|
الفصل الحادي عشر نظرة في حديث أبي هريرة 1 - أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله المعدل، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور هو الرمادي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمَّر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول: لم يكن أحد من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) أكثر حديثاً مني إلاَّ عبد الله بن عمرو، فإنه كتب ولم أكتب) (204). 2 - (... حدثنا محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن المغيرة بن حكيم ومجاهد أنهما سمعا أبا هريرة يقول: ما كان أحد أحفظ لــحــديــث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مني، إلاَّ عبد الله بن عمرو، فإني كنت أعـــي بــقــلــبــي، ويعي بقلبه ويــــكـــتــب، فاستأذن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأذن له) (205). 3 - (... حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثنا عمرو بن شعيب أن المغيرة بن حكيم حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول: ما كان أحد أعلم بحديث رســـــــول الله (صلّى الله عليه وآله) مني إلاَّ عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب بــيــده، فاستأذن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأذن له، فكان يكتب بـــيـــده، ويعي بقلبه، وإنما كنت أعي بقلبي) (206). 4 - (... حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن مجاهد والمغيرة بن حكيم قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) مني إلاّ ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتبُ بــــيــــده، ويعيه بقلبه، وكنت أعي ولا أكتب، واستأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الكتابة فأذن له) (207). وفي المتن أكثر من مناقشة:
قال صــــــاحـــــب فــــتـــح الـــبـــاري: (... هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبد الله بن عمرو، أي ابن العاص، على ما عنده. ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازماً بأنَّه ليس في الصحابة أكثر حديثاً عن النبي (صلى الله عليه وآله) منه إلاَّ عبد الله، مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو، أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة فإن قلنا: الاستثناء منقطع فلا إشكال، إذ التقدير: لكن الذي كان من عبد الله وهو الكتابة لم يكن مني، سواء لزم منه أكثر حديثاً لما تقتضيه العادة أم لا. وإن قلنا: الاستثناء متصل، فالسبب فيه من جهات: أحدها: إن عبد الله كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم. فقلّت الرواية عنه. ثانيها: إنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو الطائف ولم تكن الرحلة إليها ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصدياً فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات... ثالثها: ما اختصَّ به أبو هريرة من دعوة النبي (صلى الله عليه وآله) له بأنه لا ينسى ما يحدث به... رابعها: إن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب، فكان ينظر فيها، ويحدث منها، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثرت أئمة التابعين...) (209). والاستثناء المنقطع تكلف ظاهر، خاصَّة ونحن نعلم أن أبا هريرة لم يكن يعرف الكتابة أو لم يكتب.
رابعاً: وهو يتناقض مع العديد من مرويات أبي هريرة عن نفسه فيما يتعلق بحفظه ودرايته بحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، منها:
2 - روى البخاري عن أبي هريرة: (... إن أخوتي من المهاجرين والأنصار كان يشغلهم الصفق في الأسواق، وكنت ألزم رسول الله على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل أخوتي من الأنصار عمل أموالهم... وقد قال رسول الله في حديث يحدثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمع إليه ثوبه إلاَّ وعى ما أقول فبسطت نمرة (بردة) عليَّ حتى إذا قضى رسول الله مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله تلك من شيء) (211). 3 - (عن المقبري عن أبي هريرة قال: قلتُ لرسول الله: إني سمعت منك حديثاً كثيراً - فأنساه - فقال: أبسط رداءك، فبسطته، فغرف بيديه فيه، ثم قال: ضمَّه، فضممته، فما نسيت حديثاً بعده) (212). قال في فـــــتـــــح الــــبـــــاري: (... ويحتمل أن يقال: تُحمَل أكثرية عبد الله بن عمرو على ما فاز به عبد الله من الكتابة قبل الدعاء لأبي هريرة...) (213). وهو احتمال ضعيف لأنه خلاف النص، ولا دلالة عليه، فضلاً عن أن الاحتمال لا يؤسّس لنا نَظرة علميَّة، يمكن أن تكون شفيعاً في إعطاء رأي قاطع، وصورة كاملة تنهضُ بقناعة موضوعيَّة حول السماح أو الرخصة في تدوين حديث رسول الله. إن متن رواية أبي هريرة يحتاج إلى مؤونة زائدة ليستقيم دليلها على إباحة النبي للكتابة لعبد الله بن عمرو، فضلاً على الإباحة العامَّة. وهذه المؤونة احتماليَّة في طبيعتها، وعليه لا تفيدُ اليقين الذي هو جوهر أي تأسيس نظري رصين في مثل هذه القضايا الخطيرة. فالاحتمال في حمل النص على ما ينسجم مع الحقائق التي يؤمن بها الجمهور، والتي منها كثرة روايات أبي هريرة على عبد الله بن عمرو، هذا الاحتمال عائق كؤود في اعتماد رواية أبي هريرة لوضع نظرية الإباحة كحقيقة شاخصة، تستمد حقها في الثبات من أسس مشروعة... كما أن حمل التناقض بين النص والواقع على أساس الاحتمال لا يُعَدَّ انتصاراً على هذا التناقض بالشكل الذي يسمح بالبناء على أساسه، خاصَّة إذا كان الاحتمال ضعيفاً، ولا يتمتع بمسوّغات ترجيحه القوية، وتكون صراحة النص على عكسه من مشاكله الكبيرة. |
|---|
|
الهوامش: 204- تقييد العلم: ص82. 205- المصدر السابق. 206- المصدر السابق: ص83. 207- المصدر السابق. 208- أسد الغابة: ج3 ص233. 209- فتح الباري: ج1 ص217. 210- الإصابة: 74 ص205. 211- فتح الباري: ج4 ص231. 212- طبقات ابن سعد: ج4 ص56 طبعة بولاق. 213- فتح الباري: ج1 ص218. |
| أعلى |