مشكلة تدوين الحديث الشريف في عصر النبي

 

الفصل الثاني

لماذا نهى الرسول (صلّى الله عليه وآله) عن تدوين الحديث؟

النهي الصارم الذي مارسه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في تدوين الحديث يثير في العقل مشكلة حادة. فليس سراً أن سنة النبي (صلّى الله عليه وآله) عدل الكتاب، وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي الذي أراده الله منهاجاً كاملاً ودائماً للإنسان، وعليه فإن هذا النهي يكون مدعاة استغراب مشروع، ويستدعي أكثر من سؤال صميمي، خاصّة وأن المنع عن التدوين له آثاره الخطيرة على بنية الشريعة وأسسها وأهدافها وغاياتها - سنفصل القول في ذلك -. وذلك مهما بالغنا بقدرة الحفظ بالصدور على صيانة الحديث من الاختلاق والاختلاف والدس والتشويه.

إن التعويل على حفظ الحديث في الصدور، وترجيحه بهذه القوة وهذا الإصرار على حفظه في السطور، مسألة معقدة بفعل استقطابها لعنصر (اللامعقولية)، وبفعل كونها تتعارض مع طبائع الأشياء. ومن هنا كانت مثار معالجة بل معالجات منذ زمن ليس بالقصير. والذي يعتقد أن هذه القضية - كمشكلة - إنما بنيت هذه الأيام، إنما هو واهم، فلأنها تندرج في غرائب الأمور بلحاظ ظروفها وأجوائها كانت محط تدبر القدماء من صيارفة الحديث، وهي اليوم مشكلة تُساق على ألسنة المخلصين والمغرضين.

وقد تعدَّدت الأطروحات في هذا المجال، وتباينت في مضامينها العلاجيّة.

في الواقع أنَّ إثارة الموضوع قديماً وحديثاً، والسعي الجاد للجواب على سؤال (لماذا)؟ بين فترة وأخرى يكشف وإلى حدٍ كبير أن النهي الوارد يدخل في حومة التساؤل.

والآن! لماذا نهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن تدوين حديثه؟

هناك طائفة من الإجابات، نرى من الأفضل استعراضها على نحو التفصيل بغية عرضها على ميزان الفكر الحر، لنرى مدى قدرتها العلمية على إيفاء الجواب.

 

• الأطروحة الأولى

صاحبها: الحافظ بن حجر العسقلاني، أوردها في مقدمة كتابه الكبير والموسوم بـ(فتح الباري في شرح البخاري).

قال: (اعلم - علّمني الله وإياك - أن آثار النبي (صلّى الله عليه وآله) لم تكن في عصر أصحابه وكبار تَبَعهم مدوَّنة في الجوامع، ولا مرتبة لأمرين:

أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوُا عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.

وثانيهما: لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة) (32).

ونحن إذا دققنا النظر في هذا النص لوجدناه مُساقاً لتعليل عدم تدوين الحديث الشريف في أبواب ومجاميع، ويدرج في الأثناء سببين، أحدهما النهي النبوي الوارد، ثم يعطي للنهي سبباً خاصَّاً به، أجمله في قوله: (خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم). وهذا التعليل المنصب على النهي النبوي من التدوين محل تصافق وتجاذب العديد من علماء الجمهور من المسلمين، سواء القدماء منهم أو المحدثين، منهم صاحب معلم السنن (ج4 ص182)، وابن كثير في الحاشية (ص155) والصنعاني في توضيح الأفكار (ج2 ص253 - 254)، والأستاذ أحمد محمد شاكر في تعليقته على الباعث الحثيث (ص148 الحاشية)، والشيخ محمد عبد العزيز الخولي في مفتاح السنة (ص16 - 17).

ولكن هل ينهض هذا التبرير على ساق قوية؟ وهل يزيل عن قلب المؤمن غشاوة السؤال الملحّ والاستفهام المنطوي على الحيرة؟!

إن من علماء الجمهور من لم يعجبه هذا (التعليل - التبرير) لأن نتائجه وخيمة، والآثار السلبية التي تترتب على قبوله أكثر من آثاره الإيجابية المأمولة، ومن هؤلاء العالم الكبير رشيد رضا صاحب (تفسير المنار) المعروف، فقد استثار فيه هذا النهي مكامن الدهشة، وردَّ عليه بما يلي:

(على أن الأحاديث لو كانت قد كتبت، فإنما ذلك على إنها أحاديث للنبي (صلى الله عليه وآله)، وبين الحديث والقرآن لا ريب فروق كثيرة، يعرفها كل من له بصر بالبلاغة وذوق البيان، ومن ثم كانت تؤثر على هذه الصفة، وإذا كتبها الصحابة بعد انتقاله (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى، وزَّعوا منها نسخاً على الأمصار، كما فعلوا بالقرآن، فيكون ذلك على أنها أحاديث، ويتلقاها المسلمون على أنها كلام النبي، ويظل أمرها كذلك جيلاً بعد جيل فلا يدخلها الشوب، ولا يعتريها التغيير، ولا ينالها الوضع، على أن هذا السبب الذي يتشبثون به، قد زال بعد أن كتب القرآن في عهد أبي بكر على ما رووه..) (33).

على أن (التعليل - التبرير) المذكور يتناسى قضية في غاية الوضوح، فإن الحيلولة دون اختلاط القرآن بالحديث لا تحتاج إلى أكثر من إجراء وقائي، وبالتالي هي مسألة فنية ممكنة وسهلة، وعلى غرارها مثل ساطع، فليس عسيراً على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يكلف جماعة مخصوصة في تدوين سنَّته، كما فعل مع القرآن الكريم. ولم يكن عسيراً عليه أن يواكب عملية التدوين بخطه مبرمجة تتلافى سلبية أو سلبيات الإباحة العامة والحظر العام.

فما المانع أن يخطو رسول الله مثل هذه الخطوة العلمية العقلية السهلة؟ إن النبي الذي وضع الخطة الكونية البارعة والرقيقة والناجحة لقيادة الجيوش وتنظيم المجتمع وتأسيس الدولة... إن مثل هذا النبي لا يصعب عليه ابتداع خطة يحفظ من خلالها سنته الشريفة، ولو على الإجمال وليس التفصيل. والغريب أن مصادر الجمهور لا تشير إلى مثل هذا العمل من قبل الرسول حتى بعد ترخيصه التدوين، فيما هو من طبائع الأشياء كما نعتقد، وكما سنبرهن عليه في وقته.

 

• الأطروحة الثانية

- قال الرامهرمزي: (وحديث أبي سعيد (...) أحسب أنه كان محفوظاً - أي القرآن الكريم - في أول الهجرة وحين كان لا يؤمن الاشتغال به عن القرآن) (34).

وردَّد هذا الرأي علماء أفاضل من الجمهور عندما يتناولون هذه المشكلة من أجل تذليلها، منهم ابن كثير في حاشيته (35). ويستلطفه كثيراً الأستاذ أحمد محمد شاكر (36).

وفي الحقيقة إن المؤسّس الأول لهذا الرأي هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، فقد استنَّه سبباً لمنع التدوين، بل لمنع نشره والاشتغال به.

(وقد روى شعبه وغيره عن بيان عن الشعبي عن قرظة بن كعب قال: لما سيّرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر. وقال: أتدرون لِمَ شيعتكم؟ قالوا: نعم، تكرمة لنا. قال: ومع ذلك أنكم تأتون أهل القرية، لهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم جرَّدوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله...) (37).

وقد اجترأ الخليفة على حرق الأحاديث في بعض المرات انسياقاً مع هذا الخوف الذي ذكره (38).

هذا هو منبع التعليل وجذره الأول... وعليه يمكن صياغة هذه الأطروحة التي أسَّسها الخليفة الثاني، وسار عليها رهط من علماء الجمهور بالعبارة التالية:

(إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى الصحابة عن كتابة الحديث لئلا يتشاغلوا به عن القرآن الكريم، وخاصة حفظه).

والأطروحة مرفوضة لأكثر من سبب... منها:

1 - إنها مجرد تصور، عارية عن كل برهان، والتصورات المطلقة لا تنفع في مثل هذه الأمور الخطيرة.

2 - من مصادر الجمهور الحديثية يؤكدون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان على اهتمام فوق العادة في تعليم الأصحاب أحاديثه الكريمة، ولم يفتأ أن يُطلق عبارات التشجيع والترغيب على روايته وإذاعته وبيانه، ففي الحديث: (نضّر الله امرئً سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره) (39).


- قال الدكتور الحسيني: (كان من عناية الصحابة بحديث النبي أنهم كان الواحد منهم إذا شغله عمل أرسل صاحبه الثقة ليخبره بما يقول الرسول فكانوا يتناوبون في السماع، ويبلغ الشاهد الغائب، ويسأل الغائب الشاهد، وسطروا السُنَّة على صفحات قلوبهم، ووعوا كل ما سمعوا وما شهدوا، وحرصوا على نشره وتبليغه...) (40).

ترى هل كان تدوين الحديث يستوجبُ أكثر من هذا الجهد ليكون ملهاة عن الوحي المنزّل؟!

لماذا لا يكون هذا العمل المستمر الدائب على حفظ الحديث في الصدور، ومن ثم فهمه وهضمه ووعيه، ثم نشره وبسطه، ومن ثم تبليغه عن سابق إصرار وإرادة... لماذا لا يكون كل ذلك هو الآخر مشغلة عن كتاب الله؟!

إن هذا (التعليل - التبرير) لا يمتلك صلاحيَّة موضوعية ليقوم بنفسه.

3 - ولا نحتاج إلى إمعان نظر طويل لنكتشف أن هذا التبرير يسيءُ إلى وعي الصحابة الديني والشرعي، ويميط اللثام عن جهل مطبق لديهم... أي مسلم من هذا النوع تلهيه كتابة الحديث عن جمع القرآن وتلاوته؟! اعتقد أن الأرقام العلمية تعكس التصور تماماً، أن الغوصَ في الحديث والاهتمام بحفظه وكتابته يدفع إلى الاهتمام الأكثر عمقاً وجديَّة بالقرآن وصيانته، إن ذلك يضعنا بين يدي مسؤولية مباشرة.

4 - ومع افتراض أن هذا الخطر قائم، فإن ذلك لا يحول دون تفكير الرسول (صلى الله عليه وآله) لجمع حديثه وسنته بواسطة أصحاب معتمدين، نالوا إيماناً ومعرفة ووعياً لا يجامعهُ مثلُ هذا المحذور المزعوم.

في الحقيقة إن هذا الجواب بعد ملاحظة كل ما مرَّ من حقائق يعبر عن جهد العاجز في إعطاء الجواب الشافي على السؤال الذي يتحرك في ضمير كل مسلم يؤمن بالمنزلة الخطيرة لسُنَّة النبي... إن الضعف يعتريه من كل صوب.

وبسياق عفوي تشترك في صنعه أكثر من حقيقة معروفة تاريخياً وذوقياً وإسلامياً، نقول:

لقد كان المسلمون على عهد رسول الله مشدودين إلى القرآن المجيد لسحر بلاغته، وعمق تصوراته في الكون والحياة والإنسان، ولأجوبته الحاسمة على عسير أسئلتهم عن الوجود وآفاقه ومبدئه ومصيره... فليس من المعقول ولا من المتوقع مع هذه الحال الصارفة والمعالم الظاهرة أن يستوعب تدوين الحديث اهتمام الصحابة وطاقاتهم وإمكاناتهم بالدرجة التي تصرفهم عن كتاب الله!!

وإنه لتبرير يستدرج فطرة السؤال لتحوم حيرتها عن عظمة هذا القرآن، ويفجر في المتربص حجة الطعن الصريح المستند إلى الحس في واقع هذا الكتاب العظيم.

 

• الأطروحة الثالثة

- قال السيد رشيد رضا: (... إن نهيه (صلى الله عليه وآله) عن كتابة حديثه مراد به ألاَّ تُتخذ ديناً عاماً كالقرآن) (41).

وقال أيضاً: (وقد يكون قريباً من الصواب في حكمةِ نهي النبي عن كتابة حديثه هو لكي لا تكثر أوامر التشريع ولا تــــتــــســــع أدلة الأحكام) (42).

وهذا (التعليل - التبرير) يتغافل بدرجة مذهلة الأهمية القصوى للسنة النبوية بالنسبة للإسلام ككل. فهي ليست موعظة عابرة، ولا حكاية تاريخية ولا نوع من استخراج الخاطر... إنها المصدر الثاني لهذا الدين في صياغة الإنسان الكامل والمجتمع الفاضل والدولة العادلة. وإذا أردنا أن نكوّن فكرة مختصرة نافعة وواضحة عن دور السنة، علينا أن نتصور مدى شمولية الإسلام وواقعيته مع إهمال السُنَّة أو إعطائها أهمية ثانوية… من المؤكد أننا سنواجه فرغاً غير عادي، وسنتعثر في فهم ذات الكتاب الكريم.

إن السنّة النبوية:

* توضّح المجمل وتقيّد المطلق وتخصّص العموم (43).

* مبيّنة للكتاب وشارحة لمعانيه (44).

ولذا فإن السنة النبوية ينبغي أن تتخذ ديناً كالقرآن بعد أن تتكامل الأدلة على صدورها من النبي العظيم.


- قال أبو البقاء (ت 1091 هـ) في كلياته:

(والحاصل: أن القرآن والحديث يتحدان في كونهما وحياً منزلاً من عند الله بدليل: (إن هو إلاَّ وحي يوحى)...) (45).

ولذا فمما يثير العجب أن تُحذف السُنَّة من دائرة انتسابها الحقيقية، وأن تُجعَل خارج النطاق الذي تنتمي إليه... إنها دين... (والحق أن الأحاديث كلها خلا القليل منها لابد أن تكون هي والقرآن ديناً عاماً للناس، لأن الحديث هو صنو القرآن والمصدر الثاني في استنباط الأحكام، ولولاه لما كان بمستطاعنا أن نحصل على كل هذه الثروة التشريعية التي غطت سائر علاقاتنا...) (46).

والجدير بالذكر أن السُنَّة النبوية بهذا الموقع والاعتبار والمنزلة حقيقة سارية لدى كل المسلمين، فلولاها لما عرفنا - مثلاً - كيفية الصلاة ولا عدد ركعاتها على اختلاف أوقاتها، ولا أكثر أحكامها... وهكذا مع كل الفروض الإسلامية في كل مناحي الحياة... فكيف لا تعدُّ ديناً كالقرآن؟!

أما في خصوص الخوف من أن (تكثر أوامر التشريع) و(تتسع أدلة الأحكام) فلا نعرف وجهاً مقبولاً لرفضه!! فما المانع من ذلك والإسلام جاء لكل زمان ومكان؟ خاصة إذا تعلق الأمر بحاجات الناس وهي ليست قليلة آنذاك، علماً أن الإسلام قلب الأوضاع الفكرية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية رأساً على عقب، الأمر الذي يتطلب وضع مقاييس ومعايير وصيغ أخرى في كل هذه المضامير.

 

• الأطروحة الرابعة

- قال الشيخ عبد الحليم محمود: (إن موضوع القرآن في هذه الفترة - العهد المكي - كان موضوعاً محدَّداً، لقد كان جملة من القضايا التي تتصل بالغيب، الغيب الإلهي أو - بتعبير آخر - توضيح العقيدة، توحيداً ورسالة وبعثاً. وكان أسلوب القرآن في ذلك واضحاً لا لبس فيه، بيّناً بياناً سافراً (...) من أجل ذلك نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن كتابة حديثه (صلوات الله وسلامه عليه) (...) ولكن في فترة العهد المدني تغير الوضع (...) ومن أجل ذلك أباح الرسول (صلى الله عليه وآله) كتابته بعد أن كان قد نهى عنه، وبدأ الصحابة رضوان الله عليهم يكتبون) (47).

ولا نرغب الإطالة في الرد على هذا التبرير من حيث اصطدامه ببداية الأمور، فلم تكن الآيات المكية بذلك الوضوح الجلي الذي يأبى الحاجة إلى بيان وشرح من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله)... إلاَّ أننا نقول:

إن أحاديث المنع كانت في العصر المدني... فرواتها هما أبو سعيد الخدري وأبو هريرة.

أما الأول فهو (سعد بن مالك بن شيبان بن عبيد بن ثعلبة بن الأبجر وَهُو خدره بن عوف بن الحارث بن الخزرج أبو سعيد الأنصاري الخدري وهو مشهور بكنيته...) (48). فهو ربيب المدينة.

وعلى يكون التبرير الذي انقدح في ذهن شيخ الأزهر الراحل متهاوياً لأنه يتقوم بمعلومات رجالية خاطئة.

الهوامش:

32- فتح الباري: ص4، طبعة القاهرة: 1301هـ.

33- تفسير المنار، مجلد 10 ص766. مجلد 19 ص511.

34- المصدر السابق.

35- ص155.

36- الباعث الحثيث ص119 / الحاشية.

37- الباعث الحثيث: ص119 / الحاشية.

38- صحيح البخاري: ج1 ص20.

39- المصدر السابق.

40- الإمام البخاري، محدثاً وفقيهاً للدكتور الحسيني: ص12.

41- أضواء على السنة المحمدية ص48 نقلاً عن تفسير المنار.

42- المصدر السابق.

43- مرافقات الشاطبي: ج3 ص21.

44- المصدر السابق: ج3 ص43.

45- الكليات مادة (وحي).

46- مجلة كلية الفقه: ع1 س 1 ص104.

47- السنة في مكانتها وفي تاريخها ص34 - 40.

48- أسد الغابة في معرفة الصحابة: ج2 ص189 - 190.

| أعلى |