مشكلة تدوين الحديث الشريف في عصر النبي

 

الفصل التاسع عشر

معضدات خارجية

مرَّ بنا بيان كاف عن الصحيفة التي ورثها علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتبين أنها الصحيفة التي يمكن الاطمئنان إلى وجودها، وإلى أنها كتبت في عهد النبي بإملائه من جهة وبخط علي من جهة أخرى، وتوضح أنها واردة لدى الفريقين، وهناك جملة محاور تطابقية في صددها في المدرستين. وهذا معضد للرؤية الشيعية الإمامية في تدوين الحديث، خاصة وقد رجح لدينا أن أي كتابة للحديث بإملاء النبي خصوصاً لم تحصل إلاَّ مع علي. والآن نستعرض معضدات أخرى لعموم الرؤية.

 

• الجفر والجامعة

- أولاً: الفخري في الآداب السلطانية:

(كان المأمون قد فكر في حال الخلافة بعده، وأراد أن يجعلها في رجل يصلح لها، لتبرأ ذمته، كذا زعم، فذكر أنه اعتبر أحوال البيتين. البيت العباسي والبيت العلوي. فلم ير فيهما أصلح ولا أفضل ولا أورع ولا أدين من علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، فعهد إليه، وكتب بذلك كتاباً بخطه، وألزم الرضا (عليه السلام)، فامتنع. ثم أجاب ووضع خطه في ظاهر كتاب المأمون بما معناه:

إني قد أجبت امتثالاً للأمر، وإن كان الجفر والجامعة يدلان ضد ذلك) (345).


- ثانياً: مقاتل الطالبيين:

(حدثني علي بن العباس المقانعي، قال: أخبرنا بكار بن أحمد، قال: حدثنا الحسن بن الحسين بن عنبسة بن نجاد العابد. قال: كان جعفر بن محمد إذا رأى محمد بن عبد الله بن حسن تغرغرت عيناه. ثم يقول: بنفسي هو أن الناس ليقولون فيه أنه المهدي، وإنه لمقتول. ليس هذا في كتاب أبيه علي من خلفاء هذه الأمة) (346).


- ثالثاً: شرح المواقف: [ت 816].

(إن الجفر والجامعة كتابان لعلي (كرم الله وجهه)، وقد ذكر فيهما على طريق علم الحروف والحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم، وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما، ويحكمون بهما، وفي كتاب قبول العهد الذي كتبه علي بن موسى الرضا إلى المأمون: إنك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرفه أباؤك. فقبلت منك عهدك إلاَّ أن الجفر والجامعة يدلان على أنه لا يتم، والمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف، ينتسبون فيها إلى أهل البيت، ورأيت في الشام نظماً أشير إليه بالرموز إلى أحوال ملوك مصر. وسمعت أنه مستخرج من ذينك الكتابين...) (347).


- رابعاً: حاجي خليفة :

أ - (نُقل: إن الخليفة المأمون لما عهد بالخلافة من بعده إلى علي بن موسى الرضا. وكتب إليه كتاب عهده، كتب هو في آخر ذلك الكتاب. نعم، إلاَّ أن الجفر والجامعة يدلان على أن هذا الأمر لا يتم، وكان كما قال، لأن المــأمون استشعر فتنة من بني هاشـــــــم فسمّه) (348).

ب - (قال ابن طلحة: الجفر والجامعة كتابان جليلان أحدهما ذكره الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه) وهو يخطب بالكوفة على المنبر، والآخر أسرّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمره بتدوينه، فكتبه علي (رضي الله عنه) حروفاً متفرقة على طريقة سفر آدم في جفر، يعني في رق قد صُبغ من جلد البعير، فاشتهر بين الناس به لأنه وجد فيه ما جرى للأولين الآخرين...) (349).

ج - (طلحة هو: الشيخ كمال الدين (أبي سالم) محمد بن طلحة النصيبي (الشافعي ت 654 وقد ألف كتاباً اسمه (الجفر الجامع والنور اللامع، وهو مجلد صغير، أوله: الحمد لله الذي أطلع من اجتباه... إلخ. ذكر فيه إن الأئمة من أولاد جعفر يعرفون الجفر، فاختار من أسرارهم فيه) (350).


- خامساً: الجرجاني:

الجفر والجامعة كتابان لعلي ذكر فيهما علي طريقة علم الحروف والحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم. وكان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونها، ويحكمون بها) (351).


- سادساً: ابن قتيبة:

(الجفر جلد كتب فيه الإمام جعفر الصادق لآل البيت كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة وإلى هذا الجفر أشار المعري بقوله:

لقد عجبوا لأهل البـيت لــما         أتاهم علمـهم في مَسْك جفر

ومرآة المنجم وهي صغرى         أرته كل عامــرة وقفر) (352)


- سابعاً: مقدمة ابن خلدون:

(اعلم: أن كتاب الجفر كان أصله أن هارون بن سعيد العجلي، وهو رأس الزيدية. كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم ولبعض الأشخاص منهم على الخصوص (...) وكان مكتوباً عند جعفر في جلد ثور صغير (...)، وكان فيه تفسير القرآن، وما في باطنه من غرائب المعاني (...) وقد صحّ عنه - الصادق، أنه كان يحذر بعض قرابته بوقائع تكون لهم فتصح (...) وإذا كانت الكرامة تقع لغيرهم، فما ظنك بهم، علماً وديناً وإيثاراً من النبوة، وعناية الله) (353).

وفي الواقع تأتي قيمة هذه المعضدات ليس من حيث كونها أخباراً في ذلك، بل إضافة لهذا أنها مطابقة لمرويات أهل البيت في المواصفات والخصوصيات.

الهوامش:

345- ص217، طبع دار صادر.

346- ص142 طبع الرضي - زاهدي.

347- سفينة البحار: ج1 ص164 مادة جفر.

348- ج2 ص591 وقد نقله عن مفتاح السعادة ومصباح السيادة: 2 (420 - 421). راجع كذلك مقدمة مرآة العقول: ج1 ص100.

349- المصدر السابق: ص2/ 591 - 592.

350- المصدر السابق.

351- دائرة المعارف لبطرس البستاني: ج6 ص487.

352- المصدر السابق: ج6 ص18.

353- المقدمة، كذلك دائرة معارف القرن العشرين: ج3 ص125.

| أعلى |