مكتبة الموقع

الحديث الشريف

فهرس الكتاب

 

خاتمة القسم الثاني: خلاصة واستنتاج

 

وبعد: فقد عرفنا في هذا القسم الثاني أنّ المنع من رواية الحديث لم يكن ذا أصل شرعي وإنّما ابتدعه الخلفاء الأوائل ،واستعملوا في سبيل إبادة الحديث أساليب مستنكرة كالإحراق، والإماثة في الماء ،وغير ذلك ممّا هو أعظم من الدفن تحت الأرض.

وإذا استنكر بعض العلماء من أهل السنّة كأحمد وابن الجوزيّ عملية دفن الكتب فهم لتلك الأساليب أشدّ إستنكارا؟

ثمّ إنّ عمل اُولئك الخلفاء لم يكن حجّةً مسلّمةً ،خاصة إذا رأينا أنّ كثيراً من الصحابة قد خالفوهم ،ومع ذلك فإنّ المتأخّرين حاولوا تبرير المنع ،بأُمور:

وفي الفصل الأوّل: تعرّضنا لما ادّعي وروده من الأخبار المرفوعة المسندة إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الدالّة على المنع من كتابة الحديث ،أوردنا منها أحاديث أبي سعيد، وأبي هريرة ، وزيد بن ثابت.

وناقشناها وأثبتنا أنّها غير قابلة للاحتجاج ،حيث لم يصحّ منها سنداً إلاّ حديث واحد ،أورده مسلم في الصحيح ،وهو حديث أبي سعيد الخدري ،وهو أيضاً معلول ،لتردّده بين الرفع والوقف.

وناقشناها عموماً بأنّها معارضة بسائر الأحاديث الدالّة على جواز التدوين وفيها الكثير من الصحاح المرفوعة.

وقد حاول بعض العامة الجمع بين الأحاديث المانعة، والأخبار المبيحة، بما لم يصحّ من الوجوه التي ذكرناها ,وعرضنا ما يرد عليها , وقلنا :إنّ أحاديث المنع كلّها غير معتبرة ،ولابدّ من الإعراض عنها .

وفي الفصل الثاني: ذكرنا ما ادّعي من التبرير للمنع، بالخوف من اختلاط

الحديث بالقرآن ،وهو محرمٌ.. ادّعاه عمر، ورواه أبو سعيد الخدري ،وذكره

بعض المتأخّرين.

فناقشناه بوجوه ,أهمّها: أنّ كتابة الحديث غير موجبة للاختلاط المذكور،لتميّزهما بشكل أساسي .

وفي الفصل الثالث :أوردنا التبرير للمنع بالتخوّف من أداء كتابة الحديث إلى ترك القرآن ,روي ذلك عن عمر، وابن مسعود، وأبي موسى الأشعري.

وناقشناه بوجوه :

منها :أنّ الحديث ليس ممّا يشغل عن القرآن ،لعدم المنافاة بينهما.

ومنها: أنّ المقابلة في كلام المانعين إنّما هي بين القرآن من جانب ،وبين ما كان باطلاً ككتب أهل الكتاب من اليهود والنصارى ،من جانب آخر ،وليست بين القرآن وبين الحديث الذي يعتبر تفسيراً له وبياناً ، بل لا يستغني القرآن عنه.

وقد حكم العلماء بضلالة من فصل بين القرآن والحديث مدّعياً الاكتفاء بالقرآن وحده.

وقلنا: إنّ الأصل في الحكم بضلال من فصل بينهما ،إنّما هو رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أحاديث الأريكة ,حيث أخبر بمجيء رجل يتّكىء على أريكته ويقول :بيننا وبينكم كتاب الله ,فأبدى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم استياءه من ذلك القائل وحذّر الأمة عنه وعن مقالته ،بألفاظ مختلفة، منها قوله :يوشك الرجل متكئاً في أريكته ،يُحدَّث بحديثٍ من حديثي فيقول:بيننا

وبينكم كتاب الله عزّ وجلّ فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا

فيه من حرام حرمناه!

ثم قال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم : ألا ،وإنّ ما حرّم رسول الله مثل ما حرّم الله.

وعلمنا أنّ أبا بكر خطب الناس بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال: إنّكم تحدّثون عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أحاديث تختلفون فيها ،والناس بعدكم أشدّ اختلافا، فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا:بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه.

فظهر أنّ المقصود بحديث الأريكة هو أبو بكر الذي كان أوّل من نطق بهذه المقالة .

ثمّ تلاه عمر في قوله: حسبنا كتاب الله ,المعروف عنه ،وفي منعه للحديث تدويناً أوّلاً ،ثمّ رواية أيضاً.

و صدق هذا التنبؤ من أعظم دلائل نبوّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

وفي الفصل الرابع: ذكرنا التبرير بالاستغناء بالحفظ عن التدوين ,وقد ذكره بعض المتأخّرين.

ودفعناه بأنّ الحفظ لو كان مانعاً عن تدوين شيء لكان مانعاً عن تدوين

القرآن المحصور نصّه بما بين الدّفتين.

مع أنّ الحفظ على الخاطر ليس من الواجبات الشرعيّة لا في القرآن ولا في السنّة.

ومع أنّ الكتابة لا تنافي الحفظ ،بل هي مؤكّدة له ،كما ورد عن الصادق عليه السلام :اكتبوا، فإنّكم لا تحفظون حتّى تكتبوا.

مع أنّ الاعتماد على الحفظ المجرّد يؤدّي إلى الأوهام ،بشهادة العلماء الأعلام.

وفي الفصل الخامس: ذكرنا تبريرهم للمنع بعدم معرفة المحدّثين للكتابة ،

وهو ما ذكره ابن حجر والسيوطي.

ودفعه واضح، إذ أنّ كتابتهم للقرآن أكبر دليل على تمكّنهم منها لو شاءوا ذلك. وفي الفصل السادس: ذكرنا القول الفصل في سبب المنع ،وهو ما توصّلنا إليه بعد بطلان كلّ التبريرات المطروحة للمنع، ورأينا: أنّ المنع لم يستند إلى الشرع، إنّما كان رأيا لبعض الصحابة ,على أساس مصلحة خاصة قصدها ،وليس ذلك ملزماً للآخرين ,سيّما مع مخالفة سائر الصحابة للمانع في ذلك.

و من الغريب إخفاء تلك المصلحة وعدم الإعلان عنها فتمكّنا من معرفة المواصفات التي يجب أن تكون عليها المصلحة تلك ،فوجدنا :

1 ـ أن تكون خطرة، يخشى من إبدائها للملأ.

2 ـ أن تكون غير مقبولة من قبل المعارضين للمنع.

3 ـ أن يكون الممنوع مرتبطاً بالقرآن بشكل من الأشكال .

4 ـ أن تكون المصلحة زائلةً بعد القرن الأوّل ،حيث لم يستمرّ المنع ،بل أجاز الحكّام تدوين الحديث ونشره.

وبعد التأمّل في جوانب البحث توصّلنا _ بتوفيق من الله _ إلى أنّ المصلحة كانت تدبيراً سياسياً ،وقد كشفنا حقيقتها من خلال الغور في الاَّثار المحيطة بمسألة المنع وظروفها وأجوائها وتاريخها،

فوجدنا ضمن روايات الباب: رواية ابن مسعود في شأن الصحيفة التي ذكر فيها :أنّ علقمة جاء بكتاب من مكّة ـ أو اليمن ـ صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت ـ بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ فاستأذن (هو والأسود) على عبد الله بن مسعود، فدخلا عليه، فدفعا إليه الصحيفة، قالا: فدعا الجارية ،ثمّ دعا بطست فيها ماء ,فقالا له: يا أبا عبد الرحمن ،انظر فيها، فإنّ فيها أحاديث حساناً ! فجعل يميثها فيها ، ويقول: (نحن نقصّ عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) القلوب أوعية، فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها ما سواه.

وبما أنّ الصحيفة هذه لم تكن من كتب أهل الكتاب ، وإنّما كان فيها أحاديث حسان ،كما نصّ عليه الأسود وعلقمة ،وفي خصوص أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولم يكن يُخشى من ذلك الاختلاط بالقرآن، أو الاشتغال عنه، لكنّ ابن مسعود أبادها ! علمنا أنّ محتوى الصحيفة ـ وهو ما يرتبط بأهل البيت ـ هو الذي كان يضرّ السلطة الحاكمة، بقرينة سائر ما ورد في أهل البيت مما كان يشيد بفضلهم ،ويؤكّد على خلافتهم وإمامتهم وتقدّمهم على غيرهم ،ووجوب طاعتهم ،وحرمة مخالفتهم ،وحرمة التخلّف عنهم أو التقدّم عليهم ،كما هو مفاد حديث الثقلين ,وقد جعلهم الرسول في أحاديثه قرناء للقرآن وحفظة مفسّرين له.

بينما سائر أحاديث الرسول المرتبطة بالأعمال والسنن ،فلم تضرّ الدولة ولهذا لم يشملها المنع ،بل استثنيت بنصّ عمر نفسه.

ثمّ إن أهل البيت عليهم السلام هم المعارضون السياسيّون الوحيدون الذين بقوا في الساحة السياسية ،حيث كان الناس يعظّمونهم من أجل مكانهم من

النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ،مع السوابق الشريفة التي كانت لهم ,وكان في الناس من يتطلّع لهم الخلافة ،ويعتقد لهم الإمامة.

فلو أُتيح لهم أن ينشروا أحاديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في أهل البيت ، وفيها ما يدلّ على إمامتهم من بعده ,وهي حيّة بمناظرها ومشاهدها للصحابة الأكرمين وعامّة الناس منهم في المدينة ,لكانت تحدث اختلافاً على الحكّام الذين استولوا على كرسيّ الحكم وأريكة الخلافة في غفلة وبطريقة الفلتة.

فالمصلحة المنشودة من المنع هي: إخفاء الأحاديث النبويّة التي تدلّ على خلافة علي عليه السلام ،وفضل أهل البيت من بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم .وهذه المصلحة تحتوي على العناصر المطلوبة التي ذكرناها.

لكن ربّما يورد عليه بأنّ ذلك يقتضي أن يكون منع التدوين مصحوباً بمنع

أشدّ لنقل الرواية وذكر الحديث .

فقلنا في الجواب :نعم ،وهذا هو عين ما تحقّق ،فإنّ السلطة لم تكتف بمنع التدوين ،بل منعت أصل الرواية والحديث بأساليب عديدة ,ولأجل إثبات ذلك عقدنا ملحقاً للفصل السادس يتضمّن الآثار التي دلّت على منع الحكّام للحديث روايةً أيضاً .

منها ما ورد من منع عمر لذلك:

فمنع وفد الكوفة ،ومنع عدّة من الصحابة وهدّدهم بالتبعيد ،ومنع عامة الناس،

وأخيراً حبس جمعاً من الصحابة وأجبرهم على الإقامة عنده في المدينة،

فلم يفارقوه حتّى مات ،وقد أثار حديث الحبس هذا ارتباكاً بين علماء

السنّة ،فأنكره بعضهم ،وأثبته أكثرهم واختلف المثبتون له في توجيهه:

1 ـ فجعله الخطيب احتياطاً من عمر، وحسن نظرٍ منه للمسلمين.

2 ـ وأنكر ابن حزم أصل الحديث ،وردّد أمره بين الخروج من الإسلام، وبين ظلم الصحابة، واعتبر رواياته :ملعونة.

3 ـ وحمله ابن عبدالبر على أنّ من شكّ في شيء تركه.

4 ـ وحمله ابن عساكر على التشديد في باب الرواية.

5 ـ وحمله ابن قتيبة على الإقلال من الرواية ، وعلّله بقوله : ألاّ يتّسع الناس في

الرواية ويدخلها الشوب والتدليس والكذب .

وقد ناقشنا كلّ هذه التوجيهات بتفصيل .

ثمّ ذكرنا أنّ المنع عن رواية الحديث أصبح سنّةً التزم بها عثمان ,وثمّ معاوية ، حيث أعلن عن ذلك، وعمّم منعه رسمياً على رؤوس الأشهاد وفي كلّ البلاد.

ومن خلال المنع في عهد معاوية تمكّنا من تحديد واقع الممنوع في عهد عمر، حيث أنّ معاوية ربط الممنوع في عهده بالممنوع في عهد عمر ،وأجاز ما كان جائزاً في عهد عمر. وحدّد معاوية الممنوع في نصّ آخر بأنّه الرواية في فضل علي عليه السلام وأهل بيته.

وبذلك ثبت أنّ الهدف الأساسي من المنع هو التدبير السياسي بإخفاء ما ورد من الأحاديث النبويّة في عليّ وأهل البيت عليهم السلام .

وألحقنا بالفصل السادس ملحقاً ثانياً يتضمّن آثار منع التدوين حيث أن منع التدوين للحديث الشريف، قد أثّر آثاراً سيّئةً للغاية ,هي:

1 ـ إختفاء جملة كبيرة من الحديث الشريف ,على أثر تعريض كتب الحديث وصحفه للإبادة بالإحراق، والإماثة بالماء والدفن ،وهذا سبّب التجاء بعض الفقهاء إلى الرأي والقياس واعتمادهما في استنباط الأحكام.

ولابدّ أنّ كثيرا ممّا اختفى هو ممّا يرتبط بأهل البيت عليهم السلام الذين كان الهدف الأساس إبعادهم عن الساحة السياسيّة.

2 ـ ظهور الوضع للحديث على أثر عدم ضبط الحديث في كتب محدّدة ، فتمكّن المغرضون لهدم الدين من وضع مجموعة كبيرة من الأحاديث ،ودسّها في الكتب،

بأغراض متنوّعة ,أهمّها :ما كان يدفع الحكّام على وضعه، لخدمة مصالحهم وأهدافهم ،أو بهدف معارضة أهل البيت .

ومن الغريب أنّ المتهم بالوضع والمحكوم به عند علماء أهل التسنن هم رواة الشيعة ,والأحاديث المرفوعة في حقّ أهل البيت عليهم السلام ,زهي التي كانت هدفاً للمنع من أوّل الأمر !!.

مع أنّ الوضّاع للحديث ـ وهم ليسوا مؤمنين بالإسلام ولا بأهل البيت إنّما يهدفون الدنيا ومغرياتها ،ولم يكن شيء من ذلك في جانب أهل البيت حتّى يطمعوا للوصول إليه بوضع أحاديث في حقهم ,بل كانت السلطة وما لها من مال ومنال ضدّ أهل البيت ،وكان الخلفاء والولاة والأمراء يغرون الناس بوضع أحاديث فضائل الخلفاء والصحابة في مقابل ما ورد لأهل البيت من الفضائل ، فالمتهم بالوضع في الحقيقة هم أنصار الدولة وأعضاد السلطة ورجّالة الحكّام والأُمراء. لا المؤمنون الشيعة المطاردون الذين ضحّوا بأرواحهم في سبيل إعلاء كلمة الله ونشر حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم .

3 ـ ظهوراختلاف الحديث ,فإن ذلك من الآثار السيّئة لمنع الحديث ،فلو كانت مسجّلةً مضبوطة ابتعد ذلك عنها.

وعلى أثر اختفاء نصّ الحديث لعدم تسجيله وعدم كتابته وتدوينه مباشرة ,ولجوء الناقلين إلى النقل بالمعنى ,فقد شكّك بعض المغرضين في الحديث كلّه ,بأنه ليس منقولاً بلفظه ،ورتّب على ذلك عدم حجّية النصوص.

فدفعنا هذا التشكيك بوجوه.

4 ـ ومن آثار منع التدوين: اتّهام الدين الإسلامي بالتخلّف عن الحضارة: وهو ما أثاره بعض أعداء الإسلام من المستشرقين، مستندين إلى ما صدر من المانعين وما تحقّق على أثر ذلك من إبادة الكتب ومنع تدوينه ،ورتّبوا على ذلك التشكيك في الحديث.

وقد أجبنا عن ذلك.

5 ـ ومن آثار المنع ـ وهو أهمّها وأكثرها خطورة، وهو الهدف الأساس من المنع ـ إبعاد أهل البيت : من ساحة الحكم والخلافة ,فقد أزووا الأئمّة عليهم السلام عن كلّ نشاط سياسي بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ,ولم يفسحوا لهم المجال في أداء دورهم أصلاً ،على أثر منع الحديث ,حيث أن الحديث الممنوع كان منه ـ بل هو كلّه ـ ما تضمّن تعيين أهل البيت للخلافة والإمامة، ولو أُتيح لها أن تنشر بين الناس، لما تمكّن الحكّام من إزواء أهل البيت إلى هذه الدرجة.

وترتّب على ذلك ما كان أخطر، وهو ابتعاد المسلمين عن آل محمّد عليهم السلام ابتعاداً كلّياً ,حتّى في أخذ معالم الدين منهم ، فتركوهم ولجأوا إلى أخذ الدين وأحكامه من الغرباء المتطفّلين على موائده البعداء عن معارفه ، المنحرفين في العقائد ،والمعتمدين في الأحكام على الرأي والاستحسان، والقياس.

وجهل الناس بمقام أهل البيت عليهم السلام إلى حدّ الإقدام على قتلهم وسبي نسائهم وقتل شيعتهم واتّهامهم بشتّى التهم ,وهذا منتهى الانتكاص على الأعقاب، والخروج عن الدين.

ثمّ عمدوا إلى شيعة أهل البيت ،وهم مسلمون مؤمنون بالله وكتابه وما فيه، وبرسوله وما جاء به من السنّة والحديث ،ملتزمون الصلاح شعاراً ،والتقوى دثاراً ،وبمنهج أهل البيت منهجاً , لكن جعلهم الحكّام الظالمون عرضةً لكلّ أنواع التعذيب والهتك والفتك على مدى التاريخ.

وبدلاً أن يكون جهادهم ومقاومتهم وصبرهم وانتصارهم للدين وأهله ،

سبباً للتمجيد والتكريم ،حيث تحمّلوا كلّ ذلك في سبيل الحقّ ،بنوايا

خالصة ،وإيمان عميق ،وحبّ كبير لآل بيت النبيّ صلّى الله عليه وعليهم

أجمعين ,فبدلا من ذلك ،قابلهم البلاطيون من الوعاظ والمرتزقة على موائد الحكّام ,قابلوهم بالاتّهام والجرح والقدح ،والسبّ والنبز ،والاعتداء والقذف ، بالزور والبهتان ,وقابلوا رواياتهم بالردّ والإنكار والجحد والدفع بالصدر.

موقف الشيعة:

أمّا الشيعة فلم تؤثّر فيهم تلك الأعمال، سواء من الحكّام الظالمين ،أو من علماء السوء المتحكّمين باسم الإسلام , ولم يزدهم ذلك إلاّ ثباتاً على الحقّ واستمراراً على الالتزام بالكتاب والسنّة ،وصموداً وإصراراً على الوقوف إلى جانب أهل البيت عليهم السلام .

موقفنا من مسألة التدوين:

وبذلك باءت كلّ المحاولات تلك بالفشل ،كما فشلت محاولات مانعي الحديث ـ تدويناً وروايةً ـ بالفشل الذريع ،بفضل المقاومة التي أبداها المقاومون الأوّلون. ووقف المخلصون لهذا الدين مع الصحابة والتابعين ،ضدّ إجراءات منع التدوين، في كلّ الأدوار (1) وقد عرفنا جهودهم سالجبّارة في تدوين الحديث ، بقيامهم بتأليف الكتب وجمع الأحاديث فيها ،وحثّهم على ذلك في روايات عديدة.

كما وقفوا ضدّ إجراءات منع نقل الحديث وروايته موقفاً حازماً صريحاً ،تبعاً

لإرادة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ،وحثّه على نشر الحديث وأمره بتبليغه.

1ـ فهذا أمير المؤمنين عليّ عليه السلام يقول :تذكروا هذا الحديث ،وتزاوروا ، فإنّكم إن لم تفعلوا يدرس(2).

وفي رواية: تزاوروا وتدارسوا الحديث ولا تتركوه يدرس(3).

وفي رواية ثالثة: تزاوروا وتحدثوا فإن لم تفعلوا يدرس(4).

وكان يقول :ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلّموا حتّى أخذ على أهل العلم أن يعلّموا (5).

وهذا صدّ لواحد من آثار المنع التي ذكرناها ،أعني اختفاء الحديث ،وهو معارضة عملية واضحة لإجراءات مانعي الحديث الذين عمدوا إلى إبادته بالإحراق، وإماثته بالماء ،ودفنه .

2 ـ والصحابي العظيم أبو ذرّ الغفاري :واجه إجراءات منع التحديث بشدّة فائقة، وبصراحة واضحة .

قال الراوي: أتيت أبا ذرّ ـ وهو جالس عند الجمرة الوسطى ـ وقد اجتمع الناس عليه، يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه ثمّ قال :ألم تُنْهَ عن الفتيا ؟ فرفع رأسه إليه فقال: أرقيبٌ ـ أنت ـ عليّ ؟ لو وضعتم الصمصامة على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ ثمّ ظننت أنّي اُنفذ كلمة سمعتها من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، قبل أن تجيزوه عليّ ،لأنفذتها (6)؟!

وبهذه الصراحة والصلابة والجرأة ،يقف أبو ذرّ من إجراء المنع ،ويعلن عن رفضه لذلك .

فإذا لاحظنا زمانه ومكانه ،نجد أنّه كان في الموسم ـ لأنّ الجمرة لا يجتمع

عندها الناس في غير الموسم عادةً ـ وعند الجمرة الوسطى ،حيث مجمع

الحاجّ الصاعد منهم إلى العقبة ،والهابط إلى الصغرى.

وفي قول الرقيب لأبي ذرّ:ألم تُنه ,دلالة واضحة على كون أبي ذر ممنوعاً عن

التحديث , مع أنّ وجود الرقيب والرقابة ،وكلام أبي ذرّ ,كلّ ذلك يدلّ على وجود معارضة قويّة لإجراءات الحكومة المانعة عن الحديث.

3 ـ وابن عبّاس يخالف المنع:

وقف ابن عباس من منع الحديث موقفاً صلباً ،بعد أن عارض منع التدوين فقد اُثر عنه قوله :تذاكروا هذا الحديث لا ينفلت منكم ،فإنّه ليس مثل هذا القرآن مجموع محفوظ ،و إنّكم إن لم تذاكروا هذا الحديث ينفلت منكم ،ولا يقولنّ أحدكم : حدّثت أمس فلا اُحدّث اليوم ، بل، حدّثت أمس، ولتحدّث اليوم، ولتتحدّث غدا(7).

وكان يقول :إذا سمعتم مني حديثاً فتذاكروه بينكم (8).

وهذا يدلّ على تشديده في معارضة المانعين ,ولا غرو ،فإنّه تلميذ

الإمام عليّ عليه السلام الذي كان رائد المعارضين للمنع ،وقام بالمعارضة

قولاً وعملاً .

4 ـ وهذا علقمة بن قيس النخعي ـ من أصحاب عليّ عليه السلام ـ

يقول: أطيلوا كرّ الحديث ،لا يَدرُس(9) .

ويقول :تذاكروا الحديث فإن حياته ذكره(10).

وكذلك وقفنا ـ نحن شيعة علي وأهل البيت عليهم السلام ـ نفس الموقف: فنعتقد أنّ الحديث يجب أن يكتب ويضبط بدقّة فائقة ،ثمّ ينقل ويبلّغ إلى الأُمّة بأمانة وبصورة واسعة ،ويفسّر ويشرح لهم ،كي تبلغ الجميع فتستبين لهم السبيل العادلة ،الموصلة إلى الحقّ.

وبهذا تميّز أهل البيت وشيعتهم عن سائر الناس بحمايتهم الحديث الشريف، وحثّهم على تدوينه ،وروايته، قولاً وعملاً ،فسجّلوا بذلك جدارتهم وفضلهم .

 

1- يقول في دلائل التوثيق المبكّر (ص235) :لا يستطيع المرؤ أن يسلّم أنّ الكتابة كانت مختفية طوال فترة [ المنع ] ففي الواقع أنّنا عرفنا أنّ الانتقال المستمرّ والمكتوب للحديث بدأ من وقت مبكّر ,بل ,وحتّى في الوقت الذي كانت فيه الكتابة تعدّ جريمة لا تغتفر ،كان بعض العلماء يكتبون سرّاً .

أقول: بل كثير من العلماء جاهروا في مخالفة السلطة المانعة في كلا مجالي التدوين والتحديث .

2- سنن الدارمي (1/122) ح632، ومعرفة علوم الحديث للحاكم (ص60و146) وجامع بيان العلم (1/101و108) وشرف أصحاب الحديث (ص96).

3- الجامع لأخلاق الراوي (1/364) والمحدث الفاصل (الفقرة 721) وجامع بيان العلم (1/101).

4- المصادر السابقة.

5- السابق واللاحق، للخطيب (ص185) وللحديث قصّة مجملها أنّ الزهري ترك الحديث، فلقيه الحسن بن عمّارة ،فحدّثه بهذا الحديث ،فاضطرّ الزهري إن يحدثه ,فلاحظ المصدر.

6- سنن الدارمي (1/112) ورواه البخاري من قوله: لو وضعتم.. إلى آخره ،في صحيحه (2/27) وقال في حلية الأولياء (إن المانع هو عثمان بن عفان ,والرقيب رجل من قريش)وفتح الباري (18/170) وحجيّة السنّة (ص3 ـ 464).

7- سنن الدارمي (1/119رقم 606)وشرف أصحاب الحديث (ص95 رقم205) والجامع لأخلاق الراوي .

8- الجامع لأخلاق الراوي (1/346)والمحدث الفاصل (الفقرة 728).

9- جامع بيان العلم (1/111)والجامع لأخلاق الراوي(1/366)و(2/402)و مختصر تاريخ دمشق (17/172) وسير أعلام النبلاء (4/57).

10- الجامع لأخلاق الراوي (2/405).