|
الفصل الرابع سريان المنع تواجه نظرية النسخ مشكلة أخرى، تلك هي سريان المنع بعد أن رخَّص رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكتابة حديثه، بل حبَّذ ذلك، وفي هذا يقول أحد الكتاب الكبار في علوم الحديث: (... إننا نلاحظ أن القول بالنسخ لا يحلُّ الإشكال في هذه المسألة - مسألة الجمع بين أحاديث النهي والرخصة - لأن النهي عن الكتابة، لو نُسخ نسخاً عاماً، لما بقي الامتناع عن الكتابة في صفوف الصحابة بعد وفاته (صلى الله عليه وآله)، ولأقيمت الحجَّة عليهم من طلبة العلم الذين كانوا على أشد الحرص على تدوين الحديث، فما زال المشكل بحاجة إلى مخلّص مناسب لحلّه...) (78). ولأجل أن نتفهم عمق هذا المشكل... سريان المنع وَدوره في إبطال نظرية النسخ في الجمع بين الأحاديث المذكورة، يستحسن بنا أن نستعرض هذا السريان بصورته المفصَّلة. بعد انتقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الملأ الأعلى كانت هناك مدرستان رئيسيتان في الموقف من الحديث النبوي:
• المدرسة الأولى: تدعو إلى تدوين ونشر الحديث، وتصرُّ على ذلك بالعمل عليه ويمثلها من الأعلام والعيون الإمام علي وابنه الحسن وابن عباس، وغيرهم من الأصحاب الكبار المشهود لهم بعلو الكعب في الإيمان والجهاد والعلم والتقوى والقرب من رسول الله نفسه.
تعارض التدوين وتخالف نشر الحديث، وعملت على ذلك عبر ممارسات اتَّسمت بالجدية، ويمثلها من الرؤوس عمر بن الخطاب وأبو بكر وأبو موسى الأشعري وغيرهم من الأصحاب ذوي المكانة الكبيرة (79). ونحن إذا تتبعنا جهود الفريق الثاني لوجدناها ذات أفق ممنهج ولبان لنا أنها خاضعة لنوع من الإصرار المقدر بخططه وأساليبه إلى أنه لم يكن مزاجاً أو رغبة عن سبب عارض. والتفاصيل أدناه تكشف عن هذه الخلفيَّة. - أولاً: التقليل من الرواية 1 - روى شعبة وغيره عن بيان عن الشعبي عن قرظة بن كعب قال: (لما سيَّرنا عمر بن الخطاب إلى العراق، مشى معنا عمر، وقال: أتدرون لِمَ شيعتكم؟ قالوا: نعم، تكرمة لنا. قال: ومع ذلك إنكم تأتون أهل القرية لهم دوي كدوي النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله، وأنا شريككم، فلما قدم قرظة بن كعب، قالوا: حدثنا. فقال: نهانا عمر) (80). 2 - ومن مراسيل ابن أبي مليكة أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم، فقال: (إنكم تحدثون عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم، فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله، وحرَّموا حرامه) (81). 3 - وقد ضرب عمر أبا هريرة بدرَّته المعهودة ووبّخه: (أكثرت يا أبا هريرة وأصرُّ بك أن تكون كاذباً على رسول الله) (82). هذه الاستشهادات غيض من فيض، وإلاَّ هي كثيرة منتشرة في كتب الحديث والتاريخ والسير، لأنها كانت سيرة رسمية متبعة، ويحترم علماء الجمهور هذا الموقف، لأنّه في تصورهم نابع من حرص على الحديث النبوي من الاختلاف والتشويه. ولكن هذا التبرير يضطرب إذا تابعنا (القضيَّة) على ضوء إجراء آخر. إنه المنع من التحديث، ولأنه مسألة ليست بالهيَّنة ولا المعقولة أفردنا لها باباً برأسه.
- ثانياً: المنع من التحديث 1 - قال أبو هريرة: (ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى قبض عمر) (83). 2 - قال عمر لأبي هريرة: (لتتركن الحديث عن رسول الله، أو لألحقنَّك بأرض دوس) (84). 3 - قال عمر لكعب الأحبار: (لتتركنَّ الحديث عن الأُوَل أو لألحقنَّك بأرض القردة) (85). وضراوة الموقف تؤكد أنَّها سياسة امتداديَّة لسابقتها، فكأنما هناك درجات، الأولى: التقليل من الرواية، ثم شفعها المنع، وإلاَّ النفي إلى الأرض البعيدة التي تقطع دابر هذا (الشر)!! ولم يصدر هذا الحكم منا إلاّ لأن إجراء آخر أشدُ مضاضة مارستهُ وأكثر تأثيراً في هذا المضمار، وذلك كما هو واضح فيما يلي من سطور.
- ثالثاً: اعتقال المحدثين الكبار 1 - (... معن بن عيسى، عن عبد الله بن إدريس عن شعبة عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه: أن عمر حبس ثلاثة، ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري. فقال: أكثرتم الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)) (86). 2 - (... إن عمر بن الخطاب، قال لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذر: ما هذا الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب) (87). وهكذا يخلو المجتمع الإسلامي من نعمة التعاطي بحديث رسول الله، فهناك الذي امتنع خوفاً من تهديد النفي. وهناك من حاصرته جدران المعتقل فانقطع صوته. ولم تقف المسألة عند هذا الحد، بل تتصاعد وتيرة الإجراءات القمعيَّة لتأخذ شكلاً غريباً... كما سنرى لاحقاً وعلى التو.
- رابعاً: محو المدوّنات الحديثية 1 - (... قالت عائشة: جمع أبي الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلب كثيراً. قالت: فغمَّني. فقلت: أتتقلبُ لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية، هلّمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها) (88). 2 - عندما عرف عمر بدنوّ أجله، نادى ابنه: (يا عبد الله بن عمر، ناولني الكتف، فلو أراد الله أن يُمضي ما فيه أمضاه. فقال له ابن عمر: أنا أكفيك محوها. فقال: لا والله لا يمحوها أحد غيري، فمحاها وكان فيها فريضة الجد) (89). 3 - وروى ابن مسعد عن عبد الله بن العلاء قال: (سألتُ القاسم بن محمد أن يملي عليَّ أحاديث، فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها، ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب؟!) (90). وهذه استشهادات استطرادية وإلاَّ فالأمثلة متوفرة لكل باحث. إن مثل هذه الممارسات بحق الحديث النبوي (التقليل من الرواية، المنع من التحديث عن رسول الله، اعتقال المحدثين الكبار، محو المدونات الحديثية) يجعل أحاديث الإباحة أو الإذن بالتدوين ذات عرضة للحيرة... كما أنه يشلّ من محاولة الجمع القائمة على فكرة الناسخ والمنسوخ في تصوير الجمع بين النهي والإباحة، ولذا كان صاحب (منهج النقد في علوم الحديث) على صواب عندما رفضه علاجاً ناجحاً. |
|---|
|
الهوامش: 78- منهج النقد في علوم الحديث: ص43. 79- تذكرة الحفاظ: ج1 ص7. 80- تذكرة الحفاظ: ج1 ص7. 81- المصدر السابق: ج1 ص2. 82- نهج البلاغة: شرح ابن أبي الحديد: ص360. 83- تاريخ ابن كثير في الغدير: ج6 ص295. 84- تاريخ ابن كثير كما في الغدير: ج6 ص295. 85- تاريخ ابن كثير كما في الغدير: ج6 ص295. 86- تذكرة الحفاظ: ج3 ص7. 87- مستدرك الحاكم: ج1 ص110 من كتاب العلم. 88- تذكرة الحفاظ: ج1 ص5. 89- تقييد العلم: ص53. 90- تقييد العلم: ص52. |
| أعلى |