|
الفصل التاسع إباحة تدوين الحديث هل أباح رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) كتابة حديثه الشريف؟! مثل هذا السؤال يفرض نفسه لأهميَّة الحديث في الإسلام، إلاَّ أن ذات السؤال يحتاج إلى مزيدٍ من التوضيح، فنحن إذا قلنا: نعم إنه (صلّى الله عليه وآله) أباح ذلك. يترتب أكثر من استفهام على الجواب المذكور: ترى هل كانت الإباحة عامَّة؟ أم أنها مختصَّة؟ وإذا كانت الإباحة مختصَّة، هل جاءت بعد طلب من سائل، أم أن النبي كلف بنفسه شخصاً لهذه المهمَّة؟ وهل يعلم الوسط الإسلامي العام بالإباحة الخاصة، أم هي سر بين النبي والشخص الآخر؟ ولذلك لابد من تنظير الجواب في أبعاده الواضحة وفي إطاره المحدَّد، وبغير هذا البيان المفصّل لا يمكن تشييد رؤية علميَّة رصينة عن الحديث وتدوينه. علماء الجمهور يؤكدون أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أباح الكتابة بعد حظر، وأجازها بعد منع. ويبدو أن هذه الرخصة على صعيدها المبدئي كانت على مستويين. * الإباحة العامَّة: فلكل مسلم الحق أن يبادر إلى تقييد الحديث الشريف. * الإباحة الخاصَّة: وذلكَ بترخيصٍ منه (صلّى الله عليه وآله) لهذا أو ذاك بشكل من الأشكال. وفي كل مستوى حديث طويل، كما سيأتي: علماء الجمهور يطرحون جملة أدلَّة على الإباحة العامَّة لا تنهض بها، ومنها: - أولاً: الكتب التي بعثها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الملوك والأمراء المتواجدين في عصره. - ثانياً: الكتاب الذي طلب تدوينَهُ قبيل رحيله (صلّى الله عليه وآله) ومنع من ذلك عمر. - ثالثاً: كتابه إلى عمرو بن حزم ليكون دستوراً إسلامياً لقومه في اليمن. - رابعاً: كتابه إلى وائل بن حجر ليكون دستوراً عاماً في العقيدة الإسلامية وأحكامها لقومه. - خامساً: كتابه الذي دوَّن فيه حقوق المهاجرين والأنصار، وليكون دليل الدولة الجديدة. وفي الواقع: إن هذه الممارسات قام بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) باعتبار مقامِه النبوي، وبلحاظ الآية العامَّة، أي أنها من مختصَّاته (صلّى الله عليه وآله). ففعله هنا لا يفيد الإباحة... نعم إنه يفيد وقوع الكتابة عنه، وهي شيء والدلالة على الرخصة شيء آخر. وقد انتبه بعضهم فأشار إلى أن هذه الكتب والرسائل تدلُ على كتابة السنة وقوعاً وحصولاً وليس على إباحتها سواء كانت هذه الإباحة عامة أو خاصة. ومن الأدلة الأساسية التي توردُ في هذا المقام حديثين: - الأول: (قيدوا العلم بالكتاب). - الثاني: (حدثوا ولا حرج). وقد مضى الكلام مفصلاً عن هذين الحديثين، ويتبين أنهما مخدوشان سنداً، وأحياناً سنداً ومتناً. ولكن بودنا أن نلوّح بمسألةٍ مهمةٍ هنا... هل من المعقول أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يبيحُ الكتابة على العموم، دون أن يضع لذلك ضوابط وتقاليد؟ إننا نقرأ في مصادر أحاديث الجمهور ضوابط صارمة عن الرواية الشفاهية، فلماذا نفتقدها في مجال تدوين الحديث على لسان النبي وقد رخَّص للجميع أن يكتبوا؟ هذا في صدد إباحة تدوين الحديث عموماً، أما تدوينه على وجه الخصوص، فيذكر علماء الجمهور جملة من الأدلة، وهي كالآتي: أولاً: أحاديث وردت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأهمها: 1 - حديث (استعن بيمينك). 2 - حديث (أبي هريرة). 3 - حيث (اكتبوا لأبي شاه). 4 - حديث (عبد الله بن عمرو بن العاص). ثانياً: الصحف التي يدعى أنها مكتوبة في زمن النبي، وأهمها: 1 - صحيفة عبد الله بن عمرو الصادقة. 2 - صحيفة علي. 3 - صحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري. 4 - صحيفة سعد بن عبادة الأنصاري. وسوف نفرد لكل دليل بحث خاص. |
|---|
| أعلى |