|
الفصل الثامن عشر الشيعة وتدوين الحديث الرؤية العامَّة يرفضُ الشيعة الإمامية فكرة المنع التي يثبتها علماء الجمهور، ولا يعتقدونها منهجاً معقولاً يمكن أن يختطه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما أننا لا نجد لدى الشيعة الإمامية رأياً في الإباحة العامة، وقد يستنتج البعض من هذا التصوير أن الشيعة الإمامية لا تملك نظرية في هذه القضية الخطيرة. والواقع: لا ... إن هذه الطائفة تعتقدُ أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمَّن على كتابة حديثه وتدوينه كما أمَّن على كتابة القرآن وتدوينه، أي أن النبي أملى حديثه على شخص ما، يطمئن إلى إيمانه ويقينه وحرصه على الشريعة ومستقبلها... ذلك الشخص هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وفي هذا السياق يذكر الشيعة الإمامية جملة عينات حديثية مكتوبة في زمن رسول الله، وأمير المؤمنين ورثها، كما أن بعضها كانت بخط يده. والمصادر الشيعية الإمامية توردُ في هذا الصَدد الكتب أو الصحف التالية: - أولاً: صحيفة علي. - ثانياً: كتاب علي بالأحكام. [الجامعة]. - ثالثاً: مصحف فاطمة. - رابعاً: الجفر. وترى الشيعة الإمامية أن أئمة أهل البيت (سلام الله عليهم) توارثوا هذا العلم، وكان على شكل آثار يرجعون إليها في بيان العقائد والحلال والحرام وحوادث المستقبل القريب والبعيد. وهذه جملة أحاديث في تثبيت هذه القاعدة: 1 - (... عن داود بن أبي يزيد الأحوال عن أبي عبد الله، قال: سمعته يقول: إنا لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنها آثار من رسول الله، أصل علم، نتوارثها كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز الناس ذهبهم وفضتهم) (326). 2 - (... عن جابر قال: قال أبو جعفر: يا جابر والله لو كنا نحدث الناس أو حدثناهم برأينا، لكنا من الهالكين، ولكنَّا نحدثهم بآثار عندنا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، يتوارثها كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم) (327). 3 - (... عن محمد بن شريح قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام)، لولا أن الله فرض طاعتنا وولايتنا وأمر مودتنا، ما أوقفناكم على أبوابنا، ولا أدخلناكم في بيوتنا، إنا والله ما نقول بأهوائنا، ولا نقول برأينا، ولا نقول إلاَّ ما قال ربنا، أصول عندنا، نكنزها، كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضَّتهم) (328). فنظرية الشيعة الإمامية في خطوطها العريضة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أملى حديثه على علي، وعلي ورث هذا المكتوب، وتناقله أئمة الهدى بعده، كابراً عن كابر. وعليه: إن رسول الله قد خطط لحفظ حديثه، ولم يتركه لإباحة غير مضبوطة وغير مدروسة، أي أن الرسول عيَّن كاتباً للوحي الذي لا يتلى، كما عين كتاباً للوحي الذي يتلى. وفي الحقيقة إن هذه النظرية الشيعية في تدوين الحديث مما ينسجم مع العقل وطبائع الأشياء، فليس من المعقول أن هذا الكنز النبوي يبقى بلا ترقيم ولا تدوين، وليس من المعقول أن يباح تدوينه بلا إشارة خاصة من صاحبه وإطلاع على ضطبه وصيانته. إن موقف النبي بهذه الصورة من تراثه العظيم مما يستسيغه العقل والطبع السليم، وها هي سنّة أكثر العظماء والمصلحين في تدبير مذكراتهم وتصريحاتهم وأقوالهم. إن ترك الحديث لعبقرية الحفظ وطريقة المناقلة، لا تنقذه من مشاكل عديدة، وقد ظهرت مباشرة بعد انتقال النبي إلى الملأ الأعلى. إن النظرية الشيعية منسجمة مع نفسها، ليس فيها تناقض ولا تتخللها اختراقات التساؤل والتشكيك خلافاً لنظرية علماء الجمهور، إذ تعتريها العديد من المشكلات، بل إن تدوين الحديث في زمن النبي الأكرم هو إحدى الإشكاليات الخطيرة في فكر علماء الجمهور، وهي تتجدّد وتثار جيلاً بعد جيل، دون أن تجد لها حلاً يشفي الغليل. عن الإمام الباقر (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي: اكتب ما أملي عليك، قال: يا نبي الله أتخاف عليَّ النسيان؟! قال: لست أخاف عليك النسيان، وقد دعوت الله لك أن يُحفظك ولا ينسيك، ولكن اكتب لشركائك قال: قلت: ومن شركائي يا نبي الله؟! قال: الأئمة من ولدك، بهم تسقى أمتي الغيث، وبهم يستجاب دعاؤهم، وبهم يصرف الله عنهم البلاء، وبهم تنزل الرحمة من السماء...) (329). وهذا الحديث يعطي للنظرية العامة عند الشيعة في صدد تدوين الحديث إطارها الجامع وأسسها الواضحة. وفي هذا السياق أيضاً، نقرأ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): قال أبو راكة: (... كنا مع علي (عليه السلام) بمسكن فحدثنا أن علياً ورث من رسول الله السيف، وبعض يقول البغلة، وبعض يقول: ورث صحيفة في حمائل السيف، إذ خرج علي (عليه السلام) ونحن في حديثه، فقال: إيم الله، لو أنشط ويؤذن لي، لحدثتكم حتى يحول الحول، لا أعيد حرفاً. وإيم الله عندي لصحف كثيرة، قطائع رسول الله وأهل بيته، وإن فيها لصحيفة يقال لها العبيطة، وما ورد على العرب أشد منها، وإن فيها لستين قبيلة مبهرجة، ما لها في دين الله من نصيب) (330). وفي تفصيل أوَّلي تقرأ عن الإمام الصادق: (إن عندنا سلاح رسول الله وسيفه ودرعه، وعندنا والله مصحف فاطمة، ما فيه آية من كتاب الله، وإنه لإملاء رسول الله وخطّه علي بيده، وعندنا والله الجفر، وما يدرون ما هو، أمسك شاة أو مسك بعير...) (331). ونقرأ أيضاً: (... عن محمد بن عبد الملك، قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) نحواً من ستين رجلاً، وهو وسطنا، فجاء عبد الخالق بن عبد ربه فقال له: كنت مع إبراهيم بن محمد جالساً، فذكروا إنك تقول إن عندنا كتاب علي (عليه السلام)، فقال: لا والله ما ترك علي كتاباً، وإن كان ترك علي كتاباً ما هو إلاَّ أهاب، ولو وددت أنه عند غلامي هذا فما أبالي عليه. قال: فجلس أبو عبد الله (عليه السلام)، ثم أقبل علينا. فقال: ما هو والله كما يقولون، إنهما جفران مكتوب فيهما، لا والله إنهما لإهابان عليهما أصوافهما وأشعارهما، مدحوسين كتباً في أحدهما، وفي الآخر سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وعندنا والله صحيفة طولها سبعون ذراعاً، ما خلق الله من حلال وحرام إلاَّ وهو فيها، حتى إن فيها أرش الخدش، وقام بظفره على ذراعه، فخط به وعندنا مصحف، أما والله ما هو بالقرآن) (332).
• الصحيفة: 1 - (... عن جابر بن يزيد، قال: قال أبو جعفر الباقر: إن عندي لصحيفة فيها تسعة عشر صحيفة قد حباها رسول الله) (333). 2 - (... عن محمد بن مسلم قال: قال أبو جعفر: إن عندنا صحيفة من كتب عليّ طولها سبعون ذراعاً...) (334). 3 - (وعن أبي عبد الله قال: والله إن عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها جميع ما يحتاجُ الناس حتى أرش الخدش أملاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكتبه علي بيده) (335). 4 - (... عن سليمان بن خالد: قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن عندنا لصحيفة سبعون ذراعاً، إملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط علي بيده، ما من حلال ولا حرام إلاَّ وهو فيها حتى أرش الخدش) (336). وأحاديث أخرى كثيرة في هذا الموضوع.
• كتاب علي: 1 - (عن الفضيل بن يسار قال، قال أبو جعفر (عليه السلام)، يا فضيل عندنا كتاب علي سبعون ذراعاً...) (337). 2 - (عن عبد الله بن ميمون عن جعفر عن أبيه قال: في كتاب علي كل شيء...) (338). 3 - (وعن عبد الله بن أيوب عن أبيه قال سمعتُ أبا عبد الله يقول: ما ترك علي شيعته وهم يحتاجون إلى أحدث الحلال والحرام حتى إنا وجدنا في كتابه أرش الخدش. قال: ثم قال: أما إنك إن رأيت كتابه لعلمت أنه من كتب الأولين) (339). والمأثور من هذا الكتاب موجود في جوامع الحديث الشيعي الإمامي والتي منها: أ - الكافي في أصوله وفروعه. ب - التهذيب. ج - من لا يحضره الفقيه. د - الوسائل. والعبارة المعروفة في الإشارة إليه هي (في كتاب علي). وفيه من كل أبواب الفقه [الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصوم، الحج، الجهاد، الأمر بالمعروف، المتاجر، الوصايا، الطلاق، النكاح، الأطعمة والأشربة، الحدود، القصاص، الديات، القضاء، الإيمان، الصيد، الميراث، إحياء الموات...].
• الجفر ومصف فاطمة: (عن أبي مريم قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): عندنا الجامعة وهي سبعون ذراعاً فيها كلّ شيء ارش الخدش إملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخطّ علي (عليه السلام) وعندنا الجفر وهو أديم عكاظيّ قد كتب فيه حتى ملئت أكارعه، فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة) (340). علي (عليه السلام)، وعندنا الجفر وهو أديم عكاظي قد كتب فيه حتى ملئت أكارعه، فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة) (341). الحسن: لقد خلّف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عندنا ما فيها كل ما يحتاج إليه حتى أرش الخدش والظفر وخلّفت فاطمة مصحفاً ما هو قرآن...) (342). وفيه عن أبان بن عثمان عن علي بن الحسين - الإمام زين العابدين - عن أبي عبد الله - الحسين بن علي - قال: إن عبد الله بن الحسين يزعم أنّه ليس عنده من العلم إلاّ ما عند الناس، فقال: صدق والله عبد الله بن الحسن ما عنده من العلم إلاّ ما عند الناس ولكن عندنا والله الجامعة فيها الحلال والحرام وعندنا الجفر، أيدري عبد الله بن الحسن ما الجفر مسك معز أم مسك شاة وعندنا مصحف فاطمة أما والله ما فيه حرف من القرآن ولكنه إملاء رسول الله وخطّ علي كيف يصنع عبد الله إذا جاء الــنـــاس من كلّ أفـــق يســــــــألونه (343). هذه هي الرؤية الشيعية الإمامية في تدوين السنة، لابد من حفظها في السطور (لأن سنة النبي شارحة القرآن، فلابد أن تـــحفـــــظ بالتـــدويـــن) (344). ولكن هذا الحفظ له فارسه المعين المشخَّص من قبل رسول الله وبإمضائه وعنايته وتوجيهه، وكان علي هو الذي فاز بهذا الاختيار. نظرة سريعة إلى الرؤية الشيعية الإمامية في مشكلة تدوين الحديث نجدها صادقة مع ذاتها جملة وتفصيلاً ويمكن للباحث أن ينتقل بها من الإجمال إلى التفريع والتشقيق، دونما تردد أو تعثر، شاهده في ذلك الأحاديث والأخبار والآثار. |
|---|
|
الهوامش: 326- بصائر الدرجات: ص299. 327- المصدر السابق. 328- المصدر السابق: ص300 / 301. 329- بصائر الدرجات: ص167. 330- بصائر الدرجات: ص149. 331- المصدر السابق: ص153. 332- بصائر الدرجات من 151. 333- المصدر السابق: ص144. 334- المصدر السابق: ص143. 335- المصدر السابق: ص145. 336- المصدر السابق: ص144. 337- المصدر السابق: ص143. 338- المصدر السابق: ص164. 339- بصائر الدرجات: ص166. 340- المصدر السابق: ص160. 341- المصدر السابق. 342- بصائر الدرجات: ص156. 343- المصدر السابق: ص157. 344- عقيدة الشيعة في الإمام الصادق: ص211. |
| أعلى |