|
س:
كيف تنظرون إلى (ولاية الفقيه) الجامع للشرائط، هل هي ولاية مطلقة أم مقيدة؟
ـ اعتقد أن مصطلح ولي الفقيه لا يعني أن هناك ولاية
مطلقة للفقيه وخارج انتخاب الناس لهذا الفقيه وإلا فستنجم عن ذلك مشاكل كثيرة
وسينجم عن ذلك تضارب في الصلاحيات إذ يوجد لدينا فقهاء كثيرون في كل العصور،
وإن من حق كل واحد منهم أن يكون ولياً عاماً فكيف يمكن أن تعين السلطة
النافذة ذات الإجراءات النافذة في المجتمع؟ لابد من أن يجري الاحتكام إلى
الناس سواء كان منهم ذوي الخبرة وبالتالي فذوو الخبرة من الناس سيعينون ولي
الفقيه أيضاً، ولابد من الاحتكام في انتخابهم إلى قاعدة أعرض وأوسع من الناس
لكي (يصبحوا) من ذوي الخبرة الذين يعينون الولي الفقيه. إذن يصبح الولي
الفقيه منتخباً بصورة غير مباشرة أو مباشرة من الناس فيكون الولي الفقيه
دستورياً يحدد له الدستور صلاحياته، ولا يستطيع أن يتجاوز هذه الصلاحيات،
لأنه (وأمرهم شورى بينهم) لا يوجد ما يتخصص المدلول الشامل لهذه الآية فيجعل
من خاصة الناس فقط هم أهل الشورى إلا في ظروف معقدة وصعبة لا يمكن فيها إجراء
الشورى بصورة واسعة وشاملة بالذات، يصار إلى القدر الضروري من الشورى، وهو ما
يسمونه في مصطلحاتنا الفقهية (أهل الحل والعقد). أما الإطلاق الموجود في
الآية (وأمرهم شورى بينهم) فهو يشمل الناس المعنيين كافة.
كيف أخرج من الاجتماع الإسلامي فرداً بحجة أنه ليس من
أهل الحل والعقد مع أنه معني بشأن السلطة وله مصالح وحاجات وهو منتفع ومتضرر
من هذه السلطة وبالتالي إن هذه السلطة يجب أن يكون لها شرعية الموافقة من
أكثرية الناس بصورة عامة، إذا لم يكن لها شرعية الموافقة من أكثرية الناس حتى
لو كانت سلطة تحكم باسم الإسلام، تغدو سلطة غير شرعية.
|
|
س: هل نظام شورى الفقهاء هو الحل الأمثل بنظركم؟
ـ لا.. أنا لا أظن أن شورى الفقهاء بمعزل عن القاعدة
العريضة للناس هو الأمثل.. فكيف يمكن؟ أي ما معنى شورى الفقهاء؟ |
|
س: بمعنى أن مجموعة من الفقهاء يشكلون مجلساً.
ـ من ينتخب هؤلاء الفقهاء؟ |
|
س: الناس.
ـ إذن.. أصبح هذا انتخاباً، طبعاً أنا أوافق على هذا
الهدف لأننا عندما نقول شورى الفقهاء أخشى أن يذهب البعض إلى أن هناك فقهاء
هم ينصبون أنفسهم سلطة بمعزل عن الناس وبالتالي تصبح سلطتهم ملزمة للناس، هذا
لا أوافق عليه وأظن أن شورى الفقهاء بالمعنى الذي ينتخب فيه الناس مجموعة من
الفقهاء لكي يشكلوا أركاناً لهذه السلطة، إذ ذاك لا يعود (الأمر سلطة باسم
الحق الإلهي، يصبح سلطة مستندة إلى انتخاب الناس). |
|
س:
فهي أفضل من انتخاب فقيه واحد.
ـ هذه الصيغة كما قلت ربما يراها البعض أفضل من صيغة
الفقيه الواحد وإن كان يرى أن مجموعة الفقهاء أيضاً سوف يحتاجون في عملهم
الإداري إلى أن يكون لهؤلاء الفقهاء رئيس، كرئيس هيئة أو لجنة عامة تتولى
شأناً عاما لابد أن ترأس أحد أعضاءها دون أن يلغي ذلك السلطة المشتركة
للفقهاء جميعاً وبالتالي إذا لابد من رئيس، نعم مرة يكون هذا الرئيس دائماً،
ومرة يكون رئيساً دورياً، وأظن أن هناك متسعاً كبيراً لمثل هذه الاختيارات،
وربما تكون وجهة النظر هذه وجهة تحمل الكثير من وجوه الصحة أيضاً. |
|
س: سماحة المرجع الديني الأعلى السيد محمد الشيرازي
(قدس سره)، لما تحدث عن فكرة شورى الفقهاء، تحدث بما تفضلتم به الآن، الفقهاء
الذين يدخلون في الشورى، هم المنتخبون من قبل الناس، ثم إذا جعلوا لهم رئيساً
دورياً كما تفضلتم، فهذا لا ينافي الفكرة، يعني شورى الفقهاء موجودة مع وجود
مشرف أو مدير أو منسق لهؤلاء.
- أنا لا أرى هذه فكرة قابلة جداً للتداول وكما قلت هي
آلية مقترحة من آليات السلطة في الإسلام وأظن أن هذه الآلية اعتمدت أيضاً في
أنظمة وضعية.. أن يكون مجلس رئاسي مثلاً، يوجد مجلس رئاسية.. وبعض الدول
اعتمدت هذا النظام ودول أخرى وجدت أنه لا يجب أن يكون هناك مجلس بل أن يكون
هناك رئيس وأن تكون مؤسسات للدولة، نحن كمسلمين الآن عندما نبحث مثل هذه
الأمور أعتقد أننا قد دخلنا في سجال مجدي وهام في إنشاء آليات للسلطة وفي
التداول حول آليات السلطة دون أن نحسم الأمر باتجاه ما هو الأصلح في هذا
المجال.
اعتقد
أن كل آلية مقترحة فيها من جوانب إيجابية، وفيها جوانب سلبية ولكن بالنهاية
لابد من تحكيم الرأي العام في شأن يتعلق بآلية السلطة وشكل العمل.. وأعتقد
أنه لا فرق كبير بين ولاية الفقيه الدستورية - شرط أن تكون دستورية - وبين
مجلس شورى الفقهاء الدستورية أيضاً، ولا يوجد فرق جوهري وإنا يوجد فرق في
الآليات. |
|
س: طرحتم مفهوم ولي الفقيه أو ولاية الفقيه ولكن
المعنى السائد غير ما تفضلتم به من أن ولي الفقيه يأتي إلى الحكم بانتخاب
الناس؟
- ولو بصورة غير مباشرة. |
|
س: نعم، أو أنه يكون له صلاحيات ضمن الدستور ليس أكثر
من ذلك، ولكن الآن الطرح الموجود لولي الفقيه أو مصطلح ولاية الفقيه أن ولي
الفقيه له سلطة كاملة في جميع الأبعاد وحتى على بقية المراجع.. يعني ولي
الفقيه له سلطة على المراجع الآخرين مع مقلديهم بصورة أوسع من هذا النطاق
الذي حددتموه الآن.
ـ
أنا من الذين يأخذون بنظرية تحديد السلطة وليس توسيعها، يعني أقيد السلطة ولا
أوسعها، ويجب تقييدها إلى أبعد الحدود وهذا ما لا ينسجم من وجهة نظري على
الأقل مع الروحية العامة لمفهوم السلطة في الإسلام ولحدود السلطة، يعني لا
يجوز أن تكون السلطة غير محدودة ولا يجوز أن يكون لها حدود مطاطة أيضاً
والتجارب - تجارب البشر غيرنا - الذين تطوروا في مجال بناء السلطة أثبتت أن
السلطة هي شأن خطير جداً وشأن هام بالغ الأهمية ويتعلق بمصائر البشر وبالتالي
لا يجوز أن تكون حدودها غامضة حتى يتمكن صاحب السلطة من تجاوز حدود السلطة
لذلك نرى أن الدساتير دأبت على تحديد السلطة وعلى تضييق دائرة السلطة أيضاً
في حدود الحاجة الملحة لاستعمال السلطة وليس في إطلاقها، وأنا أميل إلى تحديد
هذه السلطة وأن لا تتجاوز القدر الضروري الذي يحتاج إليه المجتمع ويحتاج إليه
إقامة النظام في المجتمع بصورة عامة. |
|
س: هل مهّد الإسلام لتحديد هذا النوع من السلطة؟
ـ بطبيعة الحال عندنا تحديد من هذا النوع نستلهمه من
القواعد العامة.
مثلاً بالأساس لا توجد سلطة لأحد على الآخر، أليست هذه
قاعدة في الإسلام؟! من الذي يعطي سلطة لزيد على عمرو في الإسلام؟! فإذا جاءت
أدلة تقول أنه لا بد من تعيين سلطة في المجتمع، الأصل أنه لا توجد سلطة، حتى
تكون هذه السلطة نافذة، تكون نافذة بأي مقدار؟ بمقدار العقد الاجتماعي كما
يسمى وأنا الذي أقبل بك أن تكون سلطة، أقول لك أنا أقبل بهذه الحدود أن تكون
سلطة، فإذا أردت أن تتجاوز هذه الحدود، فهذا يتنافى مع العقد القائم بيني
وبينك، وفي الإسلام لا يجوز أن تتجاوز حدود العقد المتفق عليه بين الطرفين. |
|
س:
هل هذا التجاوز يصبح نوعاً من الاستبداد؟
ـ طبعاً.. ولكن يصير تسلط، يعني تجاوز حدود السلطة
التي يحددها الدستور فيصبح تسلطاً أي بمعنى أنك عندما تتجاوز حدود سلطتك التي
منحتك إياها علي أنا كشعب بأي حق يجوز لك، من أعطاك هذه السلطة؟
الأصل هنا أنه لا يجوز لك تجاوز هذا الحد، أي إذا شككت
أنه هل يجوز لي أن استعمل هذه السلطة التي لم يعطني إياها الناس أم لا، الأصل
أنك تتوقف عن استعمالها وليس الأصل هنا جواز الاستعمال وإجراء أصل براءة
الذمة، بل هنا أصل الاشتغال، أي ذمتك مشتغلة إذا تعديت الحدود المقررة لهذه
المسألة.
الدستور وولاية الفقيه المطلقة: |
|
س: إذن فما هو صمام الأمان لهذا التجاوز؟
ـ القانون. |
|
س: ومن يرى هذا القانون؟
ـ المجالس المختصة لوضع القوانين. |
|
س:
وإذا لم تتوفر المجالس الشعبية؟
ـ هذه مشكلة الحكام في بلاد المسلمين منذ تشكل الدولة
الأموية في الإسلام، فعلاً من وجهة نظري أن المشكلة هي لست في إقامة دولة
إسلامية، إن بعض الإسلاميين متحمسين لإقامة دولة إسلامية.. أقول لهم المشكلة
هي في شرعية الدولة متى تكون الدولة شرعية؟ نحن كمسلمين ليس عندنا نقص في
إقامة حكومة إسلامية أبداً عبر التاريخ يعني من سنة (40) للهجرة منذ تولي
معاوية حكم المسلمين في الدولة الأموية، إلى الدولة العباسية، إلى الدولة
المملوكية، إلى الدولة العثمانية، دائماً عندنا دولة إسلامية تحكم باسم
الإسلام وباسم القوانين الإسلامية ولكن هل فعلاً كانت لهذه الدول شرعيتها؟
نحن بحاجة إلى أن تكون للدولة شرعيتها، لا أن تكون
إسلامية، الإسلام يمكن أن يحكم به البر ويمكن أن يحكم به الفاجر وهذا ما حصل
حيث حكم الفجرة في المسلمين عبر التاريخ، من هنا أؤكد على موضوع شرعية
السلطة، فيجب أن نتعود على إن السلطة هي شأن خطير وهام وأنه لا يجوز تجاوز
حدوده، ولا يجري التغيير في القوانين التي تحدد أو تضع حدوداً للسلطة، فإذا
تجاوز الحاكم ذلك فقد خرج على القانون العام، وعندما يخرج الحاكم الذي يفترض
فيه أن يكون حافظاً وحامياً لهذا القانون على القانون توجد عندئذٍ شرعية
الثورة، تبدأ شرعية الثورة وهذا ما حصل في تاريخ المسلمين، لقد قامت ثورات
استناداً إلى شرعية أساسية هي: أن خروج الحاكم على الشرع خروج على حدود
السلطة. |
|
س: كيف يمكن ترسيخ فكرة أن ولاية الفقيه ليست مطلقة بل
مقيدة، فالسائد في الوسط الإسلامي أن ولي الفقيه له مطلق الصلاحيات؟
ـ أعتقد فيما هو القائم من التجربة الإسلامية الموجودة
في إيران نلاحظ وبالعودة إلى الدستور بأن ولاية الفقيه مقيدة ولها صلاحيات
محددة، يعني عندما يتجاوز هذا الصلاحيات يحق للسلطات الأخرى أن تعترض، فإذا
لم تفعل هذه السلطات الأخرى، أقول أنه توجد حينئذٍ شرعية الاعتراض العام
الشعبي، وبعد ذلك توجد شرعية الثورة لكن في البنية الدستورية وفي المنظومة
الدستورية الموجودة في إيران، الحقيقة أن ولاية الفقيه ولاية مقيدة بعدد من
الأطر ومن المجالس ومن عملية الانتخاب التي تخرج مفهوم ولاية الفقيه عن هذه
السلطة الغيبية التي يربطها بحق الناس.
نعم
علينا أن نصلح السلطة، أي عندما تصبح هناك جمهورية إسلامية في بلد من بلدان
المسلمين هذا لا يعني أن المسلمين تجاوزوا العيوب الكثيرة الموجودة
والمتوارثة لديهم تجاه مفهوم السلطة وتجاوز حدود السلطة، هناك موظفون في
السلطة أيضاً وليس ولي الفقيه نفسه باسم الموقع الذي يملكه يتجاوز حدوده، إذا
نحن ننتمي إلى مجتمع يوجد فيه تجاوز حدود السلطة من درجات متفاوتة ومتعددة في
هذه السلطة ابتداء من الموظف الصغير في السلطة وصولاً إلى المدير إلى الوزير،
إلى رئيس السلطة، يوجد لدينا هذه الأمور علينا أن نجاهد لإصلاحها فعلاً وهذا
لا يتم إلا من خلال تنمية المجتمع السياسي، مجتمع الأحزاب ومجتمع الهيئات
التي تراقب السلطة ويكون لمراقبتها فاعلية كبيرة في ضبط حدود السلطة لأن كل
السلطات معرضة لأن تخرج عن الحدود الموضوعة والمرتبة لها، فبهذا المعنى أنا
أدعو إلى تنشيط المجتمع السياسي الإسلامي الذي يضمن عدم تعدي حدود السلطة.
|
|
س: بمعنى آخر: الوعي؟
ـ الوعي العام بصورة شاملة أولا، وثانياً أن يكون لهذا
الوعي تجليات وعلى صعيد التيارات والأحزاب، لماذا لا يكون في المجتمع أيضاً
تيارات وأحزاب؟ لماذا لا يكون هناك مجموعة من الناس كل له وجهة نظره
الإسلامية أيضاً وبالتالي تصبح هذه الأحزاب هي الركيزة التي يقوم عليها
المجتمع السياسي، وتصبح ضامنة أيضاً بأنها أحزاب متنافسة، هذا التنافس يؤدي
بها لأن تمارس دوراً فاعلاً في ضبط حدود السلطة وفي انتقاد السلطة التي تخرج
عن حدودها؟
فالمجتمع الذي لا توجد فيه حياة سياسية من الصعب عليه
أن يضبط حدود السلطة، والمثال على ذلك، الإنجازات التي حققها المسار الغربي
لإنتاج السلطة تلاحظون أنه يوجد في كل دولة من دول الغرب حزبان أو ثلاثة
أحزاب يتم تداول السلطة بينها بالانتخاب، وأنه عندما يتولى أحد الأحزاب
السلطة يكون الحزب الآخر مراقباً له أشد المراقبة مما يجعل هذا الحزب حريصاً
أن لا يقدم لخصمه مواد تدينه وبالتالي ترتقي السلطة ويرتقي العمل بالموجبات
الحقيقية لها، وتقل عملية التجاوز لحدودها. من الذي يجعل السلطة أكثر استقامة
في هذه المجتمعات المتقدمة؟ هو وجود الأحزاب السياسية داخل المجتمع. وحتى في
التجربة الإسلامية حتى نصون السلطة من التجاوز وتعدي حدودها الطبيعية لابد
لنا أيضاً من أن يكون لنا مجتمع سياسي بهذا المعنى يعني مجتمع حي، مجتمع له
تنظيماته السياسية، وهذا أمر لا يتنافى مع الإسلام بل يشجعه الإسلام ما دام
يؤول إلى ضبط شؤون السلطة التي هي من أخطر مرفق من المرافق في حياة المسلمين. |
|
س: نفهم من كلامكم أنكم مع تعدد الأحزاب؟
ـ نعم.. هذه الظاهرة وهذا التنافس الموجود في الغرب،
هو تنافس إيجابي أكثر مما هو سلبي وهذا يختلف في مجتمعاتنا اليوم، حيث
أحزابنا الإسلامية لا تمتلك هذه الروح الإيجابية للتنافس.
فالغرب أيضاً لم يكن يملك هذه الروح، لكن هذه الروح
تولد وتتجدد ويجري التعود عليها، نحن وريثوا التاريخ الطويل من الاستبداد فهل
من الطبيعي أن نتقبل الرأي والرأي الآخر المخالف وأن نتقبل المجتمع الشوروي
أو الديمقراطي بسرعة؟ بطبيعة الحال أن هذا يتطلب عملاً مكثفاً وجهداً مضاعفاً
لكن يجري التعود على مثل هذا بالاحتكام إلى القانون وقبول الرأي المخالف
ومحاورة الرأي المخالف، إننا مدعوون لأن نبذل جهوداً حقيقية لكي يجري انتقال
مجتمعنا من مجتمع يحمل بنية الاستبداد إلى مجتمع قابل لممارسة الحريات
الطبيعية، الحريات السياسية وحرية التعبير عن الرأي وحرية الاختلاف في الرأي،
أليس الإسلام ضامناً لهذه الحريات؟ فلماذا نحن متخلفون وندّعي أننا أحزاب
إسلامية؟ ولكننا متخلفون عن الإسلام في الاعتراف بهذه الحقوق للآخرين.
|
|
س: الخلاف الذي حدث هو حول سلطة ولي الفقيه ومداها،
والرأي السائد والمعروف حتى في الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن ولي الفقيه
هو فوق القانون وهذا ما يطرح بجدية وفعلاً.
ـ برأيي أن هذا شيء خطير إذا وجد من يقول بهذا الكلام،
ولكن أقول أنه حتى الآن فإن الدستور الإيراني لا يقول بهذا الكلام وعندما
يأخذ الدستور الإيراني بهذا الكلام تكون قد انتهت هذه الفترة وتفككت الدولة.
أعتقد
أنه حتى الآن فإن مركز ولي الفقيه هو مركز دستوري، الدستور يحدد مساحة
صلاحياته ويحددها بدقة، وهذا الأمر هو الأمر الطبيعي والصحيح أما الذين
ينادون بأن ولي الفقيه يجب أن لا يكون محدداً وأن لا يكون معارضاً ومحدود
السلطات بأي دستور وبأي قانون من القوانين أن هذا يتضمن أو يستبطن على الأقل
شيء من النقصان في الوعي أهمية هذا الموقع وأهمية السلطة في الإسلام على
الأقل إن لم أقل أحياناً تنشأ في المجتمع تيارات فيها شيء من المزايدة ومن
الصراع الداخلي على مصالح معينة يجعلها تطلق شعارات تستهدف منها المزايدة
بعضها على البعض الآخر.
إن هذا الكلام من وجهة نظري غير مسؤول وإن الوضعية
الراهنة الدستورية التي تحدد صلاحيات ولاية الفقيه هي الوضعية الطبيعية
والضرورية أيضاً، يبقى تجاوز حدود السلطة هذا شأن أعتقد أنه سيستمر إلى أن
ينضج المجتمع السياسي وتعدد المجتمع السياسي في الجمهورية الإسلامية وهذا ما
اعتقد لأنه مستقبل التطور في الجمهورية الإسلامية. |
|
س: تفضلتم حول موضوع الشورى وشورى المرجعية، ولكن إذا
حدث خلاف بين المرجع في أمر من الأمور فلمن الرأي الأخير؟
ـ إذا افترضنا أن هناك شورى فقهاء وكما هو المفترض أنه
مجلس منتخب فهو يضع آليات للخلاف، عندما يوجد مثلاً عشرة أشخاص أو خمسة عشر
شخصاً، عادة فإن هذه المجالس تكون بالمفرد وليس بالمزدوج، وإذا لاحظتم فإنهم
يعملون بنظام المفرد لاحتمال أن يكون في فريقين متساوي العدد، كل منهما يتخذ
قراراً يختلف عن القرار الذي يتخذه الآخر في قضية من القضايا، لذلك اتبع
قانون العدد المفرد حتى لا تقع مثل هذه الإشكالات.
لاشك أنه عند الاختلاف تكون الأكثرية، فرأي الأكثرية
هو الرأي الحاكم في المسائل السياسية أو حتى في المسائل الفقهية. |
|
س: في المسائل السياسية أم في المسائل الفقهية
السياسية؟
ـ لا، في المسائل الفقهية نحن لدينا وكما نعلم في
موضوع التقليد لا يوجد لدينا ضرورة لوحدة المرجعية، أليس كذلك. |
|
س: ولكن في مثل الحرب والسلم، ماذا تفعلون؟
ـ نعم هذا شأن سياسي فقهي، نعم هذا يخضع لرأي الأكثرية
ما دام فيه جنبة سياسية بطبيعة الحال. |
|
س: تتفضلون في أحاديثكم أن الطريق إلى تحرير البلاد
الإسلامية من الهيمنة لا يمر عبر فوهة البندقية فقط، بل عبر العقل العربي
الذي هو حاكم على البندقية؟
ـ العربي الإسلامي لأننا نقول البلاد العربية
والإسلامية. |
|
س:
فهل هذا يعني أن اللاعنف هو الطريق الأسلم لتحقيق هذا الهدف؟
ـ أشتر في هذا القول إلى أن الاحتفال والاحتفاء
بالسلاح والبندقية بوصفها طريقاً للتحرير بلغ حداً غيبنا فيه العقل مما أتاح
الفرصة بأن يكون حملة البنادق هم القادة.
لا أؤمن بمجتمع يكون فيه القادة هم حملة البنادق..
أؤمن بالنبدقية ولكن أؤمن بالبندقية عندما تكون محكومة بقرار العقل لأن
السلطة ليست للبندقية، البندقية وسيلة تقذف البارود، تقذف الرصاص فقط، والذي
يحملها لا يصبح بالضرورة هو الحاكم وهو القائد وهو المقرر.
ما حصل في المجتمعات العربية وحتى في المقاومة أيضاً
أن هذا الولاء المطلق للبندقية حوّل أصحابها إلى حاكمين وقيادات، مع العلم أن
البندقية مهمة ومهمة جداً، ولكن عندما تعمل بأوامر العقل أي أن البندقية ليست
سلطة لكنها أداة السلطة قد تحولت في المجتمعات العربية والإسلامية وفي كثير
من الأحيان إلى سلطة، فالعسكريون تحولوا إلى سلطة، الانقلابات التي حصلت في
المجتمع في الأنظمة العربية هي انقلابات عسكرية، فالعسكريون يحملون البنادق..
شرعيته كانت البندقية وليست شرعيتهم في أطروحاتهم المميزة في إقامة نظم الحكم
في العالم العربي والإسلامي.
ومن هنا قلت أن الطريق إلى فلسطين يمر من فوهة العقل
العربي وليس من فوهة البندقية. هذا ما كنت أعنيه وما أرمز إليه لا أنني كنت
أريد القول أنه لا حاجة إلى البندقية، لكن يجب أن نحدد مهمة البندقية وأن
نحدد مهمة حاملي البندقية وهذا هو التغيير الجذري المطلوب في البنية العامة
للعالم العربي وحتى العالم الإسلامي، وهو إعادة الاعتبار لمكانة العقل،
لمكانة الفكر بوصفه القيادة التي جاءت البندقية وحلت محله لهذا العالم العربي
والإسلامي. |
|
س: كيف نعود إلى (كنتم خير أمة أخرجت للناس)؟
ـ ما تكلمنا عنه قبل قليل في شأن إنتاج وحدود السلطة،
ما تكلمنا عنه بشأن إنتاج المجتمع السياسي تجسيد لمصداق قوله تعالى: (كنتم
خير أمة أخرجت للناس)، ولا أعتقد أن الأمة تصل إلى هذا الامتياز (خير أمة
أخرجت للناس) مجاناً، إن ذلك لا يكفي أن يكون قد نزل القرآن عليها، ولا يكفي
أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) منها، إنها يجب أن تمارس دوراً فاعلاً في
تحقيق المستلزمات التي تجعلها خير أمة أخرجت للناس، (إن الله لا يغير ما بقوم
حتى يغيروا ما بأنفسهم) هذه هي السنة التي تحكم التطلع إلى إنتاج الأمة الوسط
التي هي (خير أمة أخرجت للناس).. الأمة النموذجية.. إنها عملية تتطلب جهوداً
على كل الأصعدة وعلى كل المستويات في إنتاج العناصر المكونة لهذه الأمة، وقد
تحدثنا عن بعضها ولا شك أن الحديث في هذا المجال لا حدود له أيضاً. |
|
س: هل ترون ضرورة تشكيل مؤتمر إسلامي يضم تحت لوائه
جميع الحركات والتنظيمات والأحزاب الإسلامية للتخطيط المشترك للتصدي
للاستعمار الغربي، وما هي اقتراحاتكم في هذا المجال؟
ـ طبعاً من المهم والمفيد والمجدي بل من الضروري أيضاً
على كل التيارات الإسلامية إقامة مثل هذه المؤتمرات الجدية والحقيقية
الفاعلة، لكي تكون فيما بينها جسور التفاهم والتعاون والرؤية المشتركة،
وأتمنى أن تتمكن الأحزاب والتيارات الإسلامية من الانتساب لذاتها أولاً.. بأي
معنى؟ بمعنى أن لا يظن أي كاتب أو أي حزب أو أي تيار أنه يملك الحقيقة
بكاملها وبالتالي فإن برنامجه هو البرنامج الأصيل والمبرأ من العيوب وأن يكون
هناك فكر نسبي بدلاً من هذا الاعتقاد.. يعرف كل تيار أنه لا يملك الحقيقة
بكاملها وإنما يملك وجهاً من وجوهها، وإن الآخرين يملكون أيضاً وجوهاً لهذه
الحقيقة وأنه حتى يكون لدينا حقيقة متكاملة يجب أن يكون لدينا عمل متكامل
وحوار متكامل وتعاون متكامل أيضاً.
اعتقد أنه من الضروري أن تولد الأطر الإسلامي مثل هذا
الفكر النسبي (نسبة الفكر النسبي) إلى الحقيقة وإلى الحقيقة الإسلامية أيضاً
لكي تتمكن هذه التيارات من أن يكون لها دورها وفاعليتها في إنتاج الصورة
الجديدة للعالم الإسلامي من جهة وأن يكون أيضاً لدى هذه الحركات الإسلامية
شعور بأن هناك ضرورة أيضاً للتواصل مع تيارات الأمة وليس مع التيارات
الإسلامية فحسب، لأنه بالنهاية فإن حقل العمل في مجال إعادة بناء الأمة هو
حقل بالغ الاتساع والتعقيد ولا يظن أحد أن بإمكانه أن يقوم بهذه المهمة
بمفرده أو أن مجموعة من التيارات بمعزل عن تيارات الأمة الإسلامية بإمكانها
أن تقوم بهذه المهمة، فلذلك يجب أن تكون هناك مؤتمرات لأن من طبيعة هذه
المؤتمرات أن تجدد النظرة كل تيار من التيارات، تجدد نظرته إلى مفهوم الأمة
وإلى التعقيدات الموجودة في حياة الأمة من جهة، ومن شأن هذه المؤتمرات أن
تعيد الاعتبار إلى المعيار، المعيار الشوروي في حياة الأمة، هذا أمر لا شك هو
من الفوائد المترتبة على مثل هذه المؤتمرات التي يجب أن تكون واسعة وشاملة
إلى أبعد الحدود ويجب أن تكون مؤتمرات جدية وليست مجرد عارضات إعلامية
وإعلانية لا يوجد وراءها سوى إصدار مجموعة من البيانات فقط. |
|
س: هناك فكرة تدعو إلى تشكيل منظمة إسلامية عالمية..
ما رأيكم بذلك؟
ـ أظن على المستوى المثالي فكرة جيدة، ولكن هذه الفكرة
قد تحتاج إلى جهود سابقة كثيرة.. لكي يكون لدينا منظمة إسلامية عالمية أمر
جميل ولكنه جميل على صعيد الخيال، لكن هل يمكن أن يكون لنا منظمة فعلية
متمثلة للعالم الإسلامي دون أن نملك إنجاز تقدم في علاقات العالم الإسلامي
ودول العالم الإسلامي بعضها بالبعض الآخر.. يعني لابد من إنجاز عدد من
المهمات التي تسبق هذه المهمة لكي يكون لدينا منظمة للعالم الإسلامي ذات
فاعلية، الآن توجد جامعة الدول العربية غير فاعلة، لماذا؟ لأن هذه الجامعة لا
ترتكز على أسس راسخة للتضامن على مستوى العالم الإسلامي كيف يمكن لمثل هذه
المنظمة أن تكون فاعلة؟ |
|
س: ما هي المقومات لترجمة هذه الفكرة إلى واقع عملي؟
ـ قلت لك، يسبقها إنجاز أشكال من التضامن، التضامن
الاقتصادي والتضامن السياسي والتعاون السياسي وإزالة المسافات المباعدة بين
مناهج السلطة والحكم التي تقوم في العالم الإسلامي لأنه سوف ينتج أشكالاً
أخرى من التقارب، عندما تنضج هذه الأشكال من التقارب يصبح تشكيل منظمة أمر
طبيعي، يعني يشكل نتيجة منطقية لمثل هذا التقارب، أما أن تشكل منظمة من فوق
وليست مستندة إلى مثل هذه الإنجازات فلا، فإن هذه المنظمة سوف تكون كما بني
على جبل من الرماد التي سرعان ما تهوى عند أول تجربة جدية تختبر قوة المسلمين
وقوة المنظمة من فوق فأظن أن التجارب أثبتت فشل مثل هذه الأعمال ومجانية مثل
هذه الأعمال. |