|
الفصل الثامن مدى الوفاء لعلة المنع وفي المقام سؤال: تُرى إلى أي مدى كان المانعون للتدوين أوفياء لمذهبهم على ضوء العلَّة المقترحة أو المتصوَّرة؟! في الحقيقة نجد التطابق المأمون بين النظرية والممارسة في هذا المجال. فهذا عمر وهو الذي شيَّد مذهب المنع يكتبُ شيئاً من السُنَّة: (كنَّا مع عتبة بن فرقد، فكتب إليه عمر بأشياء يحدثه عن النبي (صلى الله عليه وآله)، فكان فيما يكتب إليه: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا يلبس الحرير في الدنيا إلاَّ من ليس له في الآخرة شيء إلاَّ هكذا، وقال بأصبعيه السبابة والوسطى. قال أبو عثمان: فرأيت إنها أزرار الطيالسة حين رأينا الطيالسة) (177). وأبو بكر على نــــفــــس الـــوتـــيـــرة المتشددة بالمنع يكتب إلى أنس بن مالك (فرائض الصدقة التي فرض رسول الله (صلى الله عليه وآله)) (178). وأبو سعيد الخدري الذي يُرجع إلى حديثه الموقوف بالمنع يقول: (كنا لا نكتب إلاَّ القرآن والتشهد) (179). وهذا ابن عباس الذي نسبوا إليه المنع (وناقشنا ذلك) كان يقول: (إنا لا نكتب في الصحف إلاَّ الرسائل والقرآن) (180). والمغيرة من دعاة المنع يَكتب إلى معاوية أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (... كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة الحال) (181). فما هو السر في عدم الوفاء المطلق لنظرية المنع؟! يقولون أن المنع كان بسبب علته. وعندما ترتفع العلَّة يُقدم على الكتابة بلا حرج. ولكن ها هنا قضيَّة تلامِسُ حيرة الأديب... نحن لا نريد أن نقول أن إباحة الرسول للكتابة تقطع الطريق على هذا التعليل ذي المعالجة التبريرية، فهذه مسألة قائمة برأسها تحكم على ظاهرة المنع وعلله المسطَّرة بالرفض، وتدعو إلى التساؤل في هذا المجال.. ولكن ألم ترتفع هذه العلَّة في تصور أبي بكر فأقدم على التدوين؟! فلماذا لا تفِ هذه القناعة بدورها مع عمر؟!... فيكون عهده عهد تدوين السُنَّة الشريفة... أليس غريباً أن تحايث العلَّة المانعة الزمن، فتمتد إلى أيام عمر؟!، وهي التي وجدها أبو بكر ملغية من حق الاستمرار. عسير على العقل الحصيف أن يقتنع أن علَّة المنع هذه تدور بين وجودٍ وعدم على مرَّ الأيام من صحابي إلى آخر، وهم في زمن واحد، وعلى تماسٍ مكاني، وسيرة متلاقية في أكثر فصولها وعناصرها، وخاصة زمرة المنع المعروفة بتأسيس المذهب ومواصلته على شدَّة من التنفيذ. غير أننا لا ندخل في محاكمة هذا الاضطراب بين النظرية والتطبيق مع علي أو ابن عباس أو أنس بن مالك، لأن هؤلاء لم يكونوا من رواد مدرسة المنع، بل ضدها، وكتبوا وحثوا على الكتابة. وإذا كان ارتفاع علة المنع أباحت لعمر أن يكتب، فلماذا لا يُطلق السماح بها للناس وبإشرافه مثلاً؟! كذلك الأمر بالنسبة لأبي بكر؟ وغيرهما؟! أم أنها حكر على فريق المانعين بعد أن زالت العلة؟! ولكن ما هذا الذي بدر من أبي بكر وعمر وعبد الله بن مسعود والمغيرة بن شعبة فكتبوه عن النبي؟! من سياق الأخبار أنهم كتبوا شيئاً من السنن العملية البسيطة التي تتعلق ببعض العبادات!! فأين تدوين حديثه بالعقائد والمناقب والفضائل وقضية الحكم من بعده ووصاياه بأهل بيته والملاحم والفتن... وغيرها من الأمور التي تتصل بكل شؤون الحياة؟! يبدو أن هناك إصراراً على حصر الكتابة في هذه الزاوية الشخصية البسيطة، وإهمال القضايا الكبرى. كان عمر يقول: (أقلّوا الرواية عن رسول الله إلاّ فيما يُعمل به) (182). ويمكننا أن نلتقط إشارة في بعض أنواع الحديث الممنوع من التدوين بما يلي: روي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه (جاء علقمة بكتاب من مكة أو اليمن، صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت، فدخلنا عليه، قال: فدفعنا إليه الصحيفة، قال: فدعا الجارية، ثم دعا بطست فيه ماء، فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن، انظر فإن فيها أحاديث حساناً. فقال: فجعل يميثها (183)، فيها ويقول: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) (184)، القلوب أوعــــيــــــة، فاشغلوها بالـــقـــرآن، ولا تشغلوها بما سواه) (185). |
|---|
|
الهوامش: 177- مسند أحمد: ج1 ص261. 178- مسند أحمد: ج1 ص183. 179- تقييد العلم: ص93. 180- العلم: زهير بن حرب: ص187. 181- معرفة علوم الحديث: ص100. 182- البداية والنهاية: ج8 ص107. 183- يذيبها. 184- سورة يوسف: 3. 185- تقييد العلم: ص54. |
| أعلى |