الفهرس

 

 

 

 

لقاء الشهر

 

 

لقاء مع سماحة العلامة آية الله السيد فاضل الميلاني

أجراه: حيدر السلامي

عدسة: محمد رزاقي

في عالم يعج بالأحداث المتلاحقة والأخبار المتضاربة والأعلام المتحاربة وألوان من الأفكار المتطرفة، لا يجد المرء من يسمع صوته ويجيب نداءه أو يرد جوابه، ولن يسمع للحوار المزمع بين الحضارات والأديان غير صليل البيض وفحيح السهام باشتهاء لنهش الآخر وكسب الجولة بامتياز.

في هكذا عالم تصبح للكلمة الصادقة المخلصة قيمتها التي تستمدها من الندرة إن لم نقل الانعدام.. وهذا هو واقع العالم الراهن، الذي ما انفك يموج بالاضطرابات السياسية والفتن الدنيوية والصراعات الفكرية وما من نهاية تبرق شارتها بالأفق القريب.

من هنا كان الإصغاء للكلمة الحرة التي اعتدنا سماعها أوقات الشدائد والمحن من أفواه الرجال الخيرين والعلماء الواعين والعاملين الدائبين بإخلاص لإسلامهم الذي عاد كما بدأ غريبا وهم غرباء وطوبى لهم، كل الحب والكرامة أيضا.

إذن فإلى حرية الكلمة وكرامة الإصغاء عبر حوارنا الهادف التالي مع داعية مذهب آل محمد(صلوات الله عليهم أجمعين)، رئيس جامعة أهل البيت العالمية، سماحة آية الله السيد الدكتور فاضل الميلاني:

●  سماحة العلامة آية الله السيد فاضل الميلاني (دام عزكم) يسعدنا ويشرفنا أن نلتقيكم اليوم على صفحات موقعنا موقع المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام) فأهلا وسهلا بسماحتكم ولتكن بداية حديثنا من الملامح الأولية التي ساهمت في تشكيل الشخصية اللامعة للسيد الميلاني الإنسان والعالم والمؤلف والخطيب البارع..

أهلا ومرحبا بكم.. حقيقة أهم شيء ألتزم به في حياتي هو أن يكون نشاط الإنسان يصب في قناة مرضاة الله تبارك وتعالى فالتوفيق الحقيقي أو الإيمان الحقيقي هو الذي يبحر بشكل واضح في تقرب الإنسان إلى الله. حينما يحس حضور الله تبارك وتعالى في كل حركة و سكون منه.. الذكر والذكر.. يعني أن يذكر الله تبارك وتعالى ويسبحه ويهلله، هذا شيء ولكن أن يكون دائم الذكر يعني أن يكون قلبه متوجها إلى الله تبارك وتعالى شيء آخر، هذا ما تعلمناه من إمامنا أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) بحيث يقول ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله ومعه وبعده.. إذا الإنسان راقب الله تبارك وتعالى وأحس بحضوره الدائم في كل حركاته وسكناته وتصرفاته يتغير الوضع عنده تماما عما إذا كان لا يذكره ولا يتوجه قلبه إليه، إلا مثلا في السبع عشرة ركعة لصلاة الفرائض اليومية أو يضيف إليها النوافل.

الشيء الذي تعلمته من مدرسة أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وحاولت جهدي على أن أربي نفسي عليه وألتزم به في حياتي هو أن أكون دائما عبدا مطيعا لربي وأعمل ما بوسعي في سبيل أن يكون هذا المعنى الذي نسميه قربة إلى الله تعالى متجسدا بشكل واضح. مرة كنت أتحدث عن النية في العبادات باعتبار أن نية القربة هي أساس العبادات بحيث من دونها يكون العمل باطلا، انتبهت إلى أن قصد القربة ونية القربة في العبادات هو جواب عن سؤالين لكل إنسان يقوم بعمل عبادي حينما يقصد التقرب لله تبارك وتعالى هو كأنه يجيب عن سؤالين السؤال الأول: ماذا تفعل؟ والسؤال الثاني: لماذا؟ يعني حينما يقول الشخص من باب المثال أصلي ركعتين صلاة الفجر قربة إلى الله تعالى هذا في الحقيقة يجيب على سؤالين: الأول ماذا تفعل؟ اصلي ركعتين. الثاني لماذا؟ قربة إلى الله تعالى. إذن هذا التقرب إلى الله تبارك وتعالى يحيا ويتفاعل ويقوى ويتحكم في كل تصرف عبادي وفي كل حالات وحركات الإنسان.. أتصور أن التزامنا جميعا بهذا المعنى هو من أساسيات التربية الإسلامية.

●  تجلت هذه المعاني واضحة في السيرة الذاتية لسماحتكم، فمن أين تبتدئ وأي المحطات أجدر بالوقوف عندها؟!

نعم إذا أردت أن ألخص ذلك فأنا من مواليد كربلاء المقدسة وتربيت وشربت وتغذيت بماء الولاء للإمام الحسين( صلوات الله وسلامه عليه) في بيت من بيوت المرجعية أعني بيت المرحوم جدنا آية الله العظمى السيد محمد هادي الميلاني الذي كان من فحول العلماء، وأتذكر أن سماحة الإمام الشيرازي وأخاه الشهيد السيد حسن الشيرازي وحتى لفترة سماحة السيد صادق الشيرازي (حفظه الله) كل منهم تلمذوا على يد المرحوم جدنا (رضوان الله تعالى عليه) في كربلاء، حقيقة حتى لما هاجر والدي ووالدتي من كربلاء إلى النجف تركاني عند جدي السيد الميلاني لفترة طويلة وأنا أعتبرها مرحلة مهمة جدا حيث كنت في اتصال مباشر مع شخص وعى الإسلام وعى المسيرة الإسلامية. وأما جدي لأمي فهو سماحة آية الله السيد محمد الصادق القزويني الذي اعتقلته السلطات العراقية سنة 1980م ولم يعد له أثر إلى الآن وهو كما كنت أعبر عنه دائما أكبر سجين سياسي في العالم وأعني من حيث السن، وقد ربى أولادا عظاما أصبحوا مصادر خير وعرفوا بإشاعة الفكر وبث الوعي الإسلامي في كل مكان، مثل خالنا سماحة آية الله السيد مرتضى القزويني الذي يقيم في لوس أنجلوس وبقية الأخوال الكرام.. أتصور بأني مدين جدا لهذين المنبعين الفياضين من ناحية جدي لأبي ومن ناحية جدي لأمي.

●  في أية سنة وقعت ولادتكم المباركة؟

أنا بحسب التاريخ الهجري من مواليد جمادى الثانية 1363 وبحسب التاريخ الميلادي كما يعبر 30\5\1944 وعندما انتقلت إلى النجف الأشرف أخذت أتلقى الدروس الحوزوية إلى جانب دراستي الأكاديمية بتشجيع من والدي ولم يكن عمري وقتها يتجاوز عشر سنوات واستمررت بالجمع بين الدراستين حتى وفقت بفضل الله تعالى لنيل البكالوريوس في العلوم الإسلامية واللغة العربية من كلية الفقه والبكالوريوس في الحقوق من كلية العلوم والسياسة في جامعة المستنصرية والماجستير في الأدب العربي من جامعة بغداد ثم الدكتوراه في الفلسفة من جامعة أوكسفورد البريطانية.

هذا بالنسبة للجانب الأكاديمي أما الجانب الحوزوي فقد وفقني الله لأن أحضر بحث الخارج لسماحة آية الله العظمى السيد الخوئي (قدس سره) من سنة 1962م إلى سنة 1969م فقها وأصولا، ووفقت لكتابة هذه الأبحاث، وفترة وجيزة عند آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (رضوان الله عليه) وفي نفس الوقت كنت أدرس وأدرس في مدرسة منتدى النشر وذلك سنة 1963م و 1964م ثم ثانوية منتدى النشر سنة 1965م و 1966م وفي كلية الفقه سنة 1968م و 1969م بعد نجاحي بدرجة امتياز، وذلك لغرض تسديد الأقساط الشهرية الجامعية إذ كنت وقتها أواصل الدراسة في الجامعة أيضا، بعد ذلك هاجرت إلى إيران سنة 1971 ولم تكن هجرة في البداية وإنما ذهبت لزيارة مرقد مولانا الإمام الرضا(عليه السلام) خلال العطلة الصيفية لكن المرحوم جدنا السيد الميلاني وكان قد هاجر إلى مشهد آنذاك أمرني أن أبقى هناك وأنظم الحوزة فامتثلت أمره وبقيت أدرس عند السيد الجد خمس سنوات وأدرس أيضاً في الحوزة العلمية بمدينة مشهد.

●  وكم لبثتم في إيران أو مشهد تحديدا؟

في مشهد تحديدا ثلاثة عشر عاما بعدها شددت الرحال إلى منطقة السيدة زينب(عليها السلام) في دمشق وبقيت لثلاث سنوات ونصف أدرس في الحوزة العلمية الزينبية إذ وفقني الله لأن أكون أول من يدرس البحث الخارج في سورية ففي حدود تتبعي لم يسبقني أحد إلى ذلك ومنها غادرت إلى بريطانيا.

●  نعلم أن لكم مؤلفات عدة في موضوعات إسلامية كثيرة.. حبذا لو استعرضتم لنا بعضا من عناوينها؟

أول كتاب صدر لي وأنا في الثامنة عشرة من العمر وكان بعنوان (دفاع عن العقيدة) ثم كتبت (سعيا وراء السعادة) وكتاب(فاطمة الزهراء أم أبيها) الذي فاز في المباراة الكتابية التي أقيمت في النجف الأشرف ونلت الجائزة المعنوية الأولى بينما حاز الأستاذ سليمان كتاني عن كتابه الموسوم (فاطمة وتر في غمد) الجائزة المادية. وترجمت كتاب (الطفل بين الوراثة والتربية) للشيخ محمد تقي فلسفي وقد طبع الكتابان الأخيران لأكثر من ثمان مرات. وكتبت شرحا لمنظومة السبزواري وكتاب (على ضفاف الغدير) وهو فهرست موضوعي لغدير العلامة الأميني وكتبت في خمس مجلدات (محاضرات في فقه الإمامية) وهي تقرير أبحاث المرحوم جدنا في بعض الأبواب الفقهية وليس كلها إذ الباقي لم يزل مخطوطا ووضعت كتابين باللغة الإنجليزية طبعا السنة الماضية في لندن أحدهما يتعلق بالأسئلة الدينية الاعتقادية والفقهية والآخر يتعلق بالفلسفة الإسلامية وهو متن دراسي في الجامعات البريطانية.

●  وما أحب مؤلفاتك إلى نفسك؟

اقطع جازما بأن كتاب (فاطمة الزهراء أم أبيها) هو المفضل عندي لأنه كما عبرت في مقدمته بطاقة ولاء أقدمه بين يدي الصديقة الطاهرة (سلام الله عليها) ورغم أني تفرغت لهذا الكتاب مدة عشرين يوما فقط مع زحمة الأشغال الأخرى وكنت يومها في الكلية ولم أتوسع في فصوله كثيرا لكنني اعتبره أحب كتاب إلى نفسي.

●  سيدنا لندخل الآن إلى عالم لا يبتعد كثيرا عن الدين بوصفه نظام الحياة الشامل، ذلك هو عالم السياسة وسؤالنا: ما الواجب الشرعي المتعين على الفرد المسلم إزاء ما يجري الآن من أوضاع في أمتنا الإسلامية التي باتت رياح الفتن تعصف بها من كل حدب وصوب؟

كما تفضلتم الفتن تهجم من كل جانب وما يعبر عنه بالعولمة ظهر في البداية بلبوس جميل في الظاهر ولكني أستطيع أن أقول بكل جرأة إنه مثل الغلاف الذي تغلف به بعض الأدوية أو كالكبسولات التي تحوي بداخلها مادة مرة لا تطاق مطلقا. العولمة في البداية أظهروها بأنها تقرب المسافات تجعل العالم قرية واحدة، لكن منذ اللحظة الأولى ومن دون أن أكون متشائما كنت أحس ككل الغيارى أن المسالة ليست بهذه السطحية وإلا فنحن الإمامية نعتز ونفتخر بأننا ندعو إلى الحكومة العالمية الواحدة بقيادة الإمام المنتظر المهدي(أرواحنا فداه) حيث من يكون في المغرب يراه من في المشرق وتزول الموانع والعقبات فلا حدود جمركية ولا جواز سفر ولا فيزا.. حسنا هذه هي في الحقيقة من المحسنات التي نعرفها عن حكومة المهدي(عج) فلو كان هناك تقديم وتمهيد لهذا المعنى فهو تقريبا منسجم مع ما نصبو إليه ولكن للأسف كانت القصة غير ذلك وهي تتلخص في أنهم اقتصاديا وعسكريا وسياسيا يخططون لشيء يحطم كياننا بل كل وجودنا.. أما سياسيا فهم يطمحون من وراء العولمة إلى أن يكون العالم كله مستعمرا استعمارا جديدا لقوة عظمى واحدة.. قبل انهدام جدار برلين وقبل تفكك الاتحاد السوفيتي، كان هناك دائما قطبان وقلت في محاضرة ألقيتها قبل عشر سنوات تقريبا في لندن قلت بأنه حتى هذه اللحظة كان هناك قطبان فإذا كان الإنسان يضجر أو يبرم واقصد بالإنسان التكتلات السياسية فإذا كان القادة السياسيون يضيقون أو يبرمون بقطب واحد كان من السهل عليهم أن يتجهوا إلى القطب الآخر وإذا كان أحد القطبين يهدد الإنسان بشيء فقد كان أقل ما يكون لدى السياسيين أن يذهبوا أو يهددوا بأن سنذهب إلى القطب الآخر إذا أنت لم تؤيدنا إذا لم تفتح لنا الأجواء.. وهكذا كنت تجد عند أبسط قضية أن قائدا من قادة بلادنا يطير إلى موسكو ويرجع ويجيء آخر.. وهكذا إذن لم يكن الموضوع منحصرا في قطب واحد. لكن انهيار الاتحاد السوفيتي وانهدام جدار برلين وتفكك هذه المجموعة كلها ووجود معسكر واحد هو الذي أوجد هذا الوضع. العولمة السياسية تريد أن تجعل العالم كله يدور في قطب واحد هو قطب المعسكر الغربي وليس هناك غيره وقد نجحوا في ذلك، حتى الروس أنفسهم الآن ليس في مقدورهم أن يجتذبوا أقرب الناس إليهم فكيف بالذين كانوا أبعد الناس عنهم؟! الخطورة تنحصر في أن طرفا واحدا يكون الفعال لما يشاء يطغى عنده هذا المعنى الذي هو يبدأ بمفردة بسيطة (بسم الله الرحمن الرحيم كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) وشيئا فشيئا الطغيان يزداد ويزداد حتى يتبدل إلى طاغوت. والطغيان ينمو ويشتد لدرجة أن يقول أنا ربكم الأعلى إذن فهذا الطغيان وهذا التفاعل الذي يصل إلى درجة بحيث يستطيع الشخص أن يستنتج بكل سهولة أن هؤلاء يقولون ما قاله فرعون أنا ربكم الأعلى وبعض قادة المنطقة أيضا نجحوا بنفس الأسلوب (استخف قومه وأطاعوه) فوصل إلى هذه المرحلة. والعولمة السياسية خلاصتها أن نصل إلى قطب سياسي واحد هو يتفرد بالكلمة لا غيره. ومن الناحية الاقتصادية فعندنا إحصائيات ومطالعات وأرقام دقيقة بان العولمة جعلت وستجعل وتستمر في جعل الدول الفقيرة أفقر والدول الغنية أغنى. هي ظهرت بداية بأنها تعفي الدول الفقيرة من الديون وتسهل لهم الاقتراض من البنك الدولي وما إلى ذلك لكن للأسف الخطة الأساسية لم تكن كذلك وإنما هي أن تزيد من فقر الدول الفقيرة ومن غنى الدول الغنية وهذا هو الجشع. هناك كان الاستكبار والطغيان وهنا الجشع الشديد الذي نقرأ عنه في قصة تاجر البندقية لشكسبير مثلا أن المرابي اليهودي شايلوك عندما أقرض بسانيو التاجر مالا على أن يقتطع قطعة من لحمه، يعني المرابي الذي يركز كل فكره على المال فقط ويعبد المال فلا مانع لديه في أن يقتل المئات والألوف من الناس في سبيل المادة وهكذا هي العولمة الاقتصادية. أما العولمة الفكرية بمعنى ثقافة الانترنيت والانفتاح على العالم وأن نطلع على ما يوجد لدى الآخرين. والقضية بكل بساطة هي أن يقضي الشاب والشابة ساعات طويلة من وقتهم الثمين البناء في الكلام الفارغ فإذا كان لقاء الذكر مع الأنثى في جو نزيه موضع كلام ويطرح في مسألة الخلوة بالأجنبية هنا يصبح لكل منهما أن يتحدث عما يشاء كما يريد بفضل(كما يعبرون) الانترنيت الذي أصبح وسيلة للإفساد والانحراف والغزو الفكري والإباحية والانحلال والميوعة.. قد يقولون بأننا نعطي الأداة ولسنا مسؤولين عمن يسيء استخدامها وهذا ممكن لكن نحن نبحث حتى عن التخطيط.. والغريب في الأمر أنك لما تقرأ في بروتوكولات حكماء بني صهيون سنة 1897 يعني قبل 105 سنوات تجد أن جماعة خططوا لهذا في مدينة بازل أو بال في سويسرا والآن تجد كتابا معاصرين يسيرون على ذلك المخطط وقد تتملكك الدهشة.. إذن أجمع حديثي لألخصه في كلمة واحدة فأقول نحن في محنة في خطر جدي وهذا الخطر ظهر بشكل فتح الآفاق وجعل العالم قرية واحدة وللأسف هذا كله يحمل معه خطرا جديا يجتث أسسنا وإذا كان هذا المعنى هم ماشون به وفق تخطيط ونحن غافلون تستطيع أن تعرف النتيجة سلفا أمتنا غافلة لا تعرف ماذا يفعل بها وما يخطط لها أولئك يعرفون ما يفعلون فالنتيجة واضحة.

●  إذن كيف لنا- كمسلمين- أن نتعاطى مع العولمة في كل وجوهها؟

نحن كمسلمين نحتاج قبل كل شيء إلى تثقيف جماهيرنا فمع الأسف المبلغون وأولو القلم والفكر والعلماء قصروا في تثقيف الجماهير عن المستوى المطلوب لا أقول أنهم لم يعملوا لا فهناك الحسينيات.. المجالس.. المساجد..المجلات.. الكتب.. الدوريات .. الصحف.. الدورات التثقيفية.. الحوزات.. لكن التقصير في تطوير وسائل الإعلام والاستفادة منها بالأسلوب الصحيح حتى نصل إلى المستوى المطلوب هذا من جهة ومن جهة أخرى التجار وأصحاب رؤوس الأموال المسلمون من صدقت نيته وحسن ظنه حاول أن يوظف قسما من أمواله في مشاريع قد تكون لصالح الأمة الإسلامية لكن نكسات حصلت بالنسبة لهم وأضرب مثالا بسيطا يعني إذا كان تاجر من كبار التجار أصيب بنكسة في قصة بنك الاعتماد الدولي وذهبت أمواله فعندما تطرح عليه أي مشروع اقتصادي ماذا يفعل؟ يتخوف. وأضرب لك مثلا آخر في قضية معينة طرحتها على واحد من الأخيار من جماعتنا فيها مساعدة وبنفس الوقت فيها فائدة له قطعا فقال سيدنا أنا أفكر بأن أضع المال في استثمار بالبنك وهو مضمون فلماذا أجازف بقضية غير مضمونة.. هذا لا يمكن أن يحصل عند اليهود مثلا، حتى أولئك الموصوفين بالماسونية فهم يمتلكون تخطيطا منظما لتوظيف رؤوس الأموال وكيفية الاستفادة منها أما رجال أعمالنا والأثرياء فهؤلاء إذا وضعوا ثقتهم في المشاريع الاستثمارية الغربية وعندهم تخوف من مشاريعنا فأنت عندك فشل في الأداة فإذا كان عندك فشل في الثقافة والتثقيف فلا تستغرب. وعلينا من ناحية أخرى أن نتعلم الأساليب والأحابيل الشيطانية التي يعمل عليها الأعداء، كما يقول الشاعر:

عرفت الشــــر لا للشر لكــــن لتـــوقيه*** ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه

إذا لم تكن عندي الإحاطة بالأساليب الشيطانية التي يمارسها الآخرون لا أستطيع أن أكافحها عينا كالمصل الذي أحاول أن أقضي به على الميكروب أو الجرثومة.

●  إذن تعزون فشل الأمة الإسلامية إلى عدم وعيها لدورها وعدم معرفتها بما أسميتموه بالأحابيل التي يمتلكها الأعداء؟

هذا جزء من الوعي.. أي قصرت في مجال التفكير وقصرت في جانب الاستثمار المادي وقصرت في جانب الإدارة وكل ذلك اجتمع نتيجة عدم الوعي فمهمتنا الأساسية هي أن نبث الوعي الصحيح وأن نوقظ الأمة من سباتها وإلا أسألكم بالله ما الفارق الأساسي بين الإنسان المسلم والإنسان الغربي العلماني في تعامله مع الشهادة مع الصحة مع التمويل مع الاستثمار.. التجارة.. ركوب الطائرات.. استخدام الإنترنت؟! هما الاثنان متساويان لكن ينبغي أن يكون ثمة فارق بين هذا وذاك مع شديد الأسف الفارق بسيط جدا يعني حضور المساجد في الصلوات الخمس أو الصيام في شهر رمضان فقط من دون أن يكون لكل هذه الممارسات تأثير في بناء الشخصية الإسلامية.

●  هل العولمة الغربية حتمية وهي قادمة إلينا شئنا أم أبينا؟

دعنا نقول هم يغزوننا بكل أدواتهم وأسلحتهم وأساليبهم ونحن غير متهيئين لهذه المواجهة النتيجة ماذا؟! فهي حتمية بهذا المعنى.. العنصر الغيبي طبعا لا نتحدث عنه ولينصر الله من ينصره لأنه يحتاج إلى أساسيات إلى عطاء وتضحية إلى نكران الذات ويحتاج إلى ضم الجانب المعنوي والروحي بالإعداد له وإلا يستطيع الشخص أن يقول أنا أجلس في بيتي والرزق على الله تبارك وتعالى نعم لا كلام في ذلك. إنما الكلام في أنك أنت يجب أن تتحرك والآية الكريمة صادقة في حقنا(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) طيب إذا الغرب يستعد ويهيئ كل شيء.. كما نقل لي أحد الأخوة وهو يعمل في مجال الكومبيوتر قال: دعيت إلى دائرة معينة في بلاد الغرب لكي أنصب لهم أجهزة حاسبات مزودة بطابعات ذات أحرف عربية يقول تعجبت حين ذهابي أني وجدت في تلك الدائرة مجموعة كبيرة يتحدثون اللغة العربية بتعدد لهجاتها المصرية واليمنية والتونسية والعراقية وغيرها.. ليس واحدا أو اثنين وإنما عدد كبير من كل مجموعة وهم مفروض بهم أن يتدربوا على الطباعة بالأحرف العربية يقول دهشت أن الغربيين عندهم العدة الكافية للاطلاع على جزئياتنا ونحن نجهل الكثير عنهم.

●  سيدنا.. لكن للعولمة وجهان قد يكون أحدهما مشرقا، لماذا لا نستفيد منه في مواجهة العولمة ذاتها أو في عولمة الإسلام؟

متى ما نجحنا في تأسيس مواقع تغذي الفكر الصحيح وتربي الناس وتجعلهم في اتصال مباشر مع الأحداث آنا بآن ولحظة بلحظة بحيث كل مسلم في استراليا في أمريكا في بريطانيا.. وطبعا إذا كنا نتحدث عن أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) فبطبيعة الحال نعني على الأقل مسئوليتنا تجاه هذا النشاط فكل مسلم في أندنوسيا في الهند والباكستان ثم تعال إلى أوربا وإلى القارة الأمريكية وكندا يستطيع في أية لحظة بأن يضغط على زر معين ويحصل وهو جالس في بيته على حياة الإمام الباقر(عليه السلام) على حياة الحسن المجتبى(عليه السلام) الإمام المهدي (عليه السلام) والشبهات التي تثار حول ذلك على حضارة الإسلام بشكل عام.. إذا استطعنا أن نوجد المواقع التي تخدم أخوتنا وأخواتنا بهذا الشكل وأن نجعلهم في مستوى الحدث اليومي وإذا استطعنا أن نربط ذلك بالموقع القيادي أن المرجعية على سبيل المثال تقول كلمتها الآنية تجاه الحدث الفلاني بحيث كل يعرف تكليفه كخطوة أولى إذا استطعنا أن نجعل أتباع مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في الجو برؤية الهلال لشهر رمضان أو لعيد شوال على سبيل المثال بأساليب مقنعة لا نتحدث عن المباني الفقهية عند مرجع دون مرجع أو أنه هل يا ترى إذا ثبت في الغرب يثبت في الشرق أو إذا اتحد الأفق أو كذا.. لا، نحن نعطي الملاك نقول بأن هذه الأرقام في المنطقة الفلانية رؤي الهلال في المنطقة الفلانية رؤي الهلال وهذا عن طريق الانترنيت وعن طريق الاستفادة من الاتصالات الحديثة التي هي جزء من العولمة الثقافية وبذلك نخرج المسلمين من الحيرة في ظرفية نصف ساعة أو ساعة بدل الانتظار والتعقيد ولكن كثيرا ما نصادف ونحن في لندن وفي أي منطقة في أوربا نتابع أخبار الهلال لثمان ساعات من دون الحصول على نتيجة.. أقول هذه مفردة بسيطة جدا لو نجحنا في علاجها لكان الفرق كبيرا جدا لكننا مع الأسف لم نبلغ إلى ذلك. طيب هناك مشاكل موجودة عندنا في الغرب الآن بالنسبة لناشئتنا وتلونهم وتأثرهم بالبيئة الغربية.

●  سوف نتطرق إلى ذلك سماحة السيد في سؤال قادم ولكن الآن وعلى ذكر المباني الفقهية التي تفضلتم بالإشارة إليها سؤالي.. الفقيه الإسلامي من أين ينطلق؟ من النص إلى الواقع أم بالعكس في تعاطيه مع مستجدات الحياة؟

واضح أولا ينظر القضية المطروحة أمامه يعني أول شيء يدرس الواقعة ثم يبحث عن حكمها وباختصار شديد إن كل حكم فقهي يتكون من جملة قصيرة تتكون من مفردتين إحداهما الموضوع والثانية الحكم فالموضوع هو الواقعة المطروحة التي جاء ذكرها في التوقيع الشريف للإمام (عج) (وأما الحوادث الواقعة) فالحوادث الواقعة تشكل الموضوع الذي يتم أولا معرفته وتشخيصه ثم يأتي الفقيه ليبحث عن الحكم له فإذا كانت الواقعة منصوصا عليها في الكتاب أو السنة يعمل الفقيه جهده ليرى الحكم المناسب بطريق الاستنباط الشرعي وإذا لم يكن هناك حديث لهذه الواقعة ولا أثر لها في الكتاب لا في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا عصر الأئمة الأطهار(عليهم السلام) حينئذ يرجع إلى الأدوات الأخرى.

●  هل يجوز الوقوف إلى جانب أمريكا في حربها المحتملة ضد العراق؟

الجواب على هذا من البديهيات وهو لا يجوز لمسلم أن يدعم كافرا عدوا لئيما ضد شعب مسلم قوله تعالى (لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) وقوله (لا تتخذوا اليهود أو النصارى أولياء) وقوله (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) وآيات أخرى تشخص موقعنا. نحن يجب أن يكون خطنا قرآنيا خطنا الالتزام بالوحي الإلهي وهو الذي يحدد لنا معالم الطريق إذن لا يمكن بوجه من الوجوه أن نقف إلى جانب أمريكا أو غير أمريكا في عدوانهم على أية دولة إسلامية على أي موقع إسلامي أي شعب مسلم ولذا نجد علماء الشيعة ومراجعهم في العراق أيام الحرب العالمية الأولى أو العهد العثماني رغم أنهم عانوا ما عانوا من الملوك العثمانيين أو السلاطين أو الخلفاء كما يسمون أنفسهم حتى منهم من أباح دماء الشيعة أمثال السلطان سليم والشيخ نوح الحنفي وغيرهما، مع ذلك وضعوا أيديهم مع الدولة العثمانية ووقفوا إلى جانبها ضد البريطانيين لماذا؟ لأن هذا مسلم وذاك كافر يريد أن يبيح ويحتل أراضي المسلمين.

●  سيدنا فكيف توضحون المقولة الشهيرة لبعض علماء الشيعة (الكافر العادل أفضل من المسلم الجائر)؟

هذه المقولة يحكيها السيد ابن طاووس(رضوان الله عليه) عندما جاء الحاكم المغولي هولاكو واستباح الأراضي الإسلامية وقتل من قتل في نيشابور وقضى على المدرسة النظامية وجاء إلى بغداد فأحرقها وأحرق مكتباتها وأنهى الحكم العباسي وقضى عليه بغض النظر عن شرعية الخلافة العباسية بعد ذلك جمع هولاكو سبعين من علماء المسلمين ووجه إليهم السؤال: أيهما أفضل المسلم الجائر أم الكافر العادل؟ فامتنع الجميع وأحجموا عن الجواب. السيد ابن طاووس يقول في كتابه( كشف المحجة لثمرة المهجة) تقدمت وكتبت بأن الكافر العادل أفضل من المسلم الجائر وبعدي وضع العلماء الخمسة والستون توقيعهم وأمضوا ما قلته وبهذه الخطوة حفظت الحلة وكربلاء والنجف والجنوب الشيعي كله من أن يحمل عليهم شخص مثل هولاكو ويقضي عليهم. ويعتذر(رحمه الله) فيقول والفضل لله سبحانه وتعالى الذي هداني لأن أتخذ هذا الجواب وهذا الموقف. في الفقه هناك باب يسمى التزاحم وقاعدة الأهم والمهم فحينما يكون هناك ملاكان بلا شك الملاك الأقوى يتقدم على الملاك الأضعف الأهم هو حفظ الناس الأبرياء. في السابق أي في موقف ابن طاووس لم يكن بالمقدور منع المغول لعدم امتلاك السلاح ولا الجيش ولا استطاعت الجيوش الإسلامية أن تقف بوجههم ولكن استطاع أن يحد من زحفهم ويحقن الدماء الإسلامية، ونفس الشيء حصل مع المحقق الطوسي فهو عندما قبل الوزارة للمغول لم يكن معتزا بها ولا مريدا لها بقدر ما أجبر مجموعة من التتر البربر الهمج الذين لا يفهمون شيئا من العلم والثقافة ووظفهم لخدمة العلم وبنى في مراغه شمال غرب إيران أول مرصد فلكي في العالم وهذا الفخر أن الإنسان يبدل السلبيات إلى إيجابيات. هذه فكرة عن أصل المقولة و في قضيتنا هذا الحكم لا ينطبق وإنما كما أجبت على هذا السؤال أو ما يشابهه في لقاء عبر قناة ANN الفضائية التي تبث من لندن: مرحلة القضاء على هذا السلطان الجائر والحاكم الطاغية الذي ذبح وقتل عشرات بل مئات الآلاف من الناس الأبرياء هذه المرحلة الأولى وهي مرحلة الهدم والثانية هي مرحلة البناء. فيما يتعلق بمرحلة البناء لا نسمح ولا أي فقيه شيعي أو مسلم يسمح لنفسه أن يؤيد ويدعم ويركن إلى الأمريكان أما في مرحلة الهدم نقول إذا كان التخطيط يقتضي أنهم مثلما جاءوا بهذا الحاكم الجائر وسلطوه على أعناقنا فعليهم هم أن يزيلوه بالأسلوب الذي لا يلحق الضرر بالشعب. لسنا نؤيدهم لا، وإنما نقول لهم أنتم نصبتموه بالأمس وعليكم اليوم الإطاحة به فالمهمة مهمتك أنت كما أتيت به فخذه. وبعبارة فقهية: لأن المقتضيات لإزالة هذا السلطان الجائر كانت موجودة في الانتفاضة المجيدة التي قام بها أبناء شعبنا حتى سقطت 14 محافظة وثارت بوجه النظام لكن المانع لم يكن مفقودا وهو أن شوارسكوف كان في اللحظات الأخيرة لأن يحتل بغداد ثم جاءته الأوامر ولا أقول من أين بأن ينسحب ليدخل مفاوضات في الخيمة معروفة.. أقول إذا هبت جماهير شعبنا العراقية لإزالة الطاغية من موقعه فالذي نريده من الأمريكان أن لا يقفوا حجر عثرة أمامنا كما فعلوا قبل عشر سنوات، هذا المقدار لا يوجد محذور شرعي فيه لماذا؟ لأن مثلما اثنين يريدان أن يتبارزان وبينما يدافع أحدهما عن نفسه ويضرب المعتدي يجئ شخص آخر يشل حركته ويجعل المعتدي يتسلط عليه ففي مثل هذا الموقف نقول للطرف الثالث الذي تمثله أمريكا في قضيتنا رجاءا أنت لا تتدخل ولا تقف أمامنا وباختصار أقول الذي لا نجد مانعا شرعيا فيه هو أن يقوم الأمريكان بإزالة هذا الطاغية أو حينما يثأر الشعب العراقي بكل فصائله ألا يقفوا حجر عثرة في الطريق كما حصل قبل عشر سنوات وإنما يفسحوا المجال للشعب لينال حريته. ولا نسمح شرعا بذرة واحدة وبثانية واحدة بأن يتدخل الأجانب في بناء مستقبلنا لأن هذا شأن عراقي محض يجب أن يبت به أبناء الشعب العراقي فقط.

●  إذن سماحة السيد هل نستطيع بجوابكم هذا أن نفسر موقف المرجع السيستاني (حفظه الله ) وفتواه الأخيرة بتحريم التعاون مع أمريكا في حربها ضد العراق؟

بالضبط، بالضبط .. سماحة السيد السيستاني حينما نشرت عنه هذه الفتوى كان يشير حسب تصوري إلى هذا المعنى.. بأنه لا يجوز بأي وجه دعم الأمريكان لأنهم ليس لهم شأن في تقرير مصيرنا.

●  ما هو الموقف الصحيح من ظاهرة الإرهاب الدولي وهل تجدون الولايات المتحدة الأمريكية جادة في مكافحة هذه الظاهرة وناجحة في أسلوبها؟

في تصوري هناك ثلاثة أجوبة لهذا السؤال تبعا لتعدد الكلام على الإرهاب إلى ثلاثة محاور : الأول إرهاب الأفراد والجماعات والثاني : إرهاب الدولة والثالث : هو الفارق بين الإرهاب ومقاومة الاحتلال. إذا ما استطعنا التمييز بين هذه الثلاثة فمن الصعب جدا أن نكون فكرة واضحة عن أطروحة الإرهاب.

●  أفلا يوجد تعريف واضح للإرهاب في الشريعة الإسلامية؟

ليس في الشريعة الإسلامية فقط وإنما حتى بالنسبة للكتاب المحدثين، فهم لا يتفقون على مقولة واحدة لتعريف الإرهاب ولذلك من الضروري أن نميز بين هذه المسارات الثلاثة التي ذكرتها فالأول إرهاب الفرد ويعني أن شخصا يحمل سلاحا ويقضي على الناس الأبرياء الذين لم يكن لهم أي دور في قضيته ومثال ذلك قطاع الطرق.. الشريعة المقدسة عالجت هذا الموضوع تحت عنوان الحرابة أو المحارب لله ورسوله وهو إرهاب فردي وفيه التسلح يكون عشوائيا وأي فرد يحمل السلاح ويقوم بإثارة الفوضى وبقناعته الخاصة يدمر كذا مكان ويقتل كذا شخص وهو جريمة مبنية على سوء فهم يعني مثال ما حدث بالجزائر حينما يقتل عدد كبير من الناس وتقطع رؤوسهم بالفؤوس و يعتقد الفاعلون بأنهم بهذه الطريقة يدافعون عن الاستقلال أو الحرية أو الإسلام فهذا إرهاب الفرد وهو محكوم ومنبوذ وغير مسموح به شرعا بل إن محجمة دم سواء كنت مباشرا فيها أو معينا عليها.. في أصول الكافي حديث يقول يوم القيامة يقدم الشخص أمام محكمة العدل الإلهي فيعطى مقدارا من الدم ويمسح به وجهه ويقال له هذا سهمك من دم فلان يقول ربي ما قتلت يقال له كان هناك حديث حوله وكان بإمكانك أن تدافع عنه وأنت تعلم أنه بريء ولم تفعل فأنت مشترك بالإثم وفي العقوبة لأنك سكت ولم تدافع عنه فقتل بريئا. ونجد في زيارة وارث : لعن الله أمة قتلتك ولعن الله أمة ظلمتك ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به، يعني كل إنسان إلى يوم القيامة وليس يوم العاشر من المحرم سنة 61هـ فقط وإنما إلى سنة 2000هـ إذا افترضنا وأمنيتنا أن نرى إرهاصات ظهور الإمام الحجة (عج) قريبة وحتى لو طال زمن الغيبة إلى أكثر من افتراضنا نقول كل إنسان يسمع بقصة عاشوراء ويعرف ظلامة الحسين(عليه السلام) فيسكت ويرضى بذلك و(الساكت عن الحق شيطان أخرس) أليس كذلك؟ فهو ولو بهذا المقدار مسؤول بالجريمة. هذا فيما يتعلق بإرهاب الأفراد . نأتي إلى التمييز بين العملية الإرهابية وعملية التحرير وهذا من الواضحات أنه في فترة من الفترات جماعة معينة يعتبرونها إرهابية وفي فترة أخرى يعتبرونها تحررية تدافع عن أرضها ومقدساتها يعني لنفترض أن الفلسطينيين الغيارى الناس الأبرياء في الأرض المحتلة يدافعون عن أرضهم عن وطنهم عن هويتهم يسترخصون الحياة وقلت في مقابلة مع مجموعة من الإذاعات وبعض الصحف الأجنبية عندما كنت في البحرين الأيام الأخيرة من شهر صفر الماضي قلت بأنك حين تسلب الشخص داره وحياته وثقافته وشهادته ووظيفته ورزقه ومزرعته وتريد منه أن يبقى ساكتا؟!! غير معقول فإذا ما قاوم دفاعا عن حقوقه في كل ذلك تسميه إرهابيا؟! ونأتي إلى إرهاب الدولة وهو النوع الثالث فنقول أمريكا تمارس أشد وأعتى إرهاب دولة في الوقت الراهن ومثلها ربيبتها إسرائيل بحجة أن واحدا من الفلسطينيين شد حزاما من القنابل وفجر نفسه وما شابه، هذه حجة ولكن يجب أن نبحث عن الأسباب ولا نقرأ القصة من النصف عليك أن تقرأ القصة من بدايتها أنت لا تستطيع أن تقول لماذا أطفال الحجارة أو لماذا هؤلاء يضحون بأنفسهم وتسمي عملهم انتحارا لماذا هم يفعلون ذلك؟ اقرأ القصة من أولها من سنة 49 من 63 من67 تقرأ من الاعتداء الغاشم تقرأ استمرارية التهجير.. من هنا مستعمرات يهودية ومن هنا تهجير فلسطينيين طيب لماذا إذا كان وهذا هو سؤالنا ونقف عنده بحزم وجدية إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تعطي اليهود حقهم - كما يقال- لماذا لا تنقلهم إلى إحدى مقاطعات أمريكا عندهم 50 ولاية فليتركوا ولاية واحدة أو مقاطعة هم يختارونها مثل كاليفورنيا أو فلوريدا يخصصونها لليهود وينقلونهم إلى هناك. لماذا هذا الإصرار على أن يوطنوهم في أرض مملوكة لأناس وشعب كبير منذ آلاف السنين.؟!! هذا إرهاب الدولة وهو يتم بفرض الرأي على الجميع في حالة من الطغيان الذي سميناه سابقا والقول أنا ربكم الأعلى ثم حق الفيتو كم مرة وجدنا في مجلس الأمن أن الأعضاء الآخرين الدائمين في المجلس يقررون شيئا وتأتي أمريكا لتنقضه بحق الفيتو وحق الفيتو في تصوري هو إرهاب دولة. والخلاصة إذن إرهاب الفرد لا نرضى به ومرفوض شرعا وعرفا، إرهاب الجماعات نقول قد توصف هذه بجماعة تحرير من منظور وتعتبر إرهابية من منظور آخر فالمسألة نسبية وليست مطلقة وأما إرهاب الدولة مع الأسف الآن يمارس بشدة وفي وضح النهار من قبل أمريكا.

●  الانفجار (الأيلولي) في أمريكا تحت أي عنوان تضعونه؟

أنا شخصيا أقول إنها قضية ملفقة مدبرة من قبل جهاز الاستخبارات المركزية لإعطاء حجة للأمريكان ليضربوا المسلمين.

●  إذا طولبنا بالدليل؟

لا.. نحن نطالبهم بالدليل لأن هناك ثغرات قانونية كبيرة في مزاعمهم.. هم أخبرونا بأن لديهم أجهزة تجسس تستطيع أن تصور بمقدار الموزائيك الواحد يعني الرخامة التي أبعادها(30سم ْْ×30 سم) تستطيع التقاطها عبر الأقمار الصناعية ويعطوننا تصويرا دقيقا عنها. أين كانت الاستخبارات المركزية حينما قامت هذه الطائرات.. بل حينما كان هؤلاء يتدربون حتى عرفوا كيف يشقون بجنح طائرة بطن هذه البناية الضخمة.. أين كانوا.. أين كانت الاستخبارات المركزية؟! حسنا يقولون بأن هناك أجهزة في واشنطن تستطيع رصد الطيور في السماء لكن تأتي طائرة على البنتاغون وتحاول أن تقصف.. مع ذلك هم ساكتون عنها ونائمون عنها؟! طيب.. ناموا عن واحدة.. أين كانوا عن الثانية والثالثة..؟! هذه ثغرة كبيرة في الإدعاء ، أنا شخصيا أشك كثيرا في صدقية الدعاوى التي يقولونها ولا أريد أن أبرئ الجماعة المتهمة في ذلك لأنني لا أمتلك فكرة تامة عن المسألة ولكن أقول كل إنسان بريء حتى تثبت إدانته وهذه مسألة ليست خاصة بالفقه الإسلامي وإنما كل الأنظمة في العالم تقول بها.

يقول البعض أن هناك ما لا يقل عن أربعمائة موظف يهودي لم يكونوا متواجدين في البناية يوم وقوع الانفجار ما الذي أخبرهم بما سيحصل نفرض خمسة منهم كانوا مرضى.. عندما تجد 400 موظف كلهم يهود صهاينة يفترض أنهم أهداف كلهم لا يحضرون إلى العمل في هاتين البنايتين ذلك اليوم بينما الآخرون يحضرون.. وأنا باعتباري دارس قانون أستطيع القول بكل جرأة أن هناك ثغرات كبيرة في الاتهام وتصوري الخاص أن الاستكبار العالمي أراد وأرادت القوة المهيمنة على سياسة العالم ذريعة تنطلق من ورائها لضرب التحرك الإسلامي وإعطاء الحق لأنفسهم أن يحتلوا أفغانستان ثم العراق ويبنوا قواعد في الخليج ويطوقون إيران وكلها بحجة أننا نريد حمايتكم فلم تبق المنطقة الإسلامية إلا وهي مكتومة الأنفاس وتنطلق يد إسرائيل حرة تفعل ما تشاء هذا التصور ليس بعيدا عن الواقع لكنه بطبيعة الحال يحتاج إلى متخصصين يبدون آراءهم فيه.

●  سماحة السيد لنتحدث الآن حول الوحدة الإسلامية والشروط الموضوعية التي يجب أن تتحقق لقيامها باعتبارها مطلبا لجميع المسلمين؟

طبعا الوحدة الإسلامية أمنية يصبو إليها كل مسلم غيور لكن ما الذي يمنع من قيامها؟! إذا استطعنا أن نزيل الموانع نفكر أو نقدم اقتراحات لإزالتها أولا ثم نبدأ بالإيجابيات ولكنك لا تستطيع أن تعالج مريضا بالسكري مثلا في حين أن المريض نفسه مستمر في أكل البقلاوة والحلويات الأخرى لا تستطيع إلا بان تمنع عنه أولا هذه الأشياء.. فالحمية ثم العلاج هذا في الجانب الطبي وفي الجانب الأخلاقي أولا عندك تخلية ثم تحلية أول شيء تقوم به إزالة الموانع والمثبطات والأمور التي تدنس الشخصية ثم تبدأ بالتحلية ثم بالتجلية ولذلك في زيارة عاشوراء كثيرون عندهم تحفظات كذا لكن أشير إشارة خفيفة يقول لك ما هو دور اللعن والسلام؟ ما لم تفرغ كيانك بالتبرؤ من أعداء الله تبارك وتعالى لا تستطيع أن تتقرب بالمودة لأوليائه.. بعد هذه المقدمة أقول الوحدة الإسلامية مطلب أساسي وموضوع يطمح له كل مسلم غيور ولكن التمحور حول الذات والفئويات الضيقة والرئاسات المحلية وهذه من أهم موانع الوحدة الإسلامية. أنا لا أقصد جهة معينة ولكن بشكل عام.. للشيخ علي الشرقي تعبير جميل يقول: (قومي رؤوس كلهم أرأيت مزرعة البصل؟) بمعنى كل واحد من أبناء جلدتنا يريد أن يكون رئيسا ولا يرضى أن يكون مرؤوسا. انظر إلى المجالات الضيقة ولا أحب أن أسمي على صعيد الدول الإسلامية على صعيد الدول العربية كل منهم متمحور حول ذاته لا يسمح لأي إنسان آخر أن يعلوه بدرجة وهذا طبعا داء كبير طيب كيف نستطيع أن نحقق الوحدة الإسلامية اجتماعيا ما لم نحققها سياسيا؟ ولا نستطيع تحقيقها سياسيا لأن (قومي رؤوس كلهم) فهذا هو الإشكال الرئيسي.. التمحور حول الذات وعبادة الأنا وعدم تبلور الشخصية، يقول الإمام علي(عليه السلام):( وهو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير) ولكن في مقام المصلحة العامة يقول:(فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى) أي أكثر مطابقة للحجى والعقل لاحظ.! الذي يريد واقعا أن يتمثل بأخلاق أمير المؤمنين(عليه السلام) يتنكر لذاته وينسى من هو. علي حين يقابل عمرو بن ود العامري ويصدر من اللعين ما يصدر يشيح الإمام بوجهه عنه ومن ثم يعود ليقتله ويجيب عن موقفه هذا فيقول ما أردت أن أقتله ثارا لكرامتي أو شخصي وإنما أردت أن يكون ذلك في ذات الله. فإذا استطاع المسلمون أن يوحدوا مواقفهم على ضوء نكران الذات ويتجاوزوا الأنا وعبادة الذات إلى الإيثار فهذه أول عقبة تزال لكن أنى لنا ذلك.. النقطة الثانية وهي التعبير السليم بأن نجتمع على القواسم المشتركة ونترك الفوارق.. فمثلا الشيخ حبيب آل إبراهيم في بعلبك أتذكر أني تشرفت بلقائه وأنا في السنة العاشرة من العمر وكانت تلك السفرة بخصوص الشهيد السيد حسن الشيرازي وخالي سيد رضا القزويني.. كانا أيضا في بعلبك وكنت مع والدي(رحمه الله) وكان الشيخ حبيب والقصة تعود إلى ما يقرب من الخمسين سنة كان قد ألف كتابا بعنوان (الحقائق في الجوامع والفوارق). أكد فيه أن النقاط التي نجتمع فيها كمسلمين أكثر من النقاط التي نختلف عليها فمثلا حينما نحاول أن نقرن بين الشيعة الإمامية وبين أتباع المدارس السنية هناك خلافات بين المالكية والحنبلية بين الشافعية والحنفية أكثر بكثير مما هو موجود بين السنة كموجود وبين الإمامية فكيف استطاعت هذه المجموعة التي نسميها أهل السنة تناسي الفوارق أحدهم يتكتف على صدره والآخر على بطنه والمالكي يسبل أصلا ومع ذلك كلهم يعتبرون صلاتهم صحيحة لماذا لا ينظرون إلى نقاط الالتقاء مع الإمامية ولماذا لا ينظر الإمامية إلى نقاط الالتقاء مع البقية؟! فليكن شعارنا التركيز على نقاط الاجتماع والابتعاد عن كل ما يفرقنا وإلا ففي كل مجموعة سفاسف وتفاهات وخرافات وأمور يمجها العقل السليم بحيث يمكن لأي منا أن يستخدمها سلاحا لضرب الآخر.

●  سيدنا في هذا الصدد أيضا.. ما هو رأيكم بالبرامج التي تبثها بعض الفضائيات حول الاختلاف بين الشيعة والسنة؟

من نفس المنطلق أقول حينما يأتون بشخص موتور بإنسان حاقد وبذيء في كلامه لا يعرف إلا لغة السب والشتم فالعلاج.. سألوني ذلك عن قناة معينة تعرفونها أشغلت كثيرين في الخليج أيام رمضان، سألوني لماذا لا تشترك قلت إذا أردت أن أشترك فأشترك مع إنسان يتحاور معي بمنطق الفكر بمنطق العقل بمنطق الأدب يراعي أدب الحوار أما أن شخصا لا يحسن إلا السباب والتشهير والقذف والعبارات البذيئة فلا يليق بنا أن نتحاور معه. مع الأسف إنسان عنده قضية مع جهة معينة مع بلد معين أراد أن يحسب تصرفات ذلك البلد على الكل على المدرسة والمذهب ككل وهذا غير صحيح بينما كانت لنا ندوات كثيرة في عمان في عمان في المغرب وكنا نجتمع خلالها بعلماء من المذاهب السبعة الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي والإمامية والزيدية والإباضية وللعلم قبل كم يوم كان أحد تلامذتنا في الجامعة الإسلامية نال شهادة الدكتوراه في فقه الطفل وكنت مشرفا على رسالته، في كل فرع من فروعها وفي كل فصل كان عليه أن يتعرض لآراء المذاهب السبعة كلها ومن مصادرها الأصلية لا من مصدر واحد وبالفعل نجح في المناقشة وطبع الكتاب في بيروت.

لقد اجتمعنا إلى أساتذة علماء مالكيين حنفيين شافعيين حنابلة زيدية إباضية اشتركنا معهم في مؤتمرات كثيرة وحوارات على مدى يومين ثلاثة في عمان في عمان في المغرب وكان الجو هادئا علميا سليما، أما إذا تأتي قناة فضائية وكل ما يسعني أن أحسن الظن بها أقول إنها تريد أن تشتهر فتبث القضايا الخلافية من باب خالف تعرف والناس ينشدون إلى مثل هذه الأمور ثم أن الشخص كما أسلفنا عنده قضية وتحدي وكأنها مصارعة بين محمد علي كلاي وأحد منازليه ويجذب المشاهدين مثلما يجذب مشاهدي مباريات كأس العالم فإذا كان هذا هو الهدف فلا يساوي نقيرا ولا فلسا واحدا ولا يستحق أن يصرف الإنسان وقته لمشاهدة هذا البرنامج لكن إذا كان خاليا من التشهير خاليا من سوء الأدب وكان موضوعيا ويناقش القضايا بجو هادئ، مثلا كمسألة بسيطة أنقلها لك، ما من واحد من هؤلاء دخل في حوار إلا وقال الشيعة يعتقدون بتحريف القرآن وأنا أقول أحاديث السنة بتحريف القرآن أكثر بكثير مما يصفون الشيعة به من القول بالتحريف وأجزم بذلك ولقد أجاد ابن عمي السيد علي الميلاني في كتابه القيم(التحقيق في نفي التحريف) بنقل أقوال الفريقين علماء السنة وعلماء الشيعة مؤكدا هذه الحقيقة طيب لماذا يسمح إنسان لنفسه بان يتهم الشيعة بالقول بالتحريف في حين أن باستطاعتنا إذا كان الحوار علميا منصفا بناءا أن نقول له بكل هدوء أخي العزيز أنت قلت هذا صحيح ولكن بالمقابل تفضل هذا الحديث وهذا وهذا وكلها نماذج من أحاديثكم لكن وجودها في بطون الكتب شيء واعتقادنا شيء آخر فلا يوجد شيعي واحد من أتباع مدرسة أهل البيت يعتقد بتحريف القرآن وإلا لسقط عن الحجية كما يقول السيد الخوئي في كتابه (البيان) لهذا أقول القناة الفضائية ينبغي أن تركز على النقاط الموضوعية، قناة أخرى قبل سنتين استضافت إحدى الشخصيات الذين انسلخوا عن مقومات التشيع وصاروا ينشرون مفاهيم تزعزع في تصورهم أساس التشيع وأعطوا رقما على الشاشة واتصلت بهم فعلا في استوديوهات لندن وفي مكتبهم الخاص عبر الهاتف أولا ثم عبر الفاكس ثم برسالة وقد أمسكت الخط 55 دقيقة وأؤكد لهم اسمحوا لي عندي مداخلة في الموضوع الفلاني وعرفتهم بنفسي أنا عميد كلية الشريعة في الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية وأرسلت لهم المراسيل المتعددة رجاءا اسمحوا لي بدقيقتين فقط.. ولكن دون جدوى، فما يعني برأيك ذلك؟! ألا يعني أن هناك قضية مع الأسف غير منصفة إذ يفسحون المجال لشخص أن يقول ما يشاء ويقولون الاتجاه المعاكس أو الرأي والرأي الآخر ولكن يسمحون لاتجاه واحد أن يتكلم ولا يسمحون للآخر أن يقول شيئا ثم يأتون بأشخاص آخرين من المذهب صار اهتمامهم في شيء آخر صاروا على سبيل المثال يدافعون عن ولاية الفقيه بدل دفاعهم عن وجود الإمام المهدي المنتظر(أرواحنا فداه) وكان تعليقي عليهم بأنكم تمسكتم بالثمرة وأضعتم الشجرة لأن ولاية الفقيه موضوع فرعي بالنسبة لإثبات وجود الإمام المهدي(عليه السلام) ولكن للأسف لم يسمحوا لنا فماذا نفعل؟!.

●  سيدي الجليل أشرتم فيما سبق إلى مسألة مهمة حسب تصوري وهي أن ذكر رواية ما في كتبنا لا يعبر بالضرورة عن تبنينا لها.. كيف يمكن تحرير هذه المسألة؟

لاحظ.. حتى في زمن الأئمة الهداة(صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) يأتي زرارة على سبيل المثال إلى الإمام الصادق(عليه السلام) فيقول له يأتي عنكم الخبران المتعارضان فبأيهما نأخذ؟ فالمسالة طرحت من قبل يعني يأتي فلان يقول سمعت الإمام الصادق يقول كذا ويأتي آخر يقول سمعته يقول كذا بالتعارض مع الأول هذا يقول بالحلية ذاك يقول بالحرمة هذا بالوجوب ذاك بالاستحباب هذا يقول بالمسؤولية وذاك يقول بالإعفاء من المسؤولية رؤيتان مختلفتان فيقدم الإمام(عليه السلام) حلا كما في أصول الفقه عندنا فصل نسميه الأخبار العلاجية أو التعادل والتراجيح نذهب إلى المرجحات السندية ثم ننتقل إلى المرجحات الدلالية فيما يتعلق بالأولى يقول الإمام(عليه السلام) خذ بأشهرهما يقول هما معا مشهوران يقول خذ بأصدقهما أعدلهما يقول متساويان خذ بما وافق الكتاب يعني الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) وضع معايير معينة لكيفية ترجيح رواية على رواية أخرى أو تأييد رواية ضد رواية أخرى فإذا كان هذا والناس في عصر الحضور في عصر الإمام نفسه فما بالك بعصرنا عصر الغيبة ونحن نعرف أن مكتبات وكتبا أحرقت وأخرى أغرقت، مكتبة الإسكندرية كان فيها(400000) كتاب أحرقت كلها مكتبات بغداد كذلك أحرقت وأنت تعلم أن في ذلك الوقت كان الكتاب يوجد بواقع نسخة واحدة أو اثنتين الآن أصبح يطبع منه 2000 نسخة في السابق لم يكن الحال كذلك أقول الذي نستنتجه أن وجود حديث في مجموعة من كتبنا الحديثية سواء كان بحار الأنوار أو عيون أخبار الرضا أو الكافي أو الوسائل لا يدل على أننا نلتزم بكل ما ورد فيه وإنما هنا يأتي دور المحقق العالم المجتهد الفقيه لينظر في السند والدلالة ويجمع بالجمع العرفي والجمع الدلالي ثم ينظر إلى المرجحات السندية والدلالية ويخرج بنتيجة ولذلك لم ندع نحن الشيعة صحة كتاب أو حديث كما يفعل الآخرون ومن باب المثال الكتب الأربعة أو الوسائل لم يدع أحد من علمائنا قديما ولا حديثا بأنها مقدسة لا ينالها النقد والتمحيص في حين أن هناك صحيح البخاري وصحيح مسلم يزعم كثير من أخوتنا المسلمين السنة بأنهما صحيحان لا يمسهما شيء رغم أن الحاكم النيسابوري ولفظ الحاكم يطلق في مصطلح علم الحديث على من يحفظ أكثر من مائة ألف حديثا استدرك على البخاري ومسلم ويسمي كتابه المستدرك على الصحيحين ويعلق على الحديث فيقول صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ومعنى ذلك أن الملاكات التي بموجبها يا بخاري أو يا مسلم تعد الحديث صحيحا هي متوفرة في هذه الأحاديث فلماذا لم تخرجها؟! وهذا المستدرك كتاب معروف وموجود في المكتبات وأسانيده نفس أسانيد الصحيحين.

●  الواقع الإسلامي في المهجر الغربي كيف تقرؤونه اليوم؟

جيد وغير جيد.. جيد لأن هناك إقبالا ممتازا لقراءة الإسلام، لتفهم الإسلام وهذا نشهده كل يوم ومن شرائح مختلفة يأتون ليتعرفوا على الإسلام، ما هو سر عظمة هذا الدين؟ ما هو السر في تأثيره في نفوس المسلمين بهذه الدرجة من قوة الاعتقاد؟! جيد من هذه الناحية وغير جيد من أن الآباء مع الأسف إذا أهملوا مسؤولياتهم التربوية في توجيه أبنائهم فهذه فاجعة كبرى، حقيقة نجد في بعض البلاد الاسكندنافية وبعض البلدان الأوربية الأخرى في المهجر بشكل عام، نجد أن بعض الأسر الدينية وبعض الناس الذين كانوا يعرفون بالفضيلة والتقوى انزلقوا وابتعدوا عن الجادة نتيجة للغفلة، وأذكر لك مثالا بسيطا: اتصلت بي إحدى الأخوات قبل مدة وقالت: إن ابني وعمره 16 سنة خرج عن الدين والمذهب وتنكر لكل شيء وابني الآخر عمره 13 سنة بدأ يأخذ حشيشة وقد ألقت الشرطة عليه القبض، قلت: لماذا لم تبعثيهما إلى الحسينية الفلانية، قالت: لا يذهبان، قلت: لماذا أنت وزوجك - كما تقولين- تذهبان إلى الحسينية والمراكز الإسلامية ومدارس السبت ومدارس الأحد وتعليم القرآن ودورة اللغة العربية إلخ.. ولم تفكروا باصطحاب أولادكم؟ قالت: لا يرغبون بالمجيء. قلت: فاجعلوا لهم درسا خاصا. قالت: هذا يكلف وكذا.. قلت: أنا سأبعث بمعلم خاص إلى بيتكم يعطيهم الدروس مجانا لكن إذا كان بالإمكان أن تساهموا في مصرف وقود السيارة التي تقله، فاعتذرت عن ذلك أيضا، المهم ذهب مرتين وعاد قال: سيدنا اكتشفت أن والدهم فلان التاجر المعروف الذي يمتلك من الشقق فقط ستا يؤجرها للسياح وموارده المالية كبيرة جدا حقيقة كانت كالصاعقة على رأسي.. إنسان عراقي مؤمن متدين حسب الظاهر ويمتلك ما يمتلك ومع ذلك تدعي زوجته بعدم استطاعتهم دفع أجور تعليم وتهذيب أولادهم؟! هذا نموذج إلى عدة نماذج لك أن تقيس من خلالها أبعاد الخطر الذي يهدد أبناءنا في المهجر. قسم من الآباء ينتظر إلى أن تتفاقم المشكلة جدا وحتى يصرح الولد بأنه لا يقر بالدين ولا.. عند ذاك فقط يتصلون بنا ليسألوا ماذا نفعل؟! هذا غير معقول.. إهمال الآباء والأمهات لدورهم في توجيه أبنائهم مع الأسف وترك الولد أمام هذه المغريات الكبيرة.. يرى الطلاب الموجودين معه في المدرسة ويتعلم على طريقتهم، وبعد ذلك يقول الأب لماذا فسد ابني؟ لهذا فأنا أتصور أن مفهوم التعرب بعد الهجرة الذي هو من المحرمات والمعاصي يصدق على هؤلاء لأن هؤلاء بحجة عدم امتلاكه جوازا أو مدركا قانونيا فيهاجر بادئ الأمر لهذا الغرض لكنه تدريجيا بعد أن يحصل على جواز أو جنسية وينسلخ عن دينه إن لم يكن هو فأولاده.. هذه فاجعة.

●  ماهي توصياتكم بهذا الصدد، سماحة السيد؟

التوصيات واضحة جدا.. أن المراكز الإسلامية في المهجر يجب أن تهتم أكثر بالشباب لا يكفي أن ندعو الخطباء البارعين المرموقين وندفع أجور الطائرة التي تقلهم والسكنى والمعيشة طيلة شهر رمضان أو محرم لأجل أن يحكوا للعجزة والشيبة، لا.. لأن هؤلاء محصنين لا خوف عليهم وإنما يجب أن نهتم ببرامج التثقيف للشباب والناشئة أنواع النشاطات قسم طبعا بدأوا بذلك والحمد لله. ثانيا: على علماء الدين والمذهب أن يتعلموا لغة البلد الذي هم فيه بطلاقة مع الأسف هذا الموضوع يعوزنا ولا أحب أن أتحدث عن نفسي باعتبار أني بفضل الله تبارك وتعالى وفقت إلى أتحدث بلغة سهلة التفاهم مع المحيط الذي أقيم فيه.لكن هناك عشرات أو عدد ضخم من السادة العلماء أهملوا هذا الجانب فانقطع الاتصال بينهم وبين الناشئة، إذن المراكز الإسلامية يجب أن تطور مناهجها العلماء والمبلغون يجب أن يتعلموا لغة المنطقة التي يعملون على أرضيتها والآباء يجب ألا يهملوا مسؤولياتهم تجاه أبنائهم ابتداءا من اليوم الأول لدخولهم بلد الهجرة بمثل اهتمامهم بالإقامة واهتمامهم بالضمان الاجتماعي واهتمامهم بتحصيل المساعدات الأسبوعية وإلا فالنتائج ستكون سيئة للغاية.

●  يقترح بعض المبلغين إقامة معسكرات إسلامية للنشء الجديد خلال العطلة الصيفية سواء في نفس المهجر أو في أحد البلدان الإسلامية؟

نعم هذا حاصل بالفعل والحمد لله منذ سنتين أو ثلاث تركز العمل على هذا المشروع وأخذ الشباب يعلنون عن سفرات إلى سوريا إلى إيران إلى لبنان ويشارك فيها من كلا الجنسين ويرافقهم مرشدون ويتم خلالها الاتصال بالمراكز والأجواء الإسلامية وهي مؤثرة جدا وبدأت بشكل جيد ولو جرى تعميمها لكان أفضل ومن الأمور الجيدة الأخرى في السنوات الأربعة الأخيرة بدأت ظاهرة السفر إلى الحج والعمرة ووجدنا في الحملات المختلفة شبابا وشابات خصوصا من كان منهم في أول حياتهم الزوجية وحتى غير المتزوجين ومن طلبة الجامعات وهذه ظاهرة ممتازة أيضا ولها تأثير إيجابي واضح.

●  قبل مدة ليست بالبعيدة مرت علينا ذكرى رحيل الإمام محمد الشيرازي الذي يعد من كبار المجددين فقها وأصولا.. ويجدر أن نقف هنا لنتساءل: بماذا امتاز منهجه التجديدي يا ترى؟

السيد الشيرازي(رضوان الله عليه) فقيه مرجع لا يضاهيه أحد بكثرة الكتابة فالآثار العلمية التي طبعت ونشرت بحق أقول لا يوجد فقيه آخر ألف بحجم تأليفات الإمام الشيرازي هذا أولا وثانيا اهتمامه بموضوع التبليغ أنا أتذكر في أوائل شبابي أن السيد رحمه الله في كربلاء كان شديد الاهتمام بالدعوة والتبليغ والمكتبة السيارة ومدرسة الحفاظ والحافظات والمجلات المختلفة يعني كان في أولى مهماته التأكيد على العمل التبليغي وهذا أمر تفرد به لان هناك فقهاء قاموا بنشاطات تبليغية جيدة لكن نشاطه هو حقيقة يغبط عليه منذ أيام شبابه الأولى واستمر إلى آخر لحظة حيث سمعنا بأنه في الليلة الأخيرة من حياته كان يلتقي مجموعة من الأخوات المؤمنات في قم جئن لاستشارته في مسائل فقهية.النقطة الثالثة فيما يتعلق بالمنهجية ومنهجيته(قدس سره) موسوعية بحيث لم تقتصر على الفقه أو الأصول فقط وإنما تناول كل ما تتصوره مثلا كان هناك كتاب إسلاميون وعلماء ومفكرون يكتبون عن النظام السياسي في الإسلام النظام التربوي في الإسلام أما أن يجعل هذه الموضوعات جزءا من موسوعة الفقه فهذا أيضا من اختصاص الإمام الراحل (قدس سره) فهو بحث عن الحكومة والسياسة والأخلاق وعلم النفس والاجتماع والبيئة والقانون وجعلها كلها من فروع ومصاديق وتطبيقات الفقه وهذا منهج متفرد مضافا إلى ذلك ما يجب أن نقف عنده باحترام كبير أنه كان مثلا بارزا لنكران الذات والذوبان في ذكر الله تبارك وتعالى ولم ينل من زخارف هذه الدنيا المادية شيئا ولم يخلف إلا هذا الفكر الخلاق الذي يشكر له ويذكر باعتزاز وهو من مصاديق الصدقة الجارية التي قال عنها الرسول (صلى الله عليه وآله) إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث منها العلم الذي ينتفع به المؤمنون في كل زمان ومكان.

●  سماحة السيد في نهاية هذا المطاف الممتع والنافع أترك لسماحتكم ختامه بكلمة تخصون بها العاملين بموقعنا وكذلك زواره الكرام؟

نعم أنا حقيقية سعيد جدا بأن ألتقي بالأخوة العاملين في موقع المعصومين الأربعة عشر(عليهم السلام) لعدة أمور: أولا: البرمجة فنية ممتازة جدا وإذا سمحتم أن أقول لي خبرة بسيطة ببرمجة الكمبيوتر حقيقة في الدقائق التي قضيتها في القسم الفني وجدت أن المنهج والبرنامج متكامل جدا.

ثانيا: المنصة التي منها ينطلق المشروع هو موقع المعصومين الأربعة عشر والتركيز على ثقة العصمة قلت ذلك مرارا وأقوله الآن: الفكر الإسلامي والفكر الإمامي على وجه الخصوص إذا حذف منه عنوان العصمة فإنه يفقد كل مقومات الحياة، لأن العصمة هي الأساس والمحور. المعصومون الأربعة عشر(صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) هم النموذج الأمثل للتطهير والتزكية كونهم القدوة كما ورد في الزيارة الجامعة (من أراد الله بدأ بكم ومن وحده قبل عنكم ومن قصده توجه بكم) لا يمكن أن يتقرب أحد إلى الله تبارك وتعالى إلا بهم. فإذن تركيزكم وجعلكم المعصومين الأربعة عشر عنوانا للموقع يكشف عن ارتباط بهذا المعنى.

والنقطة الأخيرة: دعاء لكم بالتوفيق وشكر لهذه الجهود وحينما يكون هناك بقرة حلوب ممتلئ ضرعها حليبا المفروض أن الآخرين يأتون ويحلبوا ويستفيدوا لصالحهم فأؤكد على أخوتي أعزائي وأخواتي وأبنائي في كل نقطة من نقاط العالم بالاستفادة من هذا الموقع أكثر وأكثر لأنه يشدهم إلى مبدأ العصمة ولحياة المعصومين أكثر، وهذا ما يحقق لهم التوجه لمرضاته (جل وعلا) ويحقق لهم أكبر حجم من عطاءه الفكري ويجنبهم المزالق الاعتقادية وأسأل الله (تبارك وتعالى) التوفيق لكم جميعا.