الفهرس

 

 

 

 

لقاء الشهر

 

حوار مع فضيلة الشيخ الدكتور محمد عبد الستار السيد

(مدير أوقاف طرطوس ـ سوريا)

أجراه: الشيخ هشام آل قطيط وحيدر السلامي

 

ليس غريباً أن تجد بين إخواننا من علماء السنة من ينصف حقيقة التشيع لآل البيت (عليهم السلام) وينهل من عينها الصافية بل ويتتلمذ على مدرستها في فهم الإسلام الصحيح والتعاطي مع مفرداته النابضة بالحياة وفكره الأصيل وحضارته العريقة، بكل ما تتضمنه من تناقضات مذهبية ونعرات طائفية وتفسيرات لحركته التاريخية عبر الأزمان.

فضيلة الشيخ الدكتور محمد عبد الستار السيد أنموذج حي لهؤلاء العلماء الذين تحلوا بالجرأة في الطرح، وصدحت حناجرهم من على المنابر بالقول الحق في حق أهل البيت (عليهم السلام) وتبيان مظلوميتهم ومكانتهم دون أن يحسبوا لجهة - من أي نوع كانت - حساباً، ولا يبتغون إلا التقرب إلى الله بأوليائه سفن النجاة ومصابيح الدجى أئمة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)..

التقيناه في مكتبه بمدينة طرطوس على الساحل السوري وكان لنا معه هذا الحوار:

- يسعدنا فضيلة الشيخ أن نرحب بكم ضيفاً كريماً على صفحات قلوبنا فأهلاً حللتم وسهلاً نزلتم..

- أهلاً بكم وأشكركم على إتاحة هذه الفرصة للتحدث عن موضوع اعتبره أهم المواضيع التي ينبغي للمسلم أن يتحدث ويطيل الحديث فيها لأن الحديث عن أهل البيت (عليهم السلام) عامة والحسين - بشكل خاص - لا يمله قلب ولا يكل منه لسان أبداً.

س: بداية نود التعرف على شيء من سيرتكم الذاتية؟.

ج: اسمي محمد عبد الستار السيد، وأكنّى بأبي عبد الله تيمناً بكنية جدنا وسيدنا الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وألقب بالسيد نسبة لأسرة دينية عريقة ترقى في نسبها إلى الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، وقد كان جدي الأكبر يعتمر العمامة السوداء كدلالة على هذا النسب الوضاح.

وكان (رحمه الله) من الشخصيات المعروفة بالعلم والتدين وكذلك بقية أفراد أسرة السيد فمنهم العلماء والخطباء وأئمة المساجد، وقد شغل أبي الشيخ عبد الستار السيد منصب وزير الأوقاف السورية حتى وفاته، وكان مدرسة في العلوم الدينية إذ تخرج عليه مشاهير علماء وخطباء اليوم ويدينون له بالفضل وأنا- كواحد منهم- أفدت الكثير من دراستي عليه، وكان لتوجيهاته الأثر الأكبر في اجتهادي ونجاحي.

أما عن تحصيلي الدراسي فقد نلت شهادة البكالوريوس في الاقتصاد والتجارة فرع إدارة الأعمال سنة 1980م، ونلت شهادة من جامعة الأزهر في تفسير القرآن سنة 1989م، ثم حصلت على الماجستير سنة 1997م من رسالتي (الاجتهاد في الشريعة الإسلامية) ومن ثم الدكتوراه في (اجتهاد الجماعة والمجامع الفقهية المعاصرة) سنة 2000م، وكلا الشهادتين من جامعة الدراسات الإسلامية في كراتشي (الباكستان) وعينت مديراً لأوقاف طرطوس منذ عام 1985م ولحد الآن.

ومارست الخطابة وإمامة الجماعة في الجامع العمري منذ 1986م وما زلت خطيباً ومدرساً في جامع السيدة خديجة ومحدثاً في إذاعة دمشق منذ تسع سنوات، وفي الفضائية السورية عبر برنامج الإسلام والحياة ونفحات من القرآن الكريم اللذين يبثان يومي السبت والأربعاء، وأخيراً الحالة الاجتماعية طبعاً متزوج ولي من الأولاد ذكر وأنثيان.

س: هل شاركتم في مؤتمرات إسلامية خارج سوريا؟.

ج: نعم، شاركت في مؤتمر القرآن الكريم في السعودية وفي الشارقة حول الأوقاف الإسلامية وكذلك في مصر كما شاركت في المؤتمرات التي أقامتها السفارة الإيرانية في دمشق.

س: هل لكم مؤلفات؟ كم بلغت وما آخرها؟.

ج: في الحقيقة لي أربعة مؤلفات مطبوعة هي: اليهود كما تحدث عنهم القرآن، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، القول الحق في حق آل البيت (عليهم السلام)، وآخرها الثورة الحسينية.. الذي أهديتكم منه نسخة عسى أن تنتفعوا بها، وأسأل الله سبحانه أن يوفقني لمواصلة التأليف خدمة لدينه الحنيف.

س: سمعنا لكم محاضرة عن عاشوراء الحسين (عليه السلام).. كيف يمكن للمسلمين اليوم الاستفادة من هذه الذكرى العظيمة بكل معطياتها الإيمانية والسياسية والاجتماعية؟.

ج: العالم الإسلامي - اليوم وكل يوم - بحاجة ماسة إلى العودة للثقافة الإسلامية وعاشوراء واحدة من أبرز مرتكزات هذه الثقافة، صحيح أنه ينظر بعض الناس إلى حادثة كربلاء على أنها صفحة سوداء في تاريخ العرب والمسلمين، ولكن مع ذلك أقول بأنه لا يوجد شيء في حركة الإسلام منذ بداياته خارج عن إرادة الله تعالى.. إطلاقاً.. ففي كل ما حدث مع الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام) هناك عبرة ودرس أراد الله أن تبقى لتستلهمها الأمة على مرّ العصور حتى يرث الله الأرض ومن عليها.. وكربلاء الحسين (عليه السلام) مدرسة يجب أن تتعلم منها الأمة، ولا تتعلم الأمة ولا تتربى وفق الانتصارات فحسب، بل يجب أن تتحمل الأعباء وتتعرض للابتلاء لكي تكون مصداقاً لقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس...) الآية، فعناصر الخيرية في أمة محمد (صلى الله عليه وآله) هي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله. وهذه كلها تقتضي التضحية وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعلم أمته على الصبر والتضحية والثبات في سبيل إعلاء كلمة الله. ولو نظرنا إلى جميع الأنبياء والأئمة في جميع الرسالات نجد أن الله قد أعدهم لتحمل المشاق والآلام والمصائب ولو أراد سبحانه لجعل النبي (صلى الله عليه وآله) ملكاً قادراً بقرار إلهي أن يفرض ما يريد، بعد هذه المقدمة أجيب على سؤالك بأن الجزء الرئيس في ثقافة هذه الأمة هو الشهادة في سبيل الله التي رفع لوائها الحسين (عليه السلام) أو من قبله أبوه علي (عليه السلام) الذي كان بحق الفدائي الأول في الإسلام عندما نام بفراش النبي (صلى الله عليه وآله) وفداه بنفسه.

س: فضيلة الشيخ هل نستفيد من قولكم لا بدية كربلاء لكي تستوعب الأمة درس التضحية والفداء؟.

ج: أنا أقول طبيعة الحياة تفرض أن يكون هناك بعض دورات الخلاف، وهناك حق وهناك باطل ولو أراد الله أن تجري على وتيرة واحدة لفعل، ولكنه أراد أن يبتلي هذه الأمة فكان أشد الناس بلاءاًَ هم الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) والعنصر الرئيس في الابتلاء هو أن تقوم دعوة ظلم مقابل دعوة حق فكان لابد أن يكون على رأس من يرفع راية الحق هم آل البيت الطاهرين (عليهم السلام) لأنهم أولى الناس بالثبات والعزيمة والصبر والبر لأنهم معلمو هذه الأمة.. فمن غيرهم يستطيع أن يعلم أمة محمد (صلى الله عليه وآله) على الجهاد والوقوف بوجه الطغيان والظلم؟!!.

س: ترى من أين جاءت هذه الأولوية لأهل البيت (عليهم السلام)؟.

ج: نظراً لقرابتهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهم أولى الناس بعد النبي بتحمل أعباء الرسالة وصيانتها من التحريف. ولا أعني بالقرابة هنا.. قرابة الدم فقط وإن كان لها أهميتها ولكنني أنظر إلى هذه القرابة من زاوية (اعملي يا فاطمة فإني لا أغني عنك شيئاً) و(والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) لأن قرابة الدم وحدها غير كافية وإلا فأبو لهب عم النبي (صلى الله عليه وآله).

إذن القرابة إنما تتحقق بالامتثال والطاعة لرسول الله في كل شيء، ولأجل ذلك لم يسأل النبي (صلى الله عليه وآله) أجراً على رسالته إلا المودة في القربى، بينما سأل جميع الأنبياء على رسالاتهم أجراً، لأنه يعلم وقد كشف له الحجاب أن هذه البقية من عترته هي التي ستحمل مشعل الهداية والحق وعليه فإنها سوف تضطهد وتشرد وتقتّل ويجري عليها ما يجري عبر التاريخ.

س: ما مكانة علي (عليه السلام) عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟.

ج: لعلي (عليه السلام) مكانة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) الله وحده يعلمها ولم تأت هذه المكانة من كونه ابن عمه.. أبداً إنما هي جاءت من كونه أول من آمن به وبدعوته وأول من فداه بنفسه وأول من جاهد في سبيل الله ورسوله وأول من امتثل أوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يخرج عنها قيد شعرة طيلة حياته، ولهذا قدمه الرسول (صلى الله عليه وآله) في كثير من الأمور، والأحاديث كثيرة ومشهورة في هذا الباب ولا أعتقد أحداً ينكر فضل علي (عليه السلام) وهو الذي جمع كل حقيقة الإتباع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى حقق القرابة والصحبة معاً وبما امتاز على جميع أفراد الأمة الإسلامية.

س: دكتور.. برأيكم من انتصر في كربلاء؟.

ج: برأيي كربلاء تعني التضحية الخالدة.. تعني رسم المستقبل بالدم كي تنعم بعطائه الأجيال القادمة فالنصر إما أن يكون عاجلا أو آجلاً وقد سئل الإمام زين العابدين (عليه السلام) بهذا السؤال ذات مرة فأجاب: (إذا سمعت المؤذن يقول أشهد أن محمداً رسول الله فاعلم أن الحسين قد انتصر).. هذا هو النصر الحقيقي وإن كان آجلاً..

لقد انتصر الدم ولأول مرة في كربلاء على السيف، وانتصر الحسين على يزيد ولسوف يبقى هذا النصر مخلداً على مر الدهور، وعلينا نحن كمسلمين أن نقتدي بسيرة نبينا وآله (عليهم السلام) حتى نتمكن من أن نصنع العبر والعظات لهذه الأمة كي نعيد إليها مجدها وتكون على رأس الأمم، علينا أن ندرس عاشوراء جيداً ونعي لماذا خرج الحسين (عليه السلام) بفئة قليلة وقد أباح لهم تركه قائلاً (اذهبوا ودعوني وحيداً فالقوم إنما يطلبونني أنا ولا شغل لهم بكم) ثم إنه كان باستطاعته الذهاب معهم، لكنه آثر الشهادة ولو لم يفعل ذلك لما كان حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي علم الأمة وأيقظها من سباتها وبين لها أنه يجب الوقوف بوجه الظالم، ولو كان الدم هو الثمن، وأمتنا اليوم وفي ظل الصراع مع الكيان الصهيوني المحتل والإذلال التي تتعرض له من قبل أمريكا وحلفائها من قوى الاستكبار العالمي، لا يمكن لها أن ترفع قامتها إلا من خلال عقيدة الاستشهاد التي قاد مسيرتها أبو الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام).

س: أوردتم في المحاضرة المذكورة كلاماً للحسين (عليه السلام) يقول فيه مخاطباً جيش الأعداء: (ألست أنا ابن وصيه..) ما معنى الوصية في نظركم؟.

ج: حسب اعتقادي وسأجيب باختصار عن هذه الفقرة وأقول كما قال النبي (صلى الله عليه وآله): (علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار)، وعندما يقول الحسين (عليه السلام): (أنا ابن وصيه) حتى تعتقد أن النبي (صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن يضع وصية لغير علي (عليه السلام) لأنه أقرب الناس وأحبهم إلى قلبه ولأنه يحمل راية الحق والدفاع عن الحق والتزام أوامر القرآن والتزام نهج الرسول (صلى الله عليه وآله) (وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين جميعاً) ومعروف لدى الجميع ما وقع في غدير خم وبها وبأمثالها تعرف أن علياً (عليه السلام) هو الوصي لرسول الله (صلى الله عليه وآله).

س: عفواً فضيلة الشيخ.. يقول الرسول (صلى الله عليه وآله): (لكل نبي وصي ووصيي ووارثي علي بن أبي طالب) ألا يعني ذلك النص على خلافته المباشرة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)؟.

ج: هذا يدخلنا إلى الخلاف الذي وقع في الزمن الماضي عندما توفي النبي (صلى الله عليه وآله) والسؤال: هل علي (عليه السلام) هو الخليفة المباشر للرسول أم أبو بكر؟ في البداية نحن نعلم أن لعلي (عليه السلام) درجتان هما القرابة والصحابة وقد تقدم الكلام عنهما في مستهل حديثنا ولا يستطيع أحد من المسلمين إنكار ذلك إضافة إلى أن علي هو المجاهد الأول في صفوف الجيش الإسلامي وله الأسبقية على الكل في كل شيء وقد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا علي لا يبغضك إلا منافق ولا يحبك إلا مؤمن) وقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي من بعدي) ..الخ، من الأحاديث الشريفة بحق علي (عليه السلام)، ولكن هل يعني ذلك أن النبي عندما أعطى لعلي ما أعطاه من منزلة أنه انتقص من باقي الصحابة؟!!.

هنا قد يحدث بعض الاختلاف في وجهات النظر.. ولكني لا أعتقد بأن النبي (صلى الله عليه وآله) أراد ببيانه منزلة الإمام علي (عليه السلام) الانتقاص من الآخرين ولا ينبغي أن ننسى بأن التاريخ قد حرف وزور خاصة في زمان بني أمية.

س: فهل تعتقدون بضرورة إعادة كتابة التاريخ؟.

ج: نعم بكل تأكيد وأتمنى أن يعاد كتابة التاريخ من جديد وخاصة فيما يتعلق بمكانة أمير المؤمنين (عليه السلام) وحقه على المسلمين يقول النبي (صلى الله عليه وآله): (حق علي على المسلمين كحق الوالد على الولد).. أين تذهبون يا جماعة.. القضية ليست قضية شيعة وسنة، القضية قضية إسلام عام، أي إننا عندما ننتقص من مكانة علي (عليه السلام) ننتقص من الإسلام كله.

س: هل يمكن القول أن علياً يمثل الإسلام كله بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)؟.

ج: نعم.. نعم.. علي يمثل الإسلام كل الإسلام ويتضح هذا يوم خرج (عليه السلام) لمبارزة عمرو بن عبد ود العامري.. فقال الرسول (صلى الله عليه وآله): (خرج الإيمان كله للشرك كله).

أنا لا أستطيع ولا غيري أن يلف ويدور على الموضوع طمعاً في إرضاء بعض الناس أو بعض العامة، نحن لا نقبل تحت أي ظرف أن انتقص من قدر الصحابة ولكن عندما أتحدث عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلا يسعني إلا القول بأنه الأول في الإسلام بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) وهذا أمر لا يستطيع أي كان أن ينكره على الإطلاق.

س: كيف السبيل إلى تحقيق وحدة المسلمين؟.

ج: المطلوب الآن أسلمة المسلم وتوحيد الكلمة فلا يوجد في الإسلام شيء يفرق إنما توجد أمور كثيرة توحد الناس وتحملهم على التعاون والتضامن في إطار كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وقد قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا..) الآية، وقال (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر..) وقال عز من قائل: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) إن البينات الإلهية والآيات الكونية والقرآنية جميعاً تدعو إلى الوحدة والأصل في كل العبادات التوحيد وما تقديم صلاة الجماعة على صلاة الفرد إلا لهدف توحيدي وكذلك الصيام.

أنت ترى ملايين الناس في وقت واحد يمسكون وفي وقت واحد يجلسون إلى المائدة ليفطروا. ومثل ذلك المظهر التوحيدي نجده في الحج وباقي العبادات كلها أيضا، لأن جميع عناصر الإسلام هي عناصر توحيدية فأنا أقول السبيل إلى وحدة المسلمين هو أسلمتهم فبالإسلام وحده نتغلب على الفرقة والتشتت، وعلينا أن نحدد الأولويات وننبذ الخلافات وراء ظهورنا، أفلا ينبغي أن نترك جميع ما يوحد المسلمين من إيمان برب واحد وصلاة لقبلة واحدة وقراءة قرآن واحد.. الخ، لا ينبغي أن نترك كل هذه الأمور التوحيدية لنخوض في مسائل خلافية مهما كان نوعها إذ لا جدوى من ذلك أبداً.

كما يجب بنظري إلغاء كلمة التكفير من قواميسنا فمن كفر مسلماً فقد كفر كما يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله).

س: ألا تعتقد بأن علينا أولاً تحديد الإسلام الصحيح ثم التوحد في إطاره؟.

ج: نعم.. لكن هذا لا يعني إلغاء المذاهب على الإطلاق لأنها جاءت من باب الرحمة والتيسير على الأمة وقد قال الرسول (صلى الله عليه وآله): (اختلاف أمتي رحمة).

س: والطائفية ألا نلغيها؟.

ج: كلمة الطائفية، ماذا تعني.. إنها التعصب الأعمى لجماعة معينة.. وفي الإسلام كله لا يوجد ما يشير إلى التعصب بهذا المعنى، إذن فالطائفية هي مشروع مصلحي سياسي يقف وراءه أناس يهمهم تفريق الأمة سعياً وراء مصالحهم الشخصية.

فإنك لو سألت شخصاً يمارس الطائفية.. هل هو يطبق تعاليم مذهبه أو طائفته التي ينتمي إليها.. لأجاب.. كلا.

إذن فلأي شيء يتعصب؟!.

ثق لو أننا نتعصب للإسلام لما كانت هناك أية مشكلة أو خلاف بيننا على الإطلاق.

س: لعلماء الشيعة توجهات وحدوية وخطوات للتقريب بين المذاهب الإسلامية؟ كيف تقيمونها وما موقفكم منها؟.

ج: حقيقة هي جهود مشكورة وبداية للسير على الطريق الصحيح، ولكن التقريب يحتاج إلى جهد واهتمام من الطرف الآخر. ولا ينكر أن الطرف الذي قام بهذا التقريب هم الشيعة لذا يتوجب - برأيي - على علماء المذاهب الأخرى أن يكونوا على مستوى هذا الأمر.. لماذا إيران وحدها تدعو إلى التقريب والوحدة الإسلامية؟ لماذا لا يدعو الأزهر مثلاً إلى مؤتمر يسمى بالتقريب بين المذاهب مع العلم بأن كثيراً من علماء مصر قد نادوا بهذا الأمر ودعوا إليه كالشيخ محمود شلتوت الذي أفتى بجواز التعبد بالمذهب الجعفري وحث على التقريب معه.

وأنا باعتقادي أن فكرة التقريب هي الفكرة الأمثل في عصرنا فنحن نستطيع أن نقرب المذاهب ولا نستطيع أن نلغيها ضمن مذهب واحد.

س: لو فتح باب الاجتهاد لدى المذاهب السنية.. ألا يضيف عاملاً من عوامل التوحيد بين المسلمين؟.

ج: بكل تأكيد فلو فتح باب الاجتهاد - وكما هو الحال في المذهب الشيعي - وجد علماء المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية بأن يضعوا القواعد المتعلقة بتطورات العصر ومتطلباته استنباطاً من كتاب الله وسنة نبيه الأكرم (صلى الله عليه وآله) مع مراعاة عدم الإخلال بالأساسيات والثوابت لتوحدوا.. لأنهم إن اجتهدوا توحدوا -بلا شك- خاصة في عصرنا عصر ثورة الاتصالات وسهولة انتقال المعلومات وتبادلها وسهولة طرح الرأي واستطلاعه.

س: إذن فأنت من دعاة فتح باب الاجتهاد؟.

ج: نعم ويجب على كل مثقف مسلم أن يطالب بفتح باب الاجتهاد لأننا بحاجة الآن إلى ثقل حضاري للإسلام ونحتاج إلى فقه سياسي واضح وشامل. والفقه السياسي المطلوب يؤخذ من أهل البيت (عليهم السلام) لأنهم هم الذين علموا الأمة كيف تكون معارضة، وليس لنا أن نترك مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ونستقي المعارف السياسية من الغرب.. ألا ترى أننا نتغنى بديمقراطية الغرب وننسى الشورى الإسلامية.. وإننا نتعلم أصول المعارضة السياسية من أوروبا متغاضين عن حقيقة أن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) هم المؤسسون الحقيقيون لها وقد مارسوا المعارضة بشتى أنواعها وصنوفها عبر التاريخ، وهم معلموا الصمود والمقاومة رغم الاضطهاد الذي مورس ضدهم.

إذا فعلينا أن نتفقه سياسياً في مدرسة الآل (عليهم السلام) وندرس جميع الحركات الإسلامية.. أننا جميعاً نعتقد بأن الإسلام هو الذي يحرر فلسطين والإسلام هو المنقذ الوحيد الذي يعيد لنا عزتنا ومجدنا بينما كل المناهج الأخرى قاصرة غير قادرة على التعبير عن آمالنا وطموحاتنا وإرادتنا.

والخلاصة أن فتح باب الاجتهاد وفي ظل الظروف الراهنة هو المطلب، والفقه السياسي لأهل البيت (عليهم السلام) لا فقه الأمويين والعباسيين هو الفقه الحقيقي الذي تحتاجه الأمة ويجب أن تتسلح به لمواجهة أعدائها وإذا ما تحقق لها ذلك فإنها بلا شك سوف تتوحد وتتقارب وترص صفوفها.

س: فضيلة الشيخ للأسف أننا نجد كثيراً من شبابنا المسلم يتغنون بلينين وتشي غيفارا وماركس وأمثالهم في الوقت الذي لا يعرفون عن الحسين (عليه السلام) شيئاً؟.

ج: هناك سؤال يمكن أن يجيب على سؤالك وهو هل يوجد في التاريخ من العظماء الذين وضعوا قوانين ودساتير لشعوبهم وغير شعوبهم من يعدل الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وهل توجد ثورة في التاريخ كثورة الحسين (عليه السلام) أو موقف كموقفه يوم عاشوراء؟!.

كلمة واحدة قالها الحسين (عليه السلام): (والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ لهم إقرار العبيد) جدير بالأمة العربية والإسلامية وكل زعماء العالم أن يعيدوا هذه الكلمة إلى فكرهم وقلبهم وروحهم وبالتالي إلى شعوبهم.

إنها الجواب الحقيقي على مجازر نابلس ومجازر جنين، وأنا أقترح على القادة العرب أن يعقدوا مؤتمراً بهذا الشعار الذي رفعه الحسين (عليه السلام): (والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا اقر لهم إقرار العبيد) لأن الدم العربي والإسلامي أغلى وأطهر ولا ينبغي لنا أن نساوم عليه أو نجلس إلى موائد المفاوضات طالما هو يهدر.

س: هل نستطيع القول بأن العمليات الاستشهادية التي يقوم بها أبطال الانتفاضة هي امتداد لخط الدم الحسيني الذي بدأ من كربلاء سنة 61هـ؟.

ج: بلا شك، وهذا ليس من الغريب، فالاستشهادي الأولي والفدائي الأول - كما قلت سابقاً - هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومن ثم ولده الإمام الحسين (عليه السلام) وبقية الأئمة الأطهار من أهل البيت (عليهم السلام)، فيما يتعلق بقضية الاستشهاد التي كثر الحديث عنها هذه الأيام، خاصة عندما أفتى بوش - وهو مفتي الأمة الإسلامية في هذا العصر طبعاً - بأنها عمليات انتحارية في محاولة بائسة لتكريس هذا المعنى وتضليل الرأي العام العالمي من خلاله، أقول فيما يتعلق بهذه القضية أنها من صلب عقيدتنا الإسلامية وقد تحضرك قصة النضر بن الحارث عندما سأل النبي (صلى الله عليه وآله): ما يرضي الرب من عبده؟ قال (صلى الله عليه وآله): أن يغمس يده حاسراً في دماء العدو.

فخرج النضر فقاتل وقتل وقطع إرباً إربا حتى لم يعرف إلا من خلال خاتم في إصبعه.. وفي القرآن كثير من الآيات تحث على الشهادة في سبيل الله (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) و(وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل).. الآية، إذن فالقرآن يقول إنهم شهداء وبوش يقول عنهم انتحاريون فمن نصدق.. الله أم بوش؟!

يا إخوة ليس أمامنا إلا اثنان: إما أن نخضع لأمريكا وإسرائيل وإما أن نتبع القرآن ولا يوجد حل وسط بين الله وأمريكا..

س: كيف لنا أن نفعل عقيدة الاستشهاد ونبعث روحها أكثر في جسد الأمة الإسلامية؟.

ج: بأن نعلم الناس أن هناك إلها لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع أحد سواه.. عندما يعتقد الإنسان بالله قولاً وفعلاً ويستمع إلى كلامه (القرآن) المجيد فإنه لابد أن يختار الشهادة في سبيله ويفضلها على غيرها، لأنها أقصر الطرق وأيسرها وصولاً إلى جنة الخلد فعقيدة الاستشهاد تابعة لعقيدة الإيمان بالله سبحانه، والإنسان عندما يعلم بأن ثمن الاستشهاد الجنة وأن بالاستشهاد يحصل على حسنيين الجنة وبقائه حياً في ضمير أمته وشعبه، وأنا أعتقد بأن معظم الشباب المسلمين مجاهدون ومستعدون دائما للتضحية من أجل القضية العادلة لأمتنا الإسلامية.

س: ما هو تقييمكم لتجربة حزب الله ومقاومته الجهادية؟.

ج: يكفي أن تعرف بأن كل الشعب العربي الذي يقف الآن وقفته الاستشهادية إنما قد تأثر وتعلم من تجربة حزب الله. وإن هذه التجربة وهذه المقاومة أعادت للأمة عزتها وكرامتها وتجدر الإشارة هنا إلى القوس الاستراتيجي الثلاثي (السوري - الإيراني - اللبناني) كما يجب الاعتراف بالدور القيادي الكبير للسيد الرئيس المجاهد الدكتور بشار الأسد (حفظه الله) الذي سار على نهج أبيه الرئيس الراحل (رحمه الله) متسلحاً بإيمانه المطلق بالإسلام العزيز فلم يدخر وسعاً في دعم مواقف الأمة والذود عن قضاياها العادلة، وكلنا قد رأينا وسمعنا ما فعله في قمة قطر وفي قمة القاهرة وما فعله في قمة بيروت وكيف أنه غير المنطوق ورفع السقف للحقوق العربية وهو أول من تحدث فزرع في ضمير الشعب العربي أمل الانتصار ولو بعد حين.. نحن نسمع اليوم من يتحدث عن القادة العرب ويصفهم بالتخاذل وهنا ينبغي أن نقول كلمة الحق وهي أنه لا يجوز التعميم إطلاقاً والحق أن نستثني ونذكر بموقف سيادة الرئيس الأسد في بيروت عندما واجه الزعماء قائلاً (متى ستقطعون العلاقات مع إسرائيل؟) وكان ذلك قبل أحداث الضفة الغربية فلاحظوا الآن كيف ترجمت هذه الكلمة الجريئة لسيادته ولاحظوا كيف أن العرب لم تقطع علاقاتها مع إسرائيل لحد الآن لتعلموا عندئذٍ خطأ التعميم وضرورة الاستثناء.

س: صدرتم محاضرتكم عن عاشوراء بآية التطهير.. فبمن نزلت ومتى وهل نساء النبي من أهل البيت الذين ذكرتهم الآية؟.

ج: لقد أوضحت ذلك في كتابي (القول الحق) وقلت أن الآية نزلت بحق علي وفاطمة والحسن والحسين وهم أهل البيت (عليهم السلام) وأهل الكساء، ولم تشمل الآية نساء النبي (صلى الله عليه وآله) بل روى مسلم عن أم سلمة أنها جاءت لتدخل تحت الكساء معهم فدفعها النبي (صلى الله عليه وآله) وقال لها إنك على خير، وأنا خالفت رأي الدكتور محمد وفاريشي الأستاذ في كلية الشريعة في جامعة دمشق، الذي قدم لكتابي وأدخل أمهات المؤمنين في آية التطهير، والقضية فيها تفصيل قد لا يسعه المقام.

س: حسبما ذكرتم في المحاضرة أن الصلاة على النبي دون الآل لا ترفع ولا تقبل... فلماذا نجد أن إخواننا السنة قد اعتادوا على التلفظ بالصلاة البتراء؟.

ج: أعتقد أن عادة الكلام سيطرت على ذلك، أنا عن نفسي لا أصلي الصلاة البتراء وإن فعلت فعن سهو، وأعتقد بأنه لا يوجد مسلم على الإطلاق يقصد على النبي (صلى الله عليه وآله) ويخالف أمره بأن يأتي على سبيل القصد والتصميم بصلاة بتراء نهى عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم إن جميع المذاهب الإسلامية تتفق على هذا الأمر والصلاة على محمد وآل محمد ما لا يختلف عليه أحد.

س: ألا تحتاج المسألة إلى توجيه وتوضيح للعامة من قبل العلماء؟.

ج: نعم بكل تأكيد ولا أنكر هذا لأن الناس يتعلمون من الخطباء والعلماء والشيوخ وعلى هؤلاء أن يبينوا لهم الصحيح من الخطأ، كما أن عليهم أن يلتزموا هم بالصحيح ولا يتسامحوا في هذه الأمور.

س: اشتهر عن الإمام الغزالي تحريمه تصوير مقتل الحسين (عليه السلام) وقد تابعه في ذلك جملة من علماء السنة.. بماذا تعللون التحريم وما رأيكم بالمسألة؟.

ج: مع احترامي للإمام الغزالي فلسنا بمكانته لكي نعلق عليه ولكني أعتقد أنه انطلق من مسألة عدم إثارة القضايا الخلافية بين المسلمين والسكوت عنها. غير أننا قد نخالفه الرأي خاصة في هذه المسألة لأننا ننظر إلى كربلاء من زاوية أنها الباعث الحقيقي للأمة على النهوض والأخذ بأسباب الحياة الكريمة ورفض الذل والعبودية ومقاومة الظلم بكل أشكاله وصوره، هذا جانب والجانب الآخر هو أنني عندما يسألني شاب مثقف في هذا العصر عما جرى في تاريخنا الإسلامي من وقائع وأحداث لا أستطيع أن أجيبه (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم).

ونحن بهذا نلف وندور ونبخس الحق ولا أعتقد أن مسلماً واحداً يرضى بهذا القول، المفروض أننا نقوم بتوضيح الأمور ونحلل المواقف لنتخذ منها الدرس والعظة.. لماذا أتخوف من كلمة شيعي أو سني؟! القضية قضية ممارسة فعلية وواقع يفرض وجوده..

إن عملية منع تصوير الحادثة هي عملية تكريس للاختلاف والتفرق ألم يقل القرآن (إن في قصصهم لعبرة) يعني أن نستثمر التاريخ لصالح الأمة وهذا لا يتم بمنع الكلام فيه بالعكس إنما الحوار الهادئ والعلمي هو الذي تحتاجه أمتنا لتتكامل وترقى ذروة المجد. قل لي بربك لماذا لا يجوز الكلام على معاوية مثلاً والرسول (صلى الله عليه وآله) يقول لعمار بن ياسر: (يا عمار تقتلك الفئة الباغية)، أليس هذه الفئة التي قتلت عماراً وحاربت الإمام علي (عليه السلام) يرأسها معاوية.. أنا برأيي وهو الحق أينما وجدت عليا وجدت الإيمان وجدت الحق، وجدت الإسلام.. وجدت القرآن.. بشهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قال: (علي مع الحق والحق مع علي)، فمن كان خصماً لعلي كان خصماً للإيمان والقرآن والحق وعليّ أن أعرف ذلك جيداً.

س: لنعد إلى كربلاء ونسأل أين هي في الفكر السني؟.

ج: غير موجودة.. وأقول ذلك بكل أسف لأن المفروض بنا كمسلمين بغض النظر عن انتمائنا المذهبي أن نحمل عاشوراء بين جوانحنا ونعيشها بكل ما تمثله من ملحمة ومأساة وفكر وثورة وهدي وإيمان.. يجب أن تكون كربلاء في ضمير المسلمين في كل وقت ومكان.

س: هل من كلمة أخيرة فيها لله رضا وللمسلمين مزيد نفع؟.

ج: أوجه كلمة للعلماء والخطباء والعاملين في سلك الإعلام الإسلامي فأقول نحن في هذه المرحلة نحتاج إلى كلمة تجمع وتوحد وتحرض الناس على العودة إلى الإسلام وإلى عقيدة الاستشهاد التي رفع لواءها الإمام الحسين وقضية فلسطين قضية استهداف الإسلام فيجب علينا أن نعي خطورة الأمر وندرك مسؤوليتنا جيداً.. نحن مؤتمنون على شرف الكلمة والإعلامي بالذات سيحاسب على كلمته وعليه أن لا يخشى في الحق لومة لائم، ويضع نصب عينيه دائماً مقولة سيد الشهداء الحسين (عليه السلام): (والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لهم إقرار العبيد)..

تم هذا اللقاء بالتعاون بين موقع المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام ومجلة المنبر

 

إرسـل ملاحـظاتك حـول اللقاء

الأسم

البريد الالكتروني

الملاحظات