|
تمهيد
إنّ الحديثَ الشريفَ يُعتبر - عند المسلمين كافّةً -تاليَ القرآن الكريم , عماداً للإسلام , ومصدراً للأحكام . وصيانة الحديث الشريف , واجبةٌ كفايةً , على المسلمين , كما هو الحكم بالنسبة إلى القُرآن الكريم , حِفاظاً على أصول الشريعة من التحريف والتصحيف. وقد بذل علماء الأمّة قُصارى جُهدهم في أداء ذلك الواجب , حتّى تألّفَ الحديثُ الشريف في المجاميع الكثيرة من الأجزاء الصغيرة إلى المصنّفات الكبيرة , وما بينهما من الأصول والصحاح والمعاجم و المسانيد والجوامع . وكذلك , أحاطوه بما في وُسْعهم من وسائل الحفظ, وأدوات الحِيْطة والحَذَر , فسنُوا لذلك القواعدَ المتينة والأصول الرصينة , في علم مصطلح الحديث أو الدراية. وضبطُوا نصوصَه على أُسُسٍ قويمة , بأساليب مستقيمة , في علم الحديث والرواية , حتّى سلّموه إلى الخلف مصُوناً عمّأ يّشين , و محاطاً بما يَزين , والحمد لله ربّ العالمين . وجرت على الحديث الشريف - منذ نشأته الأول , وما تلاها من الأدوار - تطورّاتٌ كثيرة , وبذلت حوله جهود جبّارة , وكلّ ذلك يكوّن للحديث الشريف . تاريخاً حافلاً. ومن أهم المباحث المطروحة في مجال تاريخ الحديث , هو تاريخ تدوين الحديث أو - بعبارة أخرى - : تحديد البداية الأُولى لتدوينه , والأسباب التي أدّت إلى منع تدوينه ! في بعض فترات التاريخ من صدر الإسلام .والنتائج المُتوخّاة من هذا البحث , هي: 1- الفائدة العلمية: فقد وقع - بين علماء الحديث - بحثٌ واسعٌ في ذلك , بحيث استقطبَ من جهودهم قسطاً وافراً في المادّ ة والمدّة , ويمكن من خلال هذا البحث التوصّل إلى الرأي الصائب , بالحجج الصائبة. 2- الفائدة العملية: فإن أعداء الإسلام حاولوا التشكيك في حجيّة الحديث الشريف , استناداً إلى المنع الصادر من بعض الصحابة الذين حكموا بعد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم , ومنعوا تدوين الحديث الشريف , فجعلوا ذلك ذريعة لمآربهم الفاسدة , مثل: 1- إثارة الفكرة القديمة البائدة , التي تدعو إلى رفض السُنّة والحديث , والاكتفاء بالقرآن الكريم مصدراً وحيداً للتعاليم الإسلاميّة. 2- التشكيك في النصوص التي تحويها كتبُ الحديث الشريف , باعتبار تأخُّر تدوينه , إلى ما بعد مائة عامٍ , فلا بُدّ -كما يدّ عون ! - أنْ تكونَ مجموعة كبيرة منها قد ضاعتْ و أتلفتْ , أو حُرِّ فَتْ , أو نُسِيَتْ ,أو نُقِلَتْ بالمعنى , وغير ذلك من الشبهات.. 3- اتّهام الإسلام بالتخلُف عن ر كب الحضارة الهادر , حيثُ منع كبارُ رجاله من تدوين الحديث النبويّ في وقتٍ مبكّر.. وبالتالي : فإنّ الأعداء يهدِفون - اعتماداً على المنع المذكور - إلى القضاء على الإسلام , الذي يبتني في أكثر تعاليمه , على الحديث الشريف , باعتباره أكبر مصادرها سعةً , وأهمُّها - بعد القُرآن - حُجّيةً واعتبارا. فكان من الضروريّ التصدّي لهذا البحث , العلميّ العمليّ , لتبرزَ الحقائقُ ناصعةً مُسْفرةً.. ورأينا - إسهاماً في خدمة الحديث الشريف - أنْ نُفْرِد لهذا البحث المهمّ هذه الدراسةَ , محاولين - قدرَ الوُ سْع والجهد - استيعابَها لما قيل , أو يمكن أنْ يقال , في هذا المجال. ونرجو من الله التوفيق إ لى الصواب , هو نعم المولى وإليه المآب. وكتب السيّد محمّد رضا الحُسينيّ الجلاليّ غُرّة شهر رمضان المبارك 1412 هجرية
|