|
الفصل الرابع الاستغناء بالحفظ عن التدوين
ومما ذكر مبرّراً للمنع هو أنّ المسلمين في الصدر الأوّل , لم يكونوا بحاجة إلى تدوين الحديث في الكتب ,لاعتمادهم على الذاكرة وتمتّعهم بقوّة الحفظ فلقد بلغوا القمّة في هذه القابليّة , بما هو خارق للعادة . وقد نقل هذا عن أبي سعيد الخدري _ وهو من كبار المانعين من التدوين _. فقال : كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يحدّثنا ,فنحفظ ,فاحفظوا عنّا كما كنّا نحفظ عن نبيّكم (1). وعن أبي موسى الأشعري أنه- لما جيء بما كتبه ابنه أبو بردة _ دعا بماءٍ , وغسله , وقال : احفظوا عنّا كما حفظنا (2). ونقل ذلك عن التابعين : قال أبو طالب المكّي :كره كتب الحديث الطبقة الأولى من التابعين فكانوا يقولون :احفظوا كما كنّا نحفظ (3). وقال ابن الصلاح : لعلّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أذن في الكتابة لمن خشي عليه النسيان ,ونهى عن الكتاب عنه من وثق بحفظه , مخافة الاتّكال على الكتاب (4). وقال ابن الأثير :كان اعتمادهم _ أوّلاً _على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر ,غير ملتفتين إلى ما يكتبونه ,ولا معوّلين على ما يسطرونه محافظةً على هذا العلم ,كحفظهم كتاب الله عزّ وجلّ (5) فلما انتشر الإسلام , واتسعت البلاد , وتفرّقت الصحابة في الأقطار ,وكثرت الفتوح ,ومات معظم الصحابة , وتفرّق أصحابهم وأتباعهم , وقلّ الضبط ,احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة (6) . وقال السمعاني : كانوا يكرهون الكتاب أيضاً ,لكي لا يعتمد العالم على الكتاب , بل بحفظه ... فلمّا طالت الأسانيد ,وقصرت الهمم ,رخّص في الكتابة (7). وقال القاضي عياض :روي كراهة ذلك ... مخافة الاتّكال على الكتاب , وترك الحفظ , ومنهم من كان يكتب فإذا حفظ محا , والحال _ اليوم _ داعيةٌ لكتابته , لانتشار الطرق ,وطول الأسانيد ,وقلّة الحفظ ,وكلال الأفهام (8). وقال ابن حجر :اعلم أنّ آثار النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تابعيهم مدوّنةً في الجوامع ,ولا مرتّبة ,لأمرين : أحدهما : أنّهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوا عن ذلك . وثانياً : لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم (9). وقد علّل السيوطي عدم التدوين بذلك , أيضاً (10). وقال أبو زهو : وشيء آخر جعل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ينهاهم [!] عن كتابة الحديث , هي المحافظة على تلك الملكة التي امتازوا بها في الحفظ , فلو أنّهم كتبوا لاتّكلوا على المكتوب , وأهملوا الحفظ فتضيع ملكاتهم بمرور الزمن (11). وقال الشيخ عبد الغني : القول الثاني : إنّه نهى عن كتابتها خوف اتّكالهم على الكتابة وإهمالهم الحفظ الذي هو طبيعتهم وسجيّتهم ,وبذلك تضعف فيهم ملكته ... ولذلك كان هذا النهيُ خاصّا بمن كان قويّ الحفظ آمناً من النسيان (12). المناقشات في هذا من وجوه : الأوّل : إنّ القائلين بهذا التوجيه اختلفوا في تقريره , فبينما نسبه بعضهم إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأنه هو نهى عن الكتابة لأجل هذا التوجيه بالخصوص ! نرى سائرهم يجعل ذلك سبباً لترك المسلمين _ هم أنفسهم _ للتدوين . وكلامنا مع الأوّلين : أنهم فرضوا نهياً صادراً من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ثمّ صاروا إلى توجيهه بما ذكر , مع أنّا قد عرفنا في الفصل الأوّل من هذا القسم :أنه لم يردحديثٌ مرفوعٌ متّصلٌ صحيحٌ , يعتمد عليه كحجة شرعيّة بنهي النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن كتابة الحديث !. ومع ذلك فلم يرد في ما احتجّوا به ذكر لمسألة الحفظ , بل ,ولا إشارة إلى ذلك , فليس نسبة ذلك التعليل إلى الشرع إلاّ رجماً بالغيب وإلحاداً في كلام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم . فنسبة هذا الوجه إلى الشارع الكريم نسبة ظالمة ,غير صحيحة . وكلامنا مع الآخرين _ بعد فرض أنّ هذا التوجيه ليس وارداً من الشرع ,وإ نّما توجيه لرغبة المانعين أنفسهم _ :أنه لا ريب في أن المسلمين كانوا يتمتّعون بقدرة فائقةٍ على استظهار النصوص وحفظها في الخواطر , وتلك فضيلةٌ جليلةٌ تميز بها أسلافنا الكرام . ولا ريب - أيضاً - في أنّ استخدامها في الأمور الشرعيّة , أفضل وأحسن , وخاصّة استظهار القرآن الكريم والسنّة الشريفة , ولكن لا يلزم من فضل ذلك وحسنه أنْ تكون الكتابة محرّمةً شرعاً , ومنهيّا عنها !إذ لا ملازمة بين الأمرين , فلذا كان بعضهم يكتب فإذا حفظ محا , كما نقله القاضي عياض . وعلى فرض أنهم كانوا يكرهون الاتّكال على الكتاب _ ومجرّد الكراهة لا تعني الحرمة الشرعيّة , بل تعني عدم الرغبة فيها _ فسببه ,كما يتوهّم أنّ ذلك يؤدّي إلى ضعف الحافظة لدى الكاتب , ويوهن من عزمه على الضبط في الخواطر , لأن ما يريد حفظه مسجّل في الكتاب . فضناً منهم بقوّة الحفظ _ هذه الخصلة الحسنة - ألاّ تزول عنهم ,كانوا يكرهون الكتاب ,وذلك لا يعني مطلقاً حرمة الكتابة شرعاً . فوجود هذه القوّة دليل على عدم لجوئهم إلى الكتابة لرغبتهم عنها _ إنْ صحّ التعبير _ لا على حرمتها شرعاً . قال الشيخ عبد الغني عبد الخالق : الحفظ والكتابة يتناوبان في المحافظة على الشرع , وفي الغالب يضعف أحدهما إذا قوي الآخر , ومن هنا قد نفهم سبباً من الأسباب التي حملت الصحابة [ وليس الرسول ] على حثّ تلاميذهم على الحفظ , ونهيهم إياهم عن الكتابة ! وذلك لأنهم كانوا يرون أنّ الاعتماد على الكتابة تضعف فيهم ملكة الحفظ , وهي ملكة طبعوا عليها ,والنفس تميل إلى ما طبعت عليه , وتكره ما يخالفه ويضعفه . وهذا الكلام ليس فيه وراء الخطابة أمرٌ علميٌّ ولا استدلال بشيء , بل هو بعيد عن الموضوعية, حيث إن البحث إنما هو عن حرمة التدوين ,وأين كلّ هذا الكلام من ذلك , فهو إنما ينفق في سوق الرغبات والطبائع وما تحبُّ أو تكره , وهل هذا يوجب ترك أمرٍ شرعيٍّ مهمٍّ _ كالحديث النبويّ الشريف _ عرضةً للنسيان وغيره من آفات الذاكرة ,وعدم ضبطه وتوثيقه بالكتابة والتدوين؟! لرغبتهم في المحافظة على شيء مهما كان غالياً؟! هذا ما في هذا التوجيه ,أوّلاً . و ير عليه ثانياً : أنّ حفظ النصوص الشرعيّة على ظهر الخاطر ,سواءٌ كان القرآن الكريم أو السنّة الشريفة , ليس ممّا نصّ على وجوبه شرعاً ,فلا يعلّق عليه أمر واجبٌ شرعاً , ومهمٌّ مثل صيانة السنّة والحديث . فهنا أمران : 1- وجوب صيانة السنّة والحديث , والمحافظة عليهما ,كفايةً . 2- عدم وجوب حفظ ذلك على الخواطر , واستظهاره بظهر الغيب . أمّا الأوّل : أي وجوب صيانة السنّة والحديث , فلما يلي : 1ً_ أنّ السنّة والحديث الشريف يتوقف عليهما مهمّات هذا الدين , فأكثر أحكامه الشرعية يؤخذ منهما , وكثير من أبعادها وشروطها وتفاصيلها يعرف بهما , ولو لا السنّة لما بقي من الدين إلاّ القليل . ولا ريب أنّ المحافظة على أحكام الدين وتفاصيل الشريعة من أهمّ الواجبات على المسلمين , وإذا توقّف أداؤها على شيءٍ وجب ذلك توصّلاً إلى الواجب ,كما تقرّر في أصول الفقه . 2ً_ أنّ الأوامر الشرعيّة بوجوب الالتزام بالسنّة , ووجوب اتّباعها , بل وكفر مخالفها ومعارضها ,كثيرةٌ جدّاً . وقد ثبتت حجيّة السنّة بالكتاب , وبالسنّة القطعيّة , وبالإجماع على أنّ ما حكم به الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فهو حكم الله,كما فصّل ذلك في بابه من كتب الأصول , وكتب الحديث (13). وإذا كانت السنّة بهذه المكانة وجب حفظها , توصّلاً إلى العمل بها ,لأن الإخلال بذلك إخلالٌ بها وتقصير في حقّها , وهو مناف لوجوبها . 3ً- قد صرّح العلماء بأنّ تصنيف العلوم فرضٌ كفايةً ,ولا ريب أنّ الحديث الشريف وعلومه هو من أفضل العلوم بعد كتاب الله وعلومه ,فكتابته فرضٌ أيضاً. قال الزركشي في قواعده : إنّ تصنيف العلوم فرض كفاية على من منحه الله فهماً وعلماً , فلو ترك التصنيف لضيع العلم على الناس (14). وأمّا الثاني _ أي عدم وجوب حفظ ذلك على الخواطر _ : فمع تسليم أنّ حفظ الحديث على الخاطر من الفضائل والمكارم , إلاّ أنّ ذلك ليس من الواجبات , وذلك : 1ً_ للاتفاق على عدم عدّه من الواجبات على المسلم ,المفروضة عليه عيناً ,لا وجوباً نفسيّاً ,ولا وجوباً تبعيّاً , إلاّ إذا تعلّق به نذرٌ أو عهدٌ أو يميٌن , وذلك حكم خاصّ بالمكلّف بأحد هذه الأمور ,أمّا أنْ يكون حفظ الحديث على الخاطر واحداً من الواجبات الأوّلية على المسلمين , فلم نقفْ له على قائلٍ . ولا أد ري : لماذا يؤكّد هؤلاء _ دعاة النهي عن التدوين _ على الحفظ والحافظة و الذكر و الذاكرة , على حساب الكتاب والكتابة والتدوين ؟ ولماذا يتهالكون هكذا على رعاية الحفظ ,بينما لم نجد في روايات الشرع وآياته ما يدلّ على لزوم الحفظ عشر معشار ما ورد من الروايات التي تدلّ على ضرورة الكتاب ولزوم الكتابة ؟ فإذا كان الحفظ بتلك المنزلة من الأهميّة , فلماذا لم يصرّح الشارع في شيء من النصوص , وحتّى في شيء من روايات التدوين إذْناً ومنعاً , على التأكيد عليه والحثّ على المواظبة عليه ,إلاّ في أحاديث نادرة وردت من طريق أهل البيت عليهم السلام الذين هم من روّاد الكتابة والتدوين(15). بينما وردت تلك المجموعة الكبيرة من الآيات والروايات والآثار المرتبطة بالكتاب والكتابة وأدواتها ,التي تشعر - بوضوح عن رغبة الشارع في التدوين ! (16). 2ً_ أنّ حصول الإنسان على قوّة الحفظ والذكر على الخاطر ,ليس أمراً اختياريّاً , إنما هي موهبةٌ إلهيٌّة ,أو تحصل للفرد نتيجةً لأسباب تكوينيّة ,أو بمعالجات عرضية خاصّة , ليست موفّرة بسهولة ويسر لكلّ أحدٍ (17) ولم يطلب في الشرع تحصيل تلك الأسباب والمعالجات بالوجوب والفرض . فكيف يكلّف المسلم بحفظ الحديث وإثباته في الخاطر ,مع عدم وجوب تحصيل تلك القوّة؟ وكيف يعلّق أمرٌ واجبٌ مهمٌّ كحفظ الحديث وصيانته , على أمرٍ غير اختياريٍّ؟ فالملاحظ _ بالوجدان _ أنّ هذه القوّة ليست موجودة عند أفراد الأمّة كلّهم , بل المبتلون بعوارض النسيان منهم أكثر من الحفّاظ الأذكياء الذين يعدّون في النوادر . قال الأستاذ يوسف العش في تصديره القيّم لكتاب تقييد العلم :لئن كان هذا الرأي يفخر بالحافظة العربيّة التي لا تحفل بالتقييد ,لأنّ لها من قوّتها ما يسعفها بالتقاط العلم وعدم نسيانه ... فهو ييسّر سبيل الطعن على علم العرب , فذاكرة أكثر الناس أضعف من أن تتناول مادّة العلم بأجمعه , فتحفظها من الضياع , وتقيها من الشرود , ومهما قويت عند أناس فلا بدّ أن تهنَ عند آخرين فتخونهم وتضعف معارفهم (18). وحتى الصحابة لم تكن مسألة الحفظ والنسيان عندهم إلاّ أمراً كما هو عند المعتاد من الناس ,فكان فيهم من يحفظ ومن ينسى : قال عمر بن الخطاب : قام فينا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مقاماً ,فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنّة منازلهم وأهل النار منازلهم ,حفظ ذلك من حفظه , ونسيه من نسيه (19) . وقال حذيفة بن اليمان : قام فينا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مقاماً ,فما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلاّ حدّثه ,حفظه من حفظه ,ونسيه من نسيه ,قد علمه أصحابه هؤلاء ,وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره ,كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثمّ إذا رآه عرفه (20). وقد تكرّر قول بعض الصحابة في الجواب عن الأحكام الشرعية :أنهم نسوه: ,كقول انس بن مالك : كبرت ونسيت وكذلك قول زيد بن أرقم (21). ومن هنا نعرف مدى التعنّت في جواب أبي سعيد الخدري لأبي نضرة لما قال له : لو كتبتم لنا فإنّا لا نحفظ ,حيثُ أجاب أبو سعيد بقوله :لا نكتبكم ... فاحفظوا (22). فنجد أنّ الراوي يستغيث إلى أبي سعيد من عدم الحفظ _ ولعله كان قد احتاط للأمر بذكر أضعف الأحوال وأبعد المحتملات , وهي صورة عدم إمكان الحفظ_ لكنّ أبا سعيد أصرّ على رأيه بلزوم الحفظ ,أليس هذا من التكليف بما لا يطاق , الذي تأباه العقول ؟. وهلا تعلّم أبو سعيد من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهو الصادع بالشريعة , حيث قال _ لمن شكا إليه سوء الحفظ _:استعنْ بيمينك ؟(23). وهل علينا أن نجعل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أسوةً و نتخذ كلامه حجةً ,أو أن نلتزم بكلام أبي سعيد وفعله المتعنّت؟!! 3ً_أنّ القرآن الكريم , وهو الوحي الإلهي المقدّس , مع أنّ نصّه محدودٌ بما بين الدفّتين , والحفاظ عليه واجب عين ,ومن ضروريّات الدين , وبديهيات الشرع المبين , بل من أبده الواجبات على المسلمين ,وقد ورد التأكيد من الشرع الشريف على استحباب حفظه على الخواطر (24) لكن لم يقل أحدٌ بوجوب حفظه على الخاطر, بل نجد المسلمين _ منذ الصدر الأوّل وحتى اليوم_ يهتمّون بكتابته , وتدوينه , وتسجيله بشتّى الوسائل والصور , بل في الأحاديث أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يشرف بنفسه مباشرةً على كتابته منذ طلاوة نزوله , ولم يأبوا من ذلك بذريعة الاهتمام بحفظه واستحباب ذلك أو لزومه . فلو كان الحفظ على الخاطر واجباً في شيء , لكان في القرآن أوجب . ولوكانت سعة الحفظ وقوّة الحافظة مانعةً عن كتابة شيءلكانت أمنع ما تكون عن كتابة القرآن (25). وقد اعترف أحمد بن حنبل بأنّ : ليس كلّ الناس يحفظ القرآن (26) وهو ممن عاش في ثالث القرون التي يعتبرها أهل السنّة خير القرون ,وهي قرون السلف ؟!! أ فهل يمكن الالتزام بأنهم أجمعين أخلوا بهذا الواجب ؟؟؟ وإذا لم كان الأمر في القرآن هكذا ,فليكن في الحديث كذلك . هذا ما يبدو لنا من المناقشة في هذا التبرير ثانياً . وأمّا ثالثاً : فلأن الكتابة لا تنافي الحفظ على الخاطر ,بل هي مؤكّدة له , وموجبةٌ لقوّته . وقد رأينا أنّ القرآن الكريم قد حثّ الشرع على حفظه على الخاطر واستظهار آياته , وحثّ _ كذلك _ على كتابته وتدوينه وزاول أمر كتابته كتاب الوحي , تحت إشراف الشارع نفسه , وثابر المسلمون على كتابته مدى القرون ,من دون أن يكون لذلك تأثير في أمر حفظه . ولذا قد جاء في الحديث الشريف ,عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قوله :القلب يتّكل على الكتابة (27). وقد مرّ بنا الحديث عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال _ لكبير ر واة عصره أبي بصير _ : اكتبوا , فإنّكم لا تحفظون حتى تكتبوا (28) ولذلك كان أبو بصير ,الذي كان فاقد البصر ,يتخذ كاتباً لنفسه يأخذه معه. فجعل الإمام عليه السلام الكتابة من أقوى وسائل الحفظ على الخاطر ,وهذا هو الواقع الذي أكّدته التجربة ,حيث أنّ الكاتب للنصّ يستعمل حين الكتابة عينه التي ترى النصّ ,ويستعمل يده التي تكتب النصّ ,ويتابع بفكره ما يكتبه , فهو في حالة واحدة , يتّصل بالنصّ اتصالاتٍ ثلاثةً ,وهذا يؤدّي إلى ثبوت النصّ في ذاكرته بشكلٍ أقوى ,ويتركّز على خاطره بشكل آكد. وبذلك نعرف مدى بعد المانعين للتدوين عن الصواب والحكمة ,عندما يتذرّعون لرأيهم بمسألة الحافظة والحفظ؟!. وقد أفصح الحفاظ للحديث عن حاجتهم الملحّة إلى الكتب , فكم من حافظ كتب الحديث , وكم من كاتب حفظ الحديث ؟؟ بل نجد في المؤلّفين للكتب الواسعة من هم أكثر الناس حفظاً . قال ابن المبارك : لو لا الكتاب ما حفظنا (29). وقال الشافعي : اعلموا _ رحمكم الله _ إنّ هذا العلم يندّ كما تندّ الإبل ,فاجعلوا الكتب له حماة , والأقلام عليه ر عاة (30). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل :ما رأيت أبي _ على حفظه _ حدّث من غير كتاب , إلاّ أقل من مائة حديث (31). وقال جعفر الطيالسي :ينبغي لطالب الحديث أن يتّزر بالصدق , ويرتدي بالكتاب (32). وقد ندم جمع من المحدّثين على محو الحديث : قال عروة بن الزبير (ت 94هـ): كتبت الحديث , ثم محوته , فوددت أني فديته بمالي وولدي وأني لم أمحه (33). وقال منصور بن المعتمر: وددت أني كتبت , وأنّ عليّ كذا وكذا , قد ذهب عنّي مثل علمي (34). فكيف تكون الكتابة منافيةً للحفظ , مع أنّ هؤلاء الحفّاظ يتمنّو ن الكتابة؟ وكيف يراد الاعتماد على مجرّد الحفظ , مع أن زيد بن أرقم _ وهو من رواة الصحابة المكثرين _يصر ح بعروض النسيان عليه , فيقول حصين بن سبرة له : لقيت _ يا زيد _ خيراً كثيراً , رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , وسمعت حديثه , وغزوت معه , وصلّيت معه, لقد رأيت _ يا زيد _ خيراً كثيراً , حدّثنا _يا زيد _ ما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟! فقال زيد : يابن أخي , والله , لقد كبرت سنّي , وقدم عهدي , ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , فما حدّثتكم فاقبلوه , وما لا فلا تكلّفونيه ...(35). ورابعاً :أنّ الاعتماد على مجرّد الحفظ يؤدّي إلى الأوهام والأخطاء في الحديث ولا يخفى أنّ اجتناب الخطأ في الحديث أمرإ ضروريٌّ وواجبٌ لخطورة أمره , لأنه منسوب إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وتبتني عليه أحكام الشرع , فإهمال أمره يؤدّي إلى التحريف في الدين , والتهاون بأمر الشرع المبين . ولا ريب في أنّ الكتابة هي الوسيلة الموجبة للإتقان , الذي هو المطلوب في مثل هذا المقام الخطير . وقد جعل مسلم الخطأ والسهو متمكّنين في كلّ شخصٍ مهما قوي حفظه فكان من أحفظ الناس !فقال :ومع ما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ ومراتبهم فيه فليس من ناقل خبرٍ وحامل أثرٍ من السلف الماضين إلى زماننا _ وإنْ كان من أحفظ الناس وأشدّهم توقّياً لما يحفظ وينقل _ إلاّ و السهو والغلط ممكن في حفظه ونقله (36). وقال ابن الأثير _ وهو يتحدّث عن الكتابة _: لعمري إنّها الأصل , فإنّ الخاطر يغفل والذهن يغيب والذكر يهمل ,والقلمُ يحفظ ولاينسى (37). وكان أيوب بن عيينة (ت 160هـ) يحدّث من حفظه على التوهّم , فيغلط وأما كتبه _ في الأصل _ فهي صحيحة(38). وقد أخطأ أبو داود الطيالسي (ت203هـ) في ما حدّث من حفظه , وحاول تصحيحه(39). وقال ابن شبّة البصريّ : كان عبد العزيز كثير الغلط في حديثه , لأنه أحرق كتبه , فإنّما كان يحدّث بحفظه (40). وقال أحمد بن حنبل : حدّثونا قوم عن حفظهم , وقوم من كتبهم, فكان الذين حدّثونا من كتبهم أتقن (41). وقال أحمد أيضاً : لولا كتابته _أي الحديث _أيُّ شيءٍ كنّا نحن !?(42). وقيل لأحمد:من أحبُّ إليك يونس , أو إسرائيل ؟ قال : إسرائيل , لأنه كان صاحب كتاب (43). وعطاء بن مسلم الخفّاف دفن كتبه , ثمّ روى من حفظه فوهم (44). وحدّث محمد بن إبراهيم بن مسلم البغدادي (ت 273هـ) من حفظه فأخطأ , فقال ابن حبان:لا يعجبني الاحتجاج إلاّ بما حدّث من كتابه (45). وقد جعل الحازمي _ في الترجيحات بين الحديثين المتعذّر الجمع بينهما_ الوجه الرابع والعشرين : أنْ يكون راوي أحد الحديثين مع حفظه صاحب كتابٍ يرجع إليه ,والراوي الآخر حافظٌ غير أنه لا يرجع إلى كتابٍ , فالحديث الأوّل أولى أن يكون محفوظاً ,لأنّ الخاطر قد يخون أحياناً. وقال علي بن المديني : قال أحمد : لا تحدّثنّ إلاّ من كتاب (46). وقال الراوي :كنتُ عند أحمد بن حنبل وبين يديه محبرة فذكر حديثاً , فاستاذنته أن أكتب من محبرته ؟ فقال :اكتب - هذا - فهذا ورعٌ مظلم (47). ,اقبل أصحاب الحديث بأيديهم المحابر ,فأوما احمد بن حنبل إليها وقال :هذه سرج الإسلام , يعني المحابر (48). وقد بالغ يحيى بن معين في قوله : كتبتُ بيدي ألفا ألف حديث , وقال : لو لم نكتب الحديث خمسين مرةً ما عرفناه (49). وقال أحمد : نخن كتبنا الحديث من ستّة وجوه وسبعة وجوه لم نضبطه ! كيف يضبطه من كتبه من وجهٍ واحدٍ؟!(50) . وقال ابن المديني : انتهى علم الناس إلى ابن معين , وكنت إذا قدمت إلى بغداد منذ أربعين سنة , كان الذي يذاكرني أحمد بن حنبل , فربما اختلفنا في الشيء , فنسأل يحيى بن معين , فيقوم فيخرجه , ما كان أعرفه بموضع حديثه ؟ (51). ومن المنقول عن ابن معين قوله : إظهار المحبرة عزّ (52). وقال الماوردي : ربما اعتمد [المحدّث] على حفظه وتصوّره , وأغفل تقييد العلم في كتبه , ثقةً بما استقرّ في ذهنه , وهذا خطأٌ منه , لأن الشك معترض , والنسيان طارىء . قال الخليل بن أحمد : اجعل ما في الكتب رأس المال , وما في قلبك النفقة(53) . وقال ابن الجوزي - بعد أنْ عدَّ دفن الكتب وإبادتها من تلبيس إبليس - ما نصّه : إعلم أنّ القلوب لا تبقى على صفائها , بل تصدأ , فتحتاج إلى جلاء , وجلاؤها النظر في كتب العلم(54). وقد أصبحت الكتابة أمراً تساوي التحديث في الأهميّة والاعتبار حتّى صحّ القول بأنّ القلم أحد اللسانين (55). وقال سهل بن هارون :القلم أنف الضمير (56). وقال آخر:عقول الرجال في أطراف أقلامها (57). وأثر عن السلف قولهم : ما كتب قرّ , وما حفظ فرّ (58). وقال الدكتور يوسف العش : العلم يأبى الخيانة , ويبتغي الإخلاص , ولا نصير له إلاّ التقييد , ولا حافظ من ضياعه إلاّ التدوين (59). وللدكتور فؤاد سز كين رأي يقول : إنّ طرق تحمّل الحديث تعتمد أساسا على النصوص المكتوبة , فيقول : في كلّ الحالات ... نرى أنه ليس للحفظ دور إلاّ في الحالتين الأوّلتين - وهما السماع والقراءة - والواقع أنّ النصوص المدوّنة كانت ضروريّة في هاتين الحالتين - أيضاً - وأنه لم ينظر في النقل - منذ البداية - إلاّ إلى النصوص المدوّنة ,وأنّ الأسانيد تتضمّن أسماء المؤلّفين(60). وقال الدكتور رفعت : الحقيقة أن الكتاب لعب دوراً هاماً في توثيق الأحاديث , وإعانة العلماء على حفظ مروياتهم من غفلة ذاكرتهم ,وعلى حفظ مروياتهم أيضاً من أن تتهم عندما يخالفهم فيها غيرهم(61). ويظهر من أحمد أن الكتاب أهم من مجرّد الرواية :قال : أنا لا أروي عن جماعة , فقيل له : إنك تأمر بالكتاب عنهم ؟فأنكر ذلك , وقال :أنا أقول :لا اروي عنهم ! أفآمر بالكتابة عنهم؟!(62). وقد اعتبر أمر أحمد لابنه للكتابة عن أيّ شخص توثيقاً منه لذلك الشخص. بعض المقارنات بين الحفظ والكتابة (63) 1- الكتاب أحفظ: قال إبراهيم بن جابر المروزي : كنّا نجالس أحمد بن حنبل فنذكر الحديث ونحفظه ونتقنه ,فإذا أردنا أن نكتبه قال : الحديث (64) أحفظ! فيثب وثبةً , ويجيء بالكتاب (65). 2- الكتاب لا يعارض الحفظ , بل يساويه في المحافظة على النصّ : جعل الشافعي الكتابة مع السماع في مرتبةٍ واحدةٍ , فقال - في صفة الراوي - : حافظاً إنْ حدّث من حفظه , حافظاً (66) لكتابه إنْ حدّث من كتابه , إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم(67) . وقال الدكتور رفعت : يكون الضبط بأحد طريقين , أو هما معاً : الاستعانة بالذاكرة إنْ كان قد رزق ذاكرةً حافظةً تعي ما تأخذ وتحفظه ,و الاستعانة بالكتاب الذي يودعه مروياته , ويصونه , فيعتمد عليه كلية , أو عوناً له على حفظه بذاكرته (68). وقال : وأعلى درجات الضبط : حفظ الذاكرة مع الكتاب , أي ات خاذ الطريقين معا . يقول أحمد : إنّ يحيى بن سعيد أثبت من وكيع , وعبد الرحمن ابن مهدي , ويزيد بن هارون , وأبي نعيم , وهؤلاء كلّهم أئمّة , لأنه كان يضمّ إلى حفظه كتابة ما يسمعه (69). والذي يدوّن الأحاديث هو أروى من غيره : يقول ابن المبارك : ما رأيت أحداً أروى من الزهريّ عن معمر , إلاّ ما كان من يونس , فإنّ يونس كتب كلّ شيء (70). 3- الحفظ لا يغني عن الكتاب : قال المعلمي : كان المتثبّتون لا يكادون يسمعون من الرجل إلاّ من أصل كتابه , كان عبد الرزاق الصنعاني ثقة حافظاً , ومع ذلك لم يسمع منه أحمد بن حنبل , ويحيى بن معين , إلاّ من أصل كتابه(71). وأحمد بن حنبل , قال فيه ابن المديني : ليس في أصحابنا أحفظ منه , ... كان لا يحدّث إلاّ من كتاب , ولنا فيه أسوة حسنة(72). 4- عدم الكتابة قد يؤدّي إلى الاضطراب : قال أحمد - في عكرمة بن عمّار - : أحاديثه عن يحيى ضعاف , ليست بصحاح وكذلك قال يحيى القطان , والسبب - كما يقول البخاري - : أنه لم يكن له كتاب , فاضطرب حديثه(73). وقال الخطيب :إذا سلم الراوي ... وجانب الأفعال التي تسقط بها العدالة , غير أنه لم يكن له كتاب بما سمعه ,يحدّث عن حفظه , لم يصحّ الاحتجاج بحديثه حتى يشهد له أهل العلم بالأثر!! (74). وعنون لباب :اختيار الرواية من أصل الكتاب لأنه أبعد من الخطأ وأقرب للصواب , وقال فيه :الاحتياط للمحدّث والأولى به أن يروي من كتابه ليسلم من الوهم والغلط ويكون حذراً بالبعد من الزلل ,ثمّ روى كلاماً عن أبي نعيم في المقارنة بين حمّاد - الذي حفظ - وبين ابن علية - الذي كتب - قال : ضمنت لك أنّ كلّ من لا يرجع إلى كتابه لا يؤمن عليه الزلل (75). فمن الغريب ما عن السمرقندي الحنفي من تبريره منعهم كتابة الحديث : لأمن الحفظ ,لأنه لا يتطرّق إليه الوهم والشكّ والكذب كما يتطرق إلى الكتابة من ذلك 5- الاحتكام إلى الكتب : قال عبد الله بن المبارك : إذا اختلف الناس في حديث شعبة , فكتاب غندر حكم بينهم (76). وأنكروا حديثاً على ابن جريج , فلجأ إلى كتابه , وقال : ها ,أخبرني أبو جعفر محمد بن علي عليه السلام(77). وقال الشافعي : من كثر غلطه من المحدّثين , ولم يكن له أصل كتاب صحيح , لم يقبل حديثه (78) . وسئل أحمد عن الرجل يحفظ الشيء ويكون في الكتاب شيء, أيّهما أحبّ إليك؟ قال : الكتاب (79). 6- الحفظ ليس بشرط : قال البزّار في عاصم بن أبي النجود : لا نعلم أحداً ترك حديثه مع أنه لم يكن بالحافظ (80) وقال التهانوي معلقّاً عليه : فالحفظ ليس شرطاً لصحة الحديث . ونقل ابن حجر في ترجمة عبد الواحد بن زياد العبدي عن القطّان أنه أشار إلى لينه فقال : ما رأيته طلب حديثاً قطّ , وكنت أذاكره بحديث الأعمش فلا يعرف منه حرفاً ,قال ابن حجر : قلت : وهذا غير قادح , لأنه كان صاحب كتاب, وقد احتجّ به الجماعة (81) وعلّق التهانوي : أي لم يكن يحدّث من حفظه , ومن كان يحدّث من الكتاب فلا عبرة بحفظه , وإنما الاعتماد على كتابه(82). 7- وأخيراً :هل الحفظ أعظم فائدةً من الكتابة , وأجدى نفعاً ؟ وهل الكتابة دون الحفظ قوّةً ؟ ! لقد أثار الشيخ الدكتور عبد الغني عبد الخالق هاتين الدعويين , فلابدّ من معرفة الحقيقة فيهما , والإجابة عن ذينك السؤالين : أمّا الأوّل : فقد قال فيه : إنّ الحفظ في الغالب لا يكون إلاّ مع الفهم , وإدراك المعنى والتحقّق منه , حتّى يستعين بذلك على عدم نسيان اللفظ , ثمّ إ نه يحمل المرء على مراجعة ما حفظه واستذكاره آناً بعد آنٍ , حتى يأمن زواله , ثمّ إنّ محفوظه يكون معه في صدره في أيّ وقتٍ , وفي أيّ مكانٍ , فيرجع إليه في جميع الأحوال عند الحاجة , ولا يكلّفه ذلك الحمل مؤونةً ولا مشقّةً بخلاف الكتابة(83). ثمّ ذكر نقيض كلّ تلك الأمور في الكتابة , حتى قال : و بذلك كلّه يكون نقلة العلم جُهّالاً , مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً , وأعظم به سبباً في ضياع العلم , وانتشار الجهل . أقول : ليس هذا الكلام كله إلاً مغالطة , فإنّ ما ذكره من الفوائد للحفظ ليست ملازمات له بالخصوص , دون الكتابة : 1ً- فليس الحفظ ملازماً للفهم : بل , كثير مما يحفظ يبقى غير مفهوم , وكثير ممن يحفظ لا يفهم محفوظاته ,كما أنّ كثيراً مما يفهم لم يكن محفوظا على الخاطر , وكثير ممن يفهم لا يحفظ كلّ معلوماته ! والفهم أمرٌ آخر, له أسبابه ومكوّناته , بلا ارتباط له بالحفظ أو الكتابة, وإنْ كان أحدهما أو كلاهما مؤثراً في حصوله أو سرعته أحياناً . بل , قد اشتهر بين أهل العلم - عندنا - : أنّ الحفّاظ من الطلبة غير جيّدي الذكاء أو غير سريعي الفهم , والذين يفهمون بجودة ضعيفو الذاكرة غالباً ! وقد نقل عن الحكماء قولهم : إنّ الفهم والحفظ لا يجتمعان على سبيل الكمال , لأنّ الفهم يستدعي مزيد رطوبةٍ في الدماغ والحفظ يستدعي مزيد يبوسةٍ فيه , والجمع بينهما على سبيل التساوي ممتنع عادة . 2ً- وليس الحفظ مُعيناً على التحقق من المعنى أكثر من الكتابة :أليس الكتاب هو المتوفّر عند الإنسان دائماً, ويمكنه مراجعته مكرّراً , حتى يفهم معانيه , ويتحقق من صحة ما فهمه , كما هو المعمول به عند العلماء والمحقّقين ؟ . 3ً- وأمّا أنّ الحفظ يحمل المرء على المراجعة :فقد يقال في خلافه : إنّ الكتاب بما أنه حرزٌ مأمونٌ , لا يخو نُ , ولا تعرضه آفات الذاكرة من السهو والنسيان والذهول والغفلة , فهو أدعى للاعتماد . 4ً- وأما مسألة الحمل ومؤونته ! فهذا كلام ينفذ في سوق الحمّالين , ولا يناسب الاستدلال به في الكتب العلمية والبحوث التحقيقية , فهل بإمكان طالب علمٍ أو عالمٍ أنْ يستغني عن الكتب , مهما ثقل وزنها , ومهما كمل حفظه وبلغ علمه , وهل كلّ من حمل أسفار الكتب أو امتلكها كان مخطئاً يقال له ذلك المثل , الذي إنما جاء مثلاً لمن لا يعمل بعلمه , وإنْ لم يكن له كتاب بل كان أحفظ الحافظين! إنّ هذه هفوةٌ كبيرةٌ لقدر هذا الدكتور الكبير ! والحقُ أنّ لكلّ من الحفظ والكتابة , ميزات تخصه , ومحسّنات تميّزه , وليس القياس بين من يحفظ ولا يكتب ,أو من يكتب ولا يحفظ , قياساً صحيحاً , إذ لا منافاة بينهما أساساً , بل الكتابة تزيد الحافظة قوةً وسداداً , وكلّ واحدٍ منهما ضروريّ في مجاله الخاصّ , وعندما تدعو الحاجة إليه . ولا أدري : كيف يذكر الدكتور هذا الكلام النابي , وهو يجد للعلماء الحافظين للحديث مؤلّفات كتبوا فيها محفوظاتهم ! أمّا السؤال الثاني , وهو هل أنّ الكتابة دون الحفظ قو ة ؟ فقد قال الدكتور فيه : إنّ الكتابة تفيد الظنّ - على ما علمت - فهي دون الحفظ في هذه الإفادة , ولذلك نرى أنّ علماء الأصول إذا تعارض حديث مسموع , وحديث مكتوب , يرجّحون الأوّل . قال الآمدي : أمّا ما يعود إلى المرويّ فترجيحات : الأوّل : أنْ تكون رواية أحد الخبرين عن سماع من النبيّ عليه السلام , والرواية الأخرى عن كتابٍ , فرواية السماع أولى , لبعدها عن تطرّق التصحيف والغلط (84). ونرى - أيضاً - أنّ علماء الحديث - بعد اتفاقهم على صحة رواية الحديث بالسماع - قد اختلفوا في صحة روايته بطريق المناولة أو المكاتبة . إلى أنْ يقول : وبالجملة , فالمكاتبة فيها من الاحتمالات أكثر مما في التحديث شفاهاً , ولذلك وقع الخلاف فيها دونه , وإنْ كان الصحيح جواز الاعتماد عليها بالشروط التي صرّح ببعضها ابن حجر(85). أقول : إنّ جعل السماع أولى من الكتابة ليس على إطلاقه , بل في العلماء من ساوى بينهما , بل منهم من قدّم الكتابة عليه . ثمّ من قدّم السماع إنما علّل تقديمه بالبعد عن الغلط والتصحيف , فلو تمّ الضبط في الكتابة بحيث حصل فيها الأمن , لم تبق للسماع مزيّة , مضافاً إلى ما فيها من مزايا الثبوت والاستمرار التي يفتقدها السماع . ونحن إنما نتحدّث عن الكتابة الجامعة لشرائط الصحة والضبط ! وبهذا يظهر توجيه كلام يحيى بن معين لما قال : هما ثبت حفظ وثبت كتاب , فلما سئل :أيّهما أحبّ غليك ؟قال : ثبت كتاب(86). و سبق أن نقلنا عن أحمد بن حنبل مثل هذا الرأي (87). وقد تحدّثنا عن رتبة الكتابة بين طرق التحمل في كتابنا ؛ الطرق الثمان ... « فراجع . وبعد هذا كلّه : فهل يبقى مجال للقول بأنّ الحفظ يغني عن التدوين ؟
|
|
1- تقييد العلم(ص 36 )وجامع بيان العلم(1/64) . 2- تقييد العلم ( ص 40 ) . 3- قوت القلوب (1/159) . 4- مقدّمة ابن الصلاح ( ص 301 ) علوم الحديث له ( ص 182 ) . 5- انظر إلى هذا التمثيل ,فإن القرآن إنما حفظوه بالكتابة المباشرة وبصورة مكثفة , وقد قيل :إن عدد كتّاب القرآن بلغوا أربعين كاتباً , فهل يمكن أن يقال :إن المسلمين لم يعتمدوا في القرآن على ما يسطرونه ؟؟ وكيف يتمّ التشبيه بين القرآن والحديث , بينما لم يذكروا ولا كاتباً واحداً موظفاً من قبل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لكتابة الحديث ؟؟ 6- جامع الأصول (1/40). 7- أدب الإملاء والاستملاء ( ص 147 ) . 8- الإلماع ( ص 149) . 9- هدى الساري ( ص 4 ) . 10- تدريب الراوي (1/40) . 11- الحديث والمحدّثون (ص123) ولاحظ (ص 49 - 50 ) . 12- حجية السنة ( ص 428 ) ودراسات في الحديث النبوي للأعظمي (ص74). 13- وقد أفرد لهذا البحث كتاب حجية السنة الدكتور الشيخ عبد الغني عبد الخالق المصري , أستاذ الأزهر , ورئيس قسم أصول الفقه في كلية الشريعة . 14- قواعد التحديث للقاسمي ( ص 37 )ودراسات في الحديث النبوي للأعظمي (ص12 وما بعدها). 15- الكافي للكليني(2/580) ح7. 16- قد ذكرنا في القسم الأوّل هنا مجموعة من تلك النصوص . 17- لاحظ كتاب الحطة للسيد صد يق حسن خان ( ص 47 ) والجامع لأخلاق الراوي (2/430) ففيه عن علاج الحفظ وأنه لا شيء إلاّ الطبع !!. 18- تقييد العلم ( ص 8 ) من التصدير . ثم هل الحديث الشريف خاصٌّ بالعرب ! 19- صحيح البخاري(6/286). 20- صحيح البخاري(11/494) وصحيح مسلم - طبع فؤاد - (4/2217). 21- مسند أحمد (4/366) وسنن ابن ماجه(1/11) وسيأتي نص حديثه (ص377-378). 22- تقييد العلم ( ص 36 ). 23- قد مرّت مصادره ( ص ). 24- لاحظ أربعون حديثا للبكري ( ص 69 ) . 25- لاحظ الفوائد الطوسية للحر العاملي ( ص 242) الفائدة ( 57 ) . 26- طبقات الحنابلة (1/176). 27- الكافي للكليني(1/42) ح 8 باب رواية الكتب ,كتاب فضل العلم . 28- الكافي للكليني (1/42) ح 9 باب رواية الكتب ,كتاب فضل العلم . 29- تقييد العلم ( ص 114 ) . 30- تقييد العلم ( ص 114 ) . 31- الإلماع للقاضي عياض ( ص 225 ) وأدب الإملاء والاستملاء (ص 47 ) . 32- أدب الإملاء والاستملاء ( ص 47 ) . 33- تقييد العلم ( ص 60 ) . 34- تقييد العلم ( ص 60 ) ولاحظ تذكرة الحفاط للذهبي(1/142) فإنه نقل عنه فقط قوله : ما كتبت حديثاً قطّ ! . 35- مسند أحمد (4/366) وسنن ابن ماجه(1/11). 36- التمييز لمسلم بن الحجاج (ص2-ب). 37- جامع الأصول (1/40) . 38- العلل لابن أبي حاتم ( ص 40 ) تهذيب التهذيب (1/409) . 39- تهذيب التهذيب (4/186) . 40- أخبار المدينة المنورة(1/123) . 41- تقييد العلم ( ص 115) . 42- تقييد العلم ( ص 115) . 43- تهذيب التهذيب (1/262) . 44- تهذيب التهذيب (7/211 - 212 ) . 45- تهذيب التهذيب (9/ 15 - 16) . 46- طبقات الحنابلة(1/226و227)والاعتبار للحازمي (ص17) وانظر أدب الإملاء و الاستملاء(ص47) . 47- طبقات الحنابلة(1/267). 48- طبقات الحنابلة(1/249). 49- تذكرة الحفاظ للذهبي (2/430) . 50- طبقات الحنابلة(1/21). 51- تذكرة الحفاظ (2/429) تهذيب التهذيب (11/280 ) . 52- الكامل لابن عدي (1/133) والجامع لأخلاق الراوي(2/387) . 53- طبقات الحنابلة(1/21)وأدب الدنيا والدين (ص66) . 54-نقد العلم والعلماء (ص317 ) . 55- نقل هذا من قول أبي دلف العجلي في أدب الكتّاب للصولي (ص74) وانظر أدب الإملاء للسمعاني (ص159) ومغني اللبيب لابن هشام (ص587) والتمثيل والمحاضرة (ص155) والمحاسن والمساوئ للبيهقي(ص11). 56- ربيع الأبرار للزمخشري (2/252). 57- ربيع الأبرار للزمخشري (3/249). 58- آداب المتعلّمين للنصير الطوسي (ص ). 59- تقييد العلم , التصدير ( ص 8 ) . 60- تاريخ التراث العربي (1 مجلد/1/231 ) وانظر (ص242) ولاحظ توثيق السنة (ص164) وكتابنا ؛ الطرق الثمان لتحمّل الحديث وأدائه . وقد تعرّضنا للبحث المذكور في كتابنا (إجازة الحديث ) . 61- توثيق السنة (ص164) . 62- طبقات الحنابلة(1/146) رقم190. 63- لاحظ كثيراً مما يناسب هذا البحث في الجامع لأخلاق الراوي (1/662وما بعدها) باب اختيار الرواية من أصل الكتاب . وقد ذكر الفقيه العظيم ابن إدريس الحلّي كلاماً حول المفاصلة بين الكتاب والبيان في : السرائر الحاوي للفتاوي(1/42). 64- كذا في المسجّل عندي , والصواب :الكتاب أحفظ . 65- طبقات الحنابلة(1/93). 66- أتصوّرأنّ هذه الكلمة مصحّفةٌ عن ( ضابطاً ) ليناسب التحديث من الكتاب , ولتتمّ المقابلة بينه وبين التحديث من حفظه , فلاحظ . 67- الرسالة للشافعي (ص371) . 68- توثيق السنة (ص161) . 69- الجرح والتعديل للرازي, التقدمة (1/246 ) توثيق السنة ( ص 162 )ونحو هذا الكلام عن أحمد وغيره في الجامع لأخلاق الراوي (1/2-663) . 70- العلل لابن حنبل (1/19) ومعرفة الرجال لابن معين (1/121رقم 594) والجرح والتعديل , التقدمة (1/295) وتوثيق السنة (ص162) . 71- الأنوار الكاشفة ( ص 80 - 81 ) . 72- تهذيب الكمال , للمزي (1/452 ) ولاحظ الجامع لأخلاق الراوي (1/666). 73- الجرح والتعديل للرازي , التقدمة (1/136) وميزان الاعتدال (3/90) وتوثيق السنة (ص163) . 74- الجامع لأخلاق الراوي (1/204). 75- الجامع لأخلاق الراوي (1/662) ولاحظ تهذيب التهذيب (3/11). 76- الجرح والتعديل , للرازي , التقدمة (1/271) . 77- العلل لابن حنبل (1/113) وانظر توثيق السنة (ص4 -165) . 78- مناقب الشافعي للبيهقي (2/27) وانظر نحوه في الكامل لابن عدي (1/134) . 79- طبقات الحنابلة (1/348). 80- هدي الساري (2/175) . 81- هدي الساري (2/188) وانظر تدريب الراوي (ص81)في منافشة ابن حجر لابن الصلاح الذي أفهم أنه يعيب من حدّث عن كتابه وصوّب من حدّث عن ظهر قلبه ,فقال : والمعروف من أئمّة الحديث خلاف ذلك ,وحينئذٍ ,فإذا كان الراوي عدلاً لكن لا يحفظ ما سمعه عن ظهر قلبٍ ,واعتمد ما في كتابه فحدّث عنه فقد فعل اللازم له , فحديثه - على هذه الصورة - صحيحٌ . 82- قواعد في علوم الحديث (ص418) رقم (77) . 83- حجية السنة (ص405) . 84- الإحكام للآمدي (4/334) . 85- حجية السنة (ص2-403) . 86- الجامع لأخلاق الراوي (2/32). 87- لاحظ الصفحة ( 382و383). |