|
حصيلة الكتاب
وإذا عرفنا في القسم الأوّل من الكتاب أن تدوين السنة الشريفة هو من ضرورات الفكر الإسلامي ,فلابدّ من الاعتماد على هذه الضرورة : علميّاً : لقيام الأدلة القاطعة عليها . وعمليّاً: لأن لها الأثر الذي لا ينكر في دعم الثقافة الإسلامية وتخليدها . وإذا عرفنا أن القسم الأكبر من التراث الحديثي قد تمّ تدوينه وضبطه في عهد مبكّر ,ولا يزال قسم منه متوفّراً كاملاً ,وقسم آخر منه قد وزّع في المؤلّفات التالية للعصر الأوّل ,فلابدّ لنا من التمسّك بهذا التراث - في طريق العودة إلى الإسلام الأصيل - وتفادي كلّ الأخطاء والهفوات التي تحملناها طيلة القرون الماضية , لنعيش في ظل الثقافة الإسلامية حياة حر ة كريمة . ومن أجل تحقيق هذا الهدف السامي ,لابدّ من مراجعة شاملة ناقدة لما اشتهر وانتشر من الأحاديث المنسوبة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , حاملين رؤىً صائبةً للنقد والاختيار ,لتتمّ عملية التصحيح بأمانة ودقّة ,رؤىً تتفق والمنطق الإسلاميّ الحقّ والعقل الراجح ,والورع المضيء , طبقاً لأحكم القواعد العلميّة المتّفق عليها بين العلماء . فنجمع على هذه الأسس ,لا على الأسس الخاطئة المستلهمة من نظرية منع التدوين وحرمته ,ولا المعتمدة على المشتهر على الألسنة من المحفوظات ,ولا المصادر التي تداولتها بالوضع أهواء وأغراض وعداوات مذهبيّة وعنصريّة عرقيّة ,ليتسنى لنا الإبداع في كل مجالات الجمع , والاختيار , والتأليف , والتبويب , والفهم , والتحليل , والاستنتاج . فنجمع من السنة الشريفة ما تطمئنّ به القلوب ,ونؤكّد بذلك على وثاقة اتصال المعرفة الإسلامية بجذور العروة الوثقى المحمديّة . دعما للفكر الإسلامي , من خلال توثيق أهم مصادره , وأعمّها إطلاقاً , وهي السنّة المحمّديّة الشريفة . وإسعافاً للفكر البشريّ بمعين من ينابيع المعرفة الإلهيّة التي وهبها الله لكرامة البشر , من خلال دين الإسلام وتعاليمه القيّمة . وقد عرفنا في القسم الثاني من الكتاب : أن الهدف المحدّد من عمليّة منع تدوين السنة الشريفة هو إبعاد الأمة عن واحد من أعظم مصادر الفكر الإسلامي الأصيل ,ورافد من أزخر روافده غنىً وثروةً وصفاءً وأصالةً ,ألا وهو حديث أهل البيت النبويّ الطاهر! فلتلافي ما منيت به الأمة من حرمان من الإفادة من هذا المعين العذب الفرات في الأصعدة والمجالات العقيديّة والتشريعيّة والاجتماعيّة والأدبيّة, كافّة . ولتزويد المعرفة الإسلامية بآرائهم المحكمة الرصينة الموثوقة بالاستناد إلى أءمن السبل وأوضحها محجّة ,وأقواها سندا وحجّة . لابدّ من انقشاع رواسب تلك السياسة الغاشمة ,وإزالة آثارها ,ورفع الالتزامات بمسبباتها , بعد وضوح بطلانها ,بما قدّمناه من البراهين والمؤاخذات عليها . وبذلك تفتح أمام الدارسين المخلصين لهذا الدين ,والعلماء الأئمة المخلصين لهذه الأمة ,أبواب منهج واعٍ تحدوه العقول السليمة ,والنوايا الطيبة ,ويقوده الإحساس بخطورة الأوضاع التي تعيشها الأمة ,وعمق الأزمة التي يتورّط فيها المجتمع الإسلامي بكلّ مرافقه وأجهزته , متمتعين بحرية الرأي والتصميم وجدية العزم لمعرفة أسباب ما تعيشه الأمة من الانفصام والتفكّك والانهزام أمام قوى الشرّ المعاصرة ,وللبحث عن طرق الخلاص من هذه الأزمات العويصة باجتثاث أصول أسبابها ,ورسم الخطوط الصالحة لحياة حرّة كريمة , مستلهمة من مصادر الإسلام وينابيعه الثرّة ,التي هي القرآن العظيم ,والسنّة المشرفة , وإرشادات أئمة أهل البيت الطاهرين الذين دلّت على حجيّة حديثهم أقوى ما دلّ على حجية أيّ دليل يستند إليه في معرفة تعاليم الدين ومعالم الفكر الإسلامي الرصين . فنحن ندعو المهتمّين بشؤون المسلمين والمتصدّين للحالة الثقافيّة المتردّية في العالم الإسلامي ,والساعين لإصلاح المجتمع الإسلامي من خلال رفع العراقيل والمعوّقات عن طريق إحياء الفكر الإسلامي ,أن ينتهلوا من معين السنة الشريفة التي يحملها أهل البيت النبويّ وعلماء مذهبهم وتحويها مصادر فكرهم , والتزوّد من معارفهم المتصلة بمصدر الوحي والرسالة بحبل متين وثيق ,والله وليّ التسديد والتوفيق . وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ,وحسبنا الله ونعم الوكيل . سبحان ربك ربّ العزّة عمّا يصفون ,وسلام على المرسلين ,والحمد لله ربّ العالمين ,وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
|