|
الفصل الأول تدوين الحديث من الحقائق التي ظفرت بفصل القول، واجتازت محنة التوقف، أن السُنَّة النبوية لم تنلها يدُ التدوين الرسمي على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك كما كان حظ القرآن الكريم. فقد كان له كُتَّابه المعيَّنون بالاسم والصفة، وعُرفوا بعنوان واضح وسمةٍ شاخصة (كتَّاب الوحي). وفي عددهم ودورهم جالت أقلام المؤرخين. كانت مهمتهم تقييدُ الآيات الكريمات بعد نزولها بإشراف متواصل وتوجيه متاخم وعناية لاصقه من النبي العظيم، الأمر الذي ساهم في حفظه للأمة المرحومة على طبق حقيقته الربانيَّة المنزَّلة. وفي روايات يعتبرها علماء السُنَّة صحيحة أن صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله) نهى عن تدوين أحاديثه، بل شدد على ذلك، وفي ضوئها وعلى هديها يعلّل البعض من علماء الجمهور عدم تدوين السُنَّة المطهرة، إنه نتيجة طبيعية للنهي النبوي الوارد في هذا المضمار. قال صاحب مفتاح السنة: (لم تكن السُنَّة في القرن الأول - عصر الصحابة وأكابر التابعين - مدوَّنة في باطن الكتب، وإنما كانت مسطورة على صفحات القلوب، فكانت صدور الرجال مهد التشريع، ومصدر الفتيا، ومبعث الحكم والأخلاق، ولم يقيدوا السُنَّة بكتاب لما ورد من النهي عن كتابتها) (1). إن فقدان التدوين - بموجب هذا التصوير - جاء أثراً لممارسة شرعيّة، ولم يكن لندرة الكتاب أو لضيق الفرص المؤاتية بفعل الضغوطات الجاهلية التي كان المسلمون الأوائل يعانون منها (2). خاصّة وإن النهي صريح لا يقبل التأويل، وينطوي أحياناً على لون من التوكيد. إضافة إلى ما سبق أن الدلائل تشير إلى انتشار عادة الكتابة في العهد النبوي، وعلى الأخص بعد الهجرة الميمونة، كما أن الـــنـــهـــي التحريمي امتدَّ زمنه بعد تأسيس الدولة الإسلامية على يد النبي (صلى الله عليه وآله)، حيث تبدَّد الخوف، وصار المسلمون أصحاب الإرادة النافذة. إن الامتناع - بلحاظ الروايات السنية - امتثال مولوي، ولم يكن استجابة لحكمة طرأت على الأذهان بعد موازنة بين إقدام وإحجام. فقد روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني شيئاً سوى القرآن فليمحه) (3). وللحديث صيغ متعددة، وهو كما يقول بعض علماء الجمهور صحيح (4). وليس فيه مجال لبناء على غير ما ينطق به. ولكن بعض الأقلام فتَّشت عن سابقة داعٍ معقول لهذا الـــــمـــنــــع خارج نطاق النص، لأن نهي النبي عن تدوين حديثه، وذلك على ما يحملُ من شأن خطير يبعث على الاستغراب. إن لم نقل أنه ينقش على صفحات الذهن الوقاد فكرة الرفض أو التردّد، وهنا دخلت (الفلسفة) لترمّم سلامة الإذعان بصحَّة الأحاديث الناهية عن التدوين، وذلك فيما تخلقه من أجواء مشحونة بالريب والتردد، فكثرت التصورات، وقالوا على مجمل ما تصافق عليه أكثر علماء الجمهور: أن المنع تغذَّى من خشية اختلاطٍ بين (الوحي الذي يُتلى بالوحي الذي لا يُتلى) (5). وعلى منوال هذا النسج وفي نطاقه حاكت الأفكار تبريرات أخرى، سنأتي عليها بالتفصيل. على أن الأثر النبوي - عن طريق الجمهور - لم يعدم أحاديث وقرائن وأخبار (تبلغ في مجموعها رتبة التواتر في إثبات وقوع الكتابة للحديث النبوي في عهده (صلّى الله عليه وآله)) (6). وهذا (الوقوع) عن رخصة شرعية نصَّ عليها حديث أو أحاديث، بل منها ما كان يحث على الكتابة والتدوين. ومن هنا نشأت مشكلة سببها التعارض الفاضح بين أحاديث المنع من جهة وأحاديث الإباحة من جهة أخرى. والمشكلة بطبيعة الحال تواجه أولئك الذين يؤمنون بصحّة هذه الأحاديث على تنافيها، أي سواء تلك التي تحرّم أو تلك التي ترفض. وعلماء الجمهور يجمعهم إصرار لا تفلّه أقوى دواعي الحيرة على إمضاء هذه الأحاديث صحيحة بكل معنى الكلمة، ولهذا اجتهدوا في التأليف بينها، وتلمَّسوا لذلك أعذاراً شتى. وقبل استعراض هذه الاجتهادات يحسن بنا أن نذكر بعض الروايات المتعارضة في هذا المجال:
بعض روايات المنع 1 - عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (7). 2 - وعن أبي سعيد الخدري (جهدنا بالنبي (صلّى الله عليه وآله) أن يأذن لنا في الكتابة فأبى) (8). وفي رواية أخرى (استأذنّا النبي (صلى الله عليه وآله) في الكتابة فلم يأذن لنا) (9). 3 - وعن أبي هريرة (خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن نكتب الأحاديث. فقال: ما هذا الذي تكتبون؟! قلنا: أحاديث نسمعها منك. قال: كتاب غير كتاب الله؟ أتدرون ما ضلَّ الأمم قبلكم إلاَّ بما اكتتبوا من الكتب مع كتاب الله تعالى) (10). هذه الأحاديث التي يرويها الجمهور من المسلمين صريحة في النهي عن تدوين السنَّة، وخاصة رواية أبي سعيد الخدري، كما أن رواية أبي هريرة تشير بكل وضوح إلى أن ترقيم الحديث النبوي يقود إلى ضلال الأمة وانحرافها عن طريق نبيها، وعليه فإن نهى النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا المقام لا يعطي دلالة هي دون الحرمة المقطوعة. ومن هنا يحق لنا أن نتساءل عن حكمة هذا الكاتب أو ذاك، عندما يؤطر هذه الأحاديث بعنوان آخر هُوَ (كراهة الكتابة) (11). والتدقيق في هذه الأحاديث التي هي أصحّ ما ورد في هذا الباب نلاحظ الحقائق التالية: أ - أن النهي الوارد تحريمي. ب - أن النهي عام. ج - أن النهي امتد تاريخه إلى سنة (7 هـ) على أقل تقدير زمــنــي مــتــصــــور، لأن أبا هريرة بايع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سنة (7 هـ) (12). الأمر الذي نوَدّ أن نثبته هنا - وسيأتي تفصيله - أن منع تدوين الحديث فاز على رضا السلطة الخلافية بعد انتقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الملأ الأعلى، وتحوَّل المنع إلى مذهب رسمي تتجاذبه إجراءات بلغت حدَّ العنف المادي والمعنوي. وذلك رغم أن الرسول أباح الكتابة بعد النبي كما يُدلي علماء الجمهور... ملاحظة سريعة أوردنا بيانها.
روايات الإباحة 1 - عن أبي هريرة: (ما من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) أحد أكثر حديثاً عنه مني، إلاَّ ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب) (13). 2 - عن عبد الله بن عمرو بن العاص: (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أريد حفظه، فنهتني قريش. وقالوا: تكتب كل شيء سمعته عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورسولُ الله بشر يتكلم في الغضب والرضا!، فأمكست عن الكتابة. فذكرت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأومأ إلى فيه وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاَّ الحق) (14). 3 - عن أبي هريرة: (أن رجلاً من الأنصار كان يشهد حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلا يحفظه، فيسأل أبا هريرة فيحدّثه، ثم شكا قلَّة حفظه إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله). فقال له النبي: استعِن على حفظك بيمنك) (15). 4 - عن رافع بن خديج: (قلنا: يا رسول الله، إنا نسمع منك أشياء، أفنكتبها؟ قال: اكتبوا ولا حرج) (16). 5 - وعن أنس بن مالك: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): قيّدوا العلم بالكتاب) (17). 6 - عن أبي هريرة: (لما فتح الله على رسوله (صلى الله عليه وآله) مكة، قام الرسول (صلى الله عليه وآله) وخطب الناس، فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه، فقال: يا رسول الله: اكتبوا لي. فقال: اكتبوا له. فقال أبو عبد الرحمن (عبد الله بن أحمد) ليس يروى في كتابه الحديث شيء أصح من هذا الحديث لأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: اكتبوا لأبي شاه) (18). هذه الأحاديث - وهي أصح ما في هذا الباب - وغيرها صريحة بجواز كتابة الحديث الشريف، والتدقيق في نصوصها وظروفها وأجوائها يعطي الحقائق التالية: أ - أن من هذه الأحاديث ما هو خاص كما هُو في صدد (أبي شاه). ب - أن من هذه الأحاديث ما هو عام في دلالته كالخبر الذي يرويه أنس بن مالك ورافع بن خديج. ج - أن من هذه الأحاديث ما يشجّع على الكتابة ويحبّذها، كما هو مع عبد الله بن عمرو بن العاص. د - أن من هذه الأحاديث ما يفيد الأمر (قيدوا العلم بالكتاب) (19). على أن في البين معضدات كثيرة يذكرها علماء الجمهور للتدليل على إباحة الكتابة ووقوعها في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، منها: أولاً: وجود (صحف) حديثية على عصر الرسالة. ومنها: 1 - الصحيفة (الصادقة) التي كتبها عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد انتقلت إلى حفيده (عمر بن شعيب) وفيها الشيء الكثير عن رسول الله كما تنوّه وتصرّح مصادر الجمهور في الحديث (20). 2 - صحيفة علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهي تشمل على مقادير الديات (21). 3 - صحيفة سعد بن عبادة، وقد جمع فيها طائفة من أحاديث النبي (22). 4 - صحيفة عبد الله بن أبي الذي كان يكتب الأحاديث بيده. 5 - صحيفة سمرة بن جندب وقد ضمّنها أحاديث عديدة، ورثها ابنه (23). 6 - صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري (24). 7 - صحف أبي هريرة الكثيرة التي لم يبق منها إلاَّ صحيفة واحدة، رواها عنه تلميذه (همام بن منبه) وهو من التابعين (25). ثانياً: ومن المعضدات الرئيسية والمهمة التي تفيد أن الإباحة في تدوين حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأنه وقع كحادثة مؤكدة، ما كتبه (صلّى الله عليه وآله) من رسائل سياسية إلى ملوك وأمراء عصره، يدعوهم فيها إلى الإسلام، وذلك في سنة (6 هـ) أو (7 هـ) على اختلاف بين المؤرخين (26). ثالثاً: وفي هذا المجال يمكن أن يُدرج كتبه (صلّى الله عليه وآله) الإرشادية والفقهية إلى بعض الصحابة، منها: 1 - كتابه إلى وائل بن حجر ضمَّنه الأصول العامة للإسلام، حمل به إلى أهله في حضر موت مرشداً وهادياً (27). 2 - كتابه إلى عمرو بن حزم عامله على اليمن، وقد احتوى شيئاً من عقائد الدين الجديد وأحكامه الشرعية (28). 3 - كتابه الذي دوَّن فيه حقوق الأنصار والمهاجرين وأهل المدينة بعد الهجرة المباركة (29). 4 - كتابه الذي طلب (صلى الله عليه وآله) إملاءَهُ لأمته قبيل وفاته لكي يعصمها من الضلال التأبيدي، فمنعه عمر، وقال قولته الشهيرة: (كفانا كتاب الله إن الرجل ليهجر) (30) وفي رواية (غلبه الوجع) (31). في رأي علماء الجمهور أن هذه الأحاديث والصحف والكتب تثبت أمرين مهمين: الأول: أن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أباح كتابة الحديث الشريف على عهده. الثاني: أن تدوين الحديث عملية حصلت فعلاً في زمنه (صلّى الله عليه وآله). ولكن الذي يثير الدهشة حقاً، أن هذه الإباحة أو الرخصة التي أطلقها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لم تترك أثرها الإيجابي الفاعل بعيد وفاته. فقد أصرَّت طائفة متقدمة من الأصحاب على عدم تدوين الحديث، فضلاً عن الاهتمام به بالدرجة التي تناسب أهميته ودوره في تشييد الصرح الإسلامي، ذلك أن السُنة وباعتراف الجميع ضد الكتاب. |
|---|
|
الهوامش: 1- مفتاح السنّة: محمد عبد العزيز متولي: ص16. 2- راجع: (أ) أصول الحديث: محمد عجاج الخطيب: ص142 - 146. (ب) مكاتيب الرسول: الأحمدي ص61 الهامش. 3- مسند أحمد: ج3 ص21. 4- أصول الحديث: ص147. 5- مفتاح السنة: ص17. 6- منهج النقد في علوم الحديث: الدكتور نور الدين عتر: ص400. 7- مسند أحمد: ج3 ص21. 8- أنظر مسند أحمد: ج3 ص12 و56 وسنن الدارمي: ج1 ص119. 9- سنن الترمذي: ص385. طبع المكتبة الإسلامية. وج 10 ص134 طبع دار الكتاب العربي. 10- تقييد العلم: الخطيب البغدادي: ص34. 11- أصول الحديث: ص147. 12- كما في سير أعلام النبلاء: ج2 ص586. 13- صحيح البخاري بشرح فتح الباري: ج1 ص148. 14- سنن الدارمي: ج1 ص125 - 126. 15- تقييد العلم: ص 72. 16- المصدر السابق: ص72 17- المصدر السابق: ص69. 18- مسند أحمد: ج12 ص235. 19- سنن الدارمي: ص127 طبعة دمشق. 20- سنن الدارمي: ج1 ص127. 21- البخاري: ج1 ص29. 22- مسند أحمد: ج5 ص285. 23- تهذيب التهذيب: ج4 ص198. 24- أصول الحديث: ص197. 25- تهذيب التهذيب: ج12 ص265. 26- مكاتيب الرسول: الأحمدي: ص30 - 31. 27- الإصابة في معرفة الصحابة: ج6 ص312. 28- الطبري: ج2 ص388. 29- سيرة ابن هاشم: ج2 ص147 - 149. 30- راجع: (أ) صحيح مسلم: ج3 ص1257 - 1259. (ب) طبقات ابن سعد: ج2 ص36 - 37. 31- المصدر السابق. |
| أعلى |