مكتبة الموقع

الحديث الشريف

فهرس الكتاب

 

خاتمة القسم الأول

 

خلاصة واستنتاج

وبعد أن انتهينا من القسم الأوّل , نقدّ م مختصراً له :

إنّ الإسلام _ منذ اللحظة الأولى من نزوله وبعثة الرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم به _ بدأ بالتأكيد على مبدأ الكتابة بأساليب عديدة , ولم ينتظر انفراجاً محليّاً في الأوضاع السائدة , للبتّ في تطوير الثقافة المعتمدة على الأميّة , التي كان العرب يعتادونها , إلى ثقافة الإسلام المعتمدة على الكتاب والكتابة والقلم وما يسطرون , كما هو لم ينتظر في كلّ التغييرات الأخرى التي أحدثها على المجتمع الذي نزل فيه , بتغيير المعتقدات , والأفكار , والأعراف ,والأخلاق , والسيرة , والطبائع , وكلّ ما لم يوافق عليه إلى ما رآه من عناصر الحضارة والرقي , فهو أيضا تمكّن من تغيير أساليب التثقيف المتداولة , المعتمدة على مجرّ د الحفظ والرواية , وأدخل عليها عنصر الكتابة والضبط على الورق , واعتماد الثقافة التحريريّة .

ومهما كان الحديث عن حفظ العرب وسعته , وعن ذاكرة العرب وجودتها فإنّ الرواية كانت تساير عمليّة الكتابة , المتسالم عليها لدى البشر , فلم يرحل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الرفيق الأعلى , إلاّ وقد أصبحت الكتابة أمراً مقبولاً لدى الجميع , ولا يدور حولها جدلٌ أو بحثٌ .

وقد أصبح التدوين والكتابة للمعلومات أمراً واقعاً بحيث إنّ عمر , لمّا أراد أنْ يمنع تدوين الحديث اضطرّ إلى إظهار أعذار يبرّر بها إجراءات المنع .

أمّا الجماعة الذين عارضوا تلك الإجراءات , من كبار الصحابة والتابعين _ في بداية القرن الأوّل الهجري _ وكذلك المجموعة التي تمّ تدوينها وبقيت مصونة من الإبادة والإحراق , فهي تمثّل النواة المكوّنة لتراث المعرفة الإسلامية .

وقد عرفنا في هذا القسم كلّ الأوليات الضرورية لإثبات هذه النظرية ونلخص الكلام هنا , فنقول : إنّ أدلة المبيحين لتدوين الحديث , التي جمعنا شتاتها , وألّفنا بين متفرّقاتها , هي :

1-أنّ الأصل الأوّلي في حكم التدوين , هو الإباحة .

2_ وأنّ العرف المقبول , يدلّ على جواز التدوين , وهو عرف قرّره الشارع الكريم , ولم يعارضه , فيكون حجّة في نفسه على ذلك .

3_ ورأينا أنّ السنّة النبويّة , بأقسامها الثلاثة : التقريريّة , والفعليّة , والقوليّة , قامت على جواز التدوين للحديث .

4_ ورأينا أنّ أهل البيت النبويّ عليهم السلام أجمعوا على إباحة التدوين , بل ضرورته , وأثبتنا أنّ إجماعهم حجّة يجب على الأمّة اتّباعه , ولهم في مجال التدوين آثار عظيمة .

5_ ورأينا أنّ سيرة المسلمين _ في جميع العصور : عصر النبوّة , وعصر الصحابة , وعصر التابعين , فما بعد هم إلى اليوم _ قد استقرتْ على إباحة التدوين ومزاولته , من د ون تردّد .

ومع كلّ هذه الإدلّة المعتبرة , لم يبق لدينا ريبٌ في إباحة التدوين منذ عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولم يكن حراماً في يوم من الأيّام , ولم ينقطع في فترة سوى ما تعرّض له من عمليّات المنع , من قبل بعض الحكّام , ولكنه لم يكن ذا أثرٍ على الحديث , ولا على حكم التدوين , خاصة على من لم يلتزم _ عقائدياً _ بشرعيّة تلك الإجراءات .

ولا أعتقد أنّ من يتمتع بالعلم , ويتّصف بالانصاف يمتنع من الاعتراف بهذه الحقيقة .

وقد أقرّ بها بعض علماء الحديث في العصر الحاضر , وصرّحوا : بأنّ معظم الثروة الحديثيّة قد كتب ودوّن بأقلام رواة في العصر الأوّل , وقد يزيد ما حفظ في الكتب والدفاتر _ كتابة وتحريراً في العصر النبويّ , وفي عصر الصحابة _ على عشرة آلاف حديث .

وصرّحوا : بأنّه يمكن أنْ يقال : إنّ ما ثبت من الأحاديث الصحاح , واحتوت عليها مجاميعها , ومسانيدها , قد كتب ودوّن في عصر النبوّة , وفي عصر الصحابة , قبل أنْ يدوّن في الموطأ والصحاح

نقل ذلك الأستاذ الشيخ عبد الحليم محمود _ شيخ الأزهر _ عن السيّد أبي الحسن الندوي في كتاب رجال الفكر والدعوة , وعن مناظر أحسن كيلاني في كتاب تدوين الحديث (1) وأضاف : جمعت السنّة_ إذنْ_ جميعها _ تقريباً _ في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وعهد الصحابة (2).

ويقول محمد عجاج الخطيب: إنّ تقييد الحديث وحفظه , في الصحف , والرقاع , والعظام , قد مارسه الصحابة في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , ولم ينقطع تقييد الحديث بعد وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم , بل بقي جنبا إلى جنب , مع الحفظ , حتى قيّض للحديث من يودعه المدوّنات الكبرى , وأضاف : إن أهل الحديث لم يمسكوا طوال القرن الأوّل عن تقييد الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم , منتظرين سماح الخليفة وأمره(3).

أقول :كما أنهم لم يمسكوا عن تدوين الحديث بإجراءات الخليفة لمنع التدوين ولم يأبهوا بنهيه وتحريمه , في بداية هذا القرن .

ويقول الدكتور أحمد عمر هاشم _ بعد أن ذكر النهي عن الكتابة , وما قيل من توجيهات الجمع بينه وبين حديث الإذن فيها _ ما نصه : وظل النهي عن الكتابة قائما حتى كثرت السنن وخيف عليها أنْ تضيع من البعض , فكان الإذن بالكتابة ناسخاّ لما تقدم من النهي , ولم يلحق الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بالرفيق الأعلى إلاّ وكتابة الحديث مأذون فيها (4).

ويقول في آخر حديثه : بعد هذا كلّه أرى أنّ السنة النبوية كانت تكتب في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم , وأنّ إباحة الكتابة كانت آخر ما ترك الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أصحابه عليه , فلم يلحق بالرفيق الأعلى إلاّ وكتابة الحديث قائمة , وقد حفظت في الصحف بجانب حفظها في الصدور , ولم تبق مهملة طيلة القرن الأوّل إلى عهد عمر بن عبد العزيز , وأحاديث الإذن بالكتابة أكبر شاهد على ذلك (5).

وقد ألّف المحدّث الكبير الشيخ عبد الحيّ الكتّاني المغربيّ رسالةً في إثبات التدوين والجمع لأهل القرن الأوّل الهجري من الصحابة والتابعين (6).

أقول : وبعد الاعتراف بهذه الحقيقة الواضحة , الناصعة , والثابتة بالأدلة الشرعيّة , لم نكن بحاجةٍ إلى التعرّض لضجيج المانعين عن التدوين وما أثاروه في وجه الحديث الشريف من شبه , اتّباعا لما أقدم عليه بعض الحكّام وتوجيهاتهم لإجراءات المنع .

لأنّها _ بعد وضوح تلك الحقيقة _ لم تكن إلاّ شبهةً في مقابل البديهة .

ولكن , حفاظاً على موضوعيّة البحث , وإتماماً للحجج والأدلة عقدنا القسم الثاني من هذه الدراسة لذكر جميع ما ذكره المانعون للتدوين من مبرّرات .

 

1- لقد راجعنا هذا الكتاب وهو باللغة الأردوئية وقد طبع في الهند , مكتبة تهانوي_ ديوبند _ضلع سهارنبور , يو بي . سنة 1983 م.

2- القرآن والنبّي صلّى الله عليه وآله و سلم , تأليف عبد الحليم محمود (ص 336 - 339(وقارن ذلك بما ذكره الشيخ محمد أبو زهو في الحديث والمحدّثون (ص 124) فهو يقول: إن الحديث لم يكتب في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم على النحو الذي كتب عليه القرآن , فلم يأمر النبيّ أحداً من كتّاب الوحي بكتابة حديثه !وإن وجد من بعض الأفراد كتابة شيء فذلك قليل جداً و قد كان جلّ اعتمادهم على الحفظ .انتهى .

فهذا الكلام باطل من جهات عديدة , لا تخفى على العلماء .

3- السنة قبل التدوين (ص 332 ).

4- السنة النبوية وعلومها ص 59 .

5- السنة النبوية وعلومها ص 61 .

6- ذكر ذلك في مقدمة كتاب فهرس الفهارس والأثبات المطبوع في بيروت بتحقيق الدكتور إحسان عباس (ص32) برقم ( 129) في قائمة مؤلفات الكتاني .