●
الشورى التآمرية التي ذكرتموها ويسميها آخرون
بالشورى الاستبدادية هلا حررتم المسألة فيها بإيجاز؟
ــ لا بأس.. فالشورى العمرية طريقة مبتكرة في تعيين
رئيس الدولة وهي لا تمت بصلة لسيرة وسنة النبي (صلى الله عليه وآله) ولا
تتوافق مع نظرية الانتخابات الديمقراطية الحقيقية أو الصورية، وإنما هي حالة
ثالثة وقد صدق من شبهها بالخنثى.
فكما يذكر المؤرخون أنه لما طعن عمر بن الخطاب جاءه
بعض الناس وقالوا له: لو استخلفت؟ فقال: لو كان أبو عبيدة بن الجراح حياً
استخلفته فإن سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة. وتكرر من
عمر قريب من هذا القول بحق سالم مولى أبي حذيفة، فخرج القوم من عنده ثم عادوا
إليه فقالوا: لو عهدت عهداً؟ فقال: كنت أجمعت بعد مقالتي لكم أن أنظر فأولي
رجلاً أمركم هو أحراكم أن يحملكم على الحق وأشار إلى علي (عليه السلام). ثم
بعد ذلك غير رأيه فقال: عليكم بالرهط الذين قال رسول الله (صلى الله عليه
وآله): إنهم من أهل الجنة: سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل ولست مدخله ولكن
الستة: علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد بن أبي وقاص والزبير وطلحة فليختاروا
منهم رجلاً.
ثم إنه عاب هؤلاء الستة الذين رشحهم للخلافة فقال لسعد
بن أبي وقاص: إنما أنت صاحب مقنب (أي جماعة خيل) من هذه المقانب تقاتل به
وصاحب قنص وقوس وأسهم وما زُهرة والخلافة وأمور الناس.
وأقبل على عبد الرحمن فقال: لو وزن نصف إيمان المسلمين
بإيمانك لرجح.. ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمن فيه ضعف كضعفك وما زهرة وهذا
الأمر.
ثم أقبل على علي (عليه السلام) فقال:لله أنت لولا
دعابة فيك ألا والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحق الواضح والمحجة البيضاء.
ثم أقبل على عثمان فقال: هيها إليك كأني بك قد قلدتك
قريش هذا الأمر لحبها إياك فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب الناس
وآثرتهم بالفيء. وأما طلحة فقد مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) ساخطاً
عليك للكلمة التي قلتها يوم نزلت آية الحجاب حيث قال طلحة: ما الذي يغنيه
حجابهن اليوم وسيموت غداً فننكحهن ولما وصل هذا الكلام لمسامع النبي تأثر
تأثراً شديداً وغضب على طلحة إلى أن مات.
ثم قال عمر لأبي طلحة الأنصاري: يا أبا طلحة إن الله
طالما أعز بكم الإسلام فاختر خمسين رجلاً من الأنصار فاستحث هؤلاء الرهط حتى
يختاروا رجلاً منهم وقم على رؤوسهم فإن اجتمع خمسة وأبى واحد فاشدخ رأسه
بالسيف وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما وإن رضي ثلاثة رجال فحكموا
عبد الله بن عمر فإن لم يرضوا فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف
واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع فيه الناس.
فهذه يا مولاي شورى عمر وهي مختزلة بكلمة واحدة: (اقبل
أو تقتل)، فهل سمعت بحكم ديمقراطي أو ديكتاتوري كهذا الحكم العمري؟! وهل عرفت
لماذا نسميه استبدادياً وهل سألت نفسك من أين جاء عمر بهذه الأحكام الدموية
التي ما أنزل الله بها من سلطان وهذه الخطة الجهنمية التي لم ينطق بها قرآن
ولا سنة نبي ولا لسان عاقل من البشر قبل عمر قط؟
وهل أدركت لماذا سميتها تآمرية انحيازية فإن لم تدرك
بعد فاسأل عمر لماذا اشترط عمر أن تميل الكفة مع الثلاثة الذين فيهم عبد
الرحمن بن عوف دون غيره في حالة انقسام الستة، فإن أجابك وإلا أجبتك أنا: بأن
من المعلوم لدى عمر ولدينا نحن أيضاً أن هوى عبد الرحمن كان مع عثمان لأنه
صهره وهكذا كان مع سعد لأنه ابن عم عبد الرحمن وبالتالي فإن عمر يعلم سلفاً
أن صوت عبد الرحمن وسعد إلى عثمان بناءً على العلاقة العائلية بين الثلاثة..
وبالفعل فقد سعى عبد الرحمن للتمويه قليلاً فجاء إلى علي (عليه السلام) وقال
له: أبايعك على أن تعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين، فقال علي (عليه
السلام): على كتاب الله وسنة رسوله فقط فأعرض عنه عبد الرحمن وتوجه إلى عثمان
وقال له نفس ما قاله لعلي (عليه السلام) فقبل عثمان فوراً.
وكيف لا يقبل!!
وهكذا أقصي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن حقه الذي
فرضه الله له بالخلافة وجرى على الأمة بعد ذلك ما جرى من الويلات جزاءً
وفاقاً لما اقترفت من تقصير وسوء تدبير.