|
الفصل السادس مفارقتان منهجيتان في سياق الحديث عن نهي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن تدوين السنَّة، تقع بعضُ المفارقات والتناقضات، التي من شأنها أن تخلط بيْنَ غايةٍ ووسيلة غريبة عنها. ومن إفرازاتها استدلال في غير محلّه، واستشهاد على حالة بدليل لا يمت إليها بصلة. وهذا الاضطراب يتأتى من عدم التمحيص بالنصوص، سواء في مبناها اللغوي اللساني أو في القرائن التي تحفها وتحيط بها. من هذه المفارقات أن يستدل بعضهم على كراهة كتابة السُنة في سيرة هذا الصحابي أو ذاك، وعندما نرجع إلى الدليل المساق نصطدم بثغرة هائلة، تتجسَّد في عدم فهم (العلم) مثلاً. ففي تصوره يعني الحديث النبوي فيما ذلك ليس على سبيل الحصر، لأنه قد يشير إلى ما كان سائداً من أفكار وآراء وأخبار عن الخلق والتكوين في الأمم السالفة، وعلى الأخص بني إسرائيل، وقد يعني مجموعة التصورات العقائدية المبتناة لدى علمائهم أو المنقولة عنهم. ومن المفارقات التي تصادفنا في هذا المجال أن نضفي على الموقف الشخصي لصحابيٍّ ما، قيمةً تعزيزيَّةً لأحاديث النهي الواردة، في حين هو مجرَّد رأي يحبذ عدم كتابة الحديث وتدوين السنة لأسباب مختمرة في ذهن الصحابي المذكور. وليس استجابة لأمر نبوي أو قرار شرعي أو محاولة للسير على منوال حذاه رسول الله... نفهم ذلك من السياق كما سنرى. ولكي تتضح هذه المفارقات نستعرض بعض صورها. الحالة الأولى: 1 - (... ابن يسار يقول: سمعت علياً يخطبُ يقول: أعزمُ على كل من كان عنده كتاب إلاَّ رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم، وتركوا كتاب الله) (132). 2 - (... وكيع عن الحكم بن عطية عن ابن سيرين قال: نما ضلَّت بنو إسرائيل بكتب ورثوها عن آبائهم) (133). 3 - (... أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس ثنا زيد ثنا حصين عن مرّة الهمداني قال: جاء أبو مرَّة الكندي بكتاب من الشام، فحمله، فدفعه إلى عبد الله بن مسعود، فنظر فيه، فدعا بطست، ثم دعا بماء فمرسه فيه، وقال: إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتابهم. قال حصين: فقال مرَّة: أما إنه لو كان من القرآن أو السُنَّة لم يمحه. ولكن كان من كتب) (134). هذه المرويات وغيرها لا نستفيدُ منها أي دعم للنهي، ولا تصبُّ في ترجيحه، ولا يترجم عن موقف متجاوب مع هذه الفكرة. وذلك لسببين رئيسيين: الأول: إن النهي هنا يخصُّ التعاطي والتعامل مع علم موروث عن الآباء والعلماء وليس الأنبياء، وضلال الكتب متأتي عن كونها وعاءَ تصورات وأفكار غير صحيحة، وبالجُملة إن هذه المرويات إذا كانت صادقة إنما تكشف لنا عن دور أصحابها في تحصين الأمة من (العلوم) الضالة و(الكتب) المنحرفة، وهي في ميزان الإسلام ما لا يتفق مع العقل والمنطق، والتي تؤدي إلى تدهور الأمم وفساد الإنسان. وليس فيها ما يتصل بقضية الحديث النبوي بسبب إيجابي أو سلبي، فيما يدرجها البعض في خانة (كراهة كتابة الحديث) ويستعملها مادة تعضيد أو تفنيد. الثاني: إن نفس هؤلاء الذين طالبوا بحرق الكتب الموروثة أو المنقولة كانوا من دعاة كتابة الحديث - كما سنرى - وفي حوزتهم كتب بعضها بلغ حمل بعير. الأمر الذي يؤكد أن مقصدهم غير هذا الذي يتصوره كاتب يدافع عن فكرة (كراهة كتابة الحديث)، وينتصر بها على صدق أخبار النبي العظيم في هذا الصدد. الحالة الثانية: 1 - (أخبرنا أبو النعمان ثنا إسرائيل عن عثمان بن أبي المغيرة عن عثمان بن أبي المغيرة عن عفان المحاربي عن أبيه قال: سمعت ابن مسعود يقول يسمعون كلامي، ثم ينطلقون فيكتبونه، وإني لا أحلُ لأحدٍ أن يكتب إلاَّ كتاب الله) (135). نجدُ في هذا الخبر أن (عبد الله بن مسعود) يعبّر عن رأيٍّ شخصي، ولا يسند موقفه هذا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله). 2 - (... أبو أمامة عن كهمس عن أبي نضرة قال: قيل لأبي سعيد لو كتبنا الحديث؟ فقال: لا نكتبكم. خذوا عنا كما أخذنا عن نبينا (صلّى الله عليه وآله)) (136). 3 - (... قاسم بن أصبغ، نا أحمد بن زهير، قالا: نا مسلم بن إبراهيم، نا المعقر بن الريان، عن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد الخدري: ألا نكتب ما نسمَعُ منك؟ قال أتريدون أن تجعلوها مصاحف. إن نبيكم (صلّى الله عليه وآله) كان يحدثنا فـــنــحفـظ، فاحفظوا كما حـــفــــظــنـــا) (137). 4 - (... عبد الوارث بن قاسم، نا أحمد بن زهير، نا عبد الله بن عمر، نا عبد الأعلى، نا سعيد الجريري، عن أبي نضرة قال: قلت لأبي سعيد الخدري: إنك تحدثنا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حديثاً عجيباً. وإنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص. قال: أردتم أن تجعلوها قرآناً! لا ولكن خذوا عنا كما أخذنا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)) (138). وبغض النظر عن سند هذه الرواية التي كل طرقها تنتهي إلى (أبي نضرة)، إلاَّ أننا إذا دققنا النظر فيها لعرفنا أن أبا سعيد في امتناعه عن إملاء الحديث النبوي، يعبّرُ عن موقف شخصي. وليس عن موقف شرعي منصوص عليه، وتصرفه قائم على تقدير ثبت في ذهنه، وليس انسجاماً مع سيرةٍ نبوية، فهو يخشى أن تتحول أحاديث النبي إلى مصاحف، فناهض تدوينها، وحث الآخرين على حفظها بالصدور لا بالسطور... ولنا هنا ملاحظة... إن تعلّل أبي سعيد الخدري [أن تجعلوها قرآناً] أو [أن تجعلوها مصاحف] لا موقع له في ضوء السنة النبوية ذاتها، فرسول الله (صلّى الله عليه وآله) أباح الكتابة والتدوين كما ترى مصادر الجمهور، بل هناك ما يكشف عن تحبيذ وتشجيع... ولذا تعلّل الخدري لا يكتسب أي مبرر موضوعي، لأن الخطر الذي تحسَّسَه لا يمكن أن يغيب عن وحي وإلهام النبي (صلّى الله عليه وآله). وفي اعتقادي أن (أبا نضرة) عندما يلتمسُ أبا سعيد الإملاء خشية الزيادة أو النقصان بحديث النبي، إنما يعبر عن وعي أكثر عمقاً وأكثر أصالة مما يحمله أبو سعيد نفسه. وهو الرأي الذي كان عليه الوسط الصحابي العام، إذ أن جل الصحابة - كما سنرى - كان مع التدوين إلاَّ أن الخليفة الثاني اتخذ سياسة معاكسة عاماً. على أي حال أن مذهب أبي سعيد يتصل بإرادته الذاتية وتصوره الفردي الخاص به، وهو ليس أمارة على أرجحيَّة موقف دون آخر في نطاق الرؤيا الشرعية النبوية الصحيحة، فيما يخص التدوين أو عدمه. خاصَّة إذا أمعنا النظر بعلَّة... الامتناع التي ساقها أبو سعيد، وإنها على غير موائمة مع سيرة الرسول وأحاديثه التي نفهم منها بوضوح الرخصة في التدوين. |
|---|
|
الهوامش: 132- جامع بيان العلم وفضله: ص؟؟؟. 133- المصدر السابق. 134- سنن الترمذي: ج1 ص123، 124. 135- سنن الترمذي: ج1 ص125. 136- جامع بيان العلم وفضله: ص64. 137- المصدر السابق. 138- المصدر السابق. |
| أعلى |