|
الفصل السابع عشر خلاصة في نتيجتين وهكذا نصلُ إلى نتيجة خطيرة في الموضوع الذي نحنُ في صَدده، ويمكن تلخيصها بالنقاط التالية: - أولاً: إن أحاديث النهي عن تدوين الحديث الشريف التي توردها مصادر الجمهور على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لا تصمدُ للنقد العلمي الرصين. - ثانياً: إن أحاديث ودلائل الإباحة لا تنهضُ بموضوعها بالدرجة التي تبعث على الاطمئنان، وبالمتانة التي تشجع على تشييد رؤية علميَّة يقينية عن كتابة حديث النبي (صلى الله عليه وآله) سواء كانت هذه الإباحة عامة أو خاصَّة، اللهم إلاَّ ما ورد في حق علي بن أبي طالب، وهذا الأمر يؤول إلى استنتاج خطير لا توافق عليه مدرسة الجمهور - كما سنرى -. - ثالثاً: ولو تنزَّلنا عن ذلك، وقلنا بصحَّة الأحاديث على المستويين، كما يرى معظم علماء الجمهور، فإن مشاكل عديدة سوف تترتب على ذلك منها: التناقص بين المنع من جهة والإباحة من جهة أخرى، ولم توفق المحاولات المبذولة من قبل هؤلاء العلماء، قديماً وحديثاً في حل إشكال التناقص المذكور، وهو لا يزال عقبة في تصوير نظرية واضحة المعالم مضبوطة الأسس متكاملة الأبعاد عن تدوين الحديث النبوي في عصر النبوة المقدَّسة، ومن هذه المشكلات هو علة المنع والسبب الذي دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى تحريم الكتابة!! مع ما يجر هذا الموقف من مخاطر وخيمة على الإسلام والمسلمين، وبالفعل فقد ظهرت بعد وفاة النبي الأكرم، ولم تقدم علة تشفي غليل السائل في هذا المقام. وكانت العلة المقترحة أكثر من خيار، لم يسلم أحدها من طعن في الصميم. وفي الحقيقة إن هذه المفارقات هي التي دعت إلى تبني نظرية المنع ومن ثم عدم الكتابة، ودعت الغير إلى اتخاذ موقف مناقض، وبين هذا وذاك من شكك أصلاً في قيمة السنة وأهميتها. ومن كل ذلك نفهم أن مصادر الجمهور في تدوين الحديث في هذه الفترة عاجزة أن تكون لنا أطروحة يمكن أن نستند إليها في هذا المجال... هذه النتيجة الأولى، وهي سلبية. على أن النظر في هذه الخلاصة قد يعطينا ثمرة إيجابية مستلة من ثبوت صحيفة علي، وذلك بلحاظ كونها بإملاء الرسول (صلى الله عليه وآله) وخط أمير المؤمنين، هذه النتيجة تقول: إنَّ رسول الله أحتاط لحديثه بكتابته، ولكن ليس على أساس الإباحة غير المدروسة، لأن مخاطرها كبيرة وما سيترتب عليها من مفارقات وملابسات لا تعد ولا تُحصى، وإنما كلف في ذلك أميناً حافظاً مؤمناً، لا تؤثر فيه دواعي الدنيا أو مغرياتها، قريب منه نسباً وروحاً وتربية وعلماً، ذلك هو علي بن أبي طالب الذي قال فيه: (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاَّ أنه لا نبي من بعدي). وهي الصورة التي يطرحها الشيعة الإمامية كما سنرى في فصل قادم. |
|---|
| أعلى |