الفهرس

 

 

 

 

لقاء الشهر

 

لقاء مع سماحة الشيخ عبد الحسن الأسدي

أجراه: حيدر السلامي

تصوير: أحمد الحسن

ورد في المأثور عن أهل البيت الأطهار (عليهم السلام) ما مفاده: من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم.

وانطلاقاً من هذه القاعدة الإسلامية دأب موقع المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) على التفقد والسؤال عن أحوال المسلمين أينما وجدوا، اهتماماً منه بأمورهم وتسليطاً للضوء على شؤونهم، وإطلاعا للقادة الربانيين المراجع العظام وممثليهم على جانب من الواقع الذي تعيشه الأمة والظروف التي تحيط بها، لوضع الجميع أمام مسؤولياتهم وإنارة الدرب لمن أراد السير على نهج المصلحة الإسلامية العليا، لذا لم نضيع فرصة اللقاء بشخصية ذات معرفة أو خبرة أو اهتمام بمثل ذلك إلا استثمرناها وفتحنا الصدور والأبواب أمامها، لتتحدث بحرية تامة ومسؤولية كاملة، صادعة بالحق على رؤوس الأشهاد، مقربة الأذهان من الحقائق سلباً أو إيجاباً..

وضيفنا لهذا الشهر، سماحة الخطيب الحسيني والمبلغ الإسلامي الشيخ عبد الحسن الأسدي، الذي يعيش في الدانمارك إحدى البلدان الاسكندنافية.

شرعنا معه الحديث عنه وعن المسلمين المغتربين بكل ما يعانونه من مشاكل وهموم وما يقومون به من أنشطة ومهام، فجاء الحوار كما يلي:

●  كيف للشيخ الأسدي أن يعرّف نفسه وما هي أبرز المحطات التي يجدر الوقوف عندها في سيرته ومسيرته؟

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على أشرف الخلق محمد وآله الطاهرين.. في البداية أبارك لكم هذه الجهود العظيمة حقيقة وجزاكم الله خير الجزاء، وشكراً لكم على استضافتنا وإتاحة الفرصة لنا لنتحدث عن بعض الأمور التي قد تهمنا كمسلمين أولاً وخطباء مبلغين ثانيا، وللإجابة على سؤالكم أقول: ولدت في كربلاء عام 1968م وهاجرت إلى إيران مع أفراد أسرتي سنة 1981 ومنها إلى لبنان سنة 1991م، وتأرجحت بين سوريا ولبنان لمدة 6 سنوات تقريباً ومن ثم إلى الدانمارك، ولقد بدأت في دراسة العلوم الدينية تقريباً في أواخر العام 1403هـ في مدينة قم المقدسة وذلك بتشجيع من أسرتي ورغبة شديدة في نفسي لأن أصبح رجل دين وخطيب ومبلغ لمذهب الحق، وتتلمذت على مجموعة من العلماء منهم آية الله السيد محمد رضا الشيرازي والشيخ الاعتماد والفاياني وغيرهم من أساتذة الحوزة العلمية في قم المقدسة.

وكان لي ولع كبير في الخطابة الحسينية منذ صغري كما ذكرت لكم ونتيجة لذلك ارتقيت المنبر وأنا لم ارتد الزي الحوزوي بعد، واستمر الحال هكذا إلى فترة حتى حظيت بمباركة المرجع الديني الراحل آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) وتعميمه لي، خلال احتفال جرى في دار السيد الإمام وعمري آنذاك حوالي الثامنة عشر سنة .

●   ذكرتم بأن الولع الخطابي دفعكم لارتقاء المنبر صبياً، فما الذكريات الجميلة التي بقيت في الذهن عن تلك الفترة؟

في البدء أود أن أشير إلى نقطة مهمة بإمكانها أن تصنع الكثير للكثيرين هي أن الأم والأب والأخت والأخ والأسرة بشكل عام تلعب دوراً كبيراً في صياغة شخصية الإنسان قبل أن يتزوج ويكون له أسرة ثانية. فأتذكر أن والدتي كانت تجلسني وتقول لي اقرأ وأنا أسمع وأبدأ بالفعل أقرأ وهي تبكي وتتفاعل معي ومن ثم تبدي بعض الملاحظات على قراءتي وتصحح لي بعض ما يقع من أخطاء، رغم أنها متوسطة الثقافة ولا تقرأ إلا المتيسر من القرآن فقط، وكان هذا عاملاً شجعني كثيراً على المواصلة في طريق الخطابة ووصل بي إلى ما أنا عليه اليوم من بعض النجاح بفضل أستاذي العزيز سماحة الشيخ علي حيدر (حفظه الله).

●  وماذا عن رحلاتكم التبليغية؟.

بدأت رحلتي التبليغية بأمر السيد المرجع (ره) للسفر إلى شمال العراق لتأسيس حسينية ومركز الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في شقلاوة، نظراً لتفشي الجهل بأئمة المناطق، وبالفعل ذهبنا وبقينا قرابة سنة كاملة نبلغ ونعرّف الناس بمذهب أهل البيت (عليهم السلام) وفق برنامج تفصيلي، وقد ساعدنا في هذا الأمر كثير من الأخوة من أبناء المنطقة بحيث كنا إذا ما طلبنا منهم أي مساعدة أو حاجة نجدهم يسرعون ويتسابقون لقضائها لنا وبكل حفاوة وتقدير حتى إن أحدهم قصدناه في طلب حاجة للحسينية فأجابنا بالقول: (شيخنا أنت لماذا تسألني.. أنت تأتي من السطح وتأخذ ما تريد من أجل الحسين (عليه السلام)).

والرحلة الثانية كانت إلى سوريا ومنها إلى لبنان ولنفس الغرض التبليغي والخطابي الذي ما زلنا نواصله في الدانمارك وبعض البلدان الأوروبية الأخرى كذلك، وبنفس الروحية الأولى بحمد الله.

●   سماحة الشيخ هناك بعض البيانات في بطاقتكم الشخصية بقيت مفتوحة بغير جواب؟

نعم.. نعم.. تقصدون الحالة الاجتماعية وما شابه أليس كذلك؟ بالطبع متزوج ولله الحمد من علوية ولي من الأولاد ثلاثة: ياسر وبنت وصالح. الأخير ولد في الدانمارك، وكان زواجي أيضاً بتشجيع من الإمام الراحل (قده).

●   بمن من الأولاد تتوسمون مواصلة مسيرتكم الخطابية؟

ابني الكبير ياسر حقيقة بات يلحّ كثيراً بأن أهتم به وأعده لمواصلة الدرب، يعني هو الذي يريد ذلك بدافع شخصي وأشعر بأن لديه الرغبة القوية لاقتفاء أثري، ولكم طلب مني بإلحاح أن أعلمه الخطابة الحسينية رغم أنه يعيش في المجتمع الغربي.

●   على ذكر المجتمع الغربي.. كيف تصفون الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الفرد المسلم في أوروبا؟

هناك توجه للمسلمين لا بأس به بل أقول ربما أخاف الكثير من الغربيين هو الدخول إلى الساحة السياسية ومعترك الحياة السياسية. ففي الدانمارك على سبيل المثال في الآونة الأخيرة لما تم ترشيح مجموعة كبيرة لمجلس النواب والبرلمان الدانماركي كان من بينهم أعداد ضخمة من الجالية المسلمة وقد رشحت أنفسها، والبعض ارتقى إلى مجلس البلديات.

أما من الناحية الاقتصادية فبشكل عام وضع الفرد المسلم لا بأس به رغم أن الكثير من المسلمين لا يحاولون تطوير أنفسهم اقتصادياً وهذا خطأ كبير حقيقة ولكن البعض أيضاً بدأوا يتحركون على الساحة الاقتصادية ويعملون بجد واجتهاد فيفتحون المحلات ويؤسسون المشاريع التجارية الكبيرة وهذا شيء رائع جداً فمثلاً في بلجيكا ترى أسواقاً كبيرة اختصت بالمسلمين واكتظت بهم إلى حد أنك لا تجد فيها إنساناً بلجيكياً واحداً.

وعلى الصعيد الاجتماعي فإن الفرد المسلم في الدانمارك وفي كل مكان ما زال محافظاً على علاقاته الاجتماعية، ويمارس حياة الألفة والتزاور والاجتماع رغم تغير الظروف والأجواء، هذا بالنسبة للحركة الاجتماعية الداخلية أي فيما بين المسلمين بعضهم بعضاً أما اتصالهم مع المجتمع الغربي فقد بقي محدوداَ وضعيفاً جداً ولم يستطيعوا الاختلاط معهم لحد الآن وذلك نظراً لوجود بعض العقبات التي لا تسمح بمثل هذا الاختلاط والقضية فيها إحراج لكلا الطرفين لا يخفى.

على أن هناك شريحة من المسلمين هم الشباب الجامعي المثقف أخذت تتغلغل في أوساط المجتمع الدانماركي محدثة فيه بعض الاستجابات والإثارات أحياناً للتعريف بالدين الإسلامي والمسلمين وهو عمل تبليغي قد لا يتسنى لأي أحد القيام به وخاصة بعد أحداث سبتمبر.

●   كم تقدر نسبة المسلمين القاطنين في الدانمارك؟.

المسلمون هناك واقعاً نسبة كبيرة جداً لدرجة أني أشعر أحياناً وكأني في بعض المناطق الإسلامية مما أراه من المراكز المهمة والأسواق الكثيرة التي يديرها المسلمون حتى أن بعض الشوارع والأماكن حينما ترتادها تشعر وكأن الدانماركي هو اللاجىء عندنا وخاصة المنطقة التي أقطنها فإن نسبة الدانماركيين فيها قليلة جداً.

●   أيشعركم ذلك بضمور الإحساس بالغربة؟

تبقى الغربة هي الغربة رغم هذه الكثرة الكاثرة من المسلمين والغرب ورغم الطبيعة الخلابة التي تتمتع بها البلاد الغربية.

●   شيخنا.. للمراكز الإسلامية دور مهم في التثقيف والتوعية، ترى كم عدد هذه المراكز في الدانمارك وما هو واقعها؟

أنا لا أحصي عدداً لهذه المراكز ولكن تقريباً في كل مدينة من مدن الدانمارك المهمة يوجد منها بالإضافة إلى المساجد الكثيرة، وهناك فكرة لتوسيع المراكز لتعم جميع المناطق، وبالنسبة للعاصمة أو المدينة التي أسكنها (أودنسا) فهناك حسينيات أيضاً للعراقيين واللبنانيين وكذلك الإيرانيين وغيرهم. أما النشاط التثقيفي الذي تقوم به فهو مختلف ومتنوع ما بين منبر وصلاة جمعة ومحاضرات ودورات تثقيفية وتدريس للأطفال وبرامج تعليم.. الخ.

●   هل الخدمات التي يقدمها المركز أو المسجد أو الحسينية مجانية؟

نعم كلها مجانية وهذا حقيقة شيء رائع فالكثير من أصدقائنا هناك يتطوع للقيام بمهمة التدريس وعلى سبيل المثال أذكر لك أحد أخواننا واسمه الحاج رعد تبنى تدريس الأولاد اللغة العربية وقطع معهم أشواطاً جداً بعيدة دون مقابل إذن فالنشاط التبليغي والتثقيفي لا بأس به ربما بنسب متفاوتة بين مركز وآخر.

●   في أي المدن الدانماركية يتمركز المسلمون؟

طبعاً في العاصمة يتمركز المسلمون وترى فيها الحجاب واضحا.

●   هل للمرأة دور في حركة التبليغ والدعوة إلى الدين القيم والمذهب الحق؟

نعم فهناك نشاء يدرسن في المساجد والمراكز وهناك حوزات نسائية وبرامج خاصة للنساء وبالأسبوع يوم أو اثنين على أقل تقدير هناك محاضرة أو ندوة فكرية بالإضافة إلى مشاركتها الرجل في بعض البرامج العامة ويوجد نسبة كبيرة من قارئات العزاء والحمد لله دور المرأة دور ملحوظ وإن كان دون مستوى الطموح ولكي نعطي صورة واضحة أكثر نقول يوجد نشاط نسوي لا بأس به ولكن نطمح إلى المزيد.

●   رجل الدين.. ما هو نوع المهام التي يؤديها في المجتمع الغربي؟

لرجل الدين نشاط أعم من الجالية المسلمة وإن كان نشاطه داخل الجالية أيضاً كبيرا جداً، ولكن رجل الدين كبقية الناس يذهب إلى المدرسة لتعلم اللغة الدانماركية، فيصادفه الكثير من الأمور مع أساتذته ومع تلاميذ ربما غير مسلمين من الجاليات الأخرى غير العربية أو غير المسلمة مثلاً وبهذا سيؤدي دوره وبشكل راق إذ يسأل بعض الأحيان على سبيل المثال في أحداث 11 أيلول طلب مني أن اشترك في ندوة على القناة الثانية في تلفزيون الدانمارك وبالفعل ذهبت بزيي الإسلامي جبتي وعمامتي وسئلت عن رأي الإسلام كدين سماوي في هذه الأحداث الإرهابية وأحداث أفغانستان. فأنت عندما تجلس أمام شاشة التلفاز بزيك كرجل دين وتعطي فكرة الإسلام عن اللاعنف وتعطي صورة عن الإسلام أنه دين السلام دين التسامح دين الإنسانية فسوف يكون لك دور جداً فعال، فهناك نشاطات متنوعة لرجل الدين في الغرب ولا يقتصر دوره على المنبر. والذي يسهل أمام رجل الدين مهمته المكانة التي يحتلها بين الناس بحيث ينظر إليه بمنظار خاص من قبل الجيران من قبل الناس الذين يعرفونه والذين لا يعرفونه تراقب حركاته سكناته مثلاً كيف يتعامل إذا اقتربت منه امرأة أجنبية هل يصافحها أو لا يصافحها الكل ينظر إلى رجل الدين ماذا يصنع هل يعطي شرعية أو لا يعطي شرعية لكي يقتدي به الناس، فهو داعية بالقول والفعل والتقرير.

●   ما ذكرتموه في الغالب يحدث اتفاقاً لرجل الدين أو بدعوة من الآخرين..والسؤال لماذا لا تنطلق المبادرة منه شخصياً؟

الظروف بعض الأحيان لا تخدم رجل الدين كي يبادر هو. في الدانمارك- كما قد رأيت - هناك نوع من التحسس والخوف من الدين الإسلامي والقرآن الكريم وكل ما يرتبط برجل الدين المسلم، وقد حدثني أحد أساتذة اللغة الدانماركية قائلاً: (إن أبي يقول لنا ابتعدوا عن القرآن ولا تدخلوه إلى بيوتكم فإنه يبعث في قلوبكم السحر) هكذا.. ولما أخذت له ترجمة سورة مريم بالإنكليزية والفرنسية اللتين يجيدهما فوجئ حقيقة، إذ وجد شيئاً جديداً لم يعرفه من قبل، الغرض أن الظروف المحيطة برجل الدين قد لا تسمح له بأداء المهام التبليغية بشخصه مباشرة.

●   أفلا يستطيع النفوذ إلى المجتمع الغربي من طريق غير مباشرة كالاستعانة مثلا بالشباب المسلم المثقف أو ذوي الاختصاصات غير الدينية إن كانت المباشرة غير متيسرة له - كما ذكرتم -؟

انظر.. كي أكون صريحاً وواضحاً في هذه المسالة أقول بإمكان رجل الدين أن يقوم بكل عمل.. كل شيء.. لكن يوجد بعض الخمول لدى بعض رجال الدين.

●   بسبب؟

قد تكون الساحة لا تساعده إذ لا يوجد من يشد أزره ولا يلقى الدعم سواء ممن هم في داخل الدانمارك أو هم في الخارج وثمة عقبات زمانية ومكانية قد تضغط عليه كثيراً وتسلب منه بعض الحيوية والنشاط - واقعا - لكن بالنتيجة المجال مفتوح والساحة واسعة وبإمكانه أن يعمل ويطور عمله ويقدم أداءً يليق به كرجل دين مسلم.. أتذكر كلمة للسيد الإمام الراحل (قده) حين سألني كم عدد الدانماركيين؟ قلت له: سيدي يقال خمسة ملايين قال: ننتظر أن يكونوا خمسة ملايين مسلما يقولون أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله، بجهود رجال الدين.

●   الطفل المسلم.. كيف السبيل لتنشئته إسلامياً في أجواء غير إسلامية مع ضمان عدم انحرافه عن الجادة مستقبلاً؟

هذه مسألة جدا مهمة، يعني توجد صورة غير طبيعية هنا في الشرق للطفل الشرقي الذي يعيش في الغرب أنه قد ينحرف وبسهولة، طبعاً الساحة مريضة جداً بالنسبة لنا كمسلمين لكن كيف السبيل؟

الأسرة تلعب دوراً مهما في الحفاظ على ابنها، الأم، الأب، مراقبة الطفل.. حركاته.. سكناته.. إلى أين يذهب مع من يمشي.. يلتقي.. أوقات خروجه؟.. متابعته حتى في المدرسة.. مع التزام المنهج الإسلامي في التعامل معه يعني أن يكون الأب صديقاً لابنه ربما هنا في الشرق الفرصة لا تساعده أن يكون هكذا، لكن هناك أي في الغرب يجب أن تكون علاقته بابنه بهذه الصورة.

فالأسرة هي المسؤولة عن تربية الطفل بالطريقة التي تضمن عدم انحرافه. لذا يجب أن يعرف الوالد مسؤوليته والأم كذلك حتى يعلموا أبناءهم أما إذا افترضنا أنهم لم يعرفوا شيئاً عن الإسلام فكيف لهم أن يعلموا أبناءهم وفاقد الشيء لا يعطيه.

يجب أن يعرف الإنسان كيف يخلق لابنه جواً يتماشى مع الجو الخارجي فهناك مثلاً في المدرسة تتاح له الفرصة بشكل كبير لممارسة أي نشاط وعلى الأب استثمار هذه الفرص لصالحه في التربية الصحيحة، وعليه أن لا يدع مناسبة لتعليم ولده فكرة الإسلام ورائحته الرائعة لكي يتعلم الطفل كيف يميز الصواب من الخطأ فمثلاً يرى الطفل صورة خليعة على بعض الجدران في الشارع كيف تزرع في نفسه أن لا ينظر إليها وهو يعتقد بأن ذلك حرام؟!.

●  الحياة الجنسية للشباب المسلم كيف يمكن تنظيم علاقاتها وفق الأحكام الشرعية في بلد يتسم بالانحلال الخلقي كالدانمارك مثلاً؟

هذه معضلة واقعا... الحياة الجنسية للشباب الدانماركي هي نوع من الانفلات الخلقي بالنسبة لنظرة الإسلام لا حسب فكرهم لأنهم يتعجبون منا كيف نفكر، أما الشاب المسلم فإذا أعطيته صورة الإسلام الحقيقية وتعاملت معه إسلامياً يعني مثلاً سألت أحد الأخوة أول ما ذهبت إلى الدانمارك كيف تتعامل مع ابنك قال: أعامله كما يعامل رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحسن والحسين (عليه السلام) يعني معاملة الإسلام من شأنها أن تنظم جميع حياته، الجنسية وغير الجنسية..

إذا تركته أو أسأت التعامل معه فالنتيجة أنه سينحرف ويضيع، فيجب أن أبين له الصواب من الخطأ بالشكل الرائع والدقيق، يعني الكثير من الشباب مثلاً مجبور أن يجلس وبجانبه فتاة في الجامعة وهي على غير طبيعتها كيف يمكن أن يتصرف في مثل هذه الحالة؟!.

قد يجيب بعض الفقهاء بأنك يجب أن تلبس قفازاً لتتحاشى الملامسة أثناء المصافحة مثلاً.. أنا أتوقف هنا حقيقة فالمشكلة كبيرة قد لا تحل بهذه الطريقة.

ولنعد إلى سؤالكم وهو كيف ننظم للشباب حياتهم الجنسية، فأقول هذا السؤال كان صعباً لفترة من الفترات.. اليوم الصعوبة بدأت بالعد التنازلي ولم تعد تلك الصعوبة التي كانت قبل عشر سنوات أو ثمان سنوات، لماذا؟ لأن ظاهرة بدأت تنمو في الدانمارك، الشاب المسلم لا يصادق من الدانماركيين أو الدانماركيات إلا إذا أراد ذلك حتى وإن جلست قربه لا يصادقها لماذا؟ لأنه لا توجد ضرورة للصداقة أما إذا أراد دعوتها إلى الإسلام فهناك بحث آخر، والحقيقة اليوم لا يوجد من يذهب وراء الظاهرة الجنسية بشكلها غير الشرعي إلا من يريد ذلك.

والحمد لله يعني الآباء اليوم قادرين على أن ينظموا حياة أبناءهم بطريقة وأخرى.. فنجد أن الفتاة المسلمة في الدانمارك محجبة بشكل جدي ورائع حقيقة بعض الأحيان يفوق حجاب المرأة في الشرق وهذا شيء يبعث على الفخر والاعتزاز.

●  نرى الغربيين في الغالب يتمسكون بأعرافهم وتقاليدهم الاجتماعية التي هي بنظرنا خاطئة ويحترمون من يتمسك بتقاليده.. فلماذا نجد المسلم يتحرج من عقيدته وقيمه وحضارته وقد يستعيب منها رغم أنها مدعاة للفخر؟

هذه حقيقة واقعة بلا شك لكنني أحس بأن الاتجاه اليوم بدأ يكون لصالحنا، والمستقبل سيكون لتقاليدنا ولقيمنا وأخلاقنا وديننا لأن العالم كله أخذ يشعر بأن الإسلام هو الأفضل لأنه دين الأخلاق دين التسامح والإنسانية والاحترام رغم الصورة السيئة التي يقدمها البعض بتصرفاته اللامسؤولة لكن على العموم القريبون يدركون ويميزون بين الجيد والرديء.

●   شيخنا.. مشكلة المدارس المختلطة كيف يمكن التغلب عليها؟

المدارس المختلطة في بلادنا الشرقية أيضاً موجودة ونفس المشاكل نواجهها هنا.. لكن أهم مشكلة تواجهنا في المدرسة المختلطة الغربية هي درس السباحة وهو جزء من منهج الصف الخامس في الدانمارك وهو درس إلزامي يجب أن يحضره البنين والبنات يوماً أو يومين في الأسبوع فهذه هي المشكلة الأخطر أما بقية المشكلات فلا تتجاوز في خطورتها ما نجده في المدارس المختلطة في بلادنا الإسلامية ويمكن معالجتها عبر المتابعة والاهتمام الأسري بالطفل.

ولمعالجة مشكلة السباحة التي ذكرتها حلّ أيضاً وهو ما اهتديت إليه شخصياً حين واجهتني حين بلغ ابني الرابعة عشرة فألزموه بالسباحة المختلطة فكان بناؤنا أن لا يذهب على الإطلاق فأرسل ناظر المدرسة والمعلمون في طلبي ولم أذهب لعدم إجادتي اللغة الدانماركية آنذاك أما ابني فكان يتهرب من هذا الدرس فلا يذهب يومه إلى المدرسة أو يتأخر في الذهاب وهم لا يعرفون السبب حتى أبلغوني بوجوب حضور ابني إلى هذا الدرس وإذا امتنع فإنه قد يؤثر في بعض الأمور فذهبت إلى المدرسة بنفسي وتحدثت إلى الناظر والأساتذة وابني يترجم لهم فقلت نحن جئنا إلى هذا البلد لأننا سمعنا أن فيه حرية الأديان وسمعنا أن هنا حرية رأي وحرية مبدأ وعقيدة فأنت لا تملي علي عقائدك بل ديني هو الذي يحركني وأنتم بلد رفع شعار الديمقراطية والحرية، ولديكم قانون يحتم عليكم وأنا عندي دين يلزمني، فلتلتزم أنت بقانونك وشعارك ودعني التزم بديني وضربت له مثال الهجرة إلى الحبشة التي قام بها المسلمون في بداية الدعوة حين قال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): (اذهبوا إلى الحبشة فإن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد) فالمبنى أن لا يظلم عنده أحد إذا أنت إذا تريد أن تفرض علي أن يذهب ابني إلى المسبح المختلط أنا أشعر بالظلم فهل ترضى بذلك؟.

قال: كلامك صحيح ولكن القرار ليس بيدي رغم إني لأول مرة أواجه أباً يمنع ابنه من الذهاب للمسبح.. نعم واجهنا آباء يمنعون بناتهم.. ابن.. لا.. ثم وعدني بأنه يراجع المسؤولين ويبين لهم الحالة.

وبالفعل أعفي ابني من هذا الدرس وعوض عنه بالجلوس إلى الكمبيوتر.. من هذه القصة كلها أريد أن أقول لا ذريعة لمن يتذرع وأن من يريد أن يتمسك بدينه وخلقه فالمجال مفتوح (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) كما ينص القرآن الكريم وقد جربت ذلك بنفسي.

●  المناهج الدراسية التي يتلقاها الأطفال والشباب المسلمون في المدارس الأوروبية ألا تشكل في بعض جوانبها خطراً على عقيدتهم الإسلامية؟

بالنسبة للمناهج العقائدية فباعتقادي أنها لا تشكل خطراً للعوائل المحافظة وأنا أؤكد على العوائل المحافظة لماذا؟ لأن العائلة المحافظة صعب أن يخترقها مبدأ خاطئ أو عقيدة فاسدة أما غير المحافظة هي التي تريد أن تفتح الأبواب لتستقبل الريح فهذه مشكلة.. نحن ندعوها أن تضع حدا وتغلق الأبواب.

●  والأفكار المادية التي تدرس للأولاد أو التي يستوحونها من المعلمين أساتذتهم؟

نعم الطفل أو الشاب ذكراً كان أو أنثى إذا كانت تربيته البيتية صحيحة ويتعامل معه إسلامياً فلا خوف عليه منها إذ أنه يأتي ويسأل والديه ما رأي الإسلام في المسألة الفلانية، مثلاً وهذه مسألة مهمة فأنا يجب أن اعلم ابني أن يسألني عن كل شيء قد يخطر على باله أو يسمعه من الآخرين ويجد له الجواب الشافي والحقيقي.

●  إذا وصلنا هذه المرحلة أي سؤال الطفل أباه.. فالمتبع عندنا هو تحشيد النصوص في دماغ الطفل لا أكثر.. وفي كثير من الأحيان لا تسعفه هذه النصوص.

هناك القضية تختلف ليست تحشيد نصوص فحسب بل ممارسة طراوة الإسلام بشكل عملي يعني تربيه عملياً بأن الدين الإسلامي هو الأكمل والأجمل والأصوب.. والحقيقة هناك خطر كبير جداً نأمل من الله ألا يطبق لأنه بدأ يقنن إذا أن الحزب المتطرف في الدانمارك أخذ يلح على تقنين منهاج دراسي لتعليم الجنس للطفل منذ الخامسة من عمره.

ورأيت كتاباً في هذا الخصوص عبارة عن (من أين أتيت) فيعلم الطفل كيف يولد وكيف.. الخ، وهذه مشكلة حقيقية قد يواجهها الآباء في بعض البلدان الغربية، لكن أعود وأكرر مؤكداً على دور الأسرة فهي بمثابة الدرع الواقي الذي يحمي الولد من الانجراف والضياع.

●  ألا يمكن للجالية المسلمة أن تتكفل إنشاء المدارس ووضع المناهج التعليمية والتربوية وفق الرؤية الإسلامية؟ وهل تسمح القوانين الغربية بمثل هذه المشاريع؟

تتمكن نعم ويوجد مدارس بالفعل وخرجت تلاميذ بارعين في مجالات علمية عديدة، لكن لا يخلو الطريق من العقبات ومنها الصراع المرجعي والانحياز لجهة دون أخرى وماشاكل وألفت النظر أن هذا الصراع إنما يحدث بين الناس عوام الناس وليس المراجع أنفسهم وهو صراع غير صحيح ولا يقبله المراجع أيدهم الله جميعاً ومنها أيضاً الطائفية والتمذهب والتعصب القومي بل والإقليمي أحياناً وبين أبناء المدينة الواحدة وأطرافها ربما.

هذه المشاكل بمجملها أعاقت مشروع التربية والتعليم الإسلامي الذي كان له أن يبدأ منذ رياض الأطفال حتى الجامعة، ومنعت من تحقيق هذه البرامج العملية العظيمة، ومن هنا ندعو الجميع إلى أن يضع الله نصب عينيه حفاظاً على أجيالنا الصاعدة الذين هم عهدة وأمانة في أعناقنا.

أما بالنسبة للقوانين الغربية فهي تسمح بذلك وتقول أعدّ جيلاً راقياً يمكنه التدريس بشكل جيد دون مخالفة القانون والمجال مفتوح أمامك لا سلطة لأحد عليك أو على أبنائك عقائدياً ولا دخل لي بدينك وحتى في بعض الأحيان يقال لك تعالى واطرح فكرتك على أبنائنا ولا سلطة لنا عليهم يعني إذا اقتنع ابني بفكرتك ويريد سماعك فلا دخل لي به، فماذا أكثر من ذلك؟ وعليه ندعو مراجع التقليد ومراكز العلم هنا في البلاد الإسلامية إلى أن نهتم أكثر بهذا الوضع ونبادر لإنشاء مدارس ومعاهد وكليات إسلامية في شتى بلاد الدنيا لتعزز مكانة الإسلام والمسلمين وتدعم أعمال التبليغ والدعوة إلى الله وتحافظ على الأجيال المسلمة وتأمن عليهم من الانزلاق في مهاوي الضلال.

●  شيخنا ما هي النظرة السائدة بين أفراد وجماعات الجالية الإسلامية للشعائر الحسينية التي يمارسها المسلمون الشيعة في دول الغرب؟

بشكل عام المثقف يعرف أن الحسين (عليه السلام) ليس حسين الشيعة فقط بل هو حسين الإنسانية فيعتقد بأن البرامج الدينية يعني على سبيل المثال نحن في مدينة أودنسا لدينا حسينية مؤجرة من أحد الأخوان الفلسطينيين السنة والرجل جزاه الله خيراً يشارك حتى مادياً أحياناً في دعم الحسينية ويحضر المجالس في كثير من الأوقات وطالما جلست معه ودار النقاش بمسائل اعتقادية عديدة في جو من الأخوة والاحترام المتبادل وهو يقول دائماً الحسين هو الذي علمنا روح الشهادة بل روح الإسلام بمعنى الكلمة وهذا شيء طبيعي، أما غير المثقف فالأمر يختلف تماماً فهو لا يعرف الحسين (عليه السلام) أصلاً فلا يمكنه أن يفهم الشعائر الحسينية.

●  هناك بعض الدعاوى من داخل الوسط الشيعي تطالب بترك شعائر الحسين (عليه السلام) أو تحديدها؟

هذه ظاهرة مريضة كانت منذ ثلاثين سنة تقريباً وليست جديدة وإن ما نسمعه اليوم من دعاوى هو امتداد لتلك، أنا أعتقد بأن ترك الشعائر الحسينية لا يساعد هؤلاء على إيصال فكر الإسلام للغرب بالعكس فإن الشعائر هي مدعاة للسؤال من الآخر لماذا لأي سبب ما المناسبة؟ مسيرة حسينية تنطلق في كثير من شوارع العواصم الأوروبية ما الذي حدث ما الذي جرى؟ ماذا عندكم؟ إذا لم يكن لك هكذا إثارة فيصبح مثلك مثل ذلك الشخص الجالس في بيته مغلقاً الباب على نفسه ولا يريد أن يطرح فكره للآخرين.

●  إذن فالشعيرة الحسينية هي بمثابة أداة إعلامية ودعاية حركية فاعلة أو هي العامل الأساس في قضية التبليغ والدعوة..

في كتاب (خواطري) للشهيد السيد حسن الشيرازي عنوان (التبليغ عبر المفرقعات) ويذكر على سبيل المثال كيف إبراهيم (عليه السلام) كسر الأصنام ووضع الفأس على رقبة كبيرهم، وبهذا شد الانتباه وأثار التساؤل والشعائر الحسينية من هذا النوع فإذا ما سألك السائل توصل إليه بإجابتك الحسين (عليه السلام) وإذا ما أوصلت له الحسين أوصلت له الإسلام بكل أبعاده. فهي إذن أروع وسيلة إعلامية لإيصال فكر الإسلام برمته.

●  في أوروبا حيث تسود النزعة البراغماتية النفعية.. كيف يمكن للمنبر أن يخاطب العقول وعلى أي مستوى يتمكن من بلوغ أهدافه؟

بالفعل اليوم الشاب في الغرب يتوق لسماع حديث جديد يواكب الزمن.. أن تقرأ عليه موضوعاً كلاسيكياً قديماً قد يصيبه شيء من الملل لأنه يعيش حقاً المادية المطلقة، وهنا فإن دور الخطيب سيكون خطيراً جداً، كيف له أن يجذب المستمع المادي ويغير فكرته المادية إلى روحانية بكل معنى الكلمة كيف يدخل إلى قلبه ليحدثه عن الماورائيات وهنا تقع المسؤولية على عاتق رجال الدين بثقل كبير.

●  كانت الكنيسة قبل الثورة الصناعية تغالي اهتماما بالجانب الروحي للمرء مما دعا المجتمع إلى إحداث الثورة ضد هذا الاتجاه الكنسي وبالتالي حدوث النهضة الصناعية لتصوغ علاقات تقوم على أساس المادة وتمجيد هذه المادة.. حركة الخطيب الإسلامي بهذا الاتجاه أليست هي محاولة لرد العقل الغربي إلى الروحانية التي سبق أن ثار عليها؟

هذا أمر واضح في الغرب.. انظر الإسلام جداً رائع بحيث لو تمكن الخطيب من طرح الإسلام إلى الغربيين بصورته الواقعية عبر الحركة والقول أي أن يترجم الدين الإسلامي ويجسده للغربيين فباعتقادي أنهم سيدركون الفرق بينها وبين الفكر الكنسي إذ أن الإسلام دين حضاري لا يقوم على الجانب الروحي فقط وإنما هو يوفق بين الجانبين ويهتم بكليهما على حد سواء متخذاً في ذلك شعار (لا رهبانية في الإسلام) وهو بهذا يبين للإنسان الغربي أنه مع الإسلام لا يترك حياته المادية ولا يتغير منه شيء سوى أنه سيخضع لنظام رائع يحدد علاقاته المادية وغير المادية ويخلق الموازنة بين طرفي المعادلة وهذا خلاف ما تطرحه الكنيسة تماماً.

والنصوص الإسلامية كثيرة في هذا الباب (ولا تنس نصيبك من الحياة الدنيا) و(اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً).

وقد ذكرت هذا الحديث ذات مرة على أحد الأوربيين فدهش وتعجب وقال أنا أول مرة أسمع بمثل هذا الطرح العظيم والواقعي أيوجد هذا في الإسلام؟!.

●  تعرض المنبر في الآونة الأخيرة لكثير من النقد وهناك من يزعم انتهاء دوره كأداة تثقيفية توعوية وتبليغية.. ما قولكم في ذلك؟

حقيقة أنا استغرب لمن يقول بهذا وكأنه لا يقرأ الساحة بشكل جيد، المنبر كوسيلة إعلامية وتثقيفية دوره واضح وملموس ولا يحتاج إلى برهنة والكثير من الناس رغم ما نجده في الانترنيت ووسائل اتصال حديثة مازالوا يتهافتون على سماع المحاضرة الدينية من على المنبر إذ أنت تسمع نشرة الأخبار وتدخل إلى مواقع الانترنيت وتقرأ الجريدة ولكن في كل ذلك لم تسمع عن أهل البيت (عليهم السلام) أو مبادئ الإسلام شيئاً يذكر فمن أين لك بذلك إن لم يكن من المنبر الحسيني؟! ثم ليس كل الناس يجلس خلف شاشة التلفاز أو يسمع الراديو أو يقرأ الكتاب أو المجلة أو يتصفح المواقع.

●  وليس كل الناس يحضرون المجالس الحسينية؟

أحسنت الآن أقول لك.. لو ننظر نسبة الذين يحضرون المجالس إلى غيرهم لعرفنا كيف أن المنبر ما يزال حياً ومؤثراً بالضرورة، ولو فكرنا ما أروع ما جاء به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)؟ ما جاء به (صلى الله عليه وآله) هو الكلمة.. الكلمة لها دورها الفعال في المجتمع يعني واقعاً معجزة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) مقابل معجزة بقية الأنبياء هي الكلمة، رسول الله دخل إلى الناس من خلال أقواله وأفعاله يعني يا أيها الناس قولوا لا إله الله تفلحوا كيف؟ صار يبين لهم معنى لا إله إلا الله لو كان الرسول يأتي ويعطيهم القرآن بما هو قرآن هكذا ككتاب من دون أن يقرأه بصوته الرائع ما كانت الناس تتوجه إلى القرآن الكريم.

من هنا أقول نسبة الذين يستمعون إلى المنبر أكثر بكثير من الذين لا يستمعون إليه. فالمنبر برأيي هو وسيلة إعلامية راقية تستطيع من خلالها التعرف على كل ما يهمك.

●  ألا تحتاج هذه الوسيلة إلى عصرنة؟

في الجانب التثقيفي للقضية نتحدث عن العصرنة فالمنبر يتفاوت حسب المكان والزمان فما يطرح في مجتمع متعلم غير ما يطرح في مجتمع أمي أو جاهل إذن فعليك أن تخاطب كل مجتمع بمستواه فالمنبر تتفاوت رسالته حسب الأفراد والمجتمعات والزمان والمكان.. الخ.

هذا ما يجري في بلداننا الشرقية، أما بالنسبة للغرب نعم القضية بحاجة إلى عصرنة في الخطاب والآلية. وعلى سبيل المثال أنا كنت أقرأ في لبنان ويحضر المجلس أصناف مختلفة من سنة وشيعة ومسيحيين وشيوعيين.. الخ، والسؤال كيف تتحدث بلغة الكل لكي يستفيد منك كل السامعين، المنبر يتوفر على هذه الإمكانية متى أراد الخطيب ذلك.

مضافاً إلى ذلك أن أسلوب المشافهة والاتصال الشخصي الجماهيري الذي يتميز به المنبر على سائر الوسائل الإعلامية يعزز مكانته كوسيلة من أرقى وسائل الاتصال بالجماهير إذ لا يتوفر هذا الأسلوب المؤثر في الوسائل الأخرى كالتلفاز أو الراديو أو غيرها..

●  يتهم الخطيب بتهويل الأحداث وتحشيد النصوص صحيحها وسقيمها دون تمعن مما يبعد الخطابة عن الواقعية كيف تدفعون هذه التهمة؟

الخطيب دوره واضح أما أنه يأتي ويهول الأحداث ويحشد النصوص بلا روية كما ذكرتم.. أنا لا أنفي أن هناك من يقوم بمثل هذا العمل لكن ما زال الأمر لا يضر.. يعني أنت تطرح مسألة شرعية وتهولها وتكبرها وتجعل الناس يتيهون عنها ويعيشون في ضياع فأنت بذلك خاطئ وليس صحيحاً منك أن تصنع بالناس هذا. لكن تارة أخرى تأتي مثلاً لتظهر مظلومية الحسين (عليه السلام) بلسان حال يعني الآن لو كان الحسين حاضراً ماذا كان يحدث.. مثلاً لو سقط لي ابن فماذا أفعل أنا كأب في مثل هذا الموقف إذن أنت تبين هذه القضية للناس مع بعض المبالغة والمضاعفة للأمور تسليطا للضوء على حقيقة شعور الوالد وهو لا يوجد في الروايات، فأنت لا تقول حدث للحسين (عليه السلام) مثلاً هكذا ولكن تورد تشبيهاً لحال الحسين (عليه السلام) ومشاعر الحسين لحظة سقط ولده الأكبر في المصرع والغرض من ذلك توصيل الفكرة بصورة مبسطة يتفاعل معها الناس ويفهمون مغزاها.. فالمنبر لا يهوّل كما يتهم والخطيب اليوم صار يتقيد بنصوص معتبرة موثقة ولا يأخذ من أي كان بل يتثبت.

وألفت الانتباه إلى أن التهويل موجود في الإعلام وقلنا إن المنبر وسيلة من وسائل الإعلام فالإعلامي اليوم يأتي وينقل لك الكثير من الأمور يعني الصحفي عندما يريد نقل فكرته إلى الناس يحاول أن يبرزها ببروز هائل وكبير ويقدمها برونق جميل ورائع ليضمن أن تؤثر في الناس وهذا خلاف الإعلام الإسلامي والمنبر كواحد من وسائله إذ يتميز هذا الإعلام بالصدق والموضوعية فالخطيب رجل إعلام صادق فلماذا يتهم وينتقد بينما يترك الصحفي الذي يعمل بمجال الإعلام غير الإسلامي وهو غير صادق في أغلب الأحوال؟!

●  أحد الخطباء أورد رواية لم ترق للحاضرين ولما نزل من المنبر أشكلوا عليه واتهموه بالكذب فاعتذر أنه لم يكذب على المعصوم بل كذب للمعصوم والفرق بينهما واضح. ما تعليقكم على هذه الحادثة؟

أن يذكر الخطيب شيئاً غير موجود أنا لا أوافقه الرأي وأن يكذب فتلك مشكلة مهما كانت الأعذار أنا أدعو إلى أن يتأكد الخطيب من رواياته ومنقولاته ليحرز صدقها ودقتها إلى أبعد نقطة. وليضع الخطيب في حسبانه أنه معرض للسؤال عن كل ما نطق به على المنبر ولا ينسى نفسه ويظن أن الجماهير هدف مفتوح يلقي فيه ما يشاء فضلاً عن المسؤولية الشرعية المترتبة على الكذب أو التزوير. فلا ينبغي أن يكذب الخطيب لا على المعصوم ولا للمعصوم فالمعصوم ليس بحاجة إلى أن تكذب له.

●  دأب بعض الخطباء على سرد القصص ورواية الحوادث والأحلام التي شاهدها أو سمعها من غيره تدعيماً لرأي أو قضية ما، برأيكم هل هذا الأسلوب ناجح في الخطابة أم أن لكم بعض المؤاخذات عليه؟

المنبر كما قلنا يختلف زماناً ومكاناً، ففي بعض الأماكن يروي الخطيب لحضوره مناماً شاهده مثلاً ومن دون أي تعقيب أو تمعن أو تحليل نرى الناس يصلون على محمد وآل محمد ويتفاعلون معه في أماكن أخرى لا يقبلون من الخطيب ذلك بل يطلبون منه التوضيح فعلى الخطيب أن يقرأ الجمهور قبل أن يرتقي المنبر يقرأ الحضور بشكل جيد أنا أحادث من؟ ماذا أقول؟ رسالتي لمن؟

إذا أراد ذكر حلم مثلاً يجب أن يدعمه برواية.. بقول معصوم.. يؤكد أن الحلم قد يكون صادقاً المهم أن لا يترك الأمر بلا تحليل في كل مكان يجب أن يتبع أسلوب التحليل مع العلم إني لست من دعاة رواية الأحلام على المنبر رغم أن الأحلام شيء واقعي وقد ذكرها القرآن الكريم في مواضع عديدة كما في سورة يوسف، لكن الأحلام لا تفيد علماً وحجتها على الحالم نفسه لا على الآخرين لذلك فإني أتحاشى أن أنقل حلماً على المنبر إلا في حالات ضيقة خاصة ولا يثير الحل حساسية في موضوع ما أو لا يثير التساؤل.

●  أحياناً قد ينظر إليه الحاضرون وكأنه يستخدم الحلم كماركة تجارية وعلامة ترويجية لتسويق بضاعته ليس إلا؟

هذا صحيح يعني أنا مرة من المرات كنت أبحث عن قصة تناسب موضوعاً عزمت على طرحه فأخذت كتاباً يحتوي على مجموعة من القصص وكانت بالحقيقة كلها أحلاماً لا مصدر لها ولا يمكن الوثوق بمحتواها.. أنا شخصياً لم أقبلها مع روعتها فكيف أنقلها إلى غيري. فلست مع الذين ينقلون الأحلام والقصص على المنبر إلا في حالة الضرورة القصوى.

●  هذا يدعونا للسؤال عن شروط الخطيب الناجح ما هي بنظركم؟

حقيقة هذا سؤال جداً كبير.. وألخص الجواب بـ: أولاً: سر نجاح الخطيب الارتباط بالله ومعنى ذلك أنه لا يرتبك بمادة أو جاه أو منصب أن يعيش عبادة الله المطلقة أن يرتبط الله وينذر نفسه لله حقيقة لا كلاماً وارتباطه بالله في أقرب المعاني هو أن يجعل له خط رجعة مع الله.. يجب أن يشعر بالمسؤولية وهي أنني الآن أمام الباري عز وجل قبل أن أكون أمام الناس. فكيف لي أن أملأ صحيفتي بكلام صادق يرضاه الله عز وجل، والمهم الارتباط بالله بمعنى الكلمة أي إلى الله ومع الله في كل لحظة لكي يصبح خطيباً ناجحاً.

وثانيا: يجب أن يلتفت الخطيب مسألة مهمة وهي أن يشعر بأنه قطرة في بحر فمتى شعر أنه أصبح كرّا فسوف يشكل ذلك الشعور خطراً على نجاحه بمعنى أنه سوف يتوقف عن العطاء، وإنما عليه أن يشعر بنقصه مهما توفر على معلومات ومهما أصبح له من جمهور ضخم وعليه أن يكون جديداً متطوراً حديثاً بحداثة القرآن الكريم وروايات المعصومين التي كلما أعدت قراءتها اكتشفت فيها الجديد الذي لم سبق لك التوصل إليه في قراءاتك السابقة مهما تعددت.فعلى الخطيب إذن المتابعة والدرس والقراءة بكثافة وبلا حدود وفي كل شيء.

●  يتحدث البعض عن أزمة الخطابة الحسينية رغم وجود قامات شامخة في هذا الميدان.. ما حقيقة هذه الأزمة إن وجدت وما أسبابها وما السبيل لعلاجها؟

أدعو الإعلاميين بالدرجة الأولى إلى متابعة هذا الموضوع لأن عبارة (قامات شامخة) هي واقعية لكن الكثير من هذه القامات الشامخة لم تظهر إلى الساحة بعد.. أنا أعرف كثيرين من الخطباء الناجحين، الإعلام مقصر تجاههم ولي هنا إشكال على موقع المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) بالذات ففي كثير من الأحيان أدخل على ملف المجالس الحسينية فلا أرى فيه إلا لخطيب أو خطيبين... كلهم أصدقاؤنا وكلهم من حملة فكر أهل البيت (عليهم السلام) لكنا بحاجة إلى أكثر منهم.. أنا لا أذكر أسماء وإن كان من المفترض أن نذكر أسماء ولكن أترك الأمر لكم آملاً أن تأخذوا بملاحظتي هذه وتفسحوا المجال أمام الجميع وهذا هو دوركم كإعلاميين شكر الله لكم سعيكم على أية حال.

لنعد الآن للإجابة على السؤال فأقول لا توجد بحمد الله أزمة خطابية بهذا المعنى ولكن الأزمة في أن لا نطرح شيئاً واحداً، في أن نحجم إعلامنا مجلاتنا صحفنا مواقعنا للبعض دون الآخر، أو أن نبخس الناس أشياءهم، هذه هي الأزمة الحقيقة التي يجب الاهتمام بمعالجتها.

●  هل لموقع المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) صدى يذكر في الدانمارك؟

أنا لا أريد أن أكون ممن يطنب اعتباطاً في الحقيقة أنا من الناس مثلاً أول ما أجلس على الجهاز أبدأ بتصفح موقع المعصومين وأقرأ ما فيه من أخبار ومتابعات جديدة وإصدارات حديثة ومقالات ولقاءات، أعرف الكثيرين من أصدقائنا مواظبون بشكل يومي على تصفح الموقع لما فيه من جديد ورائع في الحقيقة.

●  باب (لقاء الشهر) الذي ستطلون منه في هذا اللقاء (إن شاء الله تعالى) ما رأيكم به؟

هو باب رائع وأنا من المتابعين له ولا أفرق بينه وبين كثير من المحطات الفضائية الناجحة التي تجري مثل هكذا لقاءات لتعرف الشخصيات وتقدمها إلى الناس وتسلط الضوء على آرائها وتدخل زوايا لم يستطع أي أحد دخولها من قبل وهكذا أرى موقع المعصومين وأطمح له بالمزيد من النجاح والتوفيق.