مشكلة تدوين الحديث الشريف في عصر النبي

 

الفصل السابع

مع بعض الصحابة المانعين

- قال الخطيب: (مع ما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من إباحة للكتابة، ومع ما كتب في عهده من الأحاديث على يدي من سمح لهم بالكتابة، نرى أن الصحابة يحجمون عن الكتابة، ولا يقدمون عليها في الخلافة الرشيدة) (139).

وهنا مجموعة أسئلة يطرحها الباحث الحر.

من هم الصحابة الذين أحجموا عن الكتابة وما هي المبررات؟!

ما هو موقف الوسط الإسلامي العام من عجلة التدوين على صعيدي المبدأ والرأي؟ هل في الوسط الصحابي من اتخذ موقفاً معارضاً؟!

 

- أولاً: مع الصديق

(... قـــالــــت عـــائشـــــة: جمع أبي الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكانت خمسمائة حديث، فبات ليلته يتقلب كثيراً، فقالت: فغمَّني. فقلت: أتتقلبُ لشكوى أو لشيء بلغك؟ فلما أصبح، قال: أي بُنيَّه هلّمي الأحاديث التي عندك، فجئته بها، فدعا بنار فحرقها...) (140) ولكن لماذا؟!

الجواب في تضاعيف كلام الصديق نفسه إذ قال: (... خشيتُ أن أموت وهي عندي، فيكون فيها أحاديث عن رجل قد ائتمنته، ووثقت به، ولم يكن كما حدثني، فأكون قد نقلت ذاك...) (141).

ولكن الذهبي يقول: (وكان - أي أبو بكر - أول من احتاط في قبول الأخبار...) (142) ويشهد الذهبي لذلك بحادثة أمر (الجدَّة)، فقد (روي ابن شهاب عن قبيصة بن ذويب أن الجدة جاءت إلى أبي بكر تلتمسُ أن تورث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئاً، وما علمتُ أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكر لك شيئاً، ثم سأل الناس، فقام المغيرة، فقال: حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك. فأنفذه لها أبو بكر) (143) ويعلق الذهبي على هذه الحادثة فيقول: (... ألا تراه - أي أبو بكر - لما نزل به أمرُ الجدَّة، ولم يجده في الكتاب، كيف سأل عنه في السُنّة، فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر بثقة آخر، ولم يقل حسبنا كتاب الله كما تقوله الخوارج) (144).

أقول: فلماذا عمد الصديق إلى حرق هذا الكنز العظيم، ألا يمكنه أن يستشهد على الأحاديث التي جمعها بثقاة وعدول. وهم آنذاك كثر، وعلى مقربة منه، وذلك كما فعل مع حادثة الجدة؟!

إن التبرير الذي ساقه الصديق لا ينسجم مع سيرته التي نوَّه بها الذهبي، السيرة التي تشهد له بـ(التثبت في الأخبار والتحري، لا سد باب الرواية) (145)، إذ كان الأولى به أن يعرض هذه الأحاديث الـ(خمسمائة) على الصحابة، وكل حديث يشهد على صحته اثنان يَمضيه كما أمضى حق الجدَّة وسهمها في الإرث.

 

- ثانياً: مع الفاروق

1 - (... عن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب، أراد أن يكتب السُنّة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب إلى الأمصار: من كان عنده شيء فليمحه) (146).

2 - (... الزهري عن عروة، أن عُمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستثنى أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً. ثم أصبح يوماً، وقد عزم الله له. فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً) (147).

إن الدافع الذي حدا بالفاروق أن يحول دون كتابة السُنَّة، والذي اضطرّه إلى محو كل شيء مكتوب... هو أن لا ينشغل المسلمون فيها عن كتاب الله، وهذا التعليل وارد في أكثر من مرَّة مارس بها عمر هذه العملية، كما تروي مصادر الجمهور.

ولكن من حقنا أن نسأل: ترى هل كان هذا المبرر على قدر كبيرٍ من الأهليَّة الواقعية والعلمية؟!

لا نريد أن نحتكم في الجواب إلى طبيعة القرآن، ولا إلى ذات الآراء التي تقول: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أباح الكتابة بعد أن تمرَّست العقولُ على فهمه وَجُبلتْ النفوسُ على التفاعل مع روحه... ولكننا نقول: لو كان هذا التبرير يحمل صفة الشرعية المعقولة، ولو كان على جانب حقيقي من الموضوعية، لاستمر النهي عن التدوين، ولما بدر من رسول الله إذن به. فرسول الله أولى من عمر وغيره في درك هذه القضية الحسَّاسة، ولرتّب عليها هذا الأثر الذي انقدح في ذهن عمر.

جديره ذكرُه: أن رجلاً من أساطين الفكر، وهو الأستاذ أحمد محمد شاكر استعرض هذا الرأي في تعليل نهي الرسول المزعوم ولم يرتضيه، واعتبره ضعيفاً (148).

على أن عمر نفسه نقض رأيه بشكل عملي، فقد كتب شيئاً من السُنَّة (149). بل روى المحدث الشهير ابن عبد البر القرطبي (ت 463) عن (الضحاك بن مخلد عن ابن جريح عن عبد الملك بن سفيان عن عمه. أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: قيدوا الــــعــــلم بالـــكتــــاب) (150).

فأين موضع هذا الحذر الذي راود عمر؟، ولماذا لم يسرِ مفعولُه في هذه المجالات؟!

قال الذهبي: (... وهو الذي سنَّ للمحدثين التثبُت في النقل، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، فروى الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن أبا موسى سلَّم على عمر من وراء الباب ثلاث مرات، فلم يؤذن له، فرجع، فأرسل عمر في أثره فقال: لم رجعت؟! قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إذا سلم أحدكم ثلاثاً، فلم يجب، فليرجع. قال: لتأتيني على ذلك ببينة، أو لأفعلن بك، فجاءنا أبو موسى منتقعاً لونه، ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا، وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم، كلنا سمعه، فأرسلوا معه رجلاً منهم حتى أتى عمر فأخبره) (151).

ويعلق الذهبي على هذه الواقعة:

(أحب عمر أن يتأكد عنده خبر أبي موسى بقول صاحب آخر، ففي هذا دليل على أن الخبر إذا رواه ثقتان كان أقوى وأرجح مما انفرد به واحد...) (152).

أقول: إن عمر الفاروق، وهو بهذا الحرص على حديث رسول الله، وبهذه المقدرة الفنية على التثبت... وبهذه العقلية النقدية الفاحصة... إنه وبكل هذه المواصفات، ينبغي أن لا يقدم على حرق هذه المدونات الثمينة، وإنما يجهد ويمل بكل طاقته هذه على تحقيقها وغربلتها، ولا يأمر بتقليل الرواية بل يضبطها، ولا يعتقل كبار المحدثين، بل يطلب أن يحدثوا الناس بسنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بدقة وأحكام... هذا هو الموقف الصحيح الذي ينسجمُ مع الإسلام والفكر، وما يمتاز به الخليفة من قدرة على التصويب والتمييز، كما يدعي الذهبي وغيره... ولو حصل هذا لحفظ لنا التاريخ كنوز نبوية رائعة، ولجانبت الأمة فتنة الخلاف والاختلاف في قضايا العقيدة والشرع والأخلاق، ولضمنت وحدتها على قسط كبير من الاطمئنان إلى أحاديث رسول الله وسنته الشريفة.

 

- ثالثاً: مع زيد بن ثابت

1 - (... عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: دخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث، فأمر إنساناً أن يكتبه، فقال له زيد بن ثابت: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمرنا أن لا نكتب شيئاً من حديثه، فمحاه) (153).

ولا نقاش في أن هذا الحديث لا يمكن الركون إليه، لأن الثابت عند السنّة أن رسول الله أباح الكتابة بعد النهي، وأن شيئاً من تدوين السُنَّة قد حصل فعلاً بأمره وتوجيهه.

على أن الذي روى ذلك عن زيد هو: * عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب:

قال أبو حاتم: في روايته عن عائشة مرسلة، ولم يدركها (154).

وقال أبو حاتم أيضاً: وفي روايته عن غيره من الصحابة مرسلة (155).

وقال... : وغاية حديثه مراسيل (156).

وقال ابن سعد: كان كثير الحديث وليس يحتج بحديثه لأنه مرسل كثيراً وليس له لقي، وعامة أصحابه يدلسون (157).

وقال ابن أبي حاتم في المراسيل: ... لم يسمع عن جابر ولا (زيد بن ثابت).

2 - (... وكيع عن إسماعيل عن الشعبي: أن مروان دعا زيد بن ثابت وقوماً يكتبون، وهو لا يدري، فأعلموه. فقال : أتدرون؟ لعل كل شيء حدثتكم به ليس كما حدثتكم) (158) في سنده: وكيع وقد عرفنا حاله من قبل.

قبل كل شيء... إن حجَّة زيد بن ثابت هنا في الاعتذار غيرُها مع معاوية التي سبق وأن أتينا عليها، فهو امتنع، لا، لأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكما يقول (أمرنا أن لا نكتب شيئاً)، بل لسبب آخر، ذلك هو الخوف من أن تكون الأحاديث التي يرويها. ليست كما هي عليه في واقعها الأول وحقيقتها المنطوقة على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله)!! ولذا أحجم زيد وأبى أن يكتب لمروان. ولكن هذا التبرير لا يمنع زيداً من الكتابة فحسب، بل يمنع عليه التحديث أيضاً، فكيف وهذه الحال وهو ممَّن روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) اثنين وتسعين حديثاً؟!

أجل: فلعل كل ما حدَّث به ليس كما حدَّث، فلماذا إذن يروي عن رسول الله؟!... إن خطر الاحتمال المذكور لا يرد على صعيد التدوين بل قبل ذلك على صعيد التحديث.

على أنَّ (كثير بن أفلح) أحد رفاق زيد ثابت وملازميه (ت 63هـ)، كان يقول (كنَّا نكتب عند زيد بن ثابت) (159)، وفي ذلك يحق لنا أن نضع علامة استفهام كبيرة على صيغة الاعتذار الذي قدمه بين يدي معاوية (إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمرنا أن لا نكتب شيئاً!...)، وبالوقت نفسه تزحف علامة الاستفهام هذه لتحاكم اعتذاره المزعوم (... لعلَّ كل شيء حدثتكم به ليس كما حدثتكم)، فهذه المطلقات تعاني من عقدة التنافي القاطع بالشكل الذي يصعب تلافيه. وفي خضم الإشكاليَّة الواضحة ينسِجُ العقل التبريري تهويمات التعليل الخجول والجمع التعسفي... فيقول:

* - إن موقف زيد من كتابة الحديث في حضرة معاوية ومروان ينصرف إلى أسباب كثيرة، من أهمها: خوف الاختلاط المزعوم والانشغال الذي طالما لاكته ألسِنَةُ المعالجة اليتيمة!!

وقد قلنا مراراً إنها حُجَّة تنطوي على نفيها المطلق وتفنيدها الأبدي، ما دام رسول الله أباح التدوين، وأمضاه على إرادة مسبقة منه.

ثم إنَّ تصريح زيد يشمُ منه القارئ منعاً تأبيدياً صارماً لا يتساهل مع أي حالةِ تقف على النقيض. (... أمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن لا نكتب شيئاً)، في حين أن رسول الله أمَر أن يكتبوا أشياء!!

* وتتحامل إرادة التبرير على طاقتها لتجبرها على مخالفة صريحة وفاضحة لظاهر اللفظ والمعنى بشكل يدعو إلى الرثاء أحياناً... يقولون: إن الامتناع الذي بدر من زيد في حضرة معاوية ينصرف إلى كتابة الآراء الشخصيَّة!! (160)

يقولون هذا، وهم يعلمون أنَّ المسألة جرت في نطاق محدَّد وَمشخَّص، ذلك هو الحديث عن رسول الله وليس شيئاً آخر، اعتماداً كاملاً على النص وظروفه وقرائنه وملابساته...

هنا، تطرح قضيَّة الترخيص بالتدوين لـ(كثير بن أفلح) وغيره نفسها لتجد موقعها من كل ما سبق!! والجواب جاهز لدى علماء الجمهور.

لقد زالت عوامل الامتناع!!... ومثل هذا التبرير الذي سمعناه، ونسمعه مع كل موقفٍ صحابيٍّ سلبيٍّ من الحديث الشريف لم يَعُد جديراً بالمناقشة. فقد جانبه الحظ من مُوضوعيَّة القبول ومن دور الإقناع على زمن رسول الله.

ولكن من أين لنا أن نبرهن على الأسبقية الزمنيَّة للنهي على الترخيص في سياسة (زيد بن ثابت) هذه من الحديث وتدوينه، خاصَّة أن امتناعه عن التدوين كان في أواخر حياته... أي في حدود (40 - 45 هـ)، لأن الحادثة التي حصلت في هذا الصَدد كانت إبان استخلاف معاوية بن أبي سفيان كما يبدو من ظاهر الأمر.

إن موقف زيد بن ثابت من حديث رسول الله كتابةً وامتناعاً يشوبه الغموض، فالأحاديث المروية فيه ضعيفة، والاتجاهات التي تحكمه متناقضة، ولا يمكن وضع صورة متكاملة ومنطقية للموقف المذكور، ولذلك ليس من الصحيح اعتمادَهُ عَادة في ترسيم بحث جدي وناضج عن قضية الحديث ومراحله إبان العصرين النبوي والراشدي.

لا نريد أن نقول أن نهي رسول الله لا أساس له من الصحَّة والواقعية بل نقول أن ما أُثر عن زيد لا يمكن أن يكون طريقاً إلى إثبات أو توكيد هذا النهي.

 

- رابعاً: مع ابن عباس

1 - (.. ابن وضاح، نا محمد بن نمير، نا روح بن عبادة، قال: حدثنا جرير، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رضي الله عنهما)، أنه كان ينهي عن كتابة العلم، وقال: إنما ضلَّ من كان قبلكم بالكتب) (161).

في سنده:

* - محمد بن نمير:

قال ابن حجر: لا أعرفه، عدّه اليماني في من يضع الحديث (162).

2 - (... أخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر، نا ابن أبي دليم، نا ابن وضاح، نا محمد بن نمير، نا روح بن عبادة. قال: حدثنا جرير عن الحسن بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقال: إنما ضلَّ من كان قبلكم بالكتب) (163).

3 - (... قال عبد الرزاق وأنا معمَّر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: إنا لا نكتب العلم ولا نكتبه) (164).

هذه هي المرويات التي نقلها لنا التاريخ عن كراهة ابن عباس لكتابة العلم، وجدير ذكره أن (العلم) هنا قد لا يصدق عندهم على أحاديث الرسول العظيم وسنته، وإنما على ما كان سائداً من أفكار وآراء وأخبار عن الخلق والتكوين وأحوال بني إسرائيل وهي هنا قد تعني هذا الأفق من التصور، إضافة إلى ما سبق نستطيع أن نقول أنه ليس من المعقول أن ينسب ابن عباس دور الإضلال إلى (كتاب) يتضمن سنة النبي العظيم، خاصَّة وأن ابن عباس سطَّر الصحف الكثار عما حفظه من حديث نبوي شريف - كما سنذكر -، وينبغي أن لا ننسى أن هذا الرجل كان بحراً في العلم، وقد دعا رسول الله له بأن يفقهَّه الله بالدين. فلو كان نهيه حقيقة عن تدوين الحديث لذكر ذلك باللفظ الواضح، والبيان الذي لا يحتمل أكثر من تفسير، لأنها قضية خطرة قد تؤول إلى نتائج غير محمودة.

كما أن نهي ابن عباس جاء دون تخصيص، ويرى بعضهم أن مثل هذه النواهي لا تنصرف إلى كراهة كتابة الحديث (بل في كـــــتـــــابه الـــــرأي) (165) أي أن النهي انصبَّ على تدوين الرأي وليس الحديث.

على أن الذي يدعو إلى الشك بهذه المرويات - وذلك إذا اعتبرنا كلمة علم هنا تعني أحاديث الرسول - فضلاً عن ضعف أسانيدها، ما ترويه المصادر الحديثية والتاريخية من موقف آخر لابن عباس في هذا الصَدد، بحيث تدعو طبيعتها وكثرتها إلى نفي الرأي السلبي المزعوم لحبر الأمة في خصوص التدوين، وهنا جملة من الإشارات الخاطفة.

1 - (... وكيع عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير قال: قال ابن عباس: قيدوا العلم بالكتاب) (166).

2 - (... ابن نمير عن عثمان بن حكيم عن سعيد بن جبير أنه كان يكون مع ابن عباس فيستمع منه الحديث فيكتبه في واســـــطة الــــرحـــل...) (167).

3 - عن سعيد بن جبير أنه قال (... كنت أسير بين ابن عمر وابن عباس، فكنت اسمع الحديث منهما، فأكتبه على واسطة الرحل حتى أنزل فأكتبه) (168).

4 - وكان يملي التفسير على ابن جبير ويقول له: (اكتب) (169).

5 - (أخبرنا إسماعيل بن أبان عن ابن إدريس عن هارون بن عنترة عن أبيه حدثني ابن عباس بحديث؛ فقلت: أكتبه عنك؟ قال: فرخَّص لي ولم يكن) (170).

6 - وتذكر المصادر التي تترجم لابن عباس عن موسى بن عقبة (ت 141) قال: (وضع عندنا بن گريب مولى ابن عباس حمل بعير عن كتب ابن عباس) (171).

7 - وكان لا يرحل إلى مجلس من مجالس العلم إلاَّ ويحمل معه شيئاً من كتاباته (172).

8 - قال سعيد بن جبير: كنت أجلس مع ابن عباس، فأكتبُ في الصحيفة حتى تمتلئ (173).

(إن هذه المرويات تكشف عن رأي يؤكد أن ابن عباس كان ساعية في تدوين الحديث الشريف، وهو حريص على ذلك، ويبدو أنها مهمَّة اضطلع بها عن مسؤولية فائقة، إذ كان يحبذ ويأمر، ويكفي أن ينقل التاريخ أنه خلف لنا كتباً تزن حمل بعير... كل ذلك لا يستقيم بحال مع نهي في سنده ضعف، وفي متنه تأويل محتمل.

إننا نعتقد أن المروي عن ابن عباس في النهي عن الكتابة - إن كان المقصود هو حديث رسول الله، إنما وضع عليه لتبرير ما قدم عليه الخلفاء الراشدون، أي عمر وأبو بكر وعثمان، وبعض الصحابة ذوو الجلالة لدى بعض الطوائف الإسلامية.

 

- خامساً: مع علي بن أبي طالب

1 - (... نا أبو بكر، نا أبو أسامة، عن شعبة، عن جابر بن عبد الله بن يسار، قال: سمعت علياً يخطب فيقول: أعزم على كل من كان عنده كتاب إلاَّ رجع فمحاه. فإنما هلك الناسُ حيث يتبعون أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم) (174)... والفاعلية الملاحظات التالية:

أ - عرفنا سابقاً أن لفظة كتاب ليس بالضرورة تعني مجموعة أحاديث رسول الله، بل قد تعني منظومة أفكار وتصورات سائدة لدى الأمم السالفة، أو هي علوم باطلة موروثة عن علمائهم، وهي هنا تسير إلى ذلك بقرينة (إنما هلك الناسُ حيث يتبعون أحاديث علمائهم).

ب - إن نصوصاً حديثية وتاريخية كانت تُدرج علياً في قائمة الصحابة الذين يرون تدوين الحديث وكتابة السنة، وذلك في قبال الفريق الذي لا يرى ذلك.

قال ابن الصلاح (577 - 643):

(وممن روينا عنه إباحة ذلك (التدوين) أو فعله علي وابنه الحسن...) (175). وهي قضية معروفة في الوسط الصحابي آنذاك.

ج - وهو يخالف ما عليه الروايات الشيعية المتواترة التي تؤكد أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يملي على علي (عليه السلام) الحديث، وأنه (صلّى الله عليه وآله) خصَّه بهذا الشرف العظيم، وكان من نتائجه الصحيفة الجامعة ومصحف فاطمة والجفر التي سنأتي على بيانها مفصّلاً إن شاء الله تعالى.

د - والموقف الذي يرويه بن يسار عن علي يعارضه موقف آخر، وبالشكل الذي يثير الشكوك حول هذا السلوك المزعوم، وبالشكل الذي ينسجم مع المؤشرات التي تشجع على الاستنتاج أن علياً كان مع تدوين الحديث وترقيم السنة. فقد كان (عليه السلام) ينادي: (من يشتري علماً بدرهم) قال أبو خيثمة: يقول: يشتري صحيفة بدرهم يكتب فيها العلم (176).

هذا النداء الذي يطلقه علي، وهو يمشي في الأسواق، وعلى مسمع من جماهير المسلمين: لا ينسجم أبداً مع ما يروى عنه أنه كان ضد التدوين، أو ما يمكن فهمه على هذا المستوى من الخبر السابق أو ما هو على منواله من مرويات وآثار.

 

- سادساً: موقف الأمة من التدوين

والآن نطرحُ السؤال التالي:

ما هو موقف الوسط الإسلامي العام من تدوين الحديث النبوي الشريف؟!

الجواب في ما يلي:

(... الزهري عن عروة: أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، فاستفتى أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) في ذلك، فأشروا عليه بأن يكتبها..).

في هذه الرواية التاريخية المهمة نستطيع أن نطمئن أن عموم الصحابة كانوا مع تدوين الحديث النبوي.

وفي هذا يقول الأستاذ أحمد محمد شاكر:

(اختلف الصحابة قديماً في جواز كتابة الحديث، فكرهها بعضهم (...) وأكثر الصحابة على جواز الكتابة).

ويبدو أن المدينة المنوَّرة شهدت حركة ناشطة في تدوين الحديث النبوي منذ أن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين ظهراني القوم، بل وكما تشير مصادر الفكر الشيء إن هناك. وبعد أن انتقل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الملأ الأعلى مدونات حديثية واسعة ومنها:

1 - الأحاديث الـ(500) التي حرقها أبو بكر والتي مرَّت الإشارة إليها.

2 - الكتب الحديثية المتواجدة في الآفاق والتي أمر عمر بجمعها ثم أتلفها بيده.

3 - بعض الصحف الحديثية التي ثبت بالأدلة وجودها على عهد رسول الله، ومن ثم حافظ عليها أصحابها في زمن الخلافة الراشدة وفي مقدمتها (صحيفة الإمام علي).

ويبدو أن الصحابة كانوا نشطين في تدوين الحديث وجادين في ذلك، يمكننا أن نفهم هذا من إصرار عمر وغيره على تتبع الكتب والصحف وتشديده على ضرورة إتلافها وحرقها.

والموقف العام للوسط الإسلامي ينطلق - كما يظهر - من معرفة واعية ودقيقة بأهمية السُنة النبوية ودورها في الحياة الإسلامية.

وقد ثبت بالتجربة أن رأي الوسط الصحابي العام القاضي بكتابة السنة أكثر نضجاً ووعياً، سواء على صعيد الفكر والحياة والزمن.

وأظهر دليل على ما نقول أنَّ التدوين أصبح حاجة ضرورية وأساسية بعد لأي من السنين المعدودة.

إن الرأي الصحابي العام الذي كان مع التدوين ينسجم مع أكثر من مفردة شرعية وعقلية منها:

1 - أهمية السنَّة ودورها الضخم في الحياة الإسلامية.

2 - وعي الزمن والمحيط.

3 - طبائع الأشياء وموجبات الواقع، فليس من المعقول أن تبقى السنة أسيرة المشافهة، وذلك مهما بلغت قوة الحافظة وجودة الضبط وسلامة النية والقصد لدى المسلمين الأوائل، لأن الإنسان عرضة للنسيان.

وكما قلنا أثبتت التجربة أن رأي الصحابة العام كان أقرب للفكر الصائب من غيره، ليس لأن التدوين فرض نفسه، وأصبح علماً قائماً برأسه، بل إضافة إلى ذلك أن المنع من التدوين خلق جملة مشكلات للفكر الإسلامي، بل وللإسلام عقيدة وشريعة، ولعل من أبرزها هذا الخلاف الضخم في العديد من متبنيات العقيدة والشريعة بالذات فإن أكثر فقرات الخلاف تعود إلى استشهادات متباينة مأخوذة من السُنَّة والغريب أن تصيب المشكلة ببلائها المسلمين في أهم وأخطر ممارساتهم العبادية التي كانوا يمارسونها على سُنَّة العادة والطبيعة. 

139- أصول الحديث: ص153.

140- تذكرة الحفاظ: ج3 ص5.

141- المصدر السابق.

142- المصدر السابق: ج3 ص2.

143- المصدر السابق: ج3 ص2 - 3.

144- المصدر السابق.

145- المصدر السابق.

146- جامع بيان العلم وفضله: ص65.

147- المصدر السابق. ح 1 ص64.

148- الباعث الحثيث: ص128 / الحاشية.

149- أصول الحديث: ص161، وراجع مسند أحمد: ج1 ص261.

150- جامع بيان العلم وفضله: ح 1 ص72.

151- تذكرة الحفاظ: ج3 ص6.

152- المصدر السابق.

153- جامع بيان العلم وفضله: ج1 ص63.

154- تهذيب التهذيب: ج1 ص332.

155- المصدر السابق.

156- المصدر السابق.

157- المصدر السابق.

158- جامع بيان العلم وفضله: ح 1 ص65.

159- تقييد العلم: ص102.

160- علوم الحديث ومصطلحة ص43، المتن والحاشية معاً.

161- جامع بيان العلم... ص64.

162- لسان الميزان: ج4 ؟ 1345.

163- جامع بيان العلم: ص64.

164- المصدر السابق: ص65.

165- أصول الحديث: ص168 نقلاً عن مجلة الثقافة المصرية: ص8 - 9 من العدد 352 / السنة السابعة. مقال الدكتور يوسف العش.

166- جامع بيان العلم: ص72.

167- المصدر السابق.

168- تقييد العلم: ص103.

169- انظر سنن الدارمي: ج1 ص128 طبعة دمشق.

170- سنن الترمذي: ج1 ص128.

171- طبقات ابن سعد: ج5 ص433.

172- طبقات ابن سعد: ج3 ص123.

173- سنن الترمذي: ج1 ص128.

174- تقييد العلم: ص90.

175- علوم الحديث لابن الصلاح: ص181.

176- تقييد العلم: ص90.

| أعلى |