الفهرس

 

 

 

 

لقاء الشهر

 

لقاء مع سماحة الشيخ جلال معاش

أجراه: حيدر السلامي

 

كان وما يزال، واقع المسلمين المغتربين من جانب، هو الهم الأكبر الذي يقض مضاجع علماء الدين وأمناء الشريعة الغراء والدعاة المخلصين والمصلحين.

ومن جانب آخر كانت مهمة نشر أشعة شمس الهداية المحمدية متمثلة بالتراث الفكري والعقائدي والأخلاقي العظيم لأهل البيت الأطهار (عليهم السلام) على جميع أنحاء المعمورة، هي الشغل الشاغل الذي أخذ بسوانح تفكيرهم وجوامح طماحهم إلى أبعد من الخيال وصولاً إلى شاطئ تأمن الإنسانية جمعاء بضفافه وتقر ساعة لتتأهب ثمة لاستقبال أملها المنشود بقيام العدل الموعود على يدي المنقذ الأكبر المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه).. فراحوا يتحرون الوسائل والأساليب المتنوعة للتمهيد لهذا اللقاء المأمول.. وكانت من أولى الخطوات، إرسال المبلغين وبث الخطباء المرشدين ليبلغوا رسالات ربهم دون خشية أو خوف أو تعب أو ملل..

عن واقع حركة التبليغ الإسلامي وجدلية الإسلام والغرب ومحاور أخرى هامة.. دار بيننا وبين سماحة الخطيب الشيخ جلال معاش هذا الحوار:

س: من أين ابتدأت رحلتكم التبليغية وإلى أين انتهت؟.

بسم اله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين ..

ج:هذه هي رحلتي الرابعة إلى الدول الأوروبية وبدأت من دولة السويد ومنها إلى الدانمارك والنرويج وألمانيا وهولندا وانتهت في بلجيكا أي أننا درنا في ست دول أوروبية، والدعوة الأساسية كانت إلى السويد وكانت على حساب الجاليات الإسلامية التي منها العراقية بالدرجة الأولى والمغربية واللبنانية وغيرها.

أما البرنامج فقد تألف من مجموعة محاضرات وندوات ومجالس عزاء حسيني ولقاءات مع مجموعة من المفكرين الاسلاميين ومناقشات عبر شبكة الانترنيت وغير ذلك .

س: أي الموضوعات التي طرحتموها في ندواتكم، كانت أكثر جذباً لاهتمام المسلمين في المهجر الغربي؟.

ج: نظراً للظروف العصيبة التي عاشها العراقيون في ظل نظام الحكم الذي سعى حثيثاً وما يزال لخنق صوت الإسلام وحجب وجه ثقافته الأصيلة المتمثلة بعلوم ومعارف وفضائل أهل البيت الأطهار (عليهم السلام) مما أدى إلى انقطاع أبناء العراق لفترة طويلة عن منابع هذا التراث العظيم ومن ثم هجرتهم الاضطرارية لدول الغرب التي أدت إلى تعميق الهوة، فإننا دأبنا على تركيز الحديث على الموضوعات ذات الصبغة الأخلاقية والثقافية والتوعوية، والعلمية والفكرية والوحدة الإسلامية الكبرى والأخوة الإسلامية والحث على التزاور والتآلف والتحابب بين المسلمين وما أشبه  ذلك.

س: على ذكر الوحدة الإسلامية.. برأيكم على أي الأسس ينبغي أن تشاد؟.

ج: الأسس الرئيسية للوحدة الإسلامية هي الإيمان والتقوى والأخلاق .. ويمكن لنا أن نحدد هنا مرحلتين للوحدة الإسلامية الأولى هي الوحدة الشيعية ففي الحقيقة نحن نحتاج اليوم إلى التآلف والتآخي الشيعي - الشيعي. الكثير من الشيعة يدعون إلى التآلف الشيعي - السني.. لكني أقول هناك مرحلة قبل هذه وهي مرحلة التعاون والتحالف والتآزر فيما بيننا كشيعة اولا عملاً بالآية الشريفة (إنما المؤمنون إخوة) وهذه نقطة محورية بتحقيقها يمكننا أن نقفز قفزة نوعية في نشر التشيع في العالم ومن هنا ندعو جميع حملة الأقلام والمفكرين والعلماء المسلمين التركيز عليها في كتاباتهم وأقوالهم وأفعالهم وحث الأطراف الإسلامية جميعاً إلى الأخذ بها والدعوة إليها وصولاً إلى الوحدة الإسلامية الكبرى والتي هي تمثل المرحلة الثانية وهذا ما ذكره الإمام الشيرازي الراحل (رحمه الله) في كتابه فقه السياسة إذ يدعو إلى شورى الفقهاء فلا يقصرها على الشيعة وحدهم بل يقول سماحته بشموليتها واستقطابها لبقية المذاهب الإسلامية كمرحلة ثانية عملاً بالآية الشريفة (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).

س: كيف ينظر الغربيون إلى الإنسان المسلم وخاصة بعد أحداث 11 أيلول؟.

ج: بصورة عامة الغربيون ينظرون إلى المسلم ليس فقط بعد أحداث أيلول بل حتى قبلها على أنه متخلف شهواني جاهل وينسبونه إلى القرون الأولى.. هذه الصورة التي يرسمها الأعلام الغربي للإنسان المسلم.. ولكن أحداث 11 أيلول زادت الطين بلة فأصبح الغربي ينظر للمسلم بأنه إرهابي عدواني.. أناني.. لا يحب إلا نفسه بالإضافة إلى الصورة السابقة. وسبب ذلك طبعاً وجود أيدي خفية تتلمس الخطر في الإسلام على وجودها ومصالحها كالصهيونية وحليفاتها إذ إن أعداء الإسلام قد أدركوا جيدا بأن الدين الإسلامي لو بلّغ بشكله الصحيح وبصورته الحقيقية إلى الغرب لتغير باتجاهه كما تنبأ الإمام الشيرازي (رحمه الله) في كتابيه (الغرب يتغير) و(كيف يمكن نجاة الغرب) فقال إن المستقبل في الغرب للإسلام كما تنبأ سابقاً  بنهاية الشيوعية في العالم في كتابه (ماركس ينهزم) وقد لمست أنا ذلك شخصياً؛ فالغربيون مقبلون على الإسلام.. لماذا؟ لأن الجانب الروحي في الغرب مفقود.. إذن فالأعداء يعرفون بأنه لو أعطي المجال للإسلام الحقيقي ولم يشوه الإعلام صورته لتغلغل هذا الدين بما يحمل من قيم وأخلاق في نفوس الغربيين.. والكل يعلم بأن 90% من الإعلام الغربي هو بيد اليهود، ولذلك فإن كل محاولاتنا في استثمار الجانب الإعلامي وخاصة عبر التلفزيون باءت بالفشل ولم تلق منهم غير التسويف والمماطلة. ومع ذلك كله فإن كثيراً من الناس في الغرب بدأوا يتحسسون الحقيقة وألزموا أنفسهم بالإطلاع على الدين الإسلامي والتعرف على فكره وتراثه ولقد سمعت أخباراً كثيرة عن توجه كثير من الأمريكيين لقراءة القرآن الكريم والكتب الإسلامية وأثيرت الشكوك حول اتهام المسلمين بأحداث أيلول وطرح السؤال هل هذا الحدث من فعل المسلمين حقاً أم جماعات مجهولة؟! .

وقد أفادت الأنباء ازدياد نسبة اعتناق الإسلام في أمريكا إلى أربعة أضعافها بعد الانفجار (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم).

س: ما هي أبرز الإثارات التي تعمل في ساحة الحوار (الإسلامي - الإسلامي) و(الإسلامي - المسيحي)؟.

ج: في حوارنا الإسلامي - الإسلامي مع إخواننا أهل السنة كنا نركز على الجانب الإيجابي في تناول الحقائق الإيمانية والوقائع التاريخية، فمثلاً عندما نتحاور معهم حول الصحابة فإننا نبتعد عن مواطن الإثارة والاستفزاز ونقتصر على تبيين الملامح الصحيحة وماذا تعني كلمة (الصحابي) فهل كل من رأى النبي (صلى الله عليه وآله) هو صحابي؟! وعندما نتحدث عن أهل البيت (عليهم السلام) فلا يتعدى حديثنا حدود إبراز فضائلهم ودرجاتهم العظيمة التي أدرجهم فيها الله سبحانه في القرآن الكريم من دون المساس أو القياس بغيرهم ثم الاستدلال  على أحقية أهل البيت (عليهم السلام) من كتبهم كالصحاح وغيرها بعبارة أخرى الطرح الايجابي العلمي الهادف والهادئ، وليركز على محاور: أهل البيت في القرآن الكريم مثلاً أو أهل البيت في السنة النبوية.. أهل البيت وصحاح المسلمين.. الخ، لأن مثل هذه الموضوعات تكشف التضليل وترفع التعتيم الإعلامي الذي يمارسه أعداء الإسلام إذ أن كثيرا من الناس لا يعرف أن علياً هو زوج فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثلاً أو أن علياً ولد في جوف الكعبة ومن هم أهل البيت الاثني عشر والخ..

وأذكر لك على سبيل المثال أيضاً، إني تابعت كثير من خطب الجمعة التي تقام في البلاد الاسلامية عبر القنوات الفضائية في  بداية شهر المحرم فكان الخطباء يتحدثون عن هجرة النبي (صلى الله عليه وآله) ومصاحبة أبي بكر في الغار ولم يتعرض أحد منهم لذكر مبيت علي بن أبي طالب (عليه السلام) في فراش النبي (صلى الله عليه وآله) وتعريض نفسه للموت المحتم، ولهذا سمي بالفدائي الأول في الإسلام.

أما بالنسبة للحوار مع المسيحيين فقد حاولنا وبذلنا جهوداً كبيرة في سبيل إقامته عبر التلفزيون لا سيما في هولندا والسويد فأردنا أن نعرض الإسلام بما هو إسلام السلام، إسلام الرحمة، إسلام الإنسانية اسلام الحرية .. فهذه القضايا مفقودة من القاموس الغربي وهي باعتقادي تشكل نقاط التقاء بيننا وبين المسيحيين.

إلا أنهم لم يتيحوا لنا الفرصة، ولكننا مع ذلك ما زلنا مصرين على مواصلة المحاولة ولن نيأس أبداً.

س: الواقع الذي تعيشه المراكز الإسلامية في الغرب.. كيف تقيمونه؟.

ج: المراكز الإسلامية هي فاعلة ولكن الوضع الاجتماعي والأخلاقي والعقائدي والديني  في الغرب متردٍ جداً.. يعني الجو عموماً غير سليم، فالمراكز الإسلامية هناك تقع عليها المسؤولية أكثر من أي مكان آخر. لأن الجهود المبذولة للتأثير على الإنسان المسلم في الغرب كبيرة وضخمة جداً، فنحتاج من المراكز الإسلامية أن تبذل أضعاف جهودها.. إذ لا يكفي مثلاً في بعض الدول أن يخصص يوماً واحداً هو السبت للحضور إلى المدرسة الإسلامية بالنسبة للأولاد. هناك في بعض الدول مدارس إسلامية من الابتدائية إلى الثانوية، فهذا جيد ولا بد لنا من تطوير هكذا مشاريع وتوسيعها ونشرها في جميع مناطق تواجد الجاليات المسلمة لتحصينهم بشكل محكم، ويجب علينا كشيعة معرفة قوانين البلدان واستثمارها لصالحنا فهناك قوانين تسمح لك بإنشاء مدارس، فتح مساجد، حسينيات، طبع نشرة، جريدة، مجلة، تأسيس جامعة إسلامية، كما حصل في هولندا ولندن، البعض يقول يكفي أن يكون في كل بلد مركز إسلامي واحد، لماذا؟ وما الضير في تعدد المراكز وتنوعها وبالتالي إحداث عملية التنافس فيما بينها، (ولمثل ذلك فليتنافس المتنافسون) بشرط أن لا يتحول التنافس إلى صراع طبعاً.

س: هل كانت لكم خطوات عملية في هذا المجال؟.

ج: نعم بالتأكيد بعناية الله سبحانه وتعالى، ومنها أننا سعينا لتأسيس (مخيم الغدير الثقافي) إذ دعونا أولياء الأمور في الدول الأوروبية التي زرناها إلى أن يبعثوا أولادهم إلى سوريا في العطلة الصيفية من كل سنة للالتحاق بهذا المخيم ليعيشوا الأجواء الإسلامية ويطلعوا على معالم الدين والتراث والحضارة الإسلامية، ويقدم هذا المخيم برامج تثقيفية وزيارات دينية للمراقد والمقامات لآل البيت عليه السلام والبقاع المقدسة وغير ذلك.

س: بماذا توصون الشباب المسلم الذي يعيش في الغرب؟.

ج: نوصيهم باستغلال الوقت كما قلت لهم في لقاءاتي مع هيئة شباب المنتظر في السويد ورابطة الشباب المسلم في الدانمارك والندوة التلفزيونية عبر قناة أهل البيت (عليهم السلام) في هولندا..

ونوصيهم ببذل قصارى الجهود لتلقي العلم والثقافة الإسلامية الأصيلة، إلى جانب تلقي العلوم الأخرى التي تدرس في الجامعات والمعاهد تعلم الاقتصاد والسياسة وعلم النفس وما أشبه فقد كان آباؤنا يبعثون أبناءهم إلى أوروبا لكي يأتوا بشهادة في الهندسة أو الطب أو غيرها ويدفعون لأجل ذلك المبالغ الطائلة واليوم نحن نعيش في أوروبا وبإمكاننا تلقي العلوم مجاناً إضافة إلى أن ذلك يتيح لنا فرصة العمل والتأثير في المحيط فالطالب بإمكانه أن يعمل كداعية إسلامي يؤثر في أستاذه وزملائه في الدراسة ويبين لهم تعاليم الدين الإسلامي الحنيف والمتمثل بالنبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته عليهم السلام (ولئن يهدي الله بك رجلاً واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس) كما جاء ذلك على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) مخاطباً أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في الحديث الشريف.

س: ما دور المرأة المسلمة في حركة التبليغ الإسلامي؟.

ج: المرأة أكثر من نصف المجتمع فهي تقوم بدور الأم والأخت والزوجة والبنت، ولها في الإسلام مكانة عظيمة ودور واسع، وفي الغرب بإمكان المرأة أن تعمل على تأمين الجو الإيماني والعقائدي للأسرة فهي المحور ومسؤوليتها ومجالها أكبر من الرجل نظراً لبقائها أطول مدة في البيت على عكس الرجل الذي يقضي معظم وقته في العمل خارج البيت، ويمكن للمرأة أن تعمل كداعية أو مبلغة من خلال مشاركتها بإلقاء المحاضرات وعقد الندوات وبث النشرات والحضور إلى المساجد والحسينيات للقيام بالدور التثقيفي والتوعوي في الوسط النسائي وقد رأيت في النرويج والسويد حيث ألقيت جملة محاضرات للنساء، كم كن متعطشات للمعرفة الإسلامية بما يتعلق بالقضايا العقائدية والفقهية وأحكام الحياة الزوجية وأساليب التربية وغيرها..

س: ماذا عن حقوق المرأة في الإسلام وماذا عنها في غيره؟.

ج: للمرأة حقوق كثيرة ضمنها لها الإسلام ولقد أعطاها هذا الدين الحنيف من الحقوق ما لم تعطه في أي ديانة أو نظام اجتماعي أو سياسي آخر، وأما بعض الظلم الذي قد يلحق بالمرأة المسلمة أحياناً فسببه تعسف الرجل وإساءة تعامله معها وخروجه على أحكام الله في هذا المورد ولا دخل للدين الإسلامي كفكر وقوانين في وقوع مثل هذا الانحراف في التعامل مع المرأة والذي ترك أثره في نفسها وأعطاها طابعاً سلبياً تجاه الإسلام مثال على ذلك المرأة اليوم تحارب تعدد الزوجات بحدية.. لماذا؟ هل الإسلام فيه نقص؟ كلا ولكن سوء استخدام الرجل لهذا الحق الممنوح له من الله هو الذي جعل المرأة ترفضه وتقف منه هذا الموقف السلبي، وفي هذا وجه شبه مع موقف الغربيين الرافض أحياناً للإسلام وذلك لأنهم لم يروا الوجه الحقيقي لهذا الدين، لم يعرض عليهم إسلام محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة الأطهار (عليهم السلام) بل كل ما عرفوه إسلام الوهابية إسلام ابن لادن وأمثاله.

ونعود لحقوق المرأة ونذكر منها واحدا كمثال هو حق العلم، ماذا يقول عنه الرسول (صلى الله عليه وآله): (العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة).

لاحظ كيف أوجب الإسلام للمرأة حق التعليم متساوية في ذلك مع الرجل، فإذا كان كذلك فما سبب هذه الأمية التي تعانيها مجتمعاتنا الإسلامية؟ سببها ابتعادنا عن روح التعاليم الإلهية وسوء ممارستنا لحقوقنا وإهمال وصايا الرسول وأهل البيت (صلى الله عليه وآله).

والخلاصة يا أخ حيدر أن الإسلام منح الحقوق وحدد الواجبات مراعيا الجانب التكويني للإنسان فجعل مثلاً (الرجال قوامون على النساء) ناظراً إلى الناحية البيولوجية والسيكولوجية لكل منهما بينما القوانين الغربية لم تلتفت لهذه الناحية فجعلت القيادة أو الأولوية بيد المرأة وأناطت بها مسؤوليات وأعمالاً لا تتناسب وطبيعة تكوينها. فالترتيب الحقوقي في الغرب يبدأ بالطفل ثم المرأة ثم الحيوان والخ.. مما أحدث خللاً فاضحاً في توازن الحياة، وترك الأسرة مفككة بلا روابط.

ولذلك انطلقت الدعوة أخيراً في إسبانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى إلى عودة المرأة إلى المنزل، لماذا؟! هم يقولون لكي تنجب الأولاد وتصون الأسرة من التفكك والانحلال بعد أن لاحظوا تراجع نسبة الإنجاب ومن هنا لعلنا نفهم لماذا تفتح بعض الدول أبوابها للمهاجرين واللاجئين، فما ذلك لسواد عيونهم وإنما لأجل تذويبهم في المجتمع وردم هوة التراجع في المواليد الجديدة.

خطبة الجمعة في مسجد ا لرحمن في بلجيكا (بروكسل)

س: ما هي النظرة السائدة في أوروبا نحو الشعائر الحسينية؟.

ج: بالنسبة للشعائر الحسينية، فإن النظرة إليها نظرة احترام وتقديس، والحسينيات منتشرة بكثرة في أنحاء أوروبا فلا تدخل بلداً إلا وتجد فيه عدداً منها ففي السويد حوالي 50 حسينية وفي النرويج تقريباً 25 وفي هولندا 50 وأينما تضع إصبعك في أي مكان فيه مسلمين ولو أربع عوائل أي ما يعادل عشرين نفراً تجد حسينية أو مركزاً إسلامياً يحيون فيه الشعائر وفي المحرم الحرام يخرج الناس وحداناً وزرافات، الملتزم منهم وغير الملتزم ليشاركوا في مراسم العزاء الحسيني كما قال (صلى الله عليه وآله): (إن للحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا).

س: كيف هو حجم الحضور إلى المجالس الحسينية ومن أي الشرائح الاجتماعية يتألف غالباً؟.

ج: طبعاً يختلف حجم الحضور باختلاف الزمان والمكان والنشاط التوعوي الذي يقوم به المركز الإسلامي ففي شهر محرم يكون الحضور بالطبع كثيفاً جداً قياساً إلى سائر الشهور، ولاحظت في بعض الندوات التي عقدناها أن الناس متعطشين للإفادة من المعلومات التي تتعلق بالقضايا العقائدية والسلوكية وثقافة الثورة الحسينية المباركة، وقد بلغ عدد الحاضرين في بعض الأيام إلى (2000) شخصاً، ومن كافة الشرائح الاجتماعية والمستويات العلمية. بالرغم من وجود بعض من يحمل أفكاراً سلبية عن الشعائر الحسينية ويحاول إطفاء جذوتها مدعياً أنها من مظاهر التخلف والرجعية وأن على المسلمين أن يواكبوا التطور الحضاري والتقدم العلمي إلى آخره من الآراء الفاسدة والمفاهيم الخاطئة والانهزامية، وأقول الخاطئة لأنني ذهبت إلى الغرب وعايشت بعض الواقع الغربي وتيقنت بأن الغرب بحاجة إلى الشعائر الحسينية أكثر من بلادنا الإسلامية وقد يتعجب المرء من قولي ولكن إذا عرفنا أن الشعائر هي في الواقع مقدمة للفكر الإسلامي كالوقود للسيارة، فالفكر الإسلامي والفكر الحسيني لا يتحرك من دون عاطفة والعاطفة لا توجد إلا بالشعائر التي هي كالروح بالنسبة للفكر وهي الوسيلة لإيصال فكر أهل البيت (عليهم السلام) إلى الناس، إذا عرفنا ذلك زال العجب ، فالحسين عَبرة وعِبرة.

ومن هنا فهي لا تتعارض مع الدعوة إلى مواكبة الحضارة ولنا أن نسأل المعترضين عليها ألا يمارس الغربيون عادات وسلوكيات شاذة يأباها العقل والفطرة السليمة وحتى الاجتماع يرفضها.. من قبيل مصارعة الثيران وبعض مظاهر الشذوذ الجنسي!!، فلماذا ندخل أمثال هذه في خانة الحرية الشخصية وما شاكلها ونخجل أو نعترض على اللطم أو التطبير أو أية شعيرة أخرى من شعائر الحسين (عليه السلام).

س: ما هي الشروط والمواصفات الواجب توفرها في رجل التبليغ الناجح؟.

ج: في الحقيقة إن العمل التبليغي رغم قوته المتنامية فإنه ما يزال يحتاج إلى الكثير من الجهد والمثابرة والتجديد في الآلية والخطاب، أما شروط المبلغ الناجح فهناك عدة نقاط أشير إلى أهمها مذكرا بها نفسي أولاً وإخواني المبلغين ثانياً منها:

1- الإحاطة الواعية بثقافة العصر ومعرفة كيف يفكر الغربي ما هي حضارته.. قيمه.. تقاليده.. أعرافه.. حتى وسائل الترفيه التي يزاولها ..

2- فضلاً عن دراسة وضع المسلمين هناك ليحدد بعدئذٍ الأسلوب الصحيح الذي يتلائم ونمط الحياة السائد في تلك البلدان.

3- ومنها أيضاً: التحرر من المصلحية ولغة (كم لي) التجارية وليجعل المبلّغ نصب عينيه دائماً (من كان مع الله كان الله معه) و(من يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) و(من يتوكل على الله فهو حسبه).. وفي هذا الموضوع مشكلتان الأولى إننا لا يوجد لدينا مؤسسة قوية، تهتم ببعث المبلغين إلى الغرب وتتكفل معيشتهم، كذلك فإن كثير من المراكز الإسلامية في البلدان الغربية لا تدعم المبلغين لذا نحن ندعو المرجعيات والحوزات والمراكز إلى دعم حركة التبليغ الإسلامي في جميع أنحاء الأرض عن طريق تقديم كل الخدمات المعنوية والمادية.

أما المشكلة الثانية فهي تختص بالمبلغ نفسه كما قدمنا وذلك بأن منهم من كل همه طلب المال وإني لأعترض على المبلغ والخطيب الذي يتعامل على الخطابة الحسينية وكأنها تجارة فهذا حرام باعتقادي.

س: هل كانت لكم مساعٍ في هذا المجال وهل ناشدتم المرجعيات لزيادة الاهتمام بالعمل التبليغي؟.

ج: نعم طرحنا ذلك على بعض المراجع ورجال الفكر الإسلامي وبعض الحوزات، وقد تفاعلوا معنا وكانت الاستجابة لجميع ما اقترحناه جيدة جداً ولكن بقيت تلك الاستجابة نظرية ولم تنزل إلى حيز العمل بعد ونحن نأمل أن يترجم التفاعل الذي لمسناه من كل الأطراف إلى واقع عملي ملموس.

س: ربما الإمكانات المادية لا تساعد على ذلك حاليا؟

ج: لا.. نحن الشيعة لدينا إمكانية مادية جيدة وإمكانية فكرية وإمكانية مؤسساتية تنظيمية كبيرة ما نحتاجه العمل.. نعم العمل المنظم كما قال علي (عليه السلام):  (الله الله في نظم أمركم) إذا صار لدينا تنظيم وبرمجة فأموالنا أكبر من أموال المسيحيين وغيرهم، فالطائفة الشيعية تمتلك أموالاً ضخمة ولكنها لم توضع في مكانها المناسب.

س: ما السبب في رأيكم؟

ج: أنا قلت عدم التنظيم وعلى رأس التنظيم أن يكون للمرجعية دور فالمرجعية المتفرقة تؤدي أدواراً ضعيفة أما إذا اجتمعت المرجعيات تحت إطار شورى الفقهاء المراجع كما سماها الإمام الشيرازي (رحمه الله) أو مجلس الفقهاء كما سماه الإمام الصدر (رحمه الله) أو المجلس الشرعي للفقهاء أو أية تسمية أخرى فالأداء يكون حينئذٍ أقوى وأكمل وأصلح للأمة.

فإذا لم يكتب لشورى الفقهاء أن تقوم فيمكن على الأقل أن تقام شورى وكلاء المراجع أولاً ومن ثم يأتي دور المؤسسات ومنها مؤسسة التبليغ العالمية، فإذن النقطة المحورية هي التنظيم ومحور التنظيم اجتماع المراجع وتنظيم الحوزة فإذا تم ذلك فلا تبقى أموالً تؤكل أو تصرف في غير محلها لأنها سوف تخضع لإدارة المؤسسة .. هذه الأموال لا تسيب وتضاع وإنما كلها تصب في مؤسسات وستجد أموالاً طائلة لا تعد ولا تحصى لدى الشيعة ويمكن تخصيص جزء منها لمؤسسة التبليغ الإسلامي في العالم لتؤدي مهمتها في صيانة المسلمين أولاً ونشر الإسلام في الغرب ثانياً لأن الغرب الآن يعيش أزمة روحية وأخلاقية كبيرة فالوقت مناسب لنشر الدين الإسلامي فيه.

4- ولنعد إلى شروط المبلغ وصفاته ومنها إضافة لما سبق الدعوة إلى توحيد الصفوف وذلك لمواجهة خطر التغريب وسهام الاتهام التي ترشق على الإسلام من كل حدب وصوب، فيجب على المبلغ أن يدرك هذا الأمر جيداً ويقوم بدوره في إزالة أسباب التفرقة والدعوة إلى الوحدة الإسلامية بغض النظر عن انتمائه فإن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية ولنا في رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسوة حسنة فأول شيء قام به النبي في المدينة هو المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين حتى أن قيصر الروم لما سمع بذلك قال هذه من صفات الأنبياء، لذا فعلى المبلغ باعتباره سائراً على نهج النبي وآل البيت (عليهم السلام) أن يعيش هذه الروحية روحية توحيد صفوف المسلمين..

5- ومن الصفات التي يجب أن يتحلى بها المبلغ روح التغلب على الأزمات وحسن التصرف عند حدوثها أو إثارتها، فإننا كشيعة نعاني من عدة أزمات منها أ.مة علماء الدين، قيادة فليس ثمة قائد يقود الشيعة ويقبل به الجميع كالبابا بالنسبة للمسيحيين، وعندنا أزمة ثقة متبادلة بين رجل الدين وعلماء الدين والناس وبين الحوزة والناس، وبين الناس والمرجعية والمثال على ذلك أننا نعرف كثيرين لا يعطون الخمس لعدم الثقة بسبب أن بعض المراجع ماتوا فأولادهم أخذوا يتاجرون بأموال المرجعية. إذنً فنحن بحاجة إلى إعادة الثقة فيما بيننا لكي يحدث التفاعل والتكامل المطلوب، وعندنا كذلك أزمة نشأت عن الانبهار بإنجازات الحضارة الغربية،ولدينا أزمة بين رجل الدين والمثقف المسلم إذ يرى المثقف نفسه أعلم من رجل الدين فليس ثمة انسجام بين الطرفين وعلى المبلّغ أن يعمل دائماً على سد الثغرات في هذا المجال وهناك أزمة هوية إسلامية بسبب التغريب وخطره المتفاقم على الجالية المسلمة نتيجة لرد الفعل تجاه واقع الاضطهاد وخنق الحريات والسجون والتعذيب الذي لاقاه المسلم خاصة العراقي في بلاده قبل أن يلجأ إلى الغرب فلما وجد هامشاً من الحرية واحترام الرأي تعرض لصدمة حقيقية وهزة عنيفة جعلته ينبهر ويذوب في العالم الغربي متغنياً بأمجاده مذعناً لطروحاته التي تتعارض على الأغلب مع تعاليم الدين الإسلامي.

س: سماحة الشيخ هذا يدعونا للتساؤل عن مفهوم الحرية.. كيف وجدتم حرية الغرب؟ وهل تعدل في مفهومها وواقعها العملي الحرية من منظور الإسلام؟.

ج: الحرية على ثلاثة أقسام: حرية مفقودة كما في العراق وحرية مطلقة كما في الغرب وتعني أن للإنسان أن يفعل ما يشاء حتى ولو أضر بنفسه، وحرية مسؤولة عبر عنها الإسلام بقول النبي (صلى الله عليه وآله): (لا ضرر ولا ضرار في الإسلام) أي لا يجوز أن تضر نفسك ولا أن تضر الآخرين، واعمل بعد ذلك ما شئت.. فهذه هي حدود الحرية الإسلامية.. بعكس الحرية الغربية، فالثانية حرية غير مسؤولة مطلقة ولو أمعنت النظر بها جيداً لرأيتها غير حقيقية، فلا توجد إلا مظاهر الحرية فقط، نعم قد يتصور المهاجر إلى الغرب وجود الحرية (100%) وذلك قياساً بما كان يعانيه في بلاده من مصادرة لحريته وجعلها صفر%، ولكن بمرور الوقت وطول المعايشة سوف يكتشف بأن الحرية الغربية زائفة لا وجود لها إلا شكلياً.

س: قد يتساءل البعض لماذا كل هذا الاهتمام بأسلمة الغرب والسعي لهدايتهم في حين تعج مجتمعاتنا الإسلامية بالأزمات والمشاكل.. فما لنا والغرب؟.

ج: أظنك تريد القول: لماذا اهتم بهداية ابن الجيران ولي أخ يعيش معي في نفس البيت لم أفكر بهدايته..

وهذه إثارة مهمة جداً وبالفعل يجدر بنا أولاً الاهتمام بحل مشكلاتنا الداخلية ومن ثم التفكير بنشر الإسلام في الخارج، وهذه موجبة جزئية كما يقول المناطقة ولكن باعتبار أن حوارنا هو عن الغرب لذلك أطلت الكلام فيه، وإلا بلداننا الإسلامية أولى بالاهتمام وبالرغم من ذلك عندما سألتني عن دوري في الحوار الإسلامي المسيحي.. أنا ماذا قلت؟! قلت أن اهتمامي الأكبر كان يصب بالحوار مع الجالية المسلمة وليس المسيحيين لاعتقادي بضرورة أن ابدأ بمجتمعي المسلم ولا سيما العراقي..

أي أن تكون البداية بالنفس (وابدأ بنفسك أيها الإنسان) وقد أثرت هذه النقطة في بلجيكا بمسجد الرحمن ومما قلته هناك.. ما الذي دفعنا إلى الهجرة عن أوطاننا وقد كانت بلادنا في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وفي ظل دولته ودولة علي بن أبي طالب (عليه السلام) هي مهوى الأفئدة ومأوى الوافدين غربيين وشرقيين يهاجرون إليها إما لطلب العلم أو الأمان أو الرزق.. إذن فظروف القهر والاستلاب والاضطهاد بسبب عدم تطبيق الإسلام في دولنا الإسلامية هي التي كانت وما تزال وراء الهجرة والاغتراب.. على أني في ذات الوقت لا أجد تنافياً بين الأمرين ولا يتعارض عملي في جهة الحفاظ على الوجود الإسلامي وتدعيم مقوماته مع عملي في جهة نشر وتبليغ رسالة الإسلام إلى العالم أجمع. لأن الإسلام يواجه تحديات خارجية كبيرة وهناك جهودً جبارة وأموالً طائلة ومؤسسات ضخمة كلها مجندة لتغيير العقل العالمي ضد الإسلام والمسلمين في المقابل نحن نحتاج إلى عمل مؤسساتي وإعلامي وتبليغي مماثل لتبيين الحقائق للعقل العالمي وكسب إيجابيته إزاء قضية الإسلام التي هي رسالة انسانية لكافة البشر.

س: ما هو البرنامج الذي نقدمه لرعاية الطفولة المسلمة التي تعيش بين أحضان الغرب الذي يرفع شعار أنتم لأنفسكم أولادكم لنا؟.

ج: هم يقولون: أنتم وأولادكم لأنفسكم، أماأولاد أولادكم لنا وهذا هو الواقع.. والسبيل إلى المحافظة على الطفولة المسلمة هناك هو بتثقيف الأمومة ورعايتها وتغذيتها بالغذاء الروحي عبر توسيع المحيط الإسلامي وتكثيف البرامج التوعوية وخلق الأجواء الدينية وذلك بتكثير المراكز والمساجد والحسينيات والمدارس ودور الحضانة ورياض الأطفال ووالاستفادة الايجابية من شبكات الانترنيت والفضائيات الناطقة بالإسلام وغيرها من الوسائل، وقد قال أحد الشعراء:

الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق

وتأكيداً لخطورة الموقف إزاء ذلك أقول الطفولة في الغرب مهددة مائة في المائة. وعليه فيجب علينا العمل وفق برنامج منظم يرعى الطفل منذ ولادته حتى يكبر أي الواجب علينا أن نفتح دور حضانة إسلامية ورياض أطفال كذلك ومدارس وحتى نظام الأكل والشرب، يجب أن يخضع للتقنين الإسلامي ولا يترك غفلاً، لمواجهة المشرع الغربي الذي يهدف إلى سلب الطفولة الإسلامية.. وعلينا اليوم أن نتعرف على القوانين والأساليب والتقنيات التي يستخدمها الغربيون في مثل مجالات التربية والتعليم والترفيه وما شاكل وإيجاد البدائل الإسلامية الناجحة، لكي نملأ فراغ الأسرة المسلمة ونضمن سلامتها من الانحراف.

* في الختام لا يسعنا إلا أن نتقدم لسماحتكم بالشكر الجزيل مع الاعتذار عن إهدارنا للكثير من وقتكم الثمين.

* وأنا بدوري اشكر موقع المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) لإتاحته هذه الفرصة لنبين بعض الأمور التي قد تكون حقيقة مفقودة في الساحة الإسلامية، وأيضاً أحب أن أبين نقطة أخيرة لمستها خلال جولاتي في أوروبا وهي أن كثيراً من الناس هناك يتابعون نشاط موقع المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) ويثنون عليه بإعجاب شديد مع الإشارة إلى تميزه بين المواقع الإسلامية.

* أجراه: حيدر السلامي

 

إرسـل ملاحـظاتك حـول اللقاء

الأسم

البريد الالكتروني

الملاحظات