مشكلة تدوين الحديث الشريف في عصر النبي

 

الفصل الخامس

نظرة تحليلية لأهم أحاديث النهي

1 - (حدثنا سفيان بن وكيع. حدثنا سفيان بن عيينة عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري. قال: استأذنّا النبي (صلّى الله عليه وآله) في الكتابة فلم يأذن لنا) (91).

والحديث موقوف على أبي سعيد.

وفي سنده:

* زيد بن أسلم:

وقد قال ابن عيينة: (... كان زيد بن أسلم رجلاً صالحاً، وكان في حفظه شيء) (92).

* سفيان بن وكيع:

قال عنه أبو زرعة: (لا يشـــــتـــغـــل به، قيل له: كان يكذب؟ قال: كان أبوه رجلاً صالحاً. قيل له: هل كان سفيان يُتهم بالكذب؟! قال: نعم) (93).

وقال النسائي: (ليس بثقة، وقال في موضع آخر: ليس بشيء) (94).

وقال الآجري: (امتنع أبو داود من التحديث عنه) (95).

وقال ابن عدي: (وإنما بلاؤه، إنه كان يتلقن ما لُقن) (96).

وقال ابن حجر (... ويقال: كان له ورّاق يلقّنه من حديث موقوف فيرفعه، وحديث مرسل فيوصله، أو يبدل قوماً بقوم في الإسناد) (97).

* سفيان بن عيينة:

قال عنه يحيى بن سعيد: (أشهد أنه اختلط سنة (97 هـ)، فمن سمع منه فيها، فسماعه لا شيء) (98).

وفي تهذيب التهذيب: (أورد أبو سعيد السمعاني بسند له قوي إلى عبد الرحمن بن بشر بن الحكم. قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: لقد قلت لابن عيينة: كنت تكتب الحديث، وتحدث اليوم، وتزيد في إسناده، وتنقص منه. فقال: عليك بالسماع الأول، فإني قد سمنت) (99).

وفي ميزان الاعتدال (يدلس) (100).

وقال ابن حجر: (ثقة، حافظ، فقيه، إمام حجة، إلاَّ أنه تغير حفظه بآخره، وكان ربما يدلس، لكن عن الثقات) (101).

2 - (عن ابن عباس وابن عمر قالا: خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، معصوباً رأسه، فرقى المنبر، فقال: ما هذه الكتب التي يبلغني أنكم تكتبونها؟! أكتاب مع كتاب الله؟ يوشك أن يغضب الله لكتابه، فيسري عليه ليلاً، فلا يترك في ورقة ولا في قلب منه حرفاً إلاَّ ذهب به. فقال بعض من حضر المجلس: فكيف يا رسول الله بالمؤمنين والمؤمنات؟! قال: من أراد الله به خيراً أبقى في قلبه لا إله إلاَّ الله. رواه الطبراني في الأوسط، وفيه: عيسى بن ميمون...) (102).

في سنده:

* عيسى بن ميمون الواسطي؛ مولى القاسم بن محمد القرشي، ويقال له: ابن تليدان:

قال الهيثمي: وهو متروك (103).

وقال البخاري: منكر الحديث (104).

وفي التقريب: وابن ميمون ضعيف من السادسة (105).

وقال النسائي: ليس بثقة (106).

وقال الفلاس: متروك (107).

وقال ابن حبان: يروي أحاديث كلها موضوعة (108).

وقال ابن مهدي: قلت له: ما هذه الأحاديث التي ترويها عن القاسم عن عائشة؟! قال: لا أعود (109).

وقال الدارقطني: متروك (110).

3 - (... عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا قعوداً، نكتب ما نسمع من النبي (صلّى الله عليه وآله)، فخرج علينا، فقال: ما هذا الذي تكتبون، فقلنا: نسمع منك، فقال: أكتاب مع كتاب الله؟ أمحضوا كتاب الله، وأخلصوه، قال: فجمعنا ما كتبناه في صعيد واحد، ثم أحرقناه بالنار، فقال: أي رسول الله نتحدث عنك، قال: نعم، تحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، قال: قلنا: أي رسول الله، أنتحدث عن بني إسرائيل؟ قال: نعم، تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فإنكم لا تحدثون عنهم بشيء إلاَّ وقد كان فيهم أعجب منه (...). رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف...) (111).

في سنده - كما هو مذكور -:

* عبد الرحمن بن زيد:

قال الهيثمي: وهو ضعيف (112).

قال البخاري: ضعفه علي جداً (113).

قال ابن معين: ليس بشيء (114).

وقال الحاكم وأبو نعيم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة (115).

وقال أبو داود: لا أحدث عنه (116).

وقال ابن حبان: استحق الترك (117).

وفي متنه: (... تحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، فإنكم لا تحدثون عنهم بشيء إلاَّ وقد كان فيهم أعجب منه...) فإنه يُشعر بأن النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يكترث للحديث عن هؤلاء القوم، وذلك مهما ورد في سياقه من أسطورة أو خرافة، ومهما تضمَّن من زيف أو حقيقة، كما أنه لا ينسجم مع حرص النبي على سيادة العلم الصحيح والخبر المتقن والفكرة الواقعية في الوسط الإسلامي، فيما هو أحرص الناس على شيوع العلوم الدقيقة، والأخبار الصحيحة خوف الانحراف على الأمة وخشية اختلاط الغث بالسمين، فتضيع الفائدة، وبنشر الجهل... إن كل هذه المفارقات مما لا يرتضيه الإسلام الذي يوجب التثبت والتدقيق والتمحيص في كل أمر خاصَّة على صعيد العلم، سواء في مضمار الشريعة أو العقيدة أو التاريخ (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً).

أضف إلى ذلك أنه معارض بأحاديث أخرى تنهى عن الحديث عن أهل الكتاب، وهذه بعضها:

أ - (... عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم، وقد ضلوا، فإنكم إمَّا أن تصدّقوا بباطل أو تكذّبوا بحق، فإنه لو كان موسى حياً بين أظهركم، ما حلَّ له إلاَّ أن يتبعني) الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد: ج1 ص174، ح61.

ب - (... وعنه أيضاً أن عمر بن الخطاب أتى النبي (صلّى الله عليه وآله) بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب. فقرأه النبي (صلّى الله عليه وآله)، فغضب، فقال: أمتهوكون فيها يا بن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء...) ن.م: ح62.

ج - (عن الشعبي عن عبد الله بن ثابت، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله إني مررت بأخٍ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله...) ح63.

د - (عن أبي أنملة الأنصاري (...) قال رسول الله: إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقاً لم تكذبوهم، وإن كان باطلاً لم تصدقوهم) ح64.

4 - (... وعن أبي هريرة: لا تكتبوا عني إلاَّ القرآن، فمن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج...) (118).

وفي سنده عبد الرحمن بن زيد، وقد مرَّ حاله (119).

وفي متنه: (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) ينطبق عليه ما بيناه قبل قليل، ولا يوهم أن الحديث عن بني إسرائيل نقلاً عن رسول الله ليرتفع الاستغراب، إذ لا داعي لكلمة أو لعبارة (ولا حرج)، وإنما هو حديث المجالس والاستئناس وملء الفراغ. ولا يستطيع الإنسان أن يكشف المناسبة بين منع رسول الله عن كتابة أي شيء إلاَّ القرآن وأمره بمسح كل مكتوب إلاَّ كتاب الله وبين هذه الحرية التي أطلقها لأصحابه في أن يتحدثوا ما يشاءون عن بني إسرائيل!!... لا يوجد أي داع في المقام لمثل هذه النقلة العجيبة في بيان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يستقيم مع مقتضيات الكلام البليغ.

5 - (أخبرنا يزيد بن هارون، أنا هشام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري (أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا تكتبوا عني شيئاً إلاَّ القرآن، فمن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه) (120).

6 - (حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا إسماعيل أنا همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا تكتبوا عني شيئاً سوى القرآن، ومن كتب شيئاً سوى القرآن فليمحه) (121).

7 - (حدثنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا شعيب بن حرب قال: أنا همام، أنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا تكتبوا عني شيئاً فمن كتب عني شيئاً فليمحه) (122).

8 - (حدثنا هداب بن خالد الأزدي، حدثنا همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: أنا رسول الله قال: لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ - قال همام: أحسبه قال - متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار) (123).

قالوا: وهذا أصحَّ ما ورد في هذا الباب.

وفي سند الحديث (6)، (7)، (8) فضلاً عن زيد بن أسلم:

* همام بن يحيى:

قال محمد بن المنهال الضرير: (سمعت يزيد بن ذريع يقول: همام حفظه رديء، قال ابن سعد: كان ثقة، ربما يخلط) (124).

قال أبو زرعة: (وسألت أبي عن همام، فقال: ثقة صدوق، في حفظه شيء) (125).

قال الحسن بن علي الحلواني: (سمعت عفان يقول: كان همام لا يكاد يرجع ولا ينظر فيه، وكان يخالف، فلا يرجع إلى كتابه، ثم رجع بعد، فنظر في كتبه، فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيراً فنستغفر الله تعالى) (126).

قال ابن حجر: (وهذا - أي عدم رجوعه إلى كتبه أولاً ثم رجوعه إليها أخيراً - يقتضي أن حديث همام بآخره أصح ممن سمع منه قديماً. وقد نصَّ على ذلك أحمد بن حنبل) (127).

قال أبو بكر المبرد: (يحيى بن همام صدوق، يكتب حديثه ولا يحتج به) (128).

قال الساجي: (صدوق سيئ الحفظ، ما حدَّث من كتابه فهو صالح، وما حدث من حفظه فليس بشيء) (129).

ولكن هذا الحديث الذي هو أصحّ ما ورد في هذا الباب على اختلاف طرقه موقوف على أبي سعيد الخدري ولذا (أعلَّ البخاري وغيرهُ حديث أبي سعيد هذا. وقالوا: الصواب وقفة على أبي سعيد) (130).

قال أبو اليقظان الجبوري: (هذا أمر صريح بالنهي عن الكتابة، إلاَّ أن بعض العلماء قالوا: إن هذا الحديث موقوف على أبي سعيد، وإنه لم يرفعه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومن جملة الذين قالوا بوقفه على أبي سعيد الإمام البخاري (131).

هذه هي أم الأحاديث المروية في المنع، وكل حديث منها لا يسلم من علة تخدشه سنداً أو متناً.

الهوامش:

91- الترمذي: ج5 ص38.

92- تهذيب التهذيب: ج3 ص727.

93- المصدر السابق: ج4 ص210.

94- المصدر السابق.

95- المصدر السابق.

96- المصدر السابق.

97- المصدر السابق.

98- ج4 ص205.

99- ج4 ص205.

100- الميزان: ج2 رقم 3327.

101- ج4 ص205.

102- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج1 ص155.

103- المصدر السابق.

104- كتاب التاريخ الكبير: 2781 / 6.

105- تهذيب التهذيب: ج8 ص236 الحاشية.

106- الضعفاء الكبير: 1427 / 3.

107- المجروحين: ج2 ص120.

108- الجرح والتعديل: ج3 ص287.

109- المغني: 4834 / 2.

110- لسان الميزان: 1244 / 4.

111- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج1 ص155 - 156.

112- المصدر السابق.

113- كتاب التاريخ الكبير: ج5 ص922.

114- الميزان: ج2 ص565.

115- حلية الأولياء: ج3 ص151.

116- الضعفاء الكبير: ج2 ص926.

117- الثقات: ج7 ص77.

118- مجمع الزوائد: ج1 ص156.

119- المصدر السابق.

120- سنن الدارمي: ج1 ص119.

121- مسند أحمد: ج3 ص12.

122- المصدر السابق.

123- المسند (مسند أحمد) ج4 ص2298 ح 72 عفيف أحمد محمد شاكر.

124- تهذيب التهذيب: ج1 ص108.

125- المصدر السابق.

126- المصدر السابق.

127- المصدر السابق.

128- المصدر السابق.

129- المصدر السابق.

130- البغوي: شرح السنة: ج1 ص294 الحاشية.

131- مباحث في تدوين السنة المطهرة: ص137. كذلك الحديث والمحدثون، محمد محمد زهو: ص142.

| أعلى |