مكتبة الموقع

الحديث الشريف

فهرس الكتاب

 

الفصل الثاني

الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن

 

من أهمّ التبريرات التي ذكرتْ لمنع تدوين الحديث هو التخوّف

من أن يكتب الحديث ،فيختلط بالقرآن ،فيظنّ أنّه منه ،فيكون قرآناً .وحفاظاً على القرآن ،وإبعاداً له عن اختلاطه بشيء من غيره ،منع من كتابة الحديث , وقد صرّح عمر بهذا لمّا صمّم على المنع الرسميّ من كتابة الحديث، بعد أن أشار الصحابة عليه أن يكتبه، فخالف مشورتهم وقال:إنّي ـ والله ـ لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً .

وأبو سعيد الخدري هو أكثر من نقل عنه تعليل المنع بهذا الأمر في ما روي عنه موقوفاً :قال أبو نضرة له :لو كتبتم لنا ،فإنا لا نحفظ؟أو قال له:ألاّ نكتب ما نسمع منك؟أو قال:أكتبنا !أو قال: لو اكتتبتنا الحديث!

فقال في جوابه إحدى هذه العبارات:

1 ـ لا نكتّبكم، ولا نجعلها مصاحف (1).

2 ـ أتجعلونه مصاحف تقرؤونها؟ (2).

3 ـ تريدون أنْ تجعلوها مصاحف؟(3).

4 ـ أتتخذونه قرآناً ؟ (4) .

5 ـ لن نكتّبكم ، ولن نجعله قرآناً (5).

6 ـ لن اُكتّبكموه ، و لن أجعله قرآناً (6).

7 ـ لا نكتّبكم (7).

وقد عرفنا في الفصل الأوّل أنّ أبا سعيد الخدري هو الذي نُسِبَ إليه الحديث المرفوع إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: لا تكتبوا عنّي إلاّ القرآن، ومن كتب عنّي غير القرآن، فليمحه.

وأنّ كبار المحدّثين مثل البخاري حكموا بوقف الحديث، وأنّه من قول أبي سعيد نفسه.

وقد ذكرنا أنّ البعض فهم منه ـ كما لا يُستبعد ـ أنْ يكون النهي فيه خاصّا بكتابة غير القرآن في صفحة واحدة مع القرآن(8).

وهذه الروايات الموقوفة على أبي سعيد، تؤيّد فهم ذلك المعنى من روايته المرفوعة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم . وقد نُسِبَ هذا الاحتمال إلى مسلم في صحيحه (9).

وقال ابن الصلاح: محتملاً هذا المعنى ـ :نهى عن كتابة ذلك حين خاف عليهم اختلاط ذلك بصحف القرآن العظيم ، وأذِنَ في كتابته حين أمن من ذلك (10).

وقد أوضح الخطيب البغدادي هذا الوجه ، بشيء من التفصيل ، فقال: قد ثبت أنّ كراهة من كره الكتاب من الصدر الأوّل إنّما هي لئلاّ يُضاهى بكتاب الله ـ تعالى ـ غيره , ونهى عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدّته ، لقلّة الفقهاء في ذلك الوقت والمميّزين بين الوحي وغيره ،لأنّ أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين ولا جالسوا العلماء العارفين ، فلم يؤمن أنْ يُلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن ويعتقدوا أنّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن (11).

وذكر السمعاني هذا الوجه أوّلاً ،فقال: وقد ذكرتُ جواز الكتابة وعدم جوازها على الاستقصاء في كتاب ( طراز الذهب ) و حاصله : أنّ كراهة كتابة الأحاديث إنّما كانت في الابتداء ،كي لا يختلط بكتاب الله ، فلمّا وقع الأمن عن الاختلاط ، جاز كتابته (12).

ويقول بعض المعاصرين: نهى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عن كتابة الأحاديث أوّل نزول الوحي ، مخافة التباس أقواله وشروحه وسيرته بالقرآن ، ولا سيّما إذا كتب هذا كلّه في صحيفة واحدة مع القرآن (13).

وذكرنا في توجيه الأحاديث المرفوعة أنّ أحاديث أبي هريرة، قابلة للحمل على هذا التوجيه ،حيث جاء فيها ،قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : أمْحضوا كتاب الله ، وأخلصوه (14).

فإنّه صريح في إرادة عدم كتابة شيء ـ مع كتاب الله ـ في كتاب واحد.

المناقشات في هذا الوجه:

ولا يمكن الالتزام بهذا مبرّراً لمنع تدوين الحديث الشريف ، ويمتنع أنْ يستند الشارع إلى هذا ، فيجعله سببا للمنع والنهي عن كتابته ، وذلك : لأنّ الاحتياط في المحافظة على نصّ القرآن الكريم ،أمر واجب قطعاً ،فإذا كانت كتابة شيء إلى جنبه ، ومعه ، مؤدّية إلى اختلاطه بغيره، لزم الاجتناب من هذه الكتابة أو النهي عنها ، بالضرورة ، لكن هذا النهي عن كتابة شيء إلى جنب القرآن، مقيّد بقيدين أساسيين:

الأوّل:أنْ تكون كتابة ذلك الشيء إلى جنب القرآن ومعه ،لا منفصلةً عنه.

الثاني: أن تكون الكتابة موجبةً ومؤدّية إلى الاختلاط ،لا متميّزةً .

وإذا فرض وجود هذين القيدين ،كان النهي عن الكتابة واجباً على الشارع ، مستمرّا، غير قابل للتغيير حينئذ ،لأنّ المحافظة على القرآن كذلك واجبة دائماً . فليس لأحد أن يسمح بكتابة ما يوجب الاختلاط في أيّ زمن ، فكيف بصاحب الشرع والصادع بالوحي صلّى الله عليه وآله وسلّم!

و إذا كان النهي عن كتابة شيء دائراً مدار أحد القيدين السالفين ، فمعنى ذلك انتفاء النهي إذا لم يكن هناك أحد هذين القيدين موجوداً.

والحاصل أنّ النهي ليس مطلقاً ، ولا دائماً ، ولا عامّاً في الأزمان ، بل: 1ً ـ إذا كانت كتابة الحديث متميّزةً ،بحيث يعرف النصّ القرآني منها عن غيره ، لم يكن ثمّة نهيٌ ،لعدم خوف الاختلاط ،كما روي عن أبي سعيد الخدري قوله : ما كنّا نكتب شيئاً غير القرآن والتشهّد (15).

وقد علّق الخطيب على هذه الرواية بما نصّه :وأبو سعيد هو الذي روي عنه :أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال:لا تكتبوا عنّي سوى القرآن ، ومن كتب عنّي سوى القرآن فليمحه ,ثمّ هو يخبر: أنّهم يكتبون القرآن والتشهّد؟!.

ثمّ قال الخطيب :وفي ذلك دليلٌ على أنّ النهي عن كتب ما سوى القرآن إنّما كان على الوجه الذي بيّناه من أن يضاهى بكتاب الله تعالى غيره ... فلمّا أمن ذلك ،ودعت الحاجة إلى كتب العلم ، لم يكره كتبه ،كما لم تكره الصحابة كتابة الشتهّد ،ولا فرق بين التشهّد وبين غيره من العلوم ، في أنّ الجميع ليس بقرآن (16).

2ً ـ وإذا كانت كتابة الحديث منفصلةً ، بحيث لم يكن في صفحة واحدة مع القرآن وإلى جنبه ،أو لم يكن في أوراق من نوع ما يُكتب فيه القرآن ، لم يبق هناك خوفٌ من الاختلاط ,كما يفهم ذلك من رواية أبي هريرة :أمحضوا كتاب الله وأخلصوه ,حيث تدلّ على إرادة أن يكون القرآن في صفحاتٍ مستقلّةٍ ممحّضةٍ لكتابته وخالصةٍ له , دون أن يكتب فيها غيره .

وقال ابن الديبع :إنّما نهى أن يُكتب الحديث مع القرآن في صفحة واحدة، فيختلط به فيشتبه (17).

وقال الخطّابي: إنّما عنى أن يُكتب الحديث مع القرآن في صحيفة

واحدة، لئلاّ يختلط به ويشتبه على القارىء ، فأمّا أن يكون نفس الكتاب محظوراً، وتقييد العلم بالخطّ منهيّاً ،فلا (18).

وإلى هذا تُشير الآثار المنقولة عن بعض كبار التابعين :

فقد قال الضحّاك بن مزاحم الهلالي (ت105هـ) ـ و هو ينهى عن كتابة الحديث في نفس الأوراق التي يكتب فيها القرآن ـ : لا تتّخذوا للحديث كراريس ككراريس المصاحف (19).

وعن إبراهيم بن يزيد النخعي (ت96هـ) أنّه كان يكره أن تكتب الأحاديث في الكراريس، ويقول: يشبّه بالمصاحف (20).

وأمّا كتابة الحديث منفصلاً وبعيداً عن كراريس القرآن فلا نهي فيه , لعدم وجود خوف الاختلاط.

3 ـ إنّ النهي يدور مدار علّته ،وهي خوف الاختلاط ،فإذا زالت العلّة في موردٍ لم يثبت النهي .

والاختلاط إنّما يُخشى من الأعراب الذين لم يكونوا فقهوا في الدين ولا جالسوا العلماء العارفين ،فلم يُؤمن أن يُلحقوا ما يجدونه مكتوباً في الصحف إلى جنب القرآن، بالقرآن ، على ما ذكره الخطيب في ما نقلنا عنه (21).

وأمّا أهل العلم وطُلاّب الحديث ورواته ,فلا يُخشى منهم ذلك ، وكيف يمكن أن يختلط عليهم أمر القرآن بغيره ،من الحديث أو التفسير؟ وتشتبه عليهم آياته ،مع أنّ القرآن كان يُبذل في كتابته وتنظيمه الجهدُ الوفير منذُ عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وبإشرافه ، و هو متميّزٌ بنصّه ، ومنحصرٌ بما بين الدفّتين .

ولنا هنا ملاحظة هامّة ،وهي: إنّ نسبة خوف الاختلاط بين القرآن والحديث إلى الشارع الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم أمرٌ غير مقبول ،بل ولا معقول ،وذلك :لأن القرآن الكريم ـ وهو كتاب الوحي الإلهي ـ له ميزة بلاغيّة فائقة ،وعبقة قدسيّة رائقة ،يتميّز بها عن كلام سائر البشر ،حتّى كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ،حيث إنّ آيات الكتاب كانت تُحاط عند نزولها بأُمورٍ خاصّة وتعرض على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لنزولها عوارض مميّزة ،كما هو معروف ، فكانت قرينةً حاليّةً تميّز القرآن عن سائر كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم , وقد انتشرت آياته منذ الساعة الأُولى لنزولها ،وكان لكلّ آية منه عند نزولها صدىً بالغ المدى ،يتباشر بها المسلمون ،ويتهادونها ، ممّا يكشف عن أبعاد الاحتفاء والإكرام الذي يكنّونه لهذا النصّ المقدّس .

وقد اختصت كلمات القرآن في الشريعة بأحكام خاصّة فلا يجوز أن يمسّه إلاّ المطهّرون ،ولقراءته الفضل المذكور في الأحاديث ، ولحفظه الأثر المشهور.

فمع كلّ هذه الخصوصيات :أ فهل يمكن أنْ يتصوّر فيه الاختلاط

بغيره؟ أو أنْ يشتبه على المسلمين المعترفين بقدسيته ؟

ثمّ إذا كان العرب بما أُوتوا من فصاحةٍ وبلاغةٍ ،يميّزون بين آيات الوحي بمجرّد سماعها وبين غيرها ،وينجذبون إلى روعتها لأوّل وهلةٍ حيث استقرّ القرآن في نفوس وعقول العرب ، واستقلّت به ألسنتهم، وميّزت أذواقهم بين أُسلوب القرآن وأُسلوب غيره ،وأصبح أبسط رجلٍ منهم يميّز بين القرآن وبين أفصح كلامٍ للعرب بمجرّد سماعه (22).

فكيف يمكن أن نتصوّر في حقّ رواة الحديث من الصحابة أنْ يشتبه عليهم ذلك ، فيختلط عليهم الوحي الذي عرفوه نصّاً مقدّساً منزلاً من عند الله وله عندهم كرامته المعروفة ، بكلام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ أليس هذا التصوّر فيهم ،إزراءً بحقّهم؟ إنْ لم يكن تهويناً لروعة القرآن ! أو إغضاءً عن إعجاز آياته البادي من خلال عبقريته البلاغيّة ؟ تلك الروعة والعبقرية التي كانت سبباً لإيمان المشركين !؟ فكيف تختلط على المؤمنين ؟!

ومن هنا فإنا نقطع بأنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يطرح مثل هذا التخوّف .

لماذا كتب القرآن مع أنّه معجزٌ ببلاغته الفائقة؟

لقد أثير سؤالٌ في هذا المجال حاصله :أنّ إعجاز القرآن إذا كان

يميّزه عن السنّة ، لم تكن حاجةٌ إلى كتابته (23).

وقد أجاب عن ذلك الدكتور عبد الغني عبد الخالق بقوله :إعجاز القرآن إنّما يدركه أساطين البلغاء من العرب أيّام أنْ كانت بلاغة العرب في أوجها ،وذلك في عصره صلّى الله عليه وآله وسلّم والأعصر القريبة منه .فأمّا غير البلغاء منهم في هذه الأعصر ـ وهم الأكثرون ـ وجميع العرب، في ما بعد ذلك ،وجميع الأعاجم والمستعربين ، في جميع العصور ، فلا يمكنهم تمييزه عن السنّة، خصوصا إذا لاحظنا أنّ السنّة القوليّة كلام أفصح العرب وأبلغهم ، وأنّها تكاد تقرب من درجة القرآن في البلاغة ، ولا يستطيع أنْ يقف موقف المميّز بينهما إلاّ من كان من فرسان البلاغة والبيان وممّن يُشار إليه بالبنان .

ولا يتمكّن غير البُلغاء ـ أيضاً ـ من إدراك إعجاز القرآن بأنفسهم ، وإنّما يدركونه بواسطة عجز من تحدّاهم النبيً صلّى الله عليه وآله وسلّم من أساطين البلاغة وأُمراء الفصاحة عن الإتيان بأقصر سورة منه، وإذا ما ثبت إعجازه ثبتت لهم رسالته صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وإذا ثبتت رسالته ثبت صدقه في إخباره أنّ هذه السورة ،أو هذه الآية أو هذه الكلمة أو هذا الحرف من القرآن ,فبهذا الإخبار يتميّز لجميع الاُمّة ... القرآن من غيره.

ولمّا كان هذا الإخبار لا يحصل لكلّ الأُمّة بالضرورة، بل إنّما يحصل لبعض مَن في عصره صلّى الله عليه وآله وسلّم ،وكان يخشى على هؤلاء السامعين ـ قبل استقراره في القلوب وشيوعه بين الناس ـ الاشتباه بطول الزمن ، وعدم تمام الحفظ للفظه ،خصوصاً الاشتباه في الآية الواحدة والكلمة الواحدة والحرف الواحد ,حرص النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أشدّ الحرص على تمييزه جميعه بالكتابة ، عن سائر ما يصدر عنه ، وتخصيصه بها إلى أن يطمئنَّ إلى كمال تميّزه عن غيره ، عند سائر الناس ، وإلى استقراره في القلوب وشيوعه بين الناس ، وإلى أنّه إذا أخطأ فردٌ من الأُمّة ـ فخلط بينه وبين غيره ـردّه سائر الأُمّة أو القوم الذين يؤمن تواطؤهم على الكذب، إلى الصواب . ولذلك ،لمّا اطمأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى تميّزه تمام التميّز ،أذن في كتابة السنّة (24).

والظاهر من السؤال: احتواؤه على محاولة جعل تخصيص القرآن بالكتابة ذريعةً ودليلاً على أنّ الامتناع عن كتابة السنّة ، كان من أجل التخوّف من اختلاطهما ، وأنّ إعجازه في بلاغته غير كافٍ لتميّزه عن السنّة !

والظاهر من الجواب : موافقته على أصل الفكرة ،إلاّ أنّه زاد في الطنبور نغمةً أُخرى ، بحصره درك إعجاز القرآن بعصر خاصٍّ ، وبأشخاص محصورين!

ونحن نعتقد أنّ أصل الإشكال فاسدٌ ، وكذا الجواب المذكور ، وذلك للملاحظات التالية:

1 ـ إنّ هذه المقارنة بين القرآن والسنّة في خصوص مسألة الإعجاز ، إنّما تخصّ السنّة القوليّة ـ كما صرّح به الكاتب المذكور ـ وهي إنّما تمثّل ما يقرب من ثلث السنّة النبويّة ،لأنّها قولٌ ، وفعلٌ ، وتقريرٌ , بإجماع المسلمين.

وأيضاً : فالسنّة القوليّة التي بأيدينا ، والتي هي محلّ ابتلاء المسلمين إنّما عمدتها تلك المرويّة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في الفترة التالية من تاريخ الإسلام ، بعد الصدر الأوّل ، وخارج أُطر مكّة قبل الهجرة ، وعندما استقرّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بين أنصاره وأصحابه المسلمين المؤمنين به إلى حدّ الفداء والتضحية ، ومثل هؤلاء لم تكن عندهم مشكلةٌ بعنوان إعجاز القرآن ,بل كانوا يقدّسون القرآن أعظم تقديس ، عارفين بأُسلوبه ،مميّزين لبهائه ونوره مقرّين معترفين بإعجازه وتميّزه عن سائر الكلام البشريّ ، ولو كان كلام الصادع به نفسه ، فلا يتخوّف بالنسبة إليهم الاختلاط.

ثمّ ، إنّ السنّة القوليّة الصادرة من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ليست كلّها ملقاةً باعتبارها من بليغ كلامه ، بل الكثير من كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم يجري مجرى المعتاد من الكلام ممّا كان يحاور به الناس العاديّين ،في الظروف العاديّة ، وحول الأُمور العاديّة، وهو ليس بالقليل في السنّة القوليّة.

وخصوص ما يحتوي على بيان الأحكام الشرعية من المعاملات

والعبادات ،فإنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يستعمل فيها سوى الكلام العادي ،إذ ليس المطلوب إلاّ توضيح الأحكام .

ولو استثنينا من المقارنة كلّ هذه الأقسام من السنّة القوليّة ،لم يبق للمقارنة بينها وبين القرآن في مسألة الإعجاز إلاّ شيء قليل جدّاً.

إذن، فلا يبقى ما يدخل تحت هذا التعليل ،بخشية الاختلاط إلاّ ذلك القليل ،فتكون أكثر السنّة خارجةً عنه ،وهذا يعني أنّ التعليل لإثبات ذلك بخشية الاختلاط هو أخصّ من المدّعى.

2 ـ إنّ القرآن كانت تُحيط بنزوله أُمورٌ خاصّة ،مثل الحالات التي كانت تعرض النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حين نزول الوحي عليه ،ممّا هو معروف ومذكور في الكتب الخاصّة بتاريخ القرآن وعلومه.

ثمّ إنّ القرآن بمجرّد نزوله وتبليغه من قبل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كان المؤمنون يستبشرون به ،ويتهادونه ،ويعتبرونه من أفضل النعم عليهم ،وهذا كان حتّى في صدر الإسلام قبل الهجرة.

أضف إلى اختصاص آيات القرآن ،بأحكام خاصّة ،مثل التلاوة في الصلاة وغيرها ،وحرمة مسّ غير المتطهّر لما كتب منه ، وغير ذلك ممّا هو معروف عند الفقهاء وثابت بالأدلّة في الفقه.

ومع هذه المزايا والخصوصيات التي كان القرآن محاطاً بها، دون السنّة، كيف يحتمل أن يختلط نصّه الكريم بغيره ؟ حتّى لو كان من أبلغ الكلام وأروعه !؟

3 ـ ليس من المطلوب من عامّة الناس أن يتخصّصوا كلّهم في أيّ علمٍ من العلوم ،وإنّما اللازم رجوعهم إلى أهل الخبرة في كلّ علمٍ ، وكذلك أمر الإعجاز ،فليس اختصاص إدراكه بالبلغاء في كلّ عصر، يؤدّي إلى اختصاص تميّز القرآن عن غيره بهم حتّى يحتاج تميّزه إلى أمر آخر كالكتابة ، بل، إذا تميّز القرآن بإدراك البلغاء لإعجازه ، كفى لرجوع الآخرين إليهم في ذلك.

وإذا ثبت إعجازه لجميع الناس في كلّ عصر، ولو اعتماداً على اعتراف البلغاء في العصر الأوّل من صدر الإسلام ،أُولئك الذين تحدّاهم النبيّ فعجزوا عن أنْ يأتوا بآية من مثل القرآن ،مع شدّة اهتمامهم في ذلك ، و مسيس حاجتهم إليه ،حتّى اضطروا إلى إعلان إعجازه ، فأعلنوا ذلك صريحا بيّنا غير خافٍ على أحدٍ ، وتناقلت الأنباء والأخبار والصحف كلامهم في الاعتراف بذلك ,فإنّ هذا كان ـ ولا يزال مدى الدهر ـ كافياً لتميّز القرآن الكريم عن غيره من كلام الآَدميّين ،مهما بلغوا القمّة في البلاغة والفصاحة !منذ البداية ، من دون حاجة إلى الانتظار مدّةً حتّى يطمأنّ بتميّزه عن غيره !؟ ولا الالتجاء إلى كتابته وحده دون غيره ؟!

4 ـ إنّ ثبوت صدق النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بوسيلة سائر المعجزات التي جاء بها يكفي للاعتماد على أخباره الأُخرى , ومنها القرآن ونزوله وسائر شؤونه، ولا يتوقّف ذلك على خصوص إدراك إعجاز القرآن إن لم يكن حاصلا بعد !

فالقرآن كان متميّزا بهذا الإخبار منذ البداية ، من دون خشية الاشتباه والخلط بين القرآن وسائر كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم على المؤمنين به.

5 ـ وأخيراً :إنّ القرآن يتميّز بروعته وطراوته ونوره وجماله المعنويّ ، ونَغَمه اللفظي، لكلّ الناس ـ من العارفين باللغة العربية وآدابها ـ حتّى الفسّاق، و غير المسلمين.

وإنّ من التقصير ـ أمام عظمة هذا النصّ الرائع ـ أنْ يساويه أحدٌ بكلام البشر ،حتّى كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الصادع بوحيه ؟ وإنّ من التفريط بشأنه : أنْ نقول بأنّ غير البلغاء لا يميّزونه عن غيره .

بل، المحسوس لنا ـ ولسنا ممّن يعدّ في البلغاء ـ أنّ القرآن يختلف بجرسه وأُسلوبه وبيانه وسجعه ,عن غيره من سائر الكلام البشري , حتّى أقوى أشعار البلغاء , وأفصح خطب العلماء.

فكيف يجسر جاسرٌ على إبداء ذلك الكلام بحقّه ! ولو كان ذلك الكلام صادراً عن غير الشيخ عبد الغني عبد الخالق ممّن لم يكن عالماً باللغة العربية ،ومدرّساً بالأزهر، ولا عالماً بالشريعة وأُصول الفقه ،لأعذرناه ,لكن صدوره من عالم مثله، زلّةٌ ،بلا ريب!.

هذا ما يبدو لنا من المناقشة في هذا التبرير، أوّلاً.

وأمّا ثانياً :فإنّ الاحتياط للقرآن بصيانته والمحافظة على نصّه من الاختلاط بغيره ـ وإن كان من أهمّ الواجبات ،كما ذكرنا ـ إلاّ أنّ ذلك لا يعني إهمال الحديث الشريف وعدم رعايته بالصيانة والمحافظة ،ولا ينافي العناية به بكتابته وتدوينه، لئلاّ تضيع نصوصه ، ولا تفوت الاستفادة منه بموت حامليه من الصحابة الحافظين له ، الآَخذين له من مصدره ، ولا يندرس بموت أهله ، مع أنّه ثاني مصادر التشريع ، وتالٍ تلو القرآن في الأهميّة واعتماد الدين عليه .

فكيف يمكن أن يهمله الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ،وينهى عن أخذ الحائطة له ،ولا يرضى بحفظه وتدوينه ؟! أليس ذلك تعريضاً للحديث الشريف إلى الاندراس !؟

ومن أجل ذلك لا يمكن أن تجعل المحافظة على القرآن ذريعةً لتعريض الحديث إلى الإبادة والاندراس .

وأمّا ثالثاً :فإنّ هذا التخوّف ـ من اختلاط القرآن بغيره ـ لو صحّ فرضه ، فإنّما كان في صدر الإسلام وأوّل أمره ، ولا ريب أنّ ذلك ارتفع بعد أن نزل أكثر الوحي ، وحفظه الكثيرون ، وأمن اختلاطه بسواه ،وأذن الرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذناً عامّاً في الكتابة (25).

فالتزم الصحابة بكتابة الحديث في عصر النبوّة، وما بعده. فما بال المانعين عمدوا إلى منع التدوين بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ متذرّعين بنفس هذه العلّة التي من المفروض فوات زمانها ؟! وهذا يقتضي بوضوح أنْ يكزن سبب المنع أمراً آخر , غير هذا؟!

 

1- تقييد العلم(ص36).

2- تقييد العلم (ص36).

3- تقييد العلم (ص37) وجامع بيان العلم (1/64).

4- تقييد العلم (ص38).

5- تقييد العلم (ص38) وانظر سنن الدارمي (1/100) ح477.

6- تقييد العلم (ص38).

7- جامع بيان العلم (1/64).

8- انظر تيسيرالوصول لابن الديبع (1/177) وما سبق في هذا الكتاب (ص291).

9- انظر تدريب الراوي (1/40).

10- مقدّمة ابن الصلاح (ص302) علوم الحديث له (ص182).

11- تقييد العلم (ص57).

12- أدب الإملاء و الاستملاء (ص146).

13- علوم الحديث، لصبحي (ص20) نقلاً عن الخطّابي في معالم السنن (1/184).

14- مضى في الفصل الأوّل من هذا القسم (ص299).

15- تقييد العلم (ص39).

16- تقييد العلم (ص39).

17- تيسير الوصول (3/177).

18- معالم السنن (4/184).

19- تقييد العلم (ص47).

20- سنن الدارمي (1/100) ح470 وتقييد العلم (ص48).

21- تقييد العلم (ص57).

22- دراسات في السنّة النبوية الشريفة للدكتور صديق (ص102).

23- لاحظ مجلة المنار المصرية لصاحبها رشيد رضا السنة التاسعة،

العدد (7) ص (515).

24- حجيّة السنّة (ص7 ـ 438 ).

25- علوم الحديث لصبحي الصالح (ص9).