|
الفصل الخامس عدم معرفة المحدّثين للكتابة
وقد ذكرت تبريرات أخرى لمنع تدوين الحديث , لا تستحقّ الذكر لوضوح بطلانها , مع أنها لم تذكر إلاّ بعد حدوث المنع , دفاعاً عن المانعين وإضفاءً لصبغةٍ شرعيةٍ على عملهم . ومن ذلك : أنّ الصحابة والتابعين كانوا أمّيين لا يعرفون الكتابة , فلذلك امتنعوا عنها . قال ابن قتيبة:كان الصحابة أميّين لا يكتب منهم إلاّ الواحد والاثنان وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجّي (1). وقال ابن حجر : اعلم أنّ آثار النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم تكن - في عصر الصحابة وكبار تابعيهم - مدوّنة في الجوامع, ولا مرتّبةً ... لأنهم كانوا لا يعرفون الكتابة (2). وهذا التبرير غير مقبول , لوجوه : فأوّلاً : إنّ نفس النهي عن الكتابة - لو صحّ - يقتضي بطلان هذا التوجيه والتبرير , حيث إن الأمي , غير العارف للكتابة , لا يعقل أنْ يخاطب بمثل : لا تكتب , بل الحكمة تقتضي أنْ يوجّه مثل هذا الخطاب إلى من يعرف الكتابة , ويتمكّن منها , فيراد صدّه عنها . وثانياً : أنّ الكتابة - مهما كان شأنها قبل الإسلام - أصبحت بمجيء الإسلام من أكبر اهتمامات الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , فلم يأ ل جهدا في حثّ المسلمين على استيعابها بشتّى الوسائل , حتى أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم استعملها في المجال السياسي . فجعل صلّى الله عليه وآله وسلّم فداء أسرى بدر - من المشركين الذين كانوا يعرفون الكتابة - أن يعلّم كلّ واحدٍ منهم عشرة من صبيان المدينة الكتابة والقراءة (3). إنّ هذا وحد ه دليلٌ على مدى أهميّة محو الأميّة في الإسلام , ومدى احترامه للثقافة والمثقّفين , وسعيه في تعميم الثقافة . ولعلّ هذه أوّل مدرسة ا قيمتْ في تاريخ الإسلام المبكّر . وقد عيّن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم جمعاً من الصحابة لكتابة القرآن حتى بلغ عدد كتّاب الوحي أربعين رجلاً , حسب بعض المصادر(4). وقال محمّد عجاج الخطيب - رادّاً على ابن قتيبة - : لا يمكننا أنْ نسلّم بهذا بعد أنْ رأينا نيفاً وثلاثين كاتباً يتولّو ن كتابة الوحي للرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم , وغيرهم يتولّو ن أموره الكتابية الأخرى . ولا يمكننا أنْ نعتقد بقلّة الكتّاب وعدم إتقانهم لها , فتعميم ابن قتيبة هذا لا يستند إلى دليل؟(5). وقال الدكتور عبد الغني في الردّ على كلام ابن قتيبة : إنّ العمدة في ثبوت النهي حديث أبي سعيد الخدري , والمتبادر منه أنّه أجاز كتابة القرآن لمن نهاه عن كتابة السنة , ولو كانت علّة النهي خوف الخطأ في الكتابة , فكيف يجيز لهم كتابة القرآن ؟ (6). ثمّ , لو كان من يعرف الكتابة من المسلمين قلّة في بداية ظهور الإسلام , وقبل الهجرة , إلاّ أنّ المسلمين ما كادوا يستقرّون في المدينة حتى بدّلت الحال غير الحال , فكثر فيهم الكاتبون (7). وقد أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عبد الله بن سعيد بن العاص أنْ يعلّم الكتابة بالمدينة , وكان كاتباً محسناً (8) . والعجب من محدّث رجالي مؤرخٍ مثل الحافظ ابن حجر العسقلاني , أنْ تخفى عليه حقيقةٌ واضحةٌ كهذه , فيقول :لأنهم كانوا لا يعرفون الكتابة ! وهذا يعني جميعهم , كما هو المتبادر من كلامه . ولعلّ الحافظ السيوطي قد تنبّه إلى هذه الزلّة من ابن حجر , فعدل عبارته , حيث يقول :لأن أكثرهم كانوا لا يحسنون الكتابة (9) . وإذا تمّ تصحيح الكلام بهذا الشكل , فنجيب : ثالثاً : إنّ ذلك لم يكن مانعاً عن كتابة ما يلزم كتابته في الشريعة , لكفاية قيام غير الأكثر ممن يعرف الكتابة , بأداء المهمة , والواجب يتأدّى بالكتابة ولو بالخطّ الرديء غير الحسن ! . مع أنّ العارفين للكتابة ليسوا في كلّ الأعصار سوى القلّة , وخاصّة المتخصّصين بعلوم الدين , وبالأخصّ علم الحديث منهم , فهل يتوقّع أنْ يكون أكثر الناس عارفين للكتابة أو محسنين لها , حتى تؤدى مهمّة ضروريّة مثل كتابة الحديث ؟ ثمّ ,ألا ترى أنّ الصحابة - على فرض عدم إحسانهم للكتابة - لم يمتنعوا من كتابة القرآن , وهو كلام الله تعالى , فكيف يُفرض ذلك مانعاً لهم عن كتابة الحديث وهو كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ مع أنه لم يؤخذ في النظر - في هذا التبرير - نوعيّة المكتوب , فإ ذا لم يكونوا عارفين - كما يقول ابن حجر - أو محسنين للكتابة - كما يقول السيوطي . فما بالهم أقدموا على كتابة القرآن الكريم , وبتلك السعة والدقّة ؟ ! قال محمد عجاج الخطيب : ولو قبلنا - جدلاً - ما ادعوه من ندرة وسائل الكتابة , وصعوبة تأمينها , لكفى في الردّ عليهم أنّ المسلمين دوّنوا القرآن الكريم , ولم يجدوا في ذلك صعوبةً , فلو أرادوا أنْ يدوّنوا الحديث ما شقّ عليهم تحقيق تلك الوسائل ,كما لم يشقّ هذا على من كتب الحديث بإذن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(10). بل , لم يأل المسلمون جهداً في كتابة القرآن - رغم الصعاب - وإذا علمنا أنّ السنّة الشريفة لا تقلّ - عند المسلمين - أهميّة من القرآن , بنصّ الكتاب نفسه , والسنة القطعيّة , وإجماع المسلمين , كما سبق ذكر بعض ذلك - فلا بدّ أن تكون همّتهم قد توجّهت إلى كتابة الحديث الشريف أيضاً . ثمّ , إنّ هذا التبرير إنّما يناسب ما لو كان الصحابة والتابعون امتنعوا عن كتابة الحديث بأنفسهم , لكنّ المفروض أنهم كانوا يرغبون في كتابة الحديث كما ظهر من إشارتهم على عمر بأنْ يكتب الحديث(11) و كما أقدم كثير منهم على التدوين فخلّف صحفاً وكتباً , عددنا بعضها في القسم الأوّل من هذه الدراسة , لكن خالفهم , ومنعهم , من أمر بمنع التدوين مطلقاً ! فالسؤال الأساسي هو : لماذا جاء المنع ؟ وأمّا عدم معرفة أكثرهم للكتابة , فلا ربط له بالبحث ,لأن المدّعى ليس هو كتابة الأكثر للحديث , وعدمها , بل السؤال : عن وجه منع العارفين للكتابة , عن التدوين ؟ الفرق بين القرآن والسنة في أمر التدوين : ولقد حاول بعضهم التفريق بين القرآن والسنة في حكم التدوين , فطرح ذلك بشكل سؤالٍ عن الحكمة في أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بكتابة القرآن , مع أنه لم يأمر بكتابة السنة ؟ ! وأجاب الشيخ عبد الغني عبد الخالق بقوله : الحكمة في أمره بكتابة القرآن هي : بيان ترتيب الآيات , ووضع بعضها بجانب بعض, فإنّه - بالاتفاق بين العلماء - توقيفيّ نزل به جبريل في آخر زمنه صلّى الله عليه وآله وسلّم . وبيان ترتيب السور , فإنه - أيضاً - توقيفيّ على الراجح . وزيادة التأكيد , فإنّا لا ننكر أنّ الكتابة طريق من طرق الإثبات , وهي - وإن كانت أضعف من السماع , فضلاً عن التواتر اللفظي - إذا انضمت إلى ما هو أقوى منها في الإثبات , زادته قوّةً على قوّةٍ . وإنما احتيج إلى زيادة التأكيد في القرآن لكونه كتاب الله تعالى , وأعظم معجزة لسيّدنا محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ,المبعوث إلى الخلق كافّةً ,وإلى يوم القيامة . ولكونه المعجزة الباقية من بين سائر معجزاته إلى يوم الدين , لتكون للمتأخّرين دليلاً ساطعاً على نبوّته , وبرهاناً قاطعاً على رسالته . ولكونه أساس الشريعة الإسلاميّة , وإليه ترجع سائر الأدلّة الشرعية في ثبوت اعتبارها في نظر الشارع , وثبتت به جميع العقائد الدينية التي لا بدّ منها , وأمهات الأحكام الشرعية . ويترتّب على ضياعه ضياع هذه الأمور كلها , وتقويض الشريعة جميعها . ولكونه قد تعبّدنا الله بتلاوة لفظه في الصلاة وغيرها , ولم يجز لنا أن نبدّل حرفاً منه بحرف آخر . فلكون القرآن مشتملاً على هذه الأمور الجليلة العظيمة الخطر , اهتمّ الشارع بأمره أعظم اهتمام , وأحاطه بعنايته أجل إحاطة , فأثبته للناس إلى يوم الدين بجميع الطرق الممكنة التي يتأتّى بها الإثبات , للمحافظة على لفظه ونظمه , ليتأكّد عند الناس ثبوته تمام التأكيد . كما أنه قد حافظ على معناه بالسنة المبيّنة له , الدافعة لعبث العابثين به . ولما لم تكن السنة بهذه المثابة : فلا ترتيب بين الأحاديث بعضها مع بعض , وليست بمعجزةٍ , ولم يتعبّدنا الله بتلاوة لفظها , وأجاز لنا أنْ نغيّره ما دامت المحافظة على المعنى متحقّقة , حيث أنّ المقصود من السنّة بيان الكتاب وشرح الأحكام , وهذا المقصود يكفي فيه فهم المعنى والتأكّد منه سواء كان بنفس اللفظ الصادر عن رسول الله أم بغيره . هذا كله , مع ملاحظة الفرق الشاسع بين حجم القرآن وحجم السنة التي من وظيفتها الشرح والبيان له , وعادة الشرح أنْ يكون أكبر حجماً من المشروح . وما كان صغير الحجم أمكن - في العادة - نقله بجميع الطرق بخلاف كبيره , فإنّ من المتعذّر تحصيل جميع الطرق فيه , خصوصاً من أمةٍ أمّيةٍ كالعرب ! وخصوصاً إذا لاحظنا أنّ السنة قول أو فعل أو تقرير منه صلّى الله عليه وآله وسلّم , وليس من اللازم - بل - ولا من الممكن أنْ يجتمع معه صلّى الله عليه وآله وسلّم في كلّ أحواله جمعٌ من الصحابة يمكنهم الكتابة , ويؤمن تواطؤهم على الكذب , فيؤدّون كلّ ما يسمعون ويشاهدون إلى من بعدهم أو من غاب عنهم بجميع الطرق من تواتر لفظي وكتابة , بل قد يصدر قوله أو فعله أمام صحابي واحدٍ أمّيٍ , و لا يتكرّر ذلك منه في ما بعده . بخلاف القرآن : فإنّ الآية منه أو السورة , كان يقرؤها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أمام أقوام مختلفة منهم الكاتبون , ومنهم الأميّون , ويتكرّر ذلك منه في أزمنة وأمكنة مختلفة بعبارة واحدةٍ لا تغيير فيها ولا تبديل , فمن ذلك كلّه يتأتّى وجود جميع طرق النقل فيه (12). أقول : لا بدّ من تحديد موضع البحث , فنحن هنا نبحث عن سبب المنع عن تدوين الحديث , و عن خصوص النهي الشرعيّ عنه حسب دعوى المانعين , وكما فرضه الشيخ محمود شلتوت(13). وليس البحث عن الحكمة في مجرّد عدم أمر الشارع بكتابة الحديث , في الوقت الذي أمر بكتابة القرآن , حتى يصحّ السؤال بالصورة التي طرحها الدكتور الشيخ . فلو قيل بذلك , وسئل عن الحكمة في أمره بكتابة القرآن وعدم أمره بكتابة السنة ؟ أمكن التفريق بينهما بكون القرآن أهمّ من الحديث . لكنّ السؤال الأساسي هو عن الحكمة في الأمر بكتابة القرآن , في حين النهي عن كتابة السنة - حسب الدعوى - ؟ فإ نّ الجمع بين النهي عن الكتابة لشيء والأمر بكتابة آخر , يقتضي بلا ريب اختلاف الشيئين وتغايرهما في ما يرتبط بكتابتهما , وليس مجرّد الأهمية مؤثّراً في اختلاف حكم كتابتهما إلى حدّ الأمر المقتضي للوجوب ,والنهي المقتضي للحرمة! فإن كتابة الأهم إذا كانت واجبة , فكتابة المهمّ أيضا واجبة , ولا تكون محرمة !؟. وعلى هذا لا بدّ من صياغة السؤال بصورة صحيحة ,وهي : لماذا أمر الشارع بكتابة القرآن , ونهى عن كتابة السنة وحرّمها ؟ مع أنّ القرآن إذا كان نصّاً مقدّساً , فالسنة أيضاً مقدّسةٌ لأنها بيانٌ للقرآن باعتراف جميع المسلمين ؟ ! وحينئذ , نجد أنّ ما ذكره الشيخ عبد الغني من الفوارق , لا يوجب شيءٌ منها التفريق بين القرآن والسنة في الحكم الشرعيّ للتدوين . فإنه جعل الحكمة بيان ترتيب الآيات , وأنه توقيفيّ , بخلاف السنة فلا ترتيب فيها . وفيه : إنّ بيان ترتيب الآيات إذا كان يستدعي الأمر بالكتابة ,فإنّ عدم الترتيب لا يستدعي حرمة الكتابة . مع أنّ أصل القرآن إذا أمكن المحافظة عليه بالحفظ والاستذكار ,كانت المحافظة على ترتيبه حاصلةً , لان من يحفظ نصّاً معيّناً فلا بدّ أنه يحفظه على ترتيبه الخاصّ والمطلوب ! هذا مع أنّ الشيخ عبد الغني قد أكّد بأنّ أصل القرآن مدعوم بالتواتر اللفظي,ولم يعتمد على النقل الكتبي (14). فالمحافظة على ترتيبه تتمّ بالحفظ في الذاكرة ولا تستوجب خصوص الكتابة . وكذلك عدم ترتيب الأحاديث لا يستدعى حرمة كتابتها , بل , على العكس , قد يقال بلزوم كتابتها , لصعوبة ضبطها في الحافظة على أثر تشعثها ؟ ! بخلاف المرتّب فإنه يحفظ بسهولة . وكذلك كون القرآن معجزةً , بل هو أكبر معاجز النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأعظمها , وأبقاها , وأخلدها , بشكلٍ أوضح من السنة ! فإنّ إعجاز القرآن ليس بوجوده الكتبي , وإنما هو بوجوده اللفظي , ومدلوله المعنوي , ونظمه المتناسق مع الأمرين . ومن الغريب أنّ المدّعي يقول بأنّ القطع بالقرآن إنما حصل بالتواتر اللفظي دون النسخ الموجودة (15). ومع هذا فإن السنة أيضاً لا تخلو عن الإعجاز بالنظر إلى مجموعها . وكذلك كون القرآن أساساً للشريعة الإسلامية , وإليه ترجع سائر الأدلّة . فإنّ هذا لا يستدعي وجوب كتابته , إذا كان محفوظاّ في الصدور كما لا تستدعي أهمية السنة وسائر الأدلّة وجوب أن تكتب حسب دعواهم . ثمّ إنّ بناء الشريعة على السنّة ليس بأقلّ أهميّة من بنائها على القرآن , فالسنة هي المبيّنة له والشارحة لمراده , وتحتوي على تفصيل الشريعة ممّا أجمل فيه , حتى قيل :إنّ القرآن أحوج إلى السنة , منها إليه. فلو كانت المحافظة على الشريعة من خلال القرآن داعية إلى كتابته , فهي بنفس الملاك تستدعي كتابة السنة لاحتوائها على أكثر الشريعة . فكيف ينهى عن كتابتها وتدوينها ؟ ! وأمّا التعبّد بلفظ القرآن في التلاوة , دون لفظ السنة : فإن ذلك أدعى إلى إيجاب حفظه , وتلقيه بالسماع والقراءة بالمشافهة , وأبعد من استلزام كتابته المعرّضة للتصحيف ! فمن الغريب أن تجعل التلاوة من دواعي الكتابة ! وأمّا التفرقة بين كتابة القرآن وكتابة السنة في الحكم : باعتبار حجم كلٍّ منهما , وأنّ القرآن صغير فكتابته لازمة , والسنة كبيرة الحجم فلا تكتب ! فهي غريبة جدّاً , لأنّ النصّ الصغير يكون حفظه أسهل وضبطه في الحافظة أسرع , فلا يكون صغر حجمه أدعى إلى كتابته ,بل أدعى غلى حفظه , بخلاف النص الكبير , فبما أنّ حفظه على الخاطر أصعب تكون كتابته أسهل وألزم . ولو احتاج الصغير إلى الضبط بالكتابة والتدوين , فالكبير هو الأحوج إلى ذلك بالأولوية القطعية ؟ ! ولا ينقضي عجبي من قول الشيخ الدكتور : خصوصاً من أمّة أمّيّة كالعرب ,كيف يريد أنْ يستبعد بذلك أمركتابة السنة , بينما هو يؤكّد أمر هذه الأمة - نفسها -بكتابة القرآن ؟ ! أ فهل كتابة القرآن لا تنافي أميّة العرب ؟ أو أنّ من يستطيع أنْ يكتب القرآن في حجمه , يصعب عليه أنْ يخلّد كتباً في السنة بمثل حجم القرآن ومقدار آياته ؟ وأمّا أنّ السنّة قول وفعل وتقرير , فتكون واسعة الأطراف ليس بإمكان أحد حصرها كلها وضبطها وتقييدها , بخلاف القرآن , فإنه محدود , والرسول يكرّره في الأمكنة والأزمنة . فنقول : إنّ سعة أطراف السنة أدعى للزوم ضبطها بالكتابة , دون الاعتماد على حفظها , لأنها حينئذ معرّضة لآفات الذاكرة , وموت الحافظين , بخلاف الكتب فإنها أخلد و المفروض أن يقوم كل راوٍ بتسجيل ما رواه أو رآه , حتى تجتمع السنة كلها في مجموع الكتب كما هو الحال الآن . بخلاف ما كان صغير الحجم ومكرّر الذكر , فإنّ حفظه على الخواطر أيسر لصغره وتكرره , فتكون الحاجة إلى كتابته أقلّ , بخلاف السنة , فهي أولى بالتسجيل لئلاّ تتلف أو تفلت , وأصدق شاهد على ذلك لجوء الأمة إلى تدوينها , ولو بعد حين ! وقد ظهر من مجموع ما ذكرنا أنّ الشيخ عبد الغني لم يقدّم ما يصلح للتفرقة بين القرآن والسنة ,في حكم الكتابة . فالحقّ أنه لا وجه للمنع عن كتابة السنة على أساس عدم معرفة العرب للكتابة أو قلّة الكتّاب فيهم , بل الإسلام - دين المدنية - أكّد على الكتابة ومحو الأميّة بكلّ ما لديه من قوّة وحول وطول , فبدأ بأعزّ نصوصه وهو القرآن الكريم ,ثمّ أتبعه بالسنة , فحثّعلى كتابتهما بأوسع نطاق , فسجلهما الصحابة بأمره وإرادته , ولم يألوا بعده جهداً في كتابتهما , لتبقى السنة إلى جنب القرآن , أداةً ربّانيّةً لهداية البشر , إلى يوم الحشر . وقد حاول المعلمي - أيضاً - التفريق بين السنة والقرآن في حكم الكتابة , فقال : إنّ القرآن كان يحفظ بطريقين : الأولى : حفظ الصدور, والثانية : بالكتابة ... . فأما السنة فمخالفة لذلك في أمور : الأوّل : أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يّعْنَ بكتابتها , بل اكتفى بحفظهم في صدورهم , وتبليغهم منها , أي بنحو الطريق الأوّل في القرآن . الثاني : أنها كانت منتشرةً لا يمكن جمعها كلّها بيقين . الثالث : أنه لم يتّفق لها في عهد الصحابة ما اتفق للقرآن إذ استحرّ القتل بحفّاظه من الصحابة قبل أنْ يتلقّاه التابعون , فإنّ الصحابة كانوا كثيراً , ولم يتفق أن استحرّ القتل بحفّاظ السنة منهم قبل تلقّي التابعين . الرابع : إنهم إذا همّوا بجمعها رأوا أنه لن يكون كما قال عمر في جمع القرآن : هو والله خيرٌ ,أي خيرٌ محض , لا يترتب عليه محذورٌ . كانوا يرون أنه يصعب جمعها كلها , وإذا جمعوا ما أمكنهم خشوا أن يكون ذلك سبباً لردّ من بعد هم ما فاتهم منها . وخشوا - أيضاً - من جمعها في الكتب قبل استحكام أمر القرآن أن يقبل الناس على تلك الكتب ويدعوا القرآن . فلذلك رأوا أن يكتفوا بنشرها بطريق الرواية , ويكلوها إلى حفظ الله تعالى الذي يؤمنون به (16). أقول : في هذا الكلام مواقع للبحث : الأوّل : قوله: أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يعن بكتابتها !. فهذا على إطلاقه باطل , حيث أنّ أحاديث الإذن , بل الأمر بالكتابة , وإملائه صلّى الله عليه وآله وسلّم الحديث على الصحابة , مشهورةٌ , بل متواترةٌ معنىً لدلالتها على الإذن بكتابة الحديث , كما مرّ مفصّلاً . ثمّ إنّ البحث ليس في مجرّد عدم كتابة الحديث , بل في سبب النهي عنها ومنعها ؟ ! الثاني : قوله :بل اكتفى بحفظهم ... . إن نسبته هذا الفعل إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , غير جائزة , حيث لم يردْ عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم ما يدلّ على أنه أراد أو أمر بأن تكون السنة - مطلقاً - محفوظةً في الصدور فقط , وانحصار طريق المحافظة عليها بذلك وحد ه . نعم , ورد حديث : من حفظ على أمتي أربعين حديثاً ..., لكنه مع انحصاره برقم الأربعين, قد اختلف الأعلام في المراد بالحفظ المذكور فيه : هل يختصّ بحفظ الصدر ,أو يراد به المحافظة التي منها الكتابة أيضاً , والأكثر على الثاني , ولجأوا إلى تأليف (الأربعينات الحديثية ) لذلك. الثالث : قوله : إنها كانت منتشرةً لا يمكن جمعها كلها ... . فيه : أنّ انتشار السنة لا يؤدّي إلى الالتزام بعدم كتابتها رأساً , بل المفروض أن كلّ واحد من الصحابة يكتب , أو يملي على من يكتب, الحديث الذي رواه وسمعه وتحمّله , محافظة عليه , وكلّ مكلفٌ بما عنده وبما بلغه , وبتضافر الجهود كانت السنة تجمع كلها أو جلّها , كما حصل للمتأخرين منهم في عصر تأليف كتب السنة , فإنّ أحداً منهم لم يحاول - ولم يدّع - أنه جمع السنة كلّها في كتاب واحد ؟! ثمّ هل ترك كتابتها أدى إلى حفظها ؟ مع أن ذلك الذي فاله لا يقتضي منع كتابة الحديث والنهي عنها إلى حدّ الحبس والتهديد والإحراق للكتب ! وقد أشرنا في جواب الدكتور عبد الغني إلى طرف من هذا . الرابع : قوله : لم يتّفق لها في عهد الصحابة ما اتّفق للقرآن إذ استحرّ القتل بحفّاظه من الصحابة ... ولم يتّفق أن استحرّ القتل بحفّاظ السنة منهم قبل تلقّي التابعين !. إنّ هذا الكلام مما يضحك الثكلى ! فبعد التغاضي عن أن السؤال : عن وجه أمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بكتابة القرآن ,مع نهيه - حسب الادعاء - عن كتابة السنّة في عصره؟! وكلامه إنّما يدور على ما بعد ه. نقول بعد هذا : إنّه يفرض في الصحابة حفّاظاً للقرآن , ويفرض فيهم حفّاظاً للسنة, ويجعل القتل يستحرّ بالأوّلين , دون الآخرين , يقول : إنّ التابعين تلقّوا من حفّاظ السنّة , دون حفّاظ القرآن . وهذه كلها دعاوٍ فارغةٍ , لا تصحُ : فمن أين جاء بهذه التقسيم بين الصحابة , هل كانت هناك معاهد متخصّصة بالقرآن , وأخرى بالسنة , تخرّج جمعٌ من الصحابة من هذا المعهد , وجمع من ذاك ! ؟ وهل كان الجهاد الذي اشترك فيه الصحابة ,واجباً على حفّاظ القرآن فقط , دون حفّاظ السنّة ؟ وهل كان التابعون يتعمّدون عدم تلقّي القرآن من حفّاظه , ويقصدون التلقّي من حفّاظ السنّة فقط ؟ ! ثمّ إنّ الآفات المهدّدة للسنّة لم تنحصر بالقتل , بل كان الموت الحقّ لحامليه بالمرصاد (17) وآفات الذاكرة(18) . أضف إلى ذلك عمليّات الإبادة من الدفن والإحراق والإماثة في الماء, التي تعرّضت له كميّات كبيرة من السنة . ألم يكن كلّ ذلك اتفاقاً لحفّاظ السنّة , يدعو إلى المحافظة على السنة بالكتابة والتقييد؟! مثل ما حصل للقرآن إذ استحرّ بحفّاظه القتل ؟! بل الحقيقة أنّ كلّ ما هدّد القرآن الذي حمله الصحابة , كان يهدّد السنة التي كانوا يحملونها أيضاً . لكنّ الذين اهتمّوا بالقرآن , فجمعوه , ولم يأبهوا بالسنة بل منعوها , هم الذين حملوا شعار الفصل بين القرآن والسنة فأعلنوا مقولة : حسبنا كتاب الله ! وسيأتي الكلام عنهم وعن مقولتهم مفصّلاً , إن شاء الله . الخامس : قوله :رأوا أنه لن يكون كما قال عمر في القرآن ؛ هو والله خيرٌ . عجباً لهذا الكاتب ! كيف يكتب مثل هذا في كتابه مدّعياً انتصاره للسنة , وكيف يصحّ أن ينفي عن السنة أن تكون خيراً محضاً , أليس خيرُ الهدى هدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ وأما الخشية من ردّ من بعدهم . فهذا لم يذكره أحد من الممتنعين عن تدوين الحديث ولا المانعين , وإنما هو من نسج خيال هذا الكاتب ومن أخذ منه . فهو باطل محضٌ , فإذا ثبت الحديث للصحابي الذي تلقّاه من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , فعليه تبليغه , سواء ردّه غيره , أم لا ؟ ولا يمنعه ردّ غيره فضلاً عن خشية ردّه ! والتبليغ يتمّ بأداء لفظه وكتابة نصه . وإذا كانت هذه الخشية مانعة عن تبليغها بالكتابة , فلماذا لم تكن مانعةً عن تبليغ السنة بالنقل الشفوي والرواية ! السادس : قوله : وخشوا - أيضاً - ... أن يقبل الناس على تلك الكتب ويدعوا القرآن . وهذه الدعوى هي التي تعرّضنا لردّها بتفصيلٍ في الفصل الثالث من هذا القسم , فراجع . ثمّ إنّ هذا الكلام إنما يتمّ لو كان القرآن مكتوباً متداولاً بشكل مصاحف , شائعاً تلاوته منها , بحيث يكون كتاب الحديث على تلك الدعوى مؤدّياً لأن يدع الناس القرآن , ويشتغلوا بكتاب الحديث . لكن من يرى أنّ القرآن لم يجمع - وإن كان مكتوباً متفرّقاً - ولم يعتمد المسلمون في العهد الأوّل إلاّ على نصّه المحفوظ في الصدور , بوجوده اللفظي , وأنّه هكذا تواتر , لا بوجوده الكتبي. إنّ هؤلاء ليس لهم أن يتمسّكوا بهذه الدعوى لمنع كتابة الحديث , حيث إن الحديث على فرض كتابته لا يمكن أن يزاحم القرآن المستقرّ في الصدور والقلوب , وهو واضح . والكاتب - المعلمي - هو من هؤلاء , حيث يقول في كتابه : إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يكتب مصحفاً , وإن أبا بكر وعمر وعثمان - مدّة من ولايته - لم يكتبوا إلاً مصحفاً واحداً بقي عندهم ,لا يكاد يصل إليه أحدٌ (19). وإذا كان هذا موقف الأمراء من كتابة القرآن , فما حال سائر الناس ؟ ! وإذا كانت نسخ القرآن بهذه القلّة وكان القرآن محفوظاً في الصدور , فكيف يكون كتاب الحديث مؤدّياً إلى الاشتغال عن القرآن ؟ مضافاً إلى ما ذكرنا في الفصل السابق من أن الحديث ليس معارضاً للقرآن حتى يكون الاشتغال به شاغلاً عن القرآن ؟ . وقبل هذا وبعده ,فيكفي للردّ على المعلمي وعبد الغني ومن لفّ لفّهما :قول الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر :لقد كان استيعاب الأحاديث سهلاً - لو أراد الله تعالى ذلك ! -بأن يجمع الأوّل منهم ما وصل إليه ,ثمّ يذكر من بعده ما اطّلع عليه ممّا فاته في حديث مستقلٍّ أو زيادة في الأحاديث التي ذكرها ؟؟؟ وكذا من بعده ,فلا يمضي كثير من الزمان إلاّ وقد استُوعبتْ وصارتْ كالمصنّف الواحد , ولعمري لقد كان هذا في غاية الحسن . أقول : ما أكمل هذا الكلام ! لو لم يضع لائمة تركه على مقام قدس إرادة الله تعالى عن ذلك ,بل يلوم المانعين عن تدوين الصحابة الكرام لحديث الرسول كله كما صنع المتأخرون ما يقرب من ذلك ,حسب تعبير السيوطي (20). فعلى أولئك المانعين تقع مسؤوليّة عدم تحقّق ذلك الأمر العظيم بصورة كاملة وعلنيّة !؟ وضياع كثير من الشواهد والمتابعات على القضايا والأحكام ؟؟ لكنّ الله الذي وعد بحفظ هذا الدين ونصره وأراد له الخلود والمجد, قيّض لحفظ السنة أعلاماً من المعارضين للمنع , والمنافحين عن الحديث الشريف والسنّة الشريفة , بكل ما أوتوا من حول وقوّة , فقاموا بما يجب من أمر تدوينه وكتابته كتسجيله وضبطه وتخليده في الكتب والمدوّنات ,بإشراف الرسول الطاهر نفسه صلّى الله عليه وآله وسلّم في عصره الأزهر ,و من بعده بريادة عليّ أمير المؤمنين وأولاده الأطهار عليهم السلام , ثمّ شيعتهم الأبرار , حتّى بقي عندهم بنصّه ولفظه ,مضبوطاً لا ريب فيه ولا خلل يعتريه , والحمد لله ربّ العالمين على هذه النعمة
|
|
1- تأويل مختلف الحديث (ص 366) وانظر توجيه النظر للجزائري (ص 10) . 2- هدي الساري (ص4) . 3- طبقات ابن سعد ( 2 ق 1 ص 14 ) طبع ليدن وانظر ما مضى (ص50-51). 4- مباحث في علوم القرآن , لصبحي ( ص 73 ) . 5- أصول الحديث للعجاج ( ص 146 ) . 6- حجية السنة (ص430 و444 ) . 7- علوم الحديث , لصبحي ( ص 4 ) . 8- الاستيعاب للقرطبي , بهامش الإصابة (2/374) . 9- تدريب الراوي (1/89) . 10- السنة قبل التدوين ( ص 302 ) وانظر أصول الحديث له (ص 146) ولاحظ دراسات في الحديث النبوي(ص73) . 11- تقييد العلم ( ص 49 ) . 12- حجية السنة ( ص 422 - 423 ) . 13- الإسلام عقيدة وشريعة ( ص 498 ) . 14- حجية السنة ( ص 408 ) . 15- حجية السنة ( ص 407 ) . 16- الأنوار الكاشفة ( ص 45 ) . 17- انظر الحديث والمحدّثون لأبي زهو ( ص 127 ) حيث يقول : ومرور هذا الزمن الطويل ( يعني القرن الأوّل ) كفيل بأن يذهب بكثير من حملة الحديث من الصحابة والتابعين . 18- فهذا أنس بن مالك - خادم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم - سئل عن البسملة في قراءة الصلاة , فأجاب :قد كبرت ونسيت ! مع أن هذا داخل في الصلاة التي لا تترك بحال ! ويؤدّيها المسلم خمس مراتٍ يوميّاً على أقل تقدير ! وأنس قد توفّي سنة 92 هـ فلاحظ ,وقد مرّنسيان زيد بن أرقم للحديث في (ص377). 19- الأنوار الكاشفة ( ص 48 ) . 20- تدريب الراوي (48) . |