|
** ماذا عن الواقع العقائدي الذي تعيشه الجالية
المسلمة في كندا؟
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطاهرين..
الواقع أن الجالية المسلمة في كندا كبيرة جداً
ومترامية الأطراف، ولها ثقل في جميع مراكز الدولة وقد تمركزت في الأبعاد
الواسعة هناك وكل فرد يؤدي دوره حسب اختصاصه وميوله، أما الواقع العقائدي
الذي تسألون عنه فهو إلى حد بعيد يطمئن إليه ويبشر بخير ونستطيع القول أن
المسلمين في كندا على درجة من الالتزام حقيقة إلا أنهم يحتاجون إلى من يرشدهم
أكثر إلى العقيدة الصحيحة ويبين لهم حقائقها وخفاياها وجميع ما يحيط بها لكي
تبقى وتنمو وتتجذر في الأعماق، لأن الناس كالمعادن كمعادن الذهب والفضة، على
شريحة من المجتمع أن تأتي وتستخرج هذه المعادن وتجلوها لتظهر بصورتها
المشرقة. |
|
** على من برأيكم تقع هذه المسؤولية؟
هذه المسؤولية في الحقيقة تقع على كل إنسان مسلم مثقف
ولا أقصد بالمثقف رجل الدين أو الكاتب أو الخطيب فحسب وإنما كل من يحمل هموم
المسلمين ويحمل الثقافة الإسلامية ويتمسك بالعقائد الأصيلة لدين الإسلام، على
هؤلاء أن يعملوا وأن يرشدوا وينشروا الهدى لأن هذه هي رسالة كل مسلم، يقول عز
من قائل: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). |
|
** لكن العبء الأكبر على من يقع - بنظركم -؟
على رجل الدين أولاً والكاتب ثانياً وعلى الخطيب
ثالثاً وعلى الجامعي رابعاً. لأن الأخير اجتاز مرحلة من العلوم الحياتية
والثقافية فعليه أن ينفع المجتمع بما تعلمه كما لا يجب حصر عمله في مجال
تخصصه فقط فعلوم من مثل الطبابة أو الهندسة أو الزراعة أو الصناعة هي
باعتقادي علوم مهنية حرفية- إن صح التعبير - مثلها مثل النجارة والحدادة
وغيرها، أما ما يميز الإنسان فهو الثقافة العالية التي تؤهله لاكتساب الخبرة
والمعرفة والوعي وبالتالي فإن ذلك يحمله مسؤولية نشر المبادئ الصحيحة
والأفكار الهادية المستنيرة بفكر الإسلام وحضارته وتراثه في أوساط الأمة. |
|
** نستخلص من قولكم أن المثقف المسلم في أي إطار كان
وفي أي مجال تحرك عليه مسؤولية أن يرتقي بمجتمعه، فكما رفعه العلم ينبغي أن
يرتفع بغيره من باب زكاة العلم تعليمه؟
نعم زكاة العلم نشره والمسؤولية تقع على الجميع بلا
تحديد (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) وأبناء المجتمع عموماً هم أهلنا
وبالتالي فالآية الكريمة تأمرنا بوقايتهم (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم
وأهليكم ناراً) فأهليكم هنا لا تخصص بالعلاقة النسبية بل إذا تدبرنا القرآن
وجدناها تعم أبناء الأمة الإسلامية كلهم أجمعين وبذا تكون وظيفة كل إنسان أن
ينقذ أهل مجتمعه وأمته من النار، من الانحراف، من الجهل. |
|
** كيف لنا أن نجذر هذا المبدأ الإسلامي في المجتمع؟
بأن نبدأ أولاً بأنفسنا، لأن الناس ينظرون إلى المتصدي
قبل أن ينظروا إلى أنفسهم، فعندما يرون المتصدي عاملاً بما يقول ناهجاً طريق
مبدئه وعقيدته مطبقاً لذلك، يجعلونه قدوة وأسوة لهم، أما إذا لم يكن المتصدي
عاملاً بأفكاره وعقائده وأقواله التي يرددها دائما،ً فلا يمكن حينئذٍ للمجتمع
أن يصلح سريرته أو يحافظ على عقائده وأخلاقه، فبداية الإصلاح إذن تنطلق من
النفس (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن
تقولوا ما لا تفعلون) ومن لم يتمكن من تهذيب نفسه وعياله لا يتمكن من إصلاح
المجتمع الخارجي. |
|
** وهل يراعى في ذلك قاعدة الأقرب فالأقرب؟
بطبيعة الحال فالأقربون أولى بالمعروف وفي ذلك ضمان
لإشاعة وتعميم الفائدة والمردود الإيجابي. |
|
** سماحة الشيخ ما هي تأثيرات الهجرة على المسلمين
سلباً وإيجاباً؟
هنالك أنواع للهجرة.. فتارة هي هجرة مقدسة وتارة أخرى
غير مقدسة، من الأولى أن الإنسان يهاجر ليكسب مالاً أو علماً وفي الحديث
القدسي (إني جعلت العلم في الجوع والغربة).
أو يهاجر هروباً من واقع فاسد إلى واقع صالح، أو هجرة
لله في الله يريد أن يبلغ رسالة السماء ورسالة الأنبياء، وهذه الأخيرة هي من
أفضل أقسام الهجرة وتأتي بالمرتبة الأولى في تدرج الهجرات المقدسة.
والسعيد الحظ من يجمع بين الهجرتين، كأن يهاجر للتجارة
على سبيل المثال زائداً التبليغ، وهذا ما حدث في جنوب شرق آسيا إذ انتشر
الإسلام في تلك الدول والمناطق عن طريق التجار المسلمين الذين هاجروا إليها
للعمل التجاري وكسب المال، ولم ينتشر عن طريق رجال الدين أو أولئك الذين
هاجروا قاصدين التغيير، أبداً، بل التجار هم كانوا نواة التغيير لما دخلوا
إلى أعماق المجتمع عبر التعامل الاقتصادي الملتزم بالأخلاق الإسلامية وفي ذاك
مصداق لقوله (عليه السلام): (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم).
أنا أعتقد بأن المسلمين التجار والطلاب والعمال منهم
يستطيعون القيام بدور التبليغ والدعوة إلى الإسلام أفضل بكثير من رجل الدين،
والشاهد على ذلك إني حضرت قبل شهر في المركز الإسلامي (تورنتو) احتفالاً
بإسلام أحد الشباب المسيحيين وقد سمي عيسى أحمد علي، كثالوث مقدس من السيد
المسيح والنبي محمد والإمام علي، فالأول لديانته الأصل المسيحية، والثاني
لإسلامه، والثالث لتشيعه، والمهم بالأمر، أن هذا الشخص قد أسلم بتأثير من
زميل مسلم له في العمل ولم يسلم عن طريق رجل الدين، وكذا حدث في نفس الاحتفال
أن خمسة من أهل العامة استبصروا متأثرين بأصدقاء لهم من التجار الشيعة. |
|
** هذا يدعونا للسؤال عن نسبة الإقبال على اعتناق
الدين الإسلامي والمذهب الشيعي بصفة خاصة؟
بعد أحداث سبتمبر شوهد تزايد في ظاهرة اعتناق الغربيين
للإسلام رغم أن تلك الأحداث تركت آثاراً سلبية في بعض الجوانب بسبب عدم معرفة
الشعوب الغربية بالدين الإسلامي وعدم التمييز بين مذاهبه ومدارسه، فالناس
هناك يعتقدون بأن كل مسلم هو أسامة بن لادن مثلا،ً لكن السياسيين ودوائر
المخابرات وأجهزة الدولة تميز وتعرف الشيء الكثير عن الدين الإسلامي وفرقه
ومذاهبه ويمكنها التفريق بين الاتجاه الشيعي والاتجاهات الأخرى، ولهذا نجدهم
لم يضيقوا على الشيعة بمثل ما ضيقوا على الخط السلفي إثر الأحداث، وأرى أن
السبب في جهل الشعوب بالإسلام يكمن في ضعف حركة التبليغ الإسلامي في أوساط
الغربيين. |
|
** عفواً.. هذا سؤال كنت سأطرحه عليك تواً وهو كيف
تجدون العمل التبليغي في كندا تحديداً؟
في الحقيقة.. أنا أجد حركة العمل التبليغي جداً ضعيفة
وتحتاج إلى كثير من الدفع لكي ترتقي إلى المستوى المطلوب فعلاً. |
|
** ألا توازي حركة التبشير المسيحي على سبيل المثال؟
هناك فرق بين السماء والأرض ولا أقول أكثر من ذلك. |
|
** ترى أين يكمن سبب التراجع، في الآلية أم في الخطاب؟
في الآلية وفي الخطاب على حد سواء، الخطاب ما زال
قاصراً لحد الآن وإذا كان هناك خطابً يأخذ جانبا من العقيدة دون سواه ويميز
ذلك الجانب لصالحه فإن ذلك يترك نتائج سلبية.
كذلك في الآلية فإننا متأخرون جداً جداً عن الآليات
التي تعمل عليها الأديان والدعوات الأخرى وخاصة المسيحية، وأكبر مثال لذلك
نرى قبل شهر يوم 28 جولاي عقد احتفال كبير في تورنتو الكندية يسمى يوم الشباب
المسيحي العالمي، حضره البابا بنفسه وأدار الاحتفال وصلى لهم جميعاً فكان له
حضور فاعل ومؤثر في الناس.. هذه آلية لم نمتلكها نحن المسلمون فلم نجد مرجعاً
أو عالماً أو مفكراً ينزل إلى الساحة الشعبية ويعيش بين الناس. |
|
** لكن السيد الشهيد الصدر والإمام الشيرازي (ره) نزلا
إلى الميدان الاجتماعي بالفعل؟
نعم، صحيح ولكن رجلاً أو اثنين، فهذه لا تمثل نسبة ولا
تعطي زخماً لآلية معتمدة وإنما تبقى في إطار الظاهرة الفردية إذ ليس كل
المراجع عملوا هذا الشيء ومن عمل منهم فعلى نطاق ضيق جداً لا يغني ولا يسمن
من جوع كما يقال في المثل. |
|
** أليس للإمكانات المادية دخل في ذلك برأيكم؟
المسلمون يمتلكون ثروات طائلة قد لا تقل عن ثروات
المسيحيين ولكن هذه لثروات غير منظمة وغير مستثمرة بشكل صحيح. |
|
** ماذا تقترحون - سماحة الشيخ - لعلاج هذه المشكلة؟
نحن نقترح تطبيق ما دعا إليه الإمام الشيرازي الراحل
(قده) وهو مشروع شورى الفقهاء المراجع، فإن بجلوسهم على طاولة واحدة للحوار
والتنسيق وصياغة القرارات يخرجون للأمة أوراق عمل من شأنها أن تنظم الأمة
وتوجهها بالاتجاه الصحيح في كيفية الاستفادة من الطاقات التي تملكها والثروات
وموارد صرفها، وتحديد سبل الاستثمار الناجح وطرق توفير الفرص المتكافئة في
العمل والإنتاج وفق خطة مدروسة ومشروعة ومبرمجة. |
|
** إذن تقترحون شورى الفقهاء لتطوير الآلية.. فما الذي
تقترحونه لتطوير الخطاب الشيعي؟
إذا أردنا تطوير الخطاب الشيعي علينا أن نرجع إلى
القرآن الكريم وإلى سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وتوجيهات الأئمة
الأطهار المعصومين (عليهم السلام) في هذا الصدد.
إن علينا أن ندرس حياة الأنبياء والأئمة لكي نعرف
كيفية تأسيس الخطاب الشيعي المعاصر الذي يجب أن يبتني على:
أولاً: الوحدة بين جميع الخطوط الشيعية من مرجعيات
وأحزاب ومنظمات ومؤسسات فمتى ما صار عندنا وحدة في الخطاب ودراسة للوضع بين
جميع هذه الخطوط، نستطيع أن نتقدم خطوة إلى الأمام.
ثانياً: علينا أن نقتدي بأئمتنا (عليهم السلام) وأن
نتنازل عن ذواتنا شيئاً ما، أن نتنازل عن بعض أفكارنا التي هي أفكار ليست
استراتيجية وإنما أفكار لتنفيذ خطة معينة لصالح المجتمع الشيعي، أن نتجانس
فيما بيننا حتى ننقذ بالخصوص الطائفة الشيعية من هذه المحن التي تعيشها الآن.
الطائفة الشيعية اليوم تعيش محنة كبيرة .. الآن العراق وهو مركز التشيع جريح
مقهور، فعلينا أن نفكر بالشعب العراقي، إذا تمكنا من إنقاذ الشعب العراقي من
الظلم والقهر والاستعباد، استطعنا أن نخطو خطوة إيجابية في طريق تطوير الخطاب
الشيعي ونجاة الشيعة لأن العراق هو مفتاح الدخول إلى الدول العربية فإذا
قدرنا أن نحرر هذا المفتاح فإننا نتمكن أن نغزو ونفتح بقية البلاد. |
|
** ما دمتم تحدثتم عن محنة الشعب العراقي، نسأل ضمن أي
نوع تدرج هجرة هذا الشعب إلى بلدان الغرب؟
هجرة الشعب العراقي تندرج تحت صنف الهجرة فراراً
بالنفس وبالدين من الظلم والطغيان، وإلا من منا يترك بلد المقدسات التي ولد
فيها ونما وترعرع في أفيائها؟! من منا يترك أهله وعشيرته وأصدقائه وذكرياته؟!
لا أظن أن أحداً منا يستطيع أن يتخلى عن ذلك كله ولو ساوموه بالآلاف المؤلفة
من المال والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ولكن الواقع المرير فرض علينا
أن نهاجر تاركين كل غالٍ ونفيس. |
|
**هل يمكن القول بأن العراقيين قد حمّلوا مهمة تبليغ
رسالة السماء إلى العالم فكان أن قدر الله عليهم الهجرة القسرية من وطنهم بما
فيها من مخاطر وأهوال؟
قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) ومن
هنا نحتمل أن يكون في هجرتنا خير لا نعلمه، وفي هذه الحال يكون هذا القول
صحيحا جداً ولكن واجب تبليغ رسالات الله سبحانه لا يحد بزمان أو بمكان أو
طريقة ما، بل يجب على كل مسلم العمل على نشر تعاليم الدين في شتى الظروف وبكل
الوسائل، سواء توقف ذلك على الهجرة أو غيرها، ولكن قد تكون الفرصة سانحة أكثر
لمن يهاجر، وهنيئاً لمن يكسب أجر الهجرة وأجر نشر الدين وأجر هداية الآخرين
إلى الحق فهو يكون بذلك كمن أصاب عدة أهداف بضربة واحدة. |
|
** 11 أيلول كيف كانت آثاره على الوجهين السلبي
والإيجابي؟
الوجه السلبي- حقيقة- كان يصوره الناس السذج وليس
المثقف، فالمثقف لا يحمل مشاعر البغضاء والكراهية للمسلمين، وإنما هو يعرف
جيداً بأن المسلمين أناس مسالمين ملتزمين بمبادئ وعقائد وأخلاقيات، أما
الجهلاء وأنصاف المثقفين فأولئك هم الذين عكسوا المواقف المعادية لنا إذ
انطلت عليهم الدعاية الإسرائيلية وساقتهم في هذا الاتجاه بهدف ضرب الإسلام
وأهله، هذا على صعيد الجانب السلبي أما إيجابياً فيتجلى في الفترة التي أعقبت
حدث أيلول إذ برزت في أوساط المجتمع الغربي عموماً والأمريكي والكندي بشكل
خاص ظاهرة البحث
والسؤال عن حقيقة وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف وقد نجم عن
ذلك إقبال شديد على اعتناق العقيدة الإسلامية بعد أن تكشفت لهم بوجهها المشرق
الذي لم يكونوا قد عرفوه في السابق وظهرت الدعوات والمطالبات من قبل الشعب
الأمريكي بوجوب إعطاء المسلمين حقوقهم. كما قرأت في بعض الصحف قبل شهر
تقريباً أنه قد تقرر تدريس مادة تفسير القرآن الكريم في إحدى الجامعات
الأمريكية معتمدين في التدريس على ترجمة للقرآن وتفسيره، بقلم أحد الأساتذة
الغربيين وأثار ذلك حنق اليهود فاحتج خمسة منهم على قرار الجامعة. |
|
** ألا يخشى من أن يكون هذا التفسير مخالفاً لتعاليم
الدين الإسلامي أو يكون محرفاً لمبادئ الشريعة الحقة؟ ثم ألا ينبغي لرجال
الدين المسلمين الإطلاع عليه وإدلاء الرأي فيه قبل تدريسه؟
صحيح ما تفترضونه وهو وارد جداً ولكن كمرحلة أولى أن
يعرف الناس شيئاً عن الإسلام وعن كتاب الله فهو أمر مستحب بذاته بل مطلوب في
هذه الظروف ثم لنا بعد هذه المرحلة أن نصحح ونثبت الصحيح وسيقوم العلماء
المسلمين بدورهم حتماً. |
|
** ألا يجدر بنا أن نستثمر هذه الفرصة لضخ أكبر ما
يمكن من المعلومات من ديننا القيم تظهيراً لثقافتنا وتعريفاً بحضارتنا
وتفعيلاً لوجودنا على الساحة العالمية؟
نعم بلا شك فإن من الواجب علينا أن نغتنم كل الفرص
المتاحة ونستغل كل الظروف لنشر الفكر والثقافة الإسلامية ويجب أن نصل إلى
جميع الشرائح الاجتماعية في المركب الغربي ويجب أن ننفتح على المكاتب
والدوائر والمؤسسات ونوزع النشرات والصحف والمجلات ونؤسس الفضائيات ونطرح
الكتب المترجمة إلى اللغات العالمية الحية، وهنا يجدر أن أشير وبكل أسف إلى
النقص الحاصل في مجال ترجمة الكتب الشيعية، بسبب عدم توجه الشيعة إلى العمل
في الساحة الغربية كما ينبغي وحصر توجههم في الساحة الإسلامية الضيقة للأسف. |
|
** ترى ما سبب ذلك؟
السبب هو عدم تجولهم في تلك البلاد، فأنا باعتقادي أن
الواجب على جملة من الكتاب والصحفيين وأصحاب القلم والمثقفين والمفكرين
الإسلاميين التحرك لاستطلاع الواقع الذي يعيشه الإنسان الغربي ووضع الدراسات
الاستراتيجية والخطط في الجبهة التبليغية بشكل واع ومدروس وأن لا نترك
العملية دون أسس عملية واستقرار صحيح أو تبقى ضمن إطار الممارسة الشخصية
والعفوية، التي لم تعد تعطي ثماراً في زمان كزماننا. |
|
** والتهاء المسلمين بمشاكلهم الجسيمة وواقعهم السياسي
الضاغط والمرير ألا يعد سبباً لتراجعهم في هذا المضمار علاوة على ما تفضلتم
به؟
يمكن القول بأن هذا صحيح لكن هناك جملة كبيرة من
المثقفين والمؤسسات الثقافية والعقائدية وربما بعض المرجعيات أيضاً تصور أن
العمل في الشرق أفضل منه في الغرب وهذا برأيي تصور خاطئ ولو قامت تلك الجهات
برحلة قصيرة مع بعض مفكريها وعلمائها ومسؤوليها إلى الغرب وأجرت نوعا من
الاستقراء البسيط في الشارع الغربي لعلمت وأيقنت بخطأ تصوراتها والعملية
بسيطة فإنك تستطيع أن تسأل أي فرد غربي ما هو الإسلام ما رأيك بالإسلام من هو
نبي الإسلام ما كتاب المسلمين الخ..؟ واسمع الإجابة لتعرف بنفسك كم نحن
مقصرون تجاه إسلامنا. |
|
** تنبأ الإمام الشيرازي الراحل (قده) بإسلام الغرب
كله في المستقبل القريب.. كيف تجدون هذه النبوءة؟
السيد الإمام (ره) كان تنبأ من قبل بسقوط النظام
الشيوعي وفكره وقد تحققت نبوءته فعلاً بعد سنوات قليلة، وأما نبوءته بإسلام
الغرب - كما تفضلتم - فإني أراها بدأت تظهر علاماتها ويوشك أن تتحقق أيضاً
والدليل أن الغربيين اليوم وبعد أحداث سبتمبر التي عرضتهم لهزة عنيفة صاروا
يحترمون المسلمين الملتزمين بمبادئهم.. يعني عندما تمشي الآن في السوق ينظر
إليك نظرة احترام، وإذا اضطرك الوقت لتصلي صلاتك في إحدى زوايا (المول) أو
إحدى الحدائق العامة مثلاً فإن الناس يحيطونك بمشاعر الحب والتقدير، ولربما
يتقدمون للسؤال منك عن بعض التعاليم الإسلامية بدافع حب الاطلاع وتقصي
الحقائق التي أدركوا أن الإعلام الإمبريالي كان وراء تغطيتها أو تزييفها
نكالاً بالإسلام وحقداً عليه. |
|
** القوانين الحاكمة في كندا إلى أي مدى تسمح للمسلمين
في ممارسة شعائرهم ونشاطهم التثقيفي؟
القوانين الكندية - إنصافاً - أجدها أو الكثير منها في
الحقيقة إسلامية فهي ثابتة وواقعية وتحترم حرية الأفراد والجماعات وتحترم
آراء الناس بل وتحترم حتى القوانين التي يضعها المرء لنفسه أو مؤسسته مثلاً
وتدافع عن الفرد.
وأضرب لك مثالاً إذا خالف إنسان الإشارة المرورية
وأعطي ورقة الغرامة المترتبة على مخالفته فإن له الحق أن يقيم دعوى على ضابط
المرور ويستدعى إلى المحكمة ويرافع المواطن أمام القضاء ويقدم الأدلة التي
تنفي ارتكابه المخالفة المرورية ويستدعي الشهود على ذلك إن وجدوا ولذا نرى
ضباط المرور الكنديين يذكرون في أوراق المخالفة عدد الأشخاص الموجودين في
السيارة لحظة ارتكابها مخالفة.. هذا يعني حرية أن يقيم المواطن دعوى على
المسؤول التنفيذي في البلد وأن يجره إلى القضاء وهو قانون إسلامي في الواقع
إذ يحق لأي فرد المرافعة أمام القضاء واستدعاء الخصم مهما كانت رتبته ومنصبه. |
|
** إذن فهناك مجال واسع من الحرية والديمقراطية يستطيع
المسلمون التحرك فيه، من الذي يمنعهم من النشاط والعمل في مضمار الدعوة إلى
الله ودينه القيم؟
الذي يمنع المسلمين هو أن بعضهم متوجهون إلى الدنيا
وزخرفها لا إلى الآخرة والعمل من أجلها، وعلى أية حال.. أنا ألتمس العذر
لبعضهم فقد عانوا ما عانوا من الاضطهاد والاستلاب والقهر والغربة حتى في
أوطانهم ولذا فلا يحسون بالمسؤولية إلا بعد مدة قد تطول وقد تقصر حسب طبيعة
الإنسان وظروفه المحيطة، وعلينا في كل الأحوال توجيههم ووعظهم وإرشادهم إلى
سبل الخير والفلاح. |
|
** ما هي المناهج التربوية التي يضعها الإسلام لصيانة
الأسرة المسلمة التي تعيش في الأجواء غير الإسلامية؟
يبدأ المنهج التربوي الإسلامي منذ انعقاد النطفة في
الرحم ولهذه العملية بالذات شرائط وآداب خاصة يوصي الشارع الأقدس بمراعاتها
لأن لها علاقة مباشرة بروحية الطفل وسلوكياته فيما بعد، فمثلاً يوصينا
الإسلام بأن يكون غذاؤنا من حلال من طهارة، أن نباشر المرأة على وضوء وإلخ..
من الآداب والسنن الأخرى.
فالإنسان الذي يريد أن يكون أسرة سليمة أفرادها
صالحين، والأسرة هي نواة للمجتمع، فعليه أن يفكر أولاً: بكيفية انعقاد نطفة
الطفل وعليه أن يراعي في تربية الطفل بعد مجيئه إلى الحياة، الأسس الواقعية
التي وضعها الإسلام ومنها مثل:اً التسمية فنحن للأسف نرى بعض المسلمين يسمون
أبناءهم بأسماء غير إسلامية وقد تكون مضامينها لا أخلاقية أحياناً، أما إذا
كان الاسم إسلامياً فهو بطبيعة الحال يترك طابعاً إسلامياً في نفس الطفل
وعندما يكبر يفكر ويتساءل عن الدلالة التي يتضمنها اسمه وبالتالي يدفعه ذلك
إلى المراجعة والتأمل والمعرفة، فاسم محمد أو علي أو فاطمة أو زينب تحمل
دلالة كبيرة تؤكد الصلة الإسلامية، غير الدلالة التي تحملها أسماء من مثل جون
أو جورج أو إيفان.. الخ.
ومن الأسس التربوية الأخرى التعليم: فعلى الوالد أن
يحسن تعليم ولده وتوجيهه و.. |
|
** سماحة الشيخ ألا يحتاج في هذا الطرح إلى الوعي..
كيف لنا أن نزرع في النفوس مثل هذا الوعي؟
هذه وظيفة رجل الدين والمثقف والكاتب والصحفي وكل مسلم
يعي ويشعر بمسؤوليته تجاه أمته، فعلى هؤلاء جميعاً تقع مسؤولية بث الوعي في
صفوف المسلمين ولو من باب (فذكر إن الذكرى تنفع المؤمنين). |
|
** هناك محاولات وضغوط من قبل الدول الاستكبارية
لتغيير المناهج الدراسية في البلدان الإسلامية بحجة أن هذه المناهج تنمي روح
العدائية والإرهاب ما هو تعليقكم بهذا الصدد؟
في الحقيقة هذه محاولات صهيونية.. اللوبي الصهيوني هو
الذي يقف وراءها. لماذا؟! لأن الصحوة الإسلامية أثرت في الغربيين بشكل واضح
إلى درجة مناداة الشعوب الغربية بوجوب إعطاء المسلمين حقوقهم ومعاملتهم كما
يعامل الإنسان الغربي غير المسلم وقد أشرنا إلى ذلك سابقاً. فاليهود بطبيعة
الحال لا يروق لهم ذلك فسعوا إلى التخطيط لمشروع إسرائيلي استراتيجي لضمان
مستقبل دولتهم اللقيطة. |
|
** إسلاموفوبيا أو ظاهرة التخوف من المسلمين ما
حقيقتها ومن يقف وراءها؟
هذه الظاهرة يقف وراءها أيضاً اليهود الصهاينة وهدفها
تشويه صورة المسلمين ونعتهم بالوحشية والعدوانية ليتحاشى الغربيون محاولة
الاتصال بهم مما يعمل على عزل المسلمين عن المجتمع الغربي وشل نشاطهم
الإعلامي والاجتماعي والسياسي بله الاقتصادي..
اليهود يحاولون جاهدين أن يعزلوا المسلمين عن
المسيحيين خاصة، لماذا؟ لأن المسيحيين يتفقون مع المسلمين أكثر من اليهود
لاعتقادهم بأن اليهود هم قتلة عيسى (عليه السلام). |
|
** لكني أتذكر قبل بضعة سنوات، صرح أحد القساوسة
المسيحيين بتبرئة اليهود من دم عيسى؟
نعم صحيح وكان ذلك أيضاً من تدبير اليهود فقد نفذوا
حتى إلى الكنيسة المسيحية ومارسوا تأثيراً على رجال الدين المسيحيين ليتفوهوا
بمثل هذا القول المدفوع سعره سلفاً. |
|
** القرية الكونية تعبير أراد به ماكلوهان الدلالة على
سهولة وسرعة وكثافة نقل المعلومات وهو ما تحققه العولمة، فبماذا تبررون الخوف
الإسلامي منها؟
الخوف الإسلامي من العولمة - في نظري- أنه ليس في
محله، لماذا؟ لأن الإسلاميين لا يملكون آلية ووسائل وقدرات لمواكبة هذه
العولمة فيتخوفون منها، فمن امتلكوا شيئاً من الإمكانية والقدرة على
الاستفادة من نتاجات العولمة امتنع الخوف منها لأن العولمة طريق من الطرق
المباشرة لنشر الدين. |
|
** هل نفهم من قولكم أننا يجب أن نعولم الإسلام؟ أم
نؤسلم العولمة؟
ما أريد قوله أننا يجب علينا أن نجعل من العولمة وسيلة
لنشر ديننا ونافذة للانفتاح على الآخرين وأضرب لك مثالاً: الصحف والمجلات
وحتى التلفاز هي وسائل ليست كلها إسلامية فلماذا لا نخاف منها؟ لأننا ألفناها
منذ زمان بعيد فلماذا نخاف من العولمة وسنألفها عما قريب كما ألفنا تلك. |
|
** يذهب البعض إلى تعريف العولمة بأنها أحد وجوه
الهيمنة الاستعمارية وقد يطلق عليها مصطلح الأمركة الاقتصادية والثقافية
ويدعي أصحابها الحتمية أو الضرورة التاريخية، ما هو الموقف الإسلامي منها
بهذا المعنى؟
إنني أرى أن هذا التعريف غير كامل، بل هو من جهة واحدة
والحال أن العولمة وأشياء كثيرة في الحياة تكون ذات وجهين أو حدين كالسكين
على سبيل المثال فإن باستطاعتك أن تقطع بها اللحم أو أن تذبح بها إنساناً،
وهكذا يتم التعامل مع الفكر العولمي وآلياته، بأن نتجنب ضررها ونعمل على
الانتفاع من إيجابياتها دون خوف، فهي ليست بعبعاً كبيراً أو هيولى كبيرة لا
نقدر على الدخول فيها. |
|
** هل هي حتمية فعلاً؟
نعم، وستتحقق شئنا أم أبينا، فعلينا أن نتأقلم معها
ونستعد لخوض غمارها لئلا تسحقنا أقدامها ولا يذكرنا التاريخ إلا بالخزي
والتخلف والرجعية. |
|
** ما العلاقة بين الدين والتراث، وهل يصلح جعل التراث
حكماً على الدين؟
التراث لا يصح أن يحكم على الدين لأن التراث بحقيقته
هو جزء من الدين، فالدين أسبق وجودا من التراث فعندما خلق الله سبحانه آدم
وحواء وأنزلهما إلى الأرض، بماذا نزلا بالدين أم بالتراث؟ طبعاً نزلا بالدين
بشريعة السماء، أما التراث فهو مجموعة من الشعائر والتقاليد والقيم والعادات
والأعراف، وهي كلها مستنبطة من الدين وناشئة عنه والدين هو الحكم، فهو يحق ما
هو حق منها ويبطل ما هو باطل. |
|
** التراث تراكم أليس صحيحاً؟ والدين؟
الدين ليس تراكماً وإنما هو رسالة من الله سبحانه وهو
مجموعة سنن وأحكام نزلت من الله تعالى كاملة مكملة. |
|
** بماذا تفسرون التدرج في الأطروحة السماوية للهداية؟
لأن الله سبحانه لما أرسل الأنبياء وتدرج في طرح قانون
الهداية للبشرية، أراد أن يتكامل الإنسان شيئاً فشيئاً، أن لا يحمله ما لا
طاقة له به، لكي لا تحدث الصدمة بالنسبة لخلقه. فالطفل على سبيل المثال لا
يصح أن تحمله كماً هائلاً من المعلومات بل إننا نزوده بها معلومة بعد معلومة،
خطوة بعد خطوة، وليس دفعة واحدة. نعم الأنبياء فقط بإمكانهم أخذ العلم من
الله دفعة واحدة وليس غيرهم، فالقرآن نزل بالطريقتين الطريقة الدفعية على صدر
نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) والطريقة التدريجية فيما بعد حسب اقتضاء
الحاجة (نجوماً). |
|
** كيف تقيمون الجهود الساعية لتأسيس الإعلام الإسلامي
الشيعي؟
الجهود - حقيقة - جبارة وهي مشكورة طبعاً، ولكن الأداء
ليس بالمستوى المطلوب إذ أننا لحد الآن لم نتمكن من إيصال رسالتنا إلى
المسلمين فكيف بغيرهم؟! الإعلام الإسلامي ما زال قاصراً ومتأخراً في أداء
رسالته لذا نجد أن الأفكار المنحرفة ومنتجات الإعلام الغربي الرخيصة
والمسمومة تشيع بسرعة مذهلة في أوساطنا الإسلامية بينما نجد الإعلام الإسلامي
غائباً عن الساحة. |
|
** ما العوامل التي أدت إلى غياب الإعلام الإسلامي
برأيكم؟
عوامل عديدة نذكر منها على مستوى التقنية والآلية
فالانترنيت مثلاً لم يستفد منه الإعلام الإسلامي الاستفادة الحقيقية كذلك
المحطات الفضائية، فلحد الآن لم نستطع أن نؤسس فضائية مستقلة، ما زلنا لا
نمتلك سوى محطات قليلة جداً لا تغني وهذا بالنسبة للناطقة باللغة العربية أما
اللغات الأخرى فإن المحطات الناطقة بها غير موجودة أصلاً وعلى هذه فقس ما
سواها. |
|
** ألا تغتنمون فرصة هذا اللقاء لتوجيه دعوة إلى من
يهمه الأمر للعمل الجاد على تطوير الإعلام الإسلامي وتذليل العقبات العائقة
لحركته؟
واقعاً أحب أن أوجه التماسي لجميع العاملين في قطاع
التبليغ والإعلام أن يهتموا أكثر ويتحملوا مسؤولياتهم بشكل أكبر، وأدعو
مرجعياتنا الرشيدة وجميع الأخوة المؤمنين، لدعم المشاريع الإعلامية الناشطة،
وخاصة الموجه منها إلى الغرب، كما أتمنى على موقع المعصومين (عليهم السلام)
أن يكون له موقع باللغة الإنجليزية واللغات الحية الأخرى، ففي ذلك تعميم
للفائدة، لأن لهذا الموقع- بالحقيقة- صداه الواسع في عموم المناطق التي
يتواجد فيها المسلمون. |