخرى ؟ سوى كيل هواه !. 2 ـ إنّه يصوّر النقل بالمعنى، وكأنّها عمليّة مباحة في كلّ الطبقات ، ومتاحة لكلّ الرواة ! فالطبقة الأُولى وهم الصحابة ينقلون بالمعنى ، يعني يأتون بألفاظ من عندهم ,ولا يلتزمون بألفاظ رسول الله , وهكذا التابعون لا يلتزمون بألفاظ الصحابة ،وكذا من بعدهم ,فكلّ راوٍ يجوز له أن يأتي بألفاظ من نفسه ,ولا يلتزم بما سمع عن من سبقه من الألفاظ. وهذا جهلٌ محض بقوانين الرواية وبشروط النقل بالمعنى وأبعاده ، وبما عليه المحدّثون من كمال المحافظة على الألفاظ المسموعة أو المقروءة أو المكتوبة ، وبذل غاية الوسع في ذلك,كما هو واضح من جهود أعاظم المحدّثين. وإنّما جاز ذلك للسابقين الأوّلين، دون من بعدهم. 3 ـ ولو التزمنا بظاهر كلامه :فإذا كان بعض الصحابة روى للناس بالمعنى ،فلماذا يجب أن يروي كلّ من جاء بعدهم بالمعنى ؟ بل يحتمل أن يكون من جاء بعدهم قد روى عن البعض الأوّل بالمعنى ،و روى عن البعض الآخر باللفظ ،وهكذا. 4 ـ إنّ كلامه مبتنٍ على مجرّد احتمال فرضه بقوله : قد يكون بعد مضيّ سنين طويلة من سماعها ,ويردّه أنّه قد لا يكون كذلك. كما أنّ الظاهر أنّ الصحابة كانوا يروون دائماً ومباشرةً بعد ما سمعوا من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئاً ،والناس بعدهم كانوا دائماً يأخذون أحكام دينهم من الصحابة ،ويسألونهم الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ألا يكفي ذلك لعدم نسيانهم شيئاً ممّا سمعوه من ألفاظ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم (64)؟ . 5 ـ إنّه يصوّر النقل بالمعنى ،وكأنّها عمليّة بسيطة عادية ،التجأ إليها الصحابة بعد العجز في الذاكرة. بينما النقل بالمعنى ،كان مطروحاً من أوّل الأمر ،فقد سئل عنه الصحابة أنفسهم ؟ واعترض الرواة عليهم بتغيير الألفاظ ،ممّا يدلّ على التحرّج منه، وسئل الأئمّة من أهل البيت عليهم السلام عن ذلك أيضاً ,فصار إليها علماء الأُمّة بشروط صعبة،أهمّها أن يصيب الراوي معنى الحديث . وقد ذكرنا سابقا في ردّ الجزائري(65): أنّ هذا ممّا لا يتاح لكلّ أحد بسهولة ،إذ إصابة المعنى يبتني على وقوف تامّ على أسرار اللغة العربيّة وخصائصها وسائر أبعاد الكلام من القرائن المحفوفة به. كما أنّ نفس شرط إصابة المعنى يدلّ على أنّ جواز ذلك إنّما يكون في ما قُصِدَ به المعنى فقط ،دون ما يكون لخصوص ألفاظ الحديث مزيّة مقصودة ،أو لها دخل في المراد. ومن المعلوم أنّ الأحاديث الملقاة على أساس الجهة البلاغية ، التي تحتوي على السجع المعيّن فإنّ ألفاظها قد تعلّق بها غرض معيّن ،فلا يجوز للراوي تغييرها ،لأنّ آثار الألفاظ المخصوصة تزول بذلك. 2 ـ الأساس الثاني الذي بنى عليه أبو ريّة دعواه الباطلة ـ : عدم تدوين الحديث وكتابته . فقد ذكر في نهاية كلامه المنقول سابقاً :ولم يكونوا قد عنوا من أوّل الأمر بتدوينه. ويقول: كان أوّل ما بان لي من هذه الحقائق أنّ النبيً صلوات الله عليه لم يجعل لحديثه كتّاباً يكتبونه عندما كان ينطق به ،كما جعل للقرآن الحكيم ،وتركه ينطلق من غير قيد إلى أذهان السامعين ، تخضعه الذاكرة لحكمها القاهر ... من سهو ،أو وهم ،أو غلط ،أو نسيان ،وبذلك تفكّك نظم ألفاظه ،وتمزّق سياق معانيه. ولم يدع صلوات الله عليه الأمر على ذلك فحسب ،بل نهى عن كتابته ،فقال ـ في ما رواه مسلم ـ :لا تكتبوا عنّي شيئاً سوى القرآن .... وقد استجاب أصحابه لهذا النهي ،فلم يكتبوا عنه غير القرآن .ولم يقف الأمر عند ذلك ،بل ثبت عنهم أنّهم كانوا يرغبون عن رواية الحديث،وينهون الناس عنها،ويتشدّدون في ما يُروى لهم منها(66) ويقول: لقد تضافرت الأدلّة النقليّة الوثيقة ،وتواتر العمل الثابت الصحيح على أنّ أحاديث الرسول صلوات الله عليه لم تكتب في عهده كما كان يكتب القرآن ،ولا كان لها كتّاب يقيّدونها عند سماعها منه ،وتلفّظه بها . وقد جاءت أحاديث صحيحة وآثار ثابتة ،تنهى كلّها عن كتابة أحاديثه صلّى الله عيله وآله وسلّم (67)ثمّ ذكر بعضها. والذي يرد عليه: أوّلاً :أنّه يبدو مؤكّداً على حرمة التدوين ،لتصديقه بما ورد في ذلك من الأدلّة النقليّة والتواتر العملي من الصحابة حيث استجابوا لنهي النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ،وكانوا يتحرّجون من الكتابة خشية أن يقعوا في ما نهى عنه. لكنّه رتّب على عدم التدوين هذا الرأي الباطل الذي ادّعاه :أنّ الحديث لم ينقل بلفظه ،بل بمعناه ،وأنّه لا حجّية له من أجل ذلك. وهذا تناقض واضح، بين ما أثبته من حرمة التدوين ،وبين ما يعجّ منه ويضجّ ،من دعواه الباطلة !وقد صرّح بهذا التناقض حيث يقول :ولقد كان لتأخير كتابة الحديث ضررٌ كبير(68). فيقال له: إذا كان التدوين محرّماً ،لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قد نهى عنه ،فاستجاب الصحابة لهذا النهي ،وهكذا من بعدهم ـ بدليل اشتراك الجميع في الأحكام ـ فيقال :إذا كانت من الصحابة استجابة لما أراد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , فكما استجابوا له في هذا فلابدّ أن يستجيبوا له في دعوته إلى كتابة الحديث التي وردت بها الصحاح ! وهي أكثر من أدلة النهي وأوضح دلالة ؟! ثم ,لو استجابوا له صلّى الله عليه وآله وسلّم في النهي _كما يزعم أبو رية _فلابدّ أن يستجيبوا له في امتثال أوامر نشر الحديث وبثّه ونقله وروايته ,ولو أنّهم فعلوا ذلك فإن الحديث بلفظه لابدّ أن يكون هو الموجود والمتداول ,ولم تبق حاجة إلى النقل بالمعنى المزعوم ,الذي كان عماده الأوّل الذي أبطلناه ؟ وبعد هذا نقول :إن كان في عدم تدوينهم على أثر استجابتهم للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ضرر ,فالضرر الناتج من عدم التدوين ومن تأخير الكتابة ،يقع على عاتق مَن؟ هل يريد بهذا الكلام أن يعترض على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حيث نهى عن الكتابة ؟ ـ والعياذ بالله ـ ؟. أو يعترض على الصحابة حيث استجابوا للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ وتحرّجوا من مخالفة نهيه؟؟. لكنّا نقول له : إنّ التدوين لم يتأخّر لحظةً ،منذ انطلاق الإسلام ، حيث كانت قريش المشركة تتصدّى للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ورسالته ,ووقفت من حديثه موقفاً مانعاً ,حيث حاولوا منع عبد الله بن عمرو بن العاص عن كتابة حديثه ،لكنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أمره بكتابة ما يخرج من فمه الشريف معلناً أنه الحقّ . بل كان التدوين قائماً على قدمٍ وساق ،في عصره صلّى الله عليه وآله وسلّم ،وبإملائه تارةً ،وإشرافه أخرى ،وأمره ثالثةً ،وحثّه تارةً ... . وحتّى عهد المانعين الجدد قريش المستسلمة ،في عهد الخلافة، حيث لم ينقطع الصحابة الأُمناء على هذا الدين ،وحملة الشريعة المتّقين ،من تبليغه روايةً وتدويناً ،على الرغم من الضغوط والتهديدات التي تعرّضوا لها. وكذلك التابعون الكرام ،الذين واجهتهم الصعوبات على مدى القرن الأوّل ،حتّى عصر الإباحة الرسميّة ،في خلافة عمر بن عبد العزيز. وثانياً :إنّ ما يعلن عن عدم كونه سليماً في بحثه ،و يسير على خلاف ما يجب أن يكون عليه العلماء ـ أنّه عندما ما يتحدّث عن التدوين ،وعن النهي عنه في الشرع ,لم يذكر ـ ولا بالإشارة ـ الأدلّة على إباحة التدوين ولا واحداً من الروايات الكثيرة الدالّة على ذلك بما فيها الكثير من الصحاح !وإنّما يكتفي بذكر روايات المنع وآثار المانعين ، فقط! فهل الأمانة والتحقيق والبحث العلمي ـ الذي يدّعيه ويدعو إليه ـ تسمح له بذلك ؟؟. بل، نقول له: إنّ اهتمام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بالحديث الشريف وحثّه على تبليغه ونشره وأدائه ،هي بحيث لا تقبل الإنكار. والآثار الدالّة على مزيد عنايته ـ هو صلّى الله عليه والأئمّة من آله والصحابة المخلصون ـ بالحديث ،أمر ذائع كالشمس في رائعة النهار ،بحيث أصبح الحديث ثاني أعمدة هذا الدين عند المسلمين كافة ، وبخصوص كتابته وتدوينه ،فإنّ الأمر لا يختلف إطلاقاً ،وقد عرضنا في القسم الأوّل من هذه الدراسة الأدلّة على ذلك. وثالثاً: إنّ ما قاله عن الأخبار الصحيحة الدالّة على النهي، باطل محض ،حيث قد أثبتنا في الفصل الأوّل من القسم الثاني، إنّه لم يرد في باب النهي عن التدوين خبر صحيح ،إلاّ رواية أبي سعيد الخدري التي رواها مسلم ,وقد أثبتنا أنّها رواية معلولة ،لأنّ أمرها يدور بين أن تكون مرفوعةً إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أو موقوفة على أبي سعيد نفسه ,وقلنا: إنّ مثل ذلك ـ حتّى لو سمّي صحيحاً ـ فإنّه لا يقاوم في الحجّية ما دلّ على الجواز من الأخبار الصحيحة سنداً و الدالّة بوضوح على المقصود . وأمّا سائر روايات النهي ،فكلّها ضعيفة السند ،كما سبق مفصّلاً. وأمّا قوله :وقد استجاب أصحابه لهذا النهي ! فباطل أيضاً :لأنّه لم يكن هناك نهي ثابت عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أصلاً ،كما أثبتنا سابقاً ،فكيف يكون الصحابة التزموا بالنهي؟. وقد أثبتنا في ما سبق أنّ الكتّاب من الصحابة كانوا يباشرون عمليّة التدوين منذ عهد الرسالة ،وبمرأىً من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم منه ومسمعٍ ،وحتّى بعد وفاته ,ولم ينقطعوا عن التدوين ،كما لم ينقطعوا عن الرواية ،بالرغم من معارضة السلطات لهم. وقد أوردنا هناك أسماء من كتب منهم، وأسماء كتبهم. فكيف يدّعي ـ أبو ريّة ـ هذه الدعوى الطويلة العريضة الباطلة ؟ وعلى عكس أبي رية فقد حاول البعض أن يجعل كتابة بعض الصحابة للحديث دليلاً على أنّ الحديث الشريف إنّما ورد بعين لفظه. قال محمّد عجاج الخطيب: ويقوّي عندي أنّ معظم ما رواه الصحابة و التابعون كان بلفظ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : أنّ بعضهم كان يكتب الحديث بين يدي النبي الكريم. وكانوا يعقدون الحلقات يتذاكرون فيها ما يسمعون منه عليه الصلاة والسلام(69). أقول: هذا كلام بإجماله صحيح وجيّد، إلاّ أنّ كتابة البعض، وتذاكر البعض ليس كافيا للحكم على معظم الحديث الشريف بكونه جاء بعين لفظ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم . فإذا كان الأصل ـ في حكم التدوين ـ هو الحرمة. وإذا كانت رواية الحديث ونقله ممنوعةً . وإذا كان المنع ـ روايةً وتدويناً ـ قد استمرّ طوال القرن الأوّل، وبصورة رسمية من قِبَلِ الخلفاء والحكّام والولاة، بدءاً بأبي بكر وعمر الأوّل، وحتّى عهد عمر الثاني. إذا تمّ ذلك، كان من الواضح عدم إمكان دعوى انضباط الحديث بلفظه الذي نطق به الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم . وبعبارة أُخرى: ما دُمتم منصاعين لأوامر المنع السلطوي ،وتسيرون في ركب المانعين ،وتبرّرون أعمالهم بالتشديد في منع الحديث روايةً وتدويناً طوال القرن الأوّل ،فإنّ الحديث الشريف لا يزال مهدّداً بمثل تلك الدعاوى الفارغة ،ومعرّضاً للتشكيك فيه! وكما تجرّأ صاحب المنار أن ينشر مقال (الإسلام هو القرآن وحده) ويستند إلى ذلك المنع، ويقول: لو كانت السنّة حجّة لأمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بكتابتها، ولعلم الصحابة و التابعون من بعدُ على جمعها وتدوينها، لما في ذلك من صيانتها من العبث والتبديل والخطأ والنسيان، ولا يحصل القطع إلاّ بكتابتها(1). فالحلّ الصحيح ـ إذا أردنا أن ننزّه الحديث ونصوصه الناصعة من كلّ تشكيك أو زعزعة أو تحريف ـ أن نلتزم بما دلّت عليه الأدلّة الأربعة التي أقمناها في القسم الأوّل ـ من العرف الممضى شرعاً ، والسنّة النبويّة بأقسامها ،وإجماع أهل البيت عليهم السلام ،وسيرة المسلمين صحابةً وأتباعا ومن بعدهم من المتأخّرين ـ على جواز التدوين وضرورته، منذ فجر الرسالة الأبلج إلى جانب إباحة روايته ونقله، بل وجوب ذلك أيضا. وهذا ما نلتزم به ـ نحن الشيعة الإماميّة ـ في ظلّ الأدلّة القويّة. وأمّا اختلاف الحديث عندنا ـ نحن الشيعة الإمامية ـ وهو أمر لا ينكر وقوعه: فليس كما يظنّه بعض المعاصرين ناشئاً من تأخّر التدوين، إذ التدوين ـ عندنا ـ لم يتوقّف لحظةً، منذ فجر الرسالة ،وحتّى آخر زمن صدور النصوص، بل على العكس فإنّه كان قائما على قدم وساق، بإرشاد الأئمّة الأطهار عليهم السلام ،وحثّهم قولاً وعملاً على التدوين والكتابة. وإنّما السبب عندنا في اختلاف الحديث علل الحديث الواردة في سنده أو متنه، كتخليط الرواة، أو صدور الأخبار تقيّة، أو كون الاختلاف صورياً يزول بعد التأمّل في الجمع بين الأحاديث المختلفة ظاهرا. وقد خصّص الشيخ الطوسي كتاب (الاستبصار لما اختلف من الأخبار) لذكر الأخبار المختلفة، ووجوه الجمع بينها. ومن غريب ما وقفتُ عليه: ما رواه ابن بشكوال عن الشيخ أبي بكر بن عقال الصقلي، أنّه قال في (فوائده): إنّما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مصحف، كما جمعوا القرآن، لأنّ السنن انتشرت، وخفي محفوظها من مدخولها ،فوكّل أهلها في نقلها إلى ضبطهم، ولم يوكّلوا من القرآن إلى مثل ذلك. وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة والنقصان، كما حرس الله كتابه ببديع النظم الذي أعجز الخلق عن الإتيان بمثله. فكانوا في الذي جمعوا من القرآن مجتمعين ،وفي حروف السنن ونقل نظم الكلام نصّا مختلفين ،فلم يصحّ تدوين ما اختلفوا فيه(70). وفي هذا الكلام مواقع للنظر: 1 ـ أنّه لم يتكلّم عن التدوين في عصر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ،ولم يتعرّض للنصوص والأدلّة على ذلك. 2 ـ وقوله: إنّ السنن انتشرت وخفي محفوظها ... . فيه: أنّ المفروض كون عدم التدوين في عهد الصحابة ،هو السبب لخفاء المحفوظ من المدخول ،والاختلاف في نصوص الحديث ،لا أنّ الخفاء و الاختلاف هو سبب عدم التدوين ,وهذا واضح جدّاً ،لأنّ الحديث لو كان يدوّن من أوّل الأمر لم ينجرّ إلى اختلافه ,كما عرفنا في كلام الطوفي. 3 ـ قوله: فوكّل أهلها ... إلى ضبطهم، ولم يوكّلوا من القرآن إلى مثل ذلك. الفعلان [ وُكّل ] و [ لم يُوكّلوا ] مبنيّان للمفعول ،كما هو واضح ،ولم يعيّن القائل فاعلهما ،فمن هو الذي وكّل الصحابة في السنن إلى الحفظ ،ولم يوكّلهم في القرآن إلى ذلك؟!. فإن كان الموكّل هو الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ،فالمفروض عدم سبق ذكر اسمه صلّى الله عليه وآله وسلّم في كلام الصقلي ,وكون الحديث عن عهد الصحابة. مع أنّه لم يعهد حديث عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أوكل فيه الحديث إلى حفظ الأمّة له على الخواطر ـ دون الكتابة ـ !. وإن كان الموكّل غيره ـ كعمر ـ فالنزاع غير منحلّ بذلك ،لأنّ عمر هو واحد من الصحابة المتنازعين ،وليس رأيه مقدّماً على غيره ممن لم يمتنع من التدوين . مع أنّ البحث إنّما هو عن سبب التفرقة بين السنّة حيث لم تكتب ، وبين القرآن الذي قد كتب ,وعلى هذا الأخير يكون ذلك الكلام مصادرةً على المطلوب. 4 ـ وقوله: وألفاظ السنن غير محروسة ... كما حرس الله كتابه. فيه:أنّ الاختلاف في الحديث والسنن إن كان في صميم المعاني والأحكام المترتّبة عليها ،فهذا أيضا محفوظ ،لأنّه عماد الدين الذي وعد الله بحفظه. وإن كان مجرّد اختلاف لفظي ،فهذا لا ينافي كونه محروساً ،وقد وقع مثله في القرآن أيضاً .باختلاف القراءات ,من دون أن يؤثّر على جوهره الذي هو الذكر المصون من قبل الله تعالى ،وإلاّ لانتقض ـ والعياذ بالله ـ بما وقع من الخلاف في ألفاظ القراءات ،وذلك باطل بالإجماع. 5 ـ وقوله: فكانوا في الذي جمعوا من القرآن مجتمعين، وفي حروف السنن ... مختلفين. هذا مصادرة على المطلوب ،إذ السؤال عن السبب في اختلافهم في جمع السنن ،واجتماعهم على جمع القرآن ؟ مع أنّ ملاكهما واحد؟ وهو أنّ كلاً منهما مصدرٌ للشريعة والأحكام ،وجامع لأُصول الإسلام ، فلماذا فرّقوا بينهما ؟ 6ـ قوله: ... فلم يصحّ تدوين ما اختلفوا فيه. أقول: إنّ اختلافهم إن كان في حكم تدوين الحديث من حيث الإباحة والمنع ـ كما هو ظاهر كلامه ـ فهذا مصادرة على المطلوب ، حيث إنّ المبحوث عنه هو سبب اختلافهم في حكم التدوين ،مع وضوح الأدلّة على إباحته ،بل ضرورته ،ووفورها كذلك ؟. وإن كان اختلافهم في نفس الحديث ونصّه ،وأنّه بعد الخلاف فيه لم يصحّ تدوينه: ففيه أنّه مخالف لما عليه العلماء من أنّ عدم التدوين هو السبب لوقوع الاختلاف في النصوص، وأنّها لو دوّنت وضبطت لم يقع فيها اختلاف، فالسؤال باقٍ على حاله : لماذا لم يدوّنوا الحديث حتّى لا يقع فيه الاختلاف؟ 7 ـ وأخيرا: فإنّ كلامه كلّه منقوضٌ بما أقدمت عليه الأُمّة بالإجماع ، في القرن الثاني وما تلاه ،على جمع الحديث وتدوينه ،وبدون أدنى تحرّج من ذلك، مع أنّ الحديث بعد مرور الزمن يكون أوغل في اختلاف نصوصه؟!. 4 ـ اتّهام الدين الإسلامي، بالتخلّف: لقد فتح منع تدوين الحديث ألسنة أعداء الإسلام، لاتّهام الإسلام والمسلمين بمنع هذا العمل الحضاري المهمّ ,والتشكيك في السنّة الشريفة ثاني أعظم مصدر للتشريع بأنّها منفصلة عن معينها ،حيث إنّ مدوّناتها ومصنّفاتها قد تأخّرت عن عهد الرسول بما يقرب القرن من الزمان ! وذلك ـ حقّاً ـ زمان طويل بعيد يمكن أن يقضى فيه على الحديث كلّه ؟!(71). ونحن، وإن كنّا ندفع هذا الاتهام، بأنّ التدوين بدأ في عصر النبوّة الزاهر ،ولم يتوقّف أصلاً ،بل استمرّ قائماً على قدم وساق إلى أن وصل إلينا ,وأنّ إجراءات الحكّام لمنعه كان تصرّفاً مخالفاً لما ثبت في الشرع الشريف من ضرورة نقله وضبطه ونشره بشكل واسع ،ونجد في أعمال الصحابة جهوداً كبيرةً واسعةً ماثلة في المجاميع الكبيرة والصحف الصغيرة. كما قام - بعد قرن واحد - إجماع المسلمين على خلاف إجراءات منع التدوين. لكن منشأ تلك التهمة هي محاولات أُولئك المانعين عن التدوين ، وتبريرات الذين وقفوا إلى جانبهم مؤيّدين ،فإنّ أعداء الإسلام ـ وبينهم بعض المستشرقين والعلمانيين ـ اتخذوا من المنع ذريعةً لذلك الاتهام، للكيد بالإسلام ,و جعل بعضهم المنع العمري من أسباب كراهة تدوين الحديث، قال: منع الفاروق عمر: عامل رئيسي آخر لعدم تدوين أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في وقت مبكّر كان الأمر المشدّد الذي أصدره عمر بمنع الصحابة من تسجيل أقوال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ووجدنا أنّ الفاروق عمر ـ أثناء خلافته ـ نفّذ هذا الأمر بنجاح ! وفي سعيه لتنفيذ سياسته حرق بعضاً من مجموعات الأحاديث المكتوبة ثمّ نقل كلام شبرنجر (sprenger ) القائل: إنّ الفاروق عمر لم يهدف إلى تعليم العرب البدو فحسب، بل تمنّى أن يحافظ على شجاعتهم الجبّارة، وإيمانهم الديني القوي، ليجعلهم حكّاماً للعالم،والكتابة واتّساع المعرفة لا تتناسب مع الهدف الذي سعى من أجله (72). فيلاحظ كيف أنّ شبرنجر يحاول أن يستغلّ منع عمر للكتابة ،ويوحي بخبث أنّ انتشار الإسلام كان على أساس القوّة دون المعرفة ، وكيف يحمّل الإسلام ـ الممثّل له في عمر الخليفة ـ كراهيّة العلم والمعرفة والكتابة ،بينما تلك الأُمور هي بلا ريب من أُسس الحضارة ومعالمها البارزة ؟! فإذا كان في عمل المانعين من الكتابة ما يوحي بخلاف ذلك ،فلا يمكن اعتبار عملهم إسلاميا ،ما دام الإسلام يؤكّد بقرآنه وسنّته وسيرة أتباعه على العلم والمعرفة والقراءة والكتابة، وما دام أنّ هذه الأُمور من مقوّمات الحضارة الصحيحة ومعالم جدارة الحكّام الناجحين، بما فهيم حكّام المسلمين المستولين على مساحات كبيرة من عالم ذلك اليوم. فلابدّ أن يعتبر عمل المانعين مخالفا لتدابير الإسلام، وللأُسس الحضارية المعترف بها ،لا أن يجعل عملهم دليلا على اتّهام الإسلام وحضارته بشيء من مثل الذي زعمه المستشرق شبرنجر. وقد اعتبر جولد زيهر كلّ روايات التدوين موضوعةً، واعتبر كلّ الكتب المؤلّفة الجامعة للحديث، المنسوبة إلى العصر الأوّل ، مفتعلةً، فلم يُعِر لها اهتماماً (73). ولقد أثار ذلك حفيظة بعض المؤلّفين المعاصرين من أنصار منع التدوين، من المبرّرين لعمل المانعين، فأظهروا تذمّرهم من إنكار المستشرقين لتدوين الحديث في صدر الإسلام!. بينما ليس إنكار المستشرقين لوقوع التدوين في الصدر الأوّل ، أفحش من عمل المانعين من التدوين من أهل الصدر الأوّل؟!فإنّا لا نجد فارقا في النكاية بالإسلام، والكيد له ،بين إنكار وقوع كتابته في الصدر الأوّل ،وبين منع تدوينه وكتابته حينذاك فهما مشتركان في التهوين بالحديث ،ومحاولة التشكيك فيه، والسعي في إبطال حجّيته ! بل نقول ـ بكلّ صراحة ـ : إنّ ذلك المنع هو السبب الأساس لهذا الإنكار ،ولولا ذلك المنع لكان التدوين يبرز بشكلٍ قويّ وواسع ، بحيث لا يبقى مجال لمثل هذا الإنكار الخبيث ,ألا ترى أنّ الهمّة لمّا حدت بالمسلمين إلى التدوين في القرن الثاني وما تلاه ـ بشكل عامّ ورسمي ـ قد أبرز الحديث في مقامه المناسب لأداء دوره في الشريعة، والحضارة الإسلامية، ولم يتمكّن أعداء الإسلام أن يكيدوا له شيئاً ،بعد ذلك ؟! فلو كان هذا الجهد يُبذل في سبيل الحديث منذ اليوم الأوّل وطوال القرن الأوّل ـ الذي يسمّونه خير القرون ـ وكان الحديث يؤخذ من ينابيعه الصافية الفيّاضة ،ويسجّل وهو على صفائه وخلوصه ،لم يكن لأحدٍ أن يشوبه بالتشكيك ،ولا أن يتطاول عليه بالإنكار والجحد والتزوير ,ولا أن يخدش اعتباره بشيء. إنّ الإنكار ليس إلاّ أثراً ضئيلاً من آثار ذلك المنع ،ويدلّ على مدى عظم الجريمة التي اقترفتها يدُ المانعين بحقّ الإسلام ومصادر الشريعة ،وبالحضارة الإسلامية كلّها. وقد رأينا في آثار المنع هذه: 1 ـ أنّ منع التدوين كان سببا لفسح المجال للدجّالين من أصحاب الأهواء الفاسدة المعادية للحقّ، أن يضعوا الأحاديث المختلفة، وينشروها بين الناس ،ترويجاً لباطلهم ،وقضاءً على الحقّ وأهله. فلو كانت الأحاديث مدوّنة من البداية، لم يجد هؤلاء مجالاً لمثل ذلك العمل البالغ الخطورة. 2 ـ أنّ بعض المغرضين استندوا إلى عدم التدوين ،لإثبات زعمهم الفاسد القائل بأنّ الحديث قد وقع فيه اختلاف وتشويش ،فلم يبق مجال للاعتماد على نصوصه ،حيث أنّ الرواة إنّما نقلوه بالمعنى دون اللفظ . وغرضهم من ذلك إسقاطه عن الحجيّة. ولو كان الحديث مدوّناً لم يجد هؤلاء أيضاً مجالاً لزعمهم. وليس كلّ واحد من هذه الأُمور بأقلّ خطورةً من إنكار المستشرقين لتدوين الحديث، أو لما دلّ على تدوينه ،أو للصحف المدوّنة خلال القرن الأوّل؟! 5 ـ إبعاد أهل البيت عليهم السلام عن الساحة: ومن أخطر الآثار التي ترتّبت على منع تدوين الحديث ،بل أسوأها على الإطلاق ،هو أنّ المانعين تمكّنوا من إقصاء أهل البيت عليهم السلام من الساحة السياسيّة وإبعادهم عن حقّهم في الخلافة والإمامة ومنعهم من القيام مقام النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في قيادة الأمة ،ثمّ إبعاد الأُمّة الإسلامية عن هؤلاء العظماء ,بحيث أصبحوا يجهلونهم ،و لم يقفوا على فضلهم سوى القلّة المؤمنة ، فهنا أمران: أمّا الأمر الأوّل أعني إبعاد أهل البيت عليهم السلام عن الساحة: فقد أثبتنا في الفصل السادس من القسم الثاني: أنّ المصلحة الأساسيّة التي اتّخذها المانعون غرضاً للمنع إنّما كانت إخفاء أحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الدالّة على فضائل عليّ وأهل بيته ,الناصّة على إمامتهم وخلافتهم عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بلا فصل. واعتمدنا في إثباتنا لذلك على أحاديث واردة ،وآثار مقبولة لدى أهل السنّة، ومنقولة من طرقهم وفي كتبهم ,بعد أن بيّنا بصورة مفصّلة عدم قابليّة كلّ ما ذكروه من التوجيهات لأن تكون مبرّرات للمنع ، ولا صلاحيتها لذلك . ويتّضح هذا الغرض السياسي للمنع، لو علمنا أنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يُهمل أُمّته من بعده بلا راعٍ يرعى شؤونهم ،وبدون إمام يهديهم، مع أنّه يقول :من مات وليس له إمام مات ميتةً جاهليّة (74). كما أنّ الحكمة تقتضي أن ينصب كلّ رئيس وسيّد من يقوم مقامه لرعاية الشؤون، وإدارة البلاد، وإصلاح الاُمور، وتدبير العباد. لأنّ من يقوم بعمل ـ ولو كان صغيراً ـ لا يحقّ له ـ عرفاً وعقلاً ـ أن يتركه سُدىً ،بلا راعٍ أو مشرفٍ ،إذا قدّر له أن يغيب ،ولو لفترة مؤقتة ! فكيف بالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وهو أحكم الناس وأعقلهم وأرشدهم وأدراهم ـ ؟! والدين لا يزال غضّ العود؟! كيف يتركهم بلا إمامٍ يُقتدى به ،وبلا مرشدٍ يهتدى به؟ وقد تواترت الأخبار الدالّة على تعيينه الأئمّة من بعده ،بالعموم أو الخصوص: أمّا الأخبار العامّة فكقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : الأئمّة من قريش (75). وأمّا الأخبار الخاصّة، فهي على نوعين: 1 ـ ما ورد فيه ذكر أهل البيت عليهم السلام مثل: حديث الثقلين(76) وحديث السفينة ،وحديث الأمان ،وغيرها ممّا يدلّ على إمامتهم ، وعليّ عليه السلام زعيم أهل البيت وسيّدهم وإمامهم. 2 ـ ما ورد فيه خصوص ذكر عليّ عليه السلام وتعيينه للإمامة ،مثل :قول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي. وقوله ـ في يوم الدار ـ: هذا وصيي وخليفتي عليكم. وقوله: علي منّي وأنا من علي، ولا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو علي، وهو ولي كلّ مؤمن بعدي. وقوله: علي مع الحقّ والحقّ مع علي. وقوله: علي مع القرآن، والقرآن مع علي. وقوله: إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ،وهو خاصف النعل . وكان علي هناك يخصف نعل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . وأخيرا: قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، في غدير خمّ، في حجّة الوداع، أمام جموع كبيرة ممّن كان معه، حيث قال رافعاً لعليّ عليه السلام على يده: من كنت مولاه فعلي مولاه (77). وهذا هو حديث الغدير المعروف، الذي رواه أكثر من مائة شخصٍ من الصحابة ،وارتفع عدد رواته في الطبقات المتأخّرة 'لى الأكثر من الألف ،فهو من المتواترات القطعيّة ،ونصّه واضح الدلالة على المقصود . فلو اُتيح، لكلّ هذه الأحاديث ،أو بعضها ،أن يُنشر بين المسلمين ،فلابدّ أنّ كثيراً منهم كانوا يلتزمون بإمامة عليّ عليه السلام ،فلم يبق هو وأهل بيته بعيدين عن الحكم والسلطة طيلة خمسة وعشرين عاماً ،ولا كان يتسلّط على تلك المناصب المقدّسة السامية ،أويدّعيها من لم تكن له بحقّ ،اعتمادا على حجج واهية، أصحّ ما يقال فيها أنّها : فلتة (78) لم يق الله شرّها أن يعمّ تاريخ الإسلام! فلو كانت تلك الأحاديث تُنقل بواسطة الصحابة الأمناءأنفسهم ،كانت تأخذ من قلوب الناس وعقولهم موقعاً قوّياً . ولذلك نجد أنّ المنع يتركّز على الصحابة إلى حدّ (الحبس) والتهديد والتبعيد والجبر على الإقامة بالمدينة وعدم الخروج منها . كما أنّ المنع لم يختصّ بالتدوين ،بل منع عن رواية الحديث ونقله ،أو خصّص الجواز بتقليله ،أو خصّص بأحاديث الأعمال من الصلاة والصوم والحجّ من الفرائض والسنن، دون غيرها من أحاديث الفضائل وأيّام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . وقد أوضحنا كلّ هذه الأُمور في مواضعه من هذا الكتاب. نقول: والنتيجة التي ترتّبت على كلّ تلك الأعمال هي أنّ عليّاً عليه السلام أُقصي عن الخلافة والحكم مدّة خمس وعشرين سنة . ويدلّ على ذلك، أنّه لمّا خفيتْ أسباب المنع ،وضعفت السلطة ،بعد عمر بن الخطاب ،وانتشرت تلك الأخبار شيئاً فشيئاً ،ظهرت للناس حقيقة الأمر وكان ذلك بإقدام من الصحابة الذين كانوا من قبل مخالفين لإجراءات المنع ، فنشروا حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من دون تلكّوءٍ أو تحرّج ,و عرف الناس مقام الإمام عليه السلام ،فرجعوا إليه ,وفيهم جميع الصحابة المعاصرين له باستثناء الذين حاربوه في حربي الجمل وصفّين ،وهم لا يتجاوزون عدد أصابع اليد (79). وأمّا الأمر الثاني : وهو إبعاد المسلمين عن أهل البيت عليهم السلام: فإذا لم يعرف المسلمون أهل البيت حقّ المعرفة ،ومات الصحابة الذين وقفوا إلى جانب أهل البيت إلى حدّ الشهادة في الدفاع عن حقّهم ,كعمّار وغيره، وخاف الآَخرون ,وضعف أمرهم ،بحيث لم تبق لهم كلمةٌ مسموعةٌ ،سيطر - حينئذ - علىحكم المسلمين من لا خلاق لهم بالإسلام ،ممّن كانت همّتهم السلطنة والملك ، كما قال معاوية، لما ملك الكوفة ،في خطبة له للجمعة :إني ما قاتلتكم لتصلّوا أو تصوموا ,ولا لتحجّوا وتزكّوا ... وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم (80) قال ذلك بكلّ وقاحة وتهتّك. وأمثاله ممّن كان يطلب الإمارة والصدارة ،كعمرو بن العاص ... . فلو كان المسلمون يعرفون أهل البيت ,لمّا وصل الأمر بالمسلمين إلى هذا الحدّ، الذي أدّى بهم إلى أن لا تبقى لأهل البيت عليهم السلام لدى المسلمين حرمة , فهان عليهم قتلهم وحتى سبي ذراريهم ونهب أموالهم ،كأنّهم ليسوا من أهل ملّة الإسلام ،بينما هم أولاد رسول الإسلام وأحفاده ،وآله ، و ذرّيته ،وذوو قرباه ،ولحمته. فقتلت الأمة عليّاً عليه السلام وهو في محراب الصلاة ،وأهل الشام ـ وهم فرحون بقتله ـ يتعجبون من مكان قتله ،ولايكادون يصدّقون ؟ لأنّ معاوية أذاع فيهم أنّ علياً لا يصلّي ! بينما عليّ ـ كما تنادي به الأحاديث المرفوعة والآثار المشهورة ـ هو أوّل من صلّى مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم (81). وطعنت الأمة الحسن عليه السلام ,وهو ريحانة رسول الله . ويقتلون الحسين عليه السلام ,وهو سيّد شباب أهل الجنّة ,ويأسرون ،ويسبون نساءه وذراريه على أعين الناس ،وهم آل محمّد. ويسبّون عليّاً عليه السلام على المنابر ستّين عاما ،في عواصم البلاد الإسلامية ,وفي خطب الجمعة ،إلى أن أزال عمر بن عبد العزيز ذلك ،وكانوا يسمّون ذلك السبّ بالسنّة . كلّ هذه المصائب والآلام ،والتعذيب والإجرام ،وقع على أهل البيت عليهم السلام ،والمسلمون ينظرون ولم ينبس أحدٌ منهم ببنت شفة ،إلاّ قتل واُعدم، وأُهين وضرب وهدّد , هذا ،ولمّا يمض على وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآلع وسلّم نصف قرن ,أي خمسون عاماً فقط! هل يتصوّر انتكاصٌ على الأعقاب ،أكثر من هذا؟ كلّ ذلك كان على أثر منع الحديث تدوينا وروايةً ,فلو كان الحديث مسموحاً به أن يروى وينشر ويعرفه الجميع ،لعرف المسلمون ما لأهل البيت من الفضل الباذخ ،والمقام الشامخ ،والحرمة المفترضة ،والمودّة الواجبة على المسلمين . ولو فعلوا ،لما كان شيء من ذلك التعدّي، والقتل، يجري ويحدث. لكن ذلك يعني زوال الخلافة من أيدي المتربّعين على أريكة الحكم ؟ ولم تقف آثار تلك الجريمة ـ أعني إبعاد المسلمين عن أهل البيت عليهم السلام إلى هذا الحدّ ،بل تعدّىالأمر بالناس إلى أن رفضوا أهل البيت حتّى في أخذ الدين عنهم ,حتّى بلغ الأمر ببعض أعاجمهم أن يقول: وشذّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها ،وفقه انفردوا به ،وبنوه على مذهبهم (82). فكأن أهل البيت ليسوا من المسلمين ,وليس لهم حقّ معرفة الأحكام ولو بطريقة الاجتهاد الذي أجازوه للأعاجم البعداء ,لكن بخلوا بذلك على أهل البيت ؟؟ فتركوهم ،وأخذوا معالم الدين ممّن كان لا يمتّ إلى هذا الدين بنسب ولا سبب، ممّن كان مرجئاً في الاعتقاد ،ولم يأخذ الأحكام من كتاب ولا سنّة ،بل اعتمدا الرأي والقياس , ومن قالوا فيه :ما وُلِد مولودٌ في الإسلام أضرّ على هذا الدين منه (83) .ومع وضوح هذا ،فقد أخذ الناس أحكام دينهم من أمثالهم وتركوا الإمام أبا جعفر،محمّد بن علي الباقر، والإمام جعفر بن محمّد الصادق وسائر أئمّة أهل البيت عليهم السلام وأهملوا أقوالهم في بيان الأحكام ،مع أنّها مأخوذة من معين الكتاب وآياته ،ومن السنّة الشريفة بأقوى إسناد وأعلاه ،وأشرفه وأنقاه ،وهو آباؤهم الكرام إلى جدّهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم . قال الصادق عليه السلام :حديثي حديث أبي ،وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث أبيه ،وحديث أبيه حديث أبيه ،وحديث أبيه حديث رسول الله(84). ووال اُناساً قولهم وحديثهم * روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري. وأين هذا من أقوال من يعتمد الرأي والقياس ويترك حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟! وهذا الأثر من أسوء آثار منع التدوين وأضرّها، وذلك: لأنّ العلماء أمكنهم التصدّي للآثار المذكورة سابقاً ,فدافعوا عن الحديث ،وتثبّتوا منه، وواجهوا ما اختلف منه وأوّلوه حسب القواعد المقرّرة ,لكنّ هذا الأثر ظلّ سارياً في الاُمّة ،وكلّما أخلق الزمان تعمّق هذا الأثر في نفوسهم ،وتأصّل في عقولهم ، وصعب زعزعته وكأنّه الحقيقة التي لا تتغيّر . والأنكى والأقبحُ أنّهم عمدوا إلى شيعة أهل البيت عليهم السلام أُولئك الذين ناضلوا من أجل الدين الحقّ ،واستقاموا على اتّباع أهل البيت ,فعرّضوهم للقتل والسبي والهتك والفتك، والاتّهام والإعدام. هذا، والمؤمنون جابهوا كلّ ذلك بصمود وبطولة، التزاما بما أراد الله ورسوله من النصّ على أهل البيت : بأنّهم الأئمّة السادة، والهداة القادة والولاة الذادة. فقتل من قُتِلَ، وهُتك من هُتك ،وسُجن من سُجن، وعذّب من عذّب، واُقصي من اُقصي، وصلب من صلب. وفي أيّام الحجّاج ـ وحده ـ قتل العشرات صبرا. واستمرّ ذلك التعدّي على الشيعة الأبرار من قبل الحكّام ،لسبب واحد وهو أنّهم عرفوا الحقّ الذي أخفاه الظالمون عن الناس. وبدلا أن يكون لتلك المواقف النضاليّة من هؤلاء الأبطال موجة استحسان وتشجيع، من الذين يدّعون المعرفة بالإسلام والأحكام ،فينتصروا لمواقفهم من الظلمة المعتدين على أنفس المؤمنين، وهاتكي أعراض المسلمين ,بدلاً من ذلك نجد أنّ أُولئك الأبطال الأبرار لم يأمنوا مكر علمأ السوء من وعّاظ السلاطين، وقضاة البلاط ،ممّن يدّعون المعرفة والكمال ،وخاصّة علم الرجال، فعمدوا إلى كلّ فضيلة من فضائل عليّ عليه السلام ،الثابتة في الحديث النبوي فأنكروها، وإلى كلّ راوٍٍ لها ،فاتهموه ،وأنهكوه قدحاً وجرحاً ،لا لشيء إلاّ لأنّه من رواة أحاديث الفضائل ! فإذا قيل لهم: إنّها فضائل ثابتة لا ريب فيها.قالوا: وإن. والعج أنّ اُولئك المانعين الأوّلين للحديث، لم يجرأوا على إنكار الفضائل الثابتة في تلك الأحاديث، فلجأوا إلى منعها، واكتفوا بأن لم يسمحوا بها أن تروى وتُنقل، أو تكتب وتسجّل. لكنّ هؤلاء المتأخّرين عمدوا إلى إنكار أصل الأحاديث، وردّها، وجرح رواتها وإتّهامهم ! وهذا ما يندى له جبين العلم، ويسودّ منه وجه التاريخ. ولسنا بصدد البحث عن كلّ هذه القضايا، فإنّ لها مجالا خاصا وهو كتب الجرح والتعديل، وقد أشبع علماء الفنّ البحث عن ذلك كلّه(85). لكن ـ وهذا ممّا لا يجوز كتمانه ـ ما هو موقف المسلمين اليوم ـ وفي عصرنا الحاضر ـ من أهل البيت عليهم السلام ,وفضائلهم وأحاديثهم ،ومن شيعتهم، وعقائدهم وفقههم ؟ أليس من العيب والعار على مسلمٍ ينتمي إلى دين النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، في هذا العالم ،أن لا يعرف تاريخ أهل بيت نبيّه ،ولا يتعرّف على ماضيهم ومذهبهم وعلومهم ومعارفهم؟ لكن مع الأسف الشديد فإنّ هذا هو الواقع الأليم ؟ فإنّ في المسلمين اليوم من ينظر إلى أهل البيت عليهم السلام نظره إلى سائر الناس ،ممّن عاش ومات ،أو كمن ينتسب إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بالرابطة النسبية من السادة والأشراف في هذا العصر ؟ كيف هذا ؟ وأئمّة أهل البيت عليهم السلام قد وردت فيهم آلاف مؤلّفة من الأحاديث النبويّة الشريفة التي تُشيد بذكرهم ،وتدلّ على فضلهم ،وتوجب طاعتهم ،وتحذّر عن مخالفتهم ومعصيتهم ،وتصرّح بحقّهم العظيم في الإمامة . والأحاديث اليوم ليستْ ممنوعةً فهي مدوّنة ،وبفضل الطباعة الحديثة منتشرة، والاستدلال بها سهلٌ ممكن واضح ،بفضل الثقافة العامّة التي يتمتّع بها الناس في القرن العشرين ؟! فما عذر المسلم التارك لمعرفة الحقيقة ؟ والمقصّر في الوصول إلى الحقّ؟ والناس ـ في عالم اليوم ـ يحبّون أن يطّلعوا على المعرفة بكلّ ألوانها ،فما بال المسلم لا يعرف عن أهل بيت نبيّه شيئاً ؟! وإذا كان الناس في القديم معذورين ،لمنع التدوين ومنع الرواية ,ولوجود الظالمين المانعين ،فاليوم لا يوجد شيء من تلك الأعذار!؟ وإن كانت ثلّة من دعاة الضلال ينعقون بنفس النغمات السابقة ،فيدعون إلى نبذ الحديث ،والاكتفاء بالقرآن ،تلك الدعوة اللاإسلامية ،فإنّها مرفوضةٌ من كلّ الفرق والمذاهب السائدة اليوم بين المسلمين، وعلماء العصر ينبذون الإصغاء لها ،ويعلمون اليوم أنّها ضلال أُريد به ضرب الدين ،بالفصل بين السنّة والكتاب المبين. ومن أُولئك من لا يزال يدعو إلى العصبية المقيتة ،ولا يريد أن يخضع لتلك الأحاديث، بحجّة أنّها تؤدّي إلى بطلان خلافة الأوّلين ،فكيف يرفع اليد عنها؟ بعد أن كانت حقيقةً واقعةً ؟! فإذا قلنا له: إنّ الحقّ أحقّ أن يُتّبع؟ وهذه أحاديث صحيحة صادرة من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ،تدلّ بوضوح وتأكيد على إمامة أهل البيت عليهم السلام وخلافتهم عنه ،فلماذا تعرض عنها؟ قال: ولماذا أعرض عنها الأوّلون ؟وهنا يتّضح عمق الجريمة التي ابتدعها أُولئك المانعون الأوّلون للحديث ،ففصلوا بين الأُمّة وبين أهل البيت عليهم السلام ـ وبما أنّا نؤمن بما جاء في الكتاب والسنّة شريعةً ومنهاجاً ،فإنّا نتبع أحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في الدلالة على إمامة أهل البيت عليهم السلام في الخلافة والشريعة ،فنلتزم بها ،روحاً ونصّاً ،وهي أعداد كبيرة من الصحاح الدالّة على إمامة عليّ عليه السلام وأهل بيته الأئمّة عليهم السلام ،و لنلتزم بفقههم ،وبما ورد عنهم ومن طريقهم عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ،وهي أفضل الطرق وأنقاها وأصحّها ،فهم أدرى بما في البيت ،ولم يؤثر منهم اعوجاج في سلوك وعمل ،ولا انحراف في عقيدة أو فكر ،ولا خطأ في قضاء أو حكم . ثمّ إنّ العمل بما يقولون أحوط للدنيا والدين ،حيث أنّ النبيّ صلّى الله وآله وسلّم قد أمر باتّباعهم ،وحذّر عن التخلّف عنهم ،وأنّ في تركهم الضلال والردى وفي اتباعهم النجاة والهدى . فما بالنا نتركهم؟ ونأخذ من غيرهم؟ ولماذا يعتبر اتّباعهم جرماً ،وفسقاً ،وخروجاً من الدين ؟ وقد أكّدت الأيّام ـ والتاريخ يكشف الحقيقة ـ أنّ الشيعة كانوا ولا يزالون ـ بفضل اتّكالهم على الله، والتزامهم بالقرآن، واعتمادهم على السنّة التي أخفاها الحكّام ومنعها الآخرون ،وبفضل اتّباعهم لأئمّة أهل البيت عليهم السلام ـ على أفضل ما يكون عليه المسلم المؤمن من الإيمان الخالص الذي لا يشوبه شركٌ ولا إلحاد ولا جبر ولا تفويض ولا تشبيه ولا تجسيم ولا تعجيز ولا حلول. يلتزمون بالعمل الصالح الخالص من الرياء والسمعة والعجب ،ويعملون بالواجبات : فيصلّون إلى الكعبة ويقدّسونها ويحجّون إلى البيت الحرام ،ويصومون شهر رمضان ،ويزكّون أموالهم ،ويجاهدون في سبيل الله ،ويأمرون بالمعروف ،وينهون عن المنكر . ويتركون المحرّمات :فيحرّمون الخمر ـ حتّى النبيذ ـ والزنى ،والظلم ،والتعاون مع الظالم ,ويبرأون من اليهود والنصارى والمجوس وكلّ من لا ينتمي إلى الإسلام ويحادّ الله ورسوله ،ويجتنبون الدم والخنزير وما أُهّل لغير الله به. ويدعون إلى الأخلاق الفاضلة ويتحلّون بمكارم الشريعة ومحاسنها ،ويجتنبون رذائل الأخلاق والأعمال والنفوس وينهون عنها. وفي مجال العلم والمعرفة :ففيهم العلماء الذين خدموا الإسلام والملّة بجهودهم الضخمة ومؤلّفاتهم القيّمة ،وأسّسوا المكتبات والجامعات والمدارس العلمية العريقة ،ومنها ما يربو تاريخها على الألف سنة، كجامعة النجف ،وقم . ولهم جهود متواصلة لا تكلّ في صدّ الأفكار المخرّبة التي ينشرها علماء السوء ويروّجونها ،سواؤ من داخل البلاد الإسلامية أو المستوردة من بلاد الكفرالشرقيّة والغربية . ولهم جهاد مرير في مقاومة الظلم والظالمين ،في كلّ زمان ومكان ،وخاصة القوى الاستعمارية الكافرة الصليبيّة والصهيونية التي غزت البلاد الإسلامية ، وكذلك النظريات الملحدة : شيوعيّة واشتراكيّة وقوميّة وعلمانيّة ،تلك الغازية لبلاد المسلمين ,و الطغمة من أذنابهم المتحكّمين على رقاب الأُمّة باسم الإسلام ,ولهم في النضال ضدّ اليهود الصهاينة، الغاصبين لفلسطين يدٌ بيضاء ،لا ينكرها إلاّ أعمى البصر والبصيرة. فشيعة أهل البيت : هم الذين التزموا بإصرار بما ورد عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في الأحاديث الشريفة ،ولم يأبهوا بالأوامر الأميرية الناهية عن تدوين الحديث أو روايته ونقله. فأين المسلمون من هذا الواقع الحقّ؟ إنّ التعتيم الإعلامي المضلّل، والرقابة العسكرية الشديدة ،والاتهامات الأميرية المتوالية ،ودجل علماء السوء ، والأطماع الدنيوية، والشهوات المحرّمة والعصبيّات الطائفية ،والعنصرية المقيتة، اجتمعت - كلّها - وتكالبت وسخّرها الحكّام للسيطرة على عقول الناس وصدّهم عن المعارف الإلهية التي ورد بها الحديث ... فمنعوا من تدوينه وروايته قديماً ،وهم يمنعون روحه وإرشاده أخيراً .وكذلك ما ورد في القرآن ،فهم منعوا تأويله وتطبيقه أوّلاً ،وهم يمنعون نشره وتفسيره أخيراً. وإذا كلّمت أحدهم قال: (إنّا وجدنا آباءنا على أُمّةٍ وإنّا على آثارهم مقتدون) من الآَية (23) من سورة الزخرف (43). مع أنّ الحقّ أظهر من الشمس في رائعة النهار. فلعن الله أوّل ظالم ظلم حقّ آل محمّد، وآخر تابع له على ذلك.
|
|
1- دلائل النبوّة (6/549) ولاحظ أحاديث الأريكة في ما مضى (ص352) وبعدها. 2- الحديث والمحدّثون (ص721). 3- إقرأ عن مدى الجريمة التي ارتكبت بحقّ العلم والحديث خاصة: دلائل التوثيق المبكّر (ص239-246) بينما كان أنصار التدوين يحافظون على كتبهم بكلّ الوسائل .كما هو المنقول حول كتاب علي عليه السلام الموروث عند أهل البيت عليهم السلام. 4- لاحظ ما سبق (ص277). 5- أسماء الصحابة الرواة لابن حزم (ص35) انظر تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص66) ترجمة أبي بكر. 6- سنن الدارمي (1/73) ح285و286. 7- صحيح البخاري، العلم (114) تذكرة الحفّاظ (153) والكامل لابن عدي (133)وانظر فتح الباري(1/2-193). 8- مسند أحمد ( ) انظر فتح الباري(1/2-193). 9- المحدّث الفاصل(ص556)رقم746. 10- تذكرة الحفّاظ (17). 11- جامع بيان العلم لابن عبدالبر (2121). 12- البداية والنهاية لابن كثير (8/107) 13- الحديث والمحدّثون (ص67). 14- راجع للتفصيل عن أحاديث أبي هريرة الممنوعة : فتح الباري(1/193) وعن أحاديثه المشكوكة والمريبة :كتاب (أبو هريرة) للسيد شرف الدين، وكتاب أضواء على السنّة المحمدية، للشيخ محمود أبي رية ,وخصوصاً:كتاب أبو هريرة شيخ المضيرة، لأبي رية. 15- انظر الملحق الأوّل (ص472). 16- السنّة قبل التدوين (ص423) وحتّى أنّ عائشة استكثرت على أبي هريرة تلك الكثرة ,فلاحظ المحدّث الفاضل (ص4 ـ 555)وحتى أخيه مروان بن الحكم استكثر عليه ذلك , مختصر ابن منظور (7/42). 17- مضى في (ص412) من هذا الكتاب نقلاً عن تقييد العلم (ص54). 18- مضى في (ص333) وبعدها. 19- مضى في (ص340) وهامشه. 20- جامع الأُصول لابن الأثير (1/40). 21- الحديث والمحدّثون (ص127). 22- تهذيب التهذيب(5/82). 23- تفسير المنار(6/288) لكنهم منعوا من الكتابة لا أنهم لم يكتبوا وامتنعوا منها بأنفسهم !. 24- قواعد في علوم الحديث للتهانوي الحنفي (ص454). 25- فتح الباري(1/193)والسنّة قبل التدوين (ص452) وانظر أبو هريرة لشرف الدين (ص50-52). 26- لاحظ أضواء على السنّة (ص212 فما بعدها). 27- فتح الباري(1/193). 28- شرح نهج البلاغة (4/73). 29- تهذيب الكمال، للمزيّ (1/124) ونقله عنه في هامش تهذيب التهذيب (3/266) في ترجمة الحسن البصري. 30- المستدرك للحاكم (1/464)وصححه على شرط الشيخين ,ووافقه الذهبي ,وانظر الاعتصام بحبل الله المتين (1/360). 31- واقرأ بحثا لنا نشر في مجلّة علوم الحديث ( العدد الأول ,ص )بعنوان ( الثقلان ). 32- دليل القضاء الشرعي، للسيّد محمّد صادق بحر العلوم ; (3/31) عن كتاب (تاريخ الفقه الإسلامي) (ص68) طبع القاهرة سنة 1376هـ، وهو منهج السنّة الثانية لكليّة الشريعة بالأزهر ,وانظر كتاب (تاريخ التشريع الإسلامي) للسايس بالاشتراك مع عبد اللطيف السبكي ومحمّد يوسف البربري، المطبوع بالقاهرة طبعة ثانية سنة 1357هـ (ص17 فما بعدها). 33- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (11/44-46)وانظر النصائح الكافية (ص88) وكتاب سليم بن قيس (ص166) والأنوار النعمانية(1/101). 34- أضواء على السنّة (ص188و268و285). 35- راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (11/44-46) وأضواء على السنّة (126 فما بعدها). 36- النصّ والاجتهاد لشرف الدين (المورد(14) (ص146-149)ط دار الأندلس بيروت الطبعة السابعة و (ص142-144)ط قم مع تعليقات الراضي. 37- دراسات في الحديث والمحدّثين (ص9) وراجع كتابه: تاريخ الفقه الجعفري (ص166و167و 185). 38- الكامل في التاريخ، لابن الأثير (3/430). 39- الأغاني (22/52). 40- الاختلاف في اللفظ (ص48). 41- فتح الباري لابن حجر (7/83) والصواعق المحرقة، لابن حجر الهيتمي (ص76) وقال: أخرجه السلفي في ( الطيوريات ). 42- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (11/3 ـ 44). 43- لاحظ المستشرقون ومصادر التشريع الإسلامي(95-102) وص96 خاصة. 44- لاحظ ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للندوي (ص20-123). 45- اُسد الغابة لابن الأثير (2/472) الطبعة الحديثة، في ترجمة سهل وانظر تاريخ اليعقوبي (2/272) وقد مضى (ص478) . 46- هذا النصّ ورد في كتاب الطوفي باسم : شرح الأربعين النووية ,في شرح الحديث (32) : لا ضرر ولا ضرار . وأورده نصاً عبد الوهاب خلاف في كتابه : مصادر التشريع الإسلامي في ما لا نصّ فيه (ص133) وما نقلناه أورده السيد الأمين العاملي في ترجمة الطوفي من أعيان الشيعة (35/334-336) عن ابن رجب الحنبلي في طبقات الحنابلة ,ولاحظ تاريخ علماء بغداد للسلامي (ص59) وكتاب :الإمام الصادق والمذاهب الأربعة (1/260). 47- كابن رجب الحنبلي ,فراح يسبّ ويشتم بقوله : كذب وفجر و..., على عادة السلفية في بحوثهم ,وردّ عليه السيد الأمين العاملي بقوّة علمية ,في الموضع المذكور من أعيان الشيعة (35/334-336) فراجع. 48- تاريخ دمشق (2/13-14). 49- الإنصاف (ص100) وانظر أضواء على السنّة لأبي ريّة (ص97 و 99). 50- توجيه النظر (ص298). 51- مناهج الاجتهاد في الإسلام، للدكتور محمّد سلام مدكور ( ص145 وانظر ص148) ولاحظ: منهج النقد (ص460-462). 52- نقله في تدريب الراوي (ص100). 53- مجلة الفتح ,المصرية (17/105) بواسطة خادم إلهي حسين في :القرآنيون(166). 54- توجيه النظر (ص892). 55- راجع بحثنا : من أدب الدعاء في الإسلام ,المنشور في مجلّة (تراثنا) الفصلية، العدد (14). 56- لاحظ الرسالة للشافعي(ص370-372رقم 1000-1002). 57- إعجاز القرآن (ص422). 58- يلاحظ أنّ أبا ريّة كان من تلامذة الرافعي وله إليه رسائل مطبوعة! 59- هذا الكتاب لا يخلو من إيراد بعض الحقائق ،لكن الهدف الأساس من تأليفه هو ما نقلناه عنه ،ولا تخفى خطورة ذلك على أصل الحديث وكيانه !. 60- أضواء على السنّة (ص19). 61- أضواء على السنّة (ص20). 62- أضواء على السنّة (ص76). 63- أضواء على السنّة (ص21). 64- وأما دعوى نسيان بعض الصحابة في الموارد الضئيلة ,فيمكن الجزم بكونه نسياناً سياسياً ,نظراً إلى ارتباط مواردها بولاية أهل البيت عليهم السلام ,أو وافقاً لفقههم ومنافياً لسنة الخلفاء ,كدعوى نسيان زيد بن أرقم لحديث الغدير ,ولقراءة البسملة في الصلاة !! 65- انظر (ص508) . 66- أضواء على السنّة (ص20-21) وانظر دفاع عن السنّة(ص202). 67- أضواء على السنّة (ص46) وانظر حجيّة السنّة فقد نقله بمعناه وردّ عليه بتفصيل (ص392-398) وما بعدها، لكنّه لم يُشر إلى جوابه الصحيح إلاّ في (ص430) فلاحظ مواضع من كتابنا هذا حيث تعرضنا لسائر كلامه. 68- أضواء على السنّة(ص23). 69- مجلّة (المنار) لرشيد رضا، بواسطة: دراسات حول القرآن والسنّة للدكتور شعبان (ص 171-172). 70- شرح شروط الأئمّة الخمسة للحازمي (ص48و49). 71- حتّى جعل بعض أدعياء (تكوين العقل العربي) منع التدوين للفترة الأُولى إلى عام (143) للهجرة ,أساساً للقول بأنّ العقل العربي أخذ تصوّراته من هذا العصر ,الذي لا يخلو من وجود رأي للذي قام بالتدوين ،فلابدّ أنّه قام بحذف وتقديم وتأخير في المرويّات ،لاحظ: تكوين العقل العربي (ص46). وهو يعني نفي أن يكون العربي المسلم قد اعتمد في تكوين عقليّته على نصوص مقدّسة ثابتة ، وبنى ذلك على مزعومة عدم تدوين الحديث إلى فترة متأخرة ,مع أنّ أُصول الفكر الإسلامي مأخوذة من القرآن، والسنّة المتواترة القطعية، لا السنّة الظنيّة ،مضافاً إلى أنّ قضايا الفكر لابدّ أن تعتمد على العقل والنظر ،لا النصّ والأثر. فما ذكره يدلّ على جهله بأُصول التفكير الإسلامي ومبانيه ،وليس هدفه من طرح تلك المقولات إلاّ التهريج. وعن جانب من رأينا في هذا وأشباهه من المقولات العلمانية التي نشرت باسم الإسلام ,في فترة ما بعد الثورة الإسلامية في إيران , بأقلام عربية ,وبإثارة من الدوائر الغربية ,وفي الوسط الشيعي بالذات, أقرأ مقالنا : تدوين السنة أم تزييف الشريعة؟؟ 72- دلائل التوثيق البيكّر (ص230-231). 73- السنّة قبل التدوين (ص 375-381)ومنهج النقد (ص49) تاريخ التراث العربي لسزين (1/1/226). 74- حديث معروف رواه السنّة والشيعة، فانظر مصادره الشيعيّة في الإمامة والتبصرة من الحيرة لابن بابويه (ص197ح50) والباب18 الأحاديث (69-71) وتخريجاتها ,وأمّا أهل السنّة فرواه منهم: أحمد في المسند (4/96) بلفظ من مات بغير إمام ،وقد جمع مصادره الشيخ مهدي الفقيه دام ظلّه في كتاب شناخت إمام, باللغة الفارسيّة. |