مكتبة الموقع

الحديث الشريف

فهرس الكتاب

 

الفصل السادس

القول الفصل في سبب المنع

 

وبعد هذا التجوال الطويل - في هذه الفصول الخمسة - اتضحتْ لنا - بالقطع واليقين - الحقيقة التالية : أنّ تلك التبريرات - كلها - لا تصحّ أنْ تكون شيء منها سبباً واقعيّا لمنع تدوين الحديث ,وإنْ تذرّع بها المانعون , وليس في واحد منها مقنع للإجابة على السؤال الذي طرحناه لماذا منعوا عن تدوين الحديث ؟

وقد عرفنا أنّ أهمّ ما يمكن توجيه المنع به هو الأحاديث المرفوعة الدالّة على النهي الشرعيّ عن التدوين .

ولكن : مضافاً إلى ما ذكرناه في الفصل الأوّل من هذا القسم , من الإجابات عن ذلك بإثبات ضعف أسانيدها . وكونها معللّة غير قابلة للاحتجاج بها أو الاستناد إليها في إثبات المدّعى في قبال الأحاديث المستفيضة الصحيحة , الدالّة على تحقّق التدوين , وجوازه وإباحته في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , بعد إقامة الأدلة الأربعة على جواز التدوين وإباحته في القسم الأول من هذه الدراسة .

مضافا إلى كلّ ذلك , نقول :إنّ استمرار الخلاف في أمر التدوين , وعدم

خضوع المبيحين لإجراءات المنع , دليل على أمرين :

1- أنّ أحاديث النهي عن التدوين ليست صحيحةً , وإلاّ , لم يكن أكثر الصحابة والتابعين على خلاف المنع , بل فيهم من قام عملاً بتدوين الحديث وجمعه في الصحف .

2- أنّ المنع , لم يكن أمراً شرعياً , بل كان رأياً ارتآه المانعون , استناداً إلى أمور خاصّة , ظهرت لهم, ولم يوافقهم عليها سائر الصحابة .

وهذا الأخير يتّضح بشكلٍ أكثر , إذا لاحظنا تعليلاتهم للمنع , تلك المختلفة , بل المتنافية في بعض الجهات , كما مرّ ذكر ذلك تفصيلاً .

بل , إنّ لجوء المانعين إلى طرح مثل هذه التبريرات , التي أثبتنا بطلانها , لهو دليل واضح على عدم أصالة المنع كحكم شرعيّ .

وإذا كان المنع على أساس ما يراه الصحابيّ مصلحةً , فإنّ للصحابة الآخرين حقّ الاعتراض عليه , فلا يكون ما يراه الصحابي حجة على الصحابي الآخر , إلاّ إذا أقام له الدليل الشرعيّ المقنع , كما هو الحال في المجتهدين (1).

ولمّا لم تكن التبريرات المطروحة مقنعةّ للإجابة عن سبب المنع ؟ فالذي يستغرب في الأمر : أنّ المصلحة المعتمدة لدى المانعين لم تذكر بوضوحٍ , ولم يعلنْ عنها ؟

ويبدو أنّ كلّ التبريرات المذكورة , إنما ذكرتْ لمجرّد إسكات المعارضين , وخاصّة تلك التي يتذرّع فيها باسم القرآن وصيانته ؟

فكأن فيه إيماءً إلى أنّ المعارضة ستتهم بالإساءة إلى القرآن وهدر كرامته , بإقدامهم على تدوين الحديث ؟ !

ومن هنا يعرض لنا سؤالٌ آخر : لماذا أخفوا المصلحة التي رأوها موجبة لمنع تدوين الحديث والسنّة , ولماذا لم يفصحوا عنها ؟

فالمصلحة التي تفرض : لا بدّ أنْ تحتوي علي العناصر التالية(2).

1 - أن تكون خطيرة , يخشى من إبدائها والإعلان عنها .

2 - أن تكون غير مقبولة من قبل المعارضين للمنع .

3 - أن يكون الممنوع مرتبطا بالقرآن , ليتمّ للمانعين اعتذارهم بصيانة القرآن , وأنهم لا يلبسوه بشيء .

4 - أن تكون زائلةً بعد القرن الأوّل , بحيث لم تعدْ للمنع مصلحةٌ حينذاك , فانقلب أمرها إلى الإباحة .

وبعد التأمّل العميق في ما يناسب أن يكون مصلحةً للمنع من قبل المانعين , تجتمع فيه العناصر المذكورة , علمنا _ بعون الله _ أن المصلحة إنما كانت

تدبيراً سياسيّاً من قبل الخلفاء ,وخاصّةً في الصدر الأوّل ,بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .

وهذا التدبير السياسيّ واضح من خلال رواية ,رواها الخطيب البغدادي , بسنده , عن عبد الرحمن بن الأسود , عن أبيه , قال :جاء علقمة بكتاب من مكّة _ أو اليمن _ صحيفة فيها أحاديث , في أهل البيت _ بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم _ فاستأذنّا على عبد الله , فدخلنا عليه , قال : فدفعنا إليه الصحيفة ,قال : فدعا الجارية , ثمّ دعا بطست فيها ماء .

فقلنا له : يا أبا عبد الرحمن , انظرْ فيها , فإنّ فيها أحاديث حساناً فجعل يميثها فيها , ويقول : ( نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن)

[ الآية (3) من سورة يوسف (12)] القلوب أوعية , فأشغلوها بالقرآن , ولا تشغلوها ما سواه(3).

إنّ الصحيفة المعرّضة للإبادة في هذا الحديث , واضحة المحتوى , فإنّ فيها أحاديث حساناً كما يقول علقمة .

كما أنّ موضوعها يرتبط بأهل البيت عليهم السلام , وكأنّ الراوي اعتنى بهذه النقطة , فاستعمل عطف البيان للتأكيد على المراد بأهل البيت , ولكي يلفت نظر عبد الله بن مسعود إلى أنهم أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .

لكنّ عبد الله لم يعر اهتماماً , وأباد الصحيفة .

والتبريرات المذكورة لمنع التدوين , لا يجري شيء منها هنا :

فلا اختلاط لما في الصحيفة , بالقرآن .

وليس فيها ما يعارض القرآن وينافيه .

ولا فيها من خرافات أهل الكتاب شيء .

كما أن الاشتغال بها لا يؤدّي إلى ترك القرآن , لأنّ مجرّد أحاديث في صحيفة , لا تلهي عن القرآن .

ومع كلّ ذلك , فإنّ عبد الله قد أباد الصحيفة , محاولاً أنْ يوهم أنّ القرآن يغني عمّا فيها ؟ مع أنه كان مخطئاً في فرضه أنّ الاشتغال بالحديث هو اشتغال بما سوى القرآن,لأنّ الحديث لا ينفصل عن القرآن, بل هو يعضده .

ولو دقّقنا النظر في هذا الحديث , وجدنا أنّ محتواه هو الذي كان يضرّ السلطة الحاكمة , وينافي سياستها القائمة , لأنّ الأحاديث النبويّة الواردة في أهل البيت عليهم السلام , إنما تدلّ على فضلهم , وتوكّد على خلافتهم عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , وتجعلهم قرناء للقرآن , ليكونوا هم وهو خليفتين له , من بعده .

وأمّا سائر أحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , سواءٌ في الأحكام والفرائض , أو الآداب والسنن , فهي لا تمسّ كيان السلطة بشيء .

ولذا لم يشملها المنع بنحو شديد , قداستثنيت من المنع حتى بصرة الإقلال :

قال عمر : أقلّوا الرواية عن رسول الله , إلاّ في ما يعمل به(4).

وقال الدارمي _ في شرح منع عمر عن الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم _ ما نصّه : معناه عندي الحديث عن أيّام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليس السنن والفرائض(5).

وإنّما أصدرت أوامر المنع وإجراءاته بصورة عامّة , فلأنّ التدبير السياسي يقتضي منع الحديث بالعموم , حتى يشمل المنع الأحاديث المضرّة بالسياسة .

وإنّما لم يخصّ المنع بما يضرّ , فلأن تخصيصها بالمنع يؤدّي إلى وضوح الهدف من المنع , وانكشاف المصلحة الموضوعة له .

والإعلان عن تلك المصلحة غير ممكن , لأنّه يوجّه الأنظار إليها بشكل أكثر تركيزا , فيوجب نقض الغرض المترقّب من المنع , ويعكس المصلحة إلى مفسدة لا تتدارك .

وإنّما خصّ أهل البيت عليهم السلام بذلك :

لأنّهم كانوا يعتبرون زعماء المعارضة السياسيّة, الذين بقوا في الساحة , وكان المسلمون يتطلّعون فيهم الخلافة ويعتقدون لهم الإمامة (6).

وحجّتهم في ذلك الأعداد المتضافرة من الأحاديث النبويّة , التي تبلغ اليوم _ رغم بُعد الزمن , وعصف الأعاصير , ورغم كلّ عمليّات المنع , والإبادة , والتحريف _ تبلغ الآلاف (7).

فكيف بها تلك الأيّام , وهي لا تزال تمثُل لرواتها _ من الصحابة _بمنازلها , ومناظرها , وأحداثها , ومناسباتها , وأسبابها ؟ والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يزال حيّاً في الخواطر , والأذهان , يحدّثهم بما لأهل بيته من فضل , وما لهم من منزلة ومقام ؟!

ولا شك في أن كثيراً من أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كانت تشيد بعليّ عليه السلام _ زعيم أهل بيت النبيّ _ عليه الصلاة والسلام ,وتنصُّ عليه بالولاية والإمامة , وكانت النصوص غضّةً , نضرةً , تنبض مشاهدها بالحياة , ويرنُّ صداها في الأسماع .

فلو كان مسموحاً للأمّة أن يتداولوها , ويحدّثوا بها , ويكتبوها , ويضبطوها لكانت ترتسم في الأذهان , وتعلق بالأفكار , وتنعقد عليها القلوب , وتبنى بها قواعد العقائد , فيكون لذلك تأثيرٌ سياسيٌّ عميقٌ على نظام الحكم , بلا ريب .

فكان المنع الرسمي للحديث أفضل تدبيرٍ سياسيٍّ , للوقوف في وجه ذلك .

فالمصلحة المنشودة من هذا التدبير , هي : إخفاء الأحاديث النبويّة التي تدل

على خلافة عليّ عليه السلام وإمامة أهل البيت عليهم السلام , بعد النبيّ صلّى

الله عليه وآله وسلّم .

وهذه المصلحة تحتوي على العناصر المطلوبة , التي ذكرناها :

1 _ فهي خطرة للسلطة .

إذ لو نشرتْ هذه الأحاديث وأذيعتْ وتداولها الناس لما استقرّ الحكم قائماً ,

إذ هو اعتمد على أساليب أصدق ما يقال فيها أنها ( فلتة ) (8).

فإذا تمكّن الإمام عليٌّ عليه السلام وأنصاره , من إظهار النصوص الشرعيّة الكثيرة المسندة , الدالّة بوضوح على أنّ عليّاً عليه السلام هو وليّ الأمر من بعد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وهو الذي جعله النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بمنزلة هارون من موسى في كلّ شيء إلاّ النبوّة , وهو الذي قال فيه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم :من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه, وانصر من نصره, واخذل من خذله .

فإذا ظهرتْ هذه النصوص للناس , لما بقي الوضع على قراره .

2 _ إنّ هذا الإخفاء لم يقبل من قبل المعرضة المتمثلة في الإمام عليه السلام وأنصاره .بل تزعّم الإمام القول بإباحة التدوين , ولم ينصعْ , لا هو ولا أنصاره لأوامر المنع من التدوين , ولا لأوامر منع نقل الحديث , كما سيأتي , فقاوموا كلّ ذلك بصلابة .

3 _ إنّ تلك الأحاديث فيها الكثير مما قرن فيه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بين عليّ وأهل بيته , وبين القرآن .

كما في حديث : عليّ مع القرآن , والقرآن مع عليّ (9).

وحديث الثقلين , الذي فيه : إنّي مخلّف فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي

أهل بيتي(10).

4 _ إنّ الإخفاء قد أثّر آثاره العميقة في الأمّة في صدر القرن الأوّل :

وامتداد المنع الرسميّ إلى نهاية القرن الأوّل كان كافياً لطمس معالم تلك الأحاديث بشكلٍ وافٍ , فلذلك لم يعدْ لإظهارها بعد ذلك أيّ أثرٍ معاكس على السلطات , فلذلك رفع المنع المذكور .

كما لم يبق مبرّر لاستمرار لعن عليّ أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر,بعد أن ملأوا به الأجواء وربّوا عليه الأجيال ,فرفع في هذا الكقت بالذات؟

إنّ وجود هذه العناصر في هذه المصلحة , وعدم تصوّر مصلحة أخرى , تؤكّد صحة أن يكون السبب الأساس لمنع تدوين الحديث هو هذا التدبير السياسي .

ولقد ذكر المعلمي _ أحد كبار علماء التسنن المعاصرين _ في تعليق له على مرسل ابن أبي مليكة _ المحتوي على منع أبي بكر للناس عن الحديث بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(11) _ فقال : إنْ كان لمرسل ابن أبي مليكة أصلٌ فكونه عقب الوفاة النبويّة يشعر بأنه يتعلّق بأمر الخلافة .

كأنّ الناس عقب البيعة بقوا يختلفون , يقول أحد هم : أبو بكر أهلها , لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال : كيت وكيت ,فيقول آخر: وفلان !قد قال له النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم :كيت وكيت .

فأحبّ أبو بكر صرفهم عن الخوض في ذلك , وتوجيههم إلى القرآن(12) .

والملاحظ: أنّ المعلمي لا يجرؤ على ذكر اسم عليّ حتى في هذا العصر , فيقول ( وفلان ) وهو يعني عليّاً ,حيث لم ينصب للخلافة ولم يتصدَّ للمعارضة _يومذاك - أحد غيره !

وقال السيّد هاشم معروف الحسني _ من علماء الشيعة المعاصرين _ : ولو تقصّينا الأسباب التي يمكن افتراضها لتلك الرغبة الملحّة في بقاء السنة في طيّ الكتمان , لم نجد سبباً يخو له هذا التصرف , ولا نستبعد أنه كان يتخوّف من اشتهار أحاديث الرسول في فضل علي عليه السلام وأبنائه عليهم السلام(13) .

ويوضّح هذا الهدف ما رواه الزبير بن بكّار (ت256هـ)بسنده عن عبد الرحمن بن يزيد , قال : قدم علينا سليمان بن عبد الملك حاجّاً , سنة (82) وهو وليّ عهد , فمرّ بالمدينة , فدخل عليه الناس , فسلّموا عليه ,وركب إلى مشاهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , التي صلّى فيها , وحيث أصيب أصحابه بأ حد , ومعه أبان بن عثمان , وعمرو بن عثمان , وأبو بكر بن عبد الله , فأتوا به قباء , ومسجد الفضيخ , ومشربة أم إبراهيم , و أحد , وكلّ ذلك يسألهم ؟و يخبرونه عمّا كان ,ثم أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سير النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم و مغازيه .

فقال أبان : هي عندي , قد أخذتها مصحّحةً , ممن أثقُ به .

فأمر بنسخها , وألقى فيها إلى عشرة من الكتّاب, فكتبوها في رقٍّ , فلما صارت إليه , نظر , فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين , وذكر الأنصار في بدر .

فقال : ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل , فإما أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم , وإما أن يكونوا ليس هكذا .

فقال أبان بن عثمان : أيّها الأمير , لا يمنعنا ما صنعوا ... أن نقول(14) بالحق , هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا .

قال [ سليمان ] : ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتى أذكره لأمير المؤمنين , لعله يخالفه , فأمر بذلك الكتاب , فخرق , وقال : أسأل أمير المؤمنين إذا رجعت , فإن يوافقه فما أيسر نسخه .

فرجع سليمان بن عبد الملك , فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان , فقال عبد الملك : وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل ؟تعر ف أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها !

قال سليمان : فلذلك _ يا أمير المؤمنين _ أمرت بتخريق ما كنت نسخته حتى أستطلع رأي أمير المؤمنين !فصوّب رأيه(15).

فإذا كانوا لا يتحمّلون ذكر فضل الأنصار , فكيف يتحمّلون ذكر فضل أهل البيت , وسيّدهم أمير المؤمنين عليه السلام ؟

كما يدل عليه ما روى من أن خالد القسري _ أحد ولاة بني أمية الطغاة _طلب من أحدهم أن يكتب له السيرة , فقال الكاتب : فإنه يمرّ بي الشيء من سيرة علي بن أبي طالب , أ فأذكره ؟

فقال خالد : لا , إلاّ أنْ تراه في قعر جهنم (16).

وسنذكر موارد المنع المباشر عن نقل أحاديث المعني بها أهل البيت عليهم السلام (17).

أقول : أمّا نحن , فلا نشكّ في أنّ السبب الأساسي لمنع تدوين الحديث هو هذا الهدف , لما حقّقناه في هذه الدراسة من عدم وجود سبب صحيح آخر له , غيره (18).

ولا يرد على هذا الرأي , إلاّ ما قد يقال من : أن الالتزام به يقتضي أن يكون المنع للتدوين , مصحوباً بمنع أشدّ لأصل الرواية ونقل الحديث , إذ ليس من الصواب لمن يدبّر تلك السياسة أن يمنع تدوين الأحاديث , ويبيح للرواة والسامعين تناقلها وروايتها , فلو ثبت أنّ الحكّام المانعين للتدوين , قد أقدموا على منع الرواية ونقل الحديث شفهاً أيضاً , تمَّ القول بأن الهدف هو التدبير السياسي المذكور ضدّ عليّ وأبنائه عليهم السلام .

فأقول : نعم , وإن مما يؤكّد رأينا بأن المصلحة لمنع تدوين الحديث هو إخفاء الأحاديث النبويّة , الدالّة على إمامة عليّ وأهل البيت عليهم السلام هو أن الحكّام لم يكتفوا بمنع التدوين فقط , وإنما منعوا رواية الحديث ونقله , بشدّ ة .

وإذا صحّ شيء من تلك التبريرات المذكورة في الفصول السابقة , لمنع تدوين الحديث, فأيّ سببٍ ومبرّرٍ يذكر لمنع نقل الحديث وروايته ؟؟

 

1- لاحظ المستصفى للغزالي (1/261- 262 ) فإنه قال : ليس بحجة فانقضاء الدليل , والعصمة , ووقوع الاختلاف بينهم , وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه , ثلاثة أدلة قاطعة . ولاحظ إرشاد الفحول للشوكاني ( ص 226 ) وحجية السنة ( ص 465 ) .

2- لقد تأملنا تاريخ التدوين لاستخراج هذه العناصر , بعون الله وتوفيقه , وكما يرى الباحث المدقق فإنّ كلّ واحدٍ منها يستفاد من مكانٍ في فصول هذا الكتاب .

3- تقييد العلم ( ص 54 ) ونقلها محمد عجاج الخطيب في أصول الحديث (ص 155-156) .

4- البداية والنهاية لابن كثير (8/ 107) .

5- سنن الدارمي (1/73) ح 286 , وانظر جامع بيان العلم (2/121) .

6- اقرأ كتاب ( النظام السياسي في الإسلام) تأليف المحامي أحمد حسين يعقوب .

7- لاحظ شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد (4/73) .

8- وقد روى البخاري في صحيحه , كتاب المحار بين , باب رجم الحبلى من الزنى , الحديث الوحيد في الباب - وهو طويل - ومن خطبة عمر يوم الجمعة وفيه قوله : بلغني أنّ قائلاً منكم يقول :والله لو مات عمر بايعتُ فلاناً ,فلا يغترنَّ امرؤ أنْ يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتةً ,وتمّت ,ألا وإنها كانت كذلك , ولكن الله وقى شرّها .

وفي الحديث : من بايع رجلاً على [أو :عن ] غير مشورة من المسلمين , فلا يبايع [أو : يتابع ] هو ولا الذي بايعه تغرّة أنْ يقتلا .

صحيح البخاري - دار إحياء التراث العربي - ( ج 8 ص 210 - 211 )

وقال الخطابي : في حديث عمر : أنه قال : إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة , وقى الله شرها .

أقول : وبهذا اللفظ ورد في مصادر عديدة , إليك بعضها :

المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ( 3/355و5/441) ومسند أحمد (1/56) وسيرة ابن هشام (4/308) وتاريخ الطبري (3/200 - 205 ) والملل والنحل للشهرستاني - الخلاف الخامس (1/30 - 31 ) والرياض النضرة (1/232) وشرح نهج البلاغة للحديدي (2/23) والكامل في التاريخ لابن الأثير (2/326) والنهاية لابن الأثير (3/175 و467 )و تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص 51 ) .

والفلتة : فسّرها أهل الغريب بالأمر الفجائي يحدث من غير رويّة ولا إحكام فانظر الفائق للزمخشري (3/139) وغريب الحديث لأبي عبيد (2/231) و (2/ 356) والنهاية لابن الاثير , والمعجم الوجيزتأليف مجمع اللغة العربية بالقاهرة .

والإمام أمير المؤمنين عليه السلام يقول عن بيعة الناس له : إنّ هذه بيعة عامة من ردّها رغب عن الإسلام , وانها لم تكن فلتةً .

رواه الدينوري في الأخبار الطوال ( ص 140 ) وأنّ عليّاً عليه السلام قام خطيبا فقال :...

و رواه في الخطبة ( 136 ) من نهج البلاغة قوله عليه السلام : لم تكن بيعتكم إيّاي فلتةً ,قال صبحي الصالح : الفلتة : الأمر يقع من غير رويّة ولاتدبّر .

وقال الإمام الزيدي يحيى بن الحسين الهادي (ت298هـ): أين الإجماع [ على خلافة أبي بكر ] وعمر يقول على المنبر :إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتةً , وقى الله شرّها فمن عاد لمثلها فاقتلوه؟

وأضاف :والفلتة فهي النهزة والخلسة والاغترار والمبادرة ,فكيف يكون إجماع على شيء انتهز وبودر واختلس من أهله اختلاساً؟؟ تثبيت الإمامة (ص13-14).

9- حديث معروف رواه الحفاط , وقد فصّلنا الكلام حوله في مقدّمة تفسير الحبري ( ص 153-163) .

10- قد سبق نقل مصادر هذا الحديث في القسم الأول ( ص 114 - 116 ) .

11- سيأتي التعليق عليه ( ص 423 ) وقد مر ذكره ( ص 265 ) .

12- الأنوار الكاشفة ( ص 54 ) .

13- دراسات في الحديث والمحد ثين ( ص 22 ) .

14- كذا الصواب ظاهرا , وفي المصدر ( أن القول بالحق ) .

15-الموفقيات للزبير بن بكّار ( ص 222 - 223 ) بواسطة مغازي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ,لعروة :( ص 28 ).

16- الأغاني (22/ 25 ) .

17- فلاحظ الصفحات (457_458).

18- وقد حاول بعض الكتاب إبداء سبب آخر , إلى جنب هذا السبب , في ما كتبه بعد صدور دراستنا هذه , سنتعرض له في ملحق خاصّ في آخر الكتاب .