●
ما هي الخصوصية التي يتمتع بها فكر الإمام الشيرازي
قدس سره؟
فكر الإمام الشيرازي ليس له خصوصية يتميز بها عن
فكرالإسلام، ولا نستطيع القول أن هذا الفكر هو بدع من الفكر، بل خصوصيته جاءت
من أنه استطاع يبلور ويبرز تلك الدرر المطمورة الموجودة في القرآن الكريم،
وفي فكر أهل البيت(عليهم السلام) وسيرتهم وتراثهم، ومن ثم يعرضها أمام العالم
ويقدمها بصورتها الحقيقية، وإلا هو ليس فكرا خارج الفكر الديني، لا.. بل هو
العمق للفكر الديني، فالإمام الشيرازي هو امتداد لهذه المدرسة التي تحمل هم
العمل والرسالة الدينية منذ قرون ابتداء بالمجدد الشيرازي مرورا بقائد ثورة
العشرين وبتلامذة هذه المدرسة التي حملت العلم والعمل والتدريس والكفاح
والجهاد، والتي كانت مهمومة بالإنسان وبالعبادة وبالعمل من أجل هذا الإنسان
مسلما كان أو كافرا، بهذه الروحية وهي روحية الأئمة (عليهم السلام) انطلق
الإمام الشيرازي(رحمه الله) إلى فضاءات الفكر الأوسع. وميزة هذا الفكرهي أنه
فهم الدين كما يجب أن يفهم، نحن في المدرسة الإمامية نعتقد أن الدين ليس هو
جانبا عقائديا فحسب. الدين رسالة للإنسان بكل أبعاده ولا يمكن أن نتصور أن
الرسالة الدينية هي رسالة خاصة بفكر الأنسان.. تقوم أفكاره وتجعله كما في
الفلسفة يرى الوجود كما هو، وإن كانت رسالة الإسلام تعتمد على العقل.
وليس الدين رسالة تختص فقط بالجوانب الفقهية التي
تتعلق بالعبادات وبعض المعاملات، بل هي رسالة تتعلق بالإنسان بأكمله فردا
ومجتمعا، فللإنسان عقل وعاطفة وسلوك. الرسالة الدينية باختصار هي رسالة موجهة
نحو الإنسان فيجب أن تشبع جميع احتياجاته وشتى جوانبه وبتكاملية، فالجانب
العاطفي مرتبط بالجانب العقلي والجانب الاجتماعي مرتبط بالجانب الفردي
وبالعكس. إذن فهي رسالة يجب أن يقودها قائد يسعى إلى تطبيقها في الحياة وهذا
هو مجمل فكرة الإمامة بمعنى أن هناك إماما يقود حركة الدين في الأمة، ويحافظ
على القيم الدينية التي نزلت من السماء، ويحافظ على جوهر الدين من التحريف.
والإمام الشيرازي هو أحد النواب العاملين في عصر
الغيبة وقد حمل رسالة الائمة، وتميز فكره بهذا الشمول وهذه الروحية. في
الجانب الفكري لديه أطروحة متكاملة لا يمكن استيعابها في كلمات أو صفحات، بل
لابد من أن تستقرئ هذا الفكر وتقرأ ما وراء السطور وتحاول أن تستلهم الدروس
من هذا الفكر الذي تركه في مئات الكتب.
كان الإمام واعيا مرتبطا بالحياة غير منعزل عنها سواء
في بلده الصغير كربلاء أو قم أو الحياة في محيطه كمرجعية دينية للتشيع أو
الحياة في المحيط الإسلامي أو الحياة في هذا المحيط العالمي العام، بل حتى في
المحيط الكوني. الإمام الشيرازي قدم في فقهه كتابا اسمه البيئة وهذا بحث جديد
في الفقه الإسلامي لم يتطرق إليه أحد بالرغم من اعتقادي أن أهل البيت(عليهم
السلام) بما يتناسب واحتياجات الناس في هذا الجانب في زمانهم لهم روايات تعطي
رؤية لتعامل الإنسان مع مسألة البيئة. ولكن عندما تمتد المشكلة وتكبر وتتضخم
إلى أن تصبح خطرا يحدق بالكون أو الكرة الأرضية هنا يجب على الفقيه أن يطلع
علىهذه المشكلة وهو ما نلمسه في هذاالجانب من علمية السيد الإمام إذ أنه
يتميز باطلاعه الغريب حول المواضيع. فالحكم يأتي كي يعطي رأي الإسلام
بالموضوع، فإذا لم يكن الفقيه ملماً إلماما كاملا بذلك الموضوع لا سيما أن
قسما من هذه المواضيع في طبيعتها معقدة لها جوانب يجب أن يلم بها
وبارتباطاتها بجوانب أخرى حتى يعطي حكما صحيحا. والإمام الشيراز ي كان متميزا
في ذلك ولذا قدم رؤية كاملة حول البيئة. كان الأمام الشيرازي - كما أسلفت-
واعيا بهذه الحياة التي يعيش فيها إلى مستوى وعيه بالمسألة الكونية.
بالإضافة لذلك أنه يمتلك عمقا قل نظيره في تاريخ
العلماء فهو الذي كتب أكثر من تفسيرللقرآن الكريم ومنها تفسير موضوعي لم يطبع
لحد الآن، وكتب في موسوعته كتابا كاملا عن القرآن الكريم، وجمع روايات أهل
البيت في المسائل المستدركة، وقرأ البحارأكثرمن مرة، وتباحث في وسائل الشيعة
ثلاث مرات، وكتب عن سيرة أهل البيت وخاصة سيرة الرسول الأعظم(صلى الله عليه
وآله) وقد كان مولعا بهذه الشخصية العظيمة حتى أنه كان يسمي كثيرامن المدارس
التي ينشئها أو الحسينيات باسم الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وكان
متتبعا سيرتهم (عليهم السلام) بدقة غريبة، وكان يسترشد بتلك السيرة في حياته
وهذا الجانب مما يجب أن يهتم به الدارسون لسيرة الإمام الشيرازي، ليعرفوا كم
استفاد من السيرة النبوية وسيرة أهل البيت(عليهم السلام) في استنباطاته
الفقهية وممارساته الحياتية.