الفهرس

 

 

 

 

لقاء الشهر

 

لقاء مع سماحة العلامة الشيخ مصطفى المرزوق

أجراه: حيدر السلامي

عدسة: أحمد الحسن

عادة ما تختلف الآراء، ويحتدم النقاش حول مسألة الدور الذي يفترض أن تلعبه الحوزة العلمية وجهاز المرجعية الدينية، داخل المجتمع الإسلامي في زمن الغيبة، فالبعض يلقي بمسؤولية إقامة الحكم السياسي على عاتق رجل الدين، ويعتبر أن من أهم واجباته قيادة الأمة، وتأسيس الدولة على أساس الشريعة الغراء، بل قد يذهب إلى أبعد من ذلك بمنح الفقيه الجامع للشرائط - حسب التعبير الفقهي - حق الولاية المطلقة على الجماعة الإسلامية برمتها، بينما يقتصر البعض الآخر على أطروحة إناطة المهمة الرقابية والإشراف المباشر أو غير المباشر بالفقيه، في حين يسلب آخرون الفقهاء ولا يتركوا لهم سوى بعض الأدوار الاجتماعية الضيقة، والممارسات الطقوسية والشعائرية المحدودة ليس غير.

ومما يطرح قريبا من هذا الصدد أيضا، مسألة العزلة التي يعيشها بعض العلماء عن مجتمعاتهم، والانفصام الذي تولده تلك الظاهرة بين مستويين من الفقه هما: العملي والنظري، وأسباب هذه الظاهرة ونقيضتها أي ظاهرة الاندماج الكلي أو الجزئي بالمجتمع وآثاره الظاهرتين معا.

ولا يبعد عن ذلك كثيرا، موضوع الدعوة لاتخاذ الطرق السلمية، وتطبيق أطروحة اللاعنف، بديلا عن أساليب الكفاح المسلح لحل شتى الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يضج بها عالمنا اليوم، وما ألصق بهذا الطرح من اتهامات وأحيط به من ملابسات وإشكالات.

عن هذه المسائل الفكرية والحركية وغيرها، يحدثنا سماحة العلامةالشيخ مصطفى المرزوق، الذي انتهزنا فرصة قدومه من السعودية لتجديدعهد الزيارة والتشرف بخدمة السيدة العقيلة زينب بنة الإمام علي بن أبي طالب(عليها وأبيها السلام)، وجرى لنا معه الحوار التالي:

●   كانت بداية الرحلة الدراسية من الكويت وتحديدا من مدرسة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، التي أسسها الإمام محمد الشيرازي(قدس سره).. ما الذي يميز هذه المدرسة؟

ما يميز هذه المدرسة أنها تستظل بظل مجدد عظيم وعملاق من عمالقة الفقه الإسلامي والفكر والعمل والتغيير الحضاري فإذا كان لهذه المدرسة تميز فهو تميز ناشئ من أنها خاضعة لتوجيهاته ورعايته الدائمة. أما على مستوى المناهج فهي تدرس إضافة للمناهج التي تدرسها بقية المدارس والحوزات دروسا أخرى لم تكن تدرسها البقية وتهتم بتنمية بعض المهارات التي يجب أن يتعلمها.

طالب العلم فعلى سبيل المثال كان هناك اهتمام خاص بالقرآن الكريم وتدريسه والاستفادة من كنوزه العظيمة وتدبر آياته الشريفة ضمن منهج علمي رصين وبإشراف أساتذة أكفاء، وكان هناك اهتمام بالتراث العظيم الذي تركه الأئمة عليهم السلام ففي مرحلة من المراحل يدرس نهج البلاغة واختيار نصوص تتعلق بالرؤية الحضارية أو الأخلاقية أو الاجتماعية أو السياسية أو الفكرية أو العقائدية، وفي مرحلة ثانية يدرس مختارات من كتاب تحف العقول ، ومن ناحية أخرى كان هناك اهتمام بتكوين مهارات يحتاج إليها كل طالب علم في هذا العصر على سبيل المثال هناك اهتمام بمسألة الكتابة وتخريج جيل من الكتاب الذين تقع عليهم مسؤولية نشر وتأصيل ثقافة الإسلام، وكان هناك درس آخر في الخطابة الحسينية والجماهيرية، وبالجملة كان هناك اهتمام بتوسيع مدارك الطالب في مدرسة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله من خلال دفعه لمطالعة مجموعة من الكتابات كمنهج للمطالعة الخارجية بالإضافة إلى الدراسة من أجل تعريفه بعصره وما يدور فيه من حوله في الواقع السياسي والحضاري والصراع المتصاعد والمتلون منذ قرون بين المسلمين وأعدائهم.. هذه الثقافة الإسلامية التي تحمل الأصالة والمعاصرة في ذات الوقت هي بالحقيقة تخلق من طالب العلم شخصية متميزة. ولقد كانت هذه المدرسة سباقة حتى على الحوزات العلمية فأتذكر بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران جاء أحدهم وقال إن الحوزة العلمية تفكر اليوم بتدريس نهج البلاغة بينما شرعت مدرستنا باعتماد نهج البلاغة في الدراسة منذ مرحلة التأسيس الأولى.

●   هل يمكننا القول بأن مدرسة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله هي صورة مصغرة لحوزة كربلاء المقدسة؟

في الواقع مدرسة الرسول الأعظم هي امتداد لما أسسه وسار عليه الإمام الشيرازي في كربلاء وكانت روح هذه المدرسة هي روح الإمام الشيرازي، حقيقة وبالإضافة لما ذكرت، كنا كطلبة علوم لا نشعر فقط بأننا طلاب علم بل حملة رسالة التغيير والعمل الاجتماعي والعطاء للناس، وهذا ما كان يؤكد عليه سماحته(قدس سره) إذ كان يقول يجب على طالب العلم أن يبلغ حتى لو كان في المراحل الأولى، فما تعلمه يجب أن ينشره ولذا ترانا كنا ننزل بين فترة وأخرى إلى المجتمع نمارس عمل التبليغ من خلال الهيئات الدينية، ونرتقي منابر الخطابة وما إلى ذلك من أنشطة إيجابية.

●   العامل المكاني.. هل لعب دورا ما في بلورة الشخصية العلمية للشيخ المرزوق؟

هذا يرجع إلى التسليم بفرضية أن هناك تأثير للأجواء أو المحيط الجغرافي أو الاجتماعي على الإنسان وهو بالجملة صحيح لكنه ليس حتميا، بمعنى أن الإنسان في كل منطقة يعيش فيها يعيش خصوصية معينة بسبب وجود تيارات معينة قد لا توجد في مجتمع آخر أو مشاكل معينة يواجهها الإنسان فهو يحتاج إلى حلول جديدة ربما لم تكن في ذهنه لأنه لم يواجه تلك المشاكل ولعل كذلك في كل منطقة هناك طاقات وكفاءات معينة تبلورت وبالتالي يمكن الاستفادة من تجربتها وتراثها العلمي إذن فالأجواء لاشك مفيدة.

مثلا في الكويت كنا نمارس النشاط الاجتماعي بشكل واسع ونتعاطى مع المجتمع تعاطيا مباشرا وكان هناك أكثر من مجال للالتقاء بالناس والاحتكاك بالجماهير المسلمة وغير المسلمة بشكل حرّ وكبير، وبالتالي فهذه الأمور تخلق عند الإنسان تجربة ونضج، أما في إيران فلأن الظروف كانت جديدة أوجدها الصراع ما بين الثورة الإسلامية وبين قوى الاستكبار العالمي، لا شك أن الإنسان يواجه واقعا جديدا، وبالتالي فهو يكرس اهتمامه بما يتعلق بهذا الواقع وليس بغيره سواء في اتجاه الحركة أو الفكر والتنظير ففي إيران كان التواصل الاجتماعي معدوما، والعلاقة مع المجتمع ضعيفة.

●   هل نفهم من كلامك أن الحوزة العلمية في إيران كانت تعيش العزلة عن المجتمع الإنساني ولا تهتم بواقعه؟

لا أستطيع أن أقول عزلة.. لكنها ليست كما الحوزة في الكويت أو الحوزة في منطقة السيدة زينب(عليها السلام)..

●   شيخنا.. يسود الاعتقاد بأن الانغماس في الحياة الاجتماعية للناس يسبب في تأخر طالب العلم.. هل هذا صحيح، أم أن لكم فيه تأملا؟

الانعزال ليس مسألة جغرافية يعني يذهب الإنسان إلى جبل وينزوي عن الآخرين. إنما الانعزال هو حالة نفسية يستطيع الإنسان أن يتحكم بها كما رأينا كثيرا من العظماء كانوا يعيشون في الوسط الاجتماعي ويمارسون كل الأدوار الاجتماعية ولم تعطل هذه الممارسة في لحظة من لحظات حياتهم التطور والإبداع العلمي بل كان مستمرا وناميا ومتميزا وبارزا في مسيرتهم، على سبيل المثال الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) الذي عاش في كربلاء ضمن وسط اجتماعي مفتوح، وكان يحمل على عاتقه مسؤولية جسيمة في حياة والده، وكان ساعده الأيمن، ومع ذلك كان مهتما بمسألة التبليغ والدراسة والمباحثة والكتابة وإدارة المسؤوليات العامة، وغير ذلك الكثير. وحتى بعد تصدّيه، وربما هذا النمط من العزلة التي يمارسها الإنسان بقرار ذاتي فيقرر أن هذا الوقت هو للدراسة وهذا للانفتاح على الناس.. هذه العزلة مع الوجود في المحيط الاجتماعي التي مارسها الإمام الشيرازي كانت الأرقى والأفضل وهي التي تغني وتسمن مسيرة الإنسان ونضجه لأنه مع انزوائه وعزلته ربما يراجع نفسه لكن لا يلاحظ التطورات سواء الاجتماعية أوالسياسية أوالاقتصادية، ولا يمكن أن يتفاعل معها ويعطي موقفه منها، ويتبنى رؤية معينة بشأنها.. العزلة التي نقرأها في الروايات هي تتعلق بما يعبر عنه بالمحاسبة أو المراجعة والمراقبة.. العزلة لها جانب تقوائي.. لماذا ننعزل؟ لدرء أخطار الاختلاط والاندماج.

●   وهل للاندماج بالمجتمع أخطار.. برأيكم؟

المشكلة في نوع هذا الاندماج.. قضية الاعتزال والاندماج ليس لهما قيمة ذاتية، إنما هو أمر نسبي يمارسه الإنسان ضمن ضوابط معينة، وليس الانعزال هو في حد ذاته هدفا وليس الاندماج في حد ذاته هدفا، فالإنسان عندما ينزوي عن الناس في ساعات الليل لكي يتعبد، لكي يحاسب نفسه، من أجل أن ينمي العلاقة بينه وبين الله وخلق حالة خلوة تجعل لعمله في المجتمع قيمة إذ العلاقة تكاملية بين الحالتين، والانفتاح يجب أن يكون ضمن ضوابط ولأجل أهداف وضمن رسالة يحملها الإنسان، وليس من أجل الانفتاح بحد ذاته، إذا لم يكن الانفتاح ضمن ضوابط وأسس وقيم عقائدية ينطلق منها الإنسان ورؤية متكاملة.. في حالة اندماجه ربما ينعكس ذلك سلبا وتظهر التأثيرات حتى على مستوى فكره في علاقته بالآخر على مستوى موقفه القيمي والأخلاقي إزاء أي قضية اجتماعية سياسية. الانفتاح بحد ذاته يحتاج إلى مراجعة دائمة من خلال المنهج الديني.

●   ما هي الخصوصية التي يتمتع بها فكر الإمام الشيرازي قدس سره؟

فكر الإمام الشيرازي ليس له خصوصية يتميز بها عن فكرالإسلام، ولا نستطيع القول أن هذا الفكر هو بدع من الفكر، بل خصوصيته جاءت من أنه استطاع يبلور ويبرز تلك الدرر المطمورة الموجودة في القرآن الكريم، وفي فكر أهل البيت(عليهم السلام) وسيرتهم وتراثهم، ومن ثم يعرضها أمام العالم ويقدمها بصورتها الحقيقية، وإلا هو ليس فكرا خارج الفكر الديني، لا.. بل هو العمق للفكر الديني، فالإمام الشيرازي هو امتداد لهذه المدرسة التي تحمل هم العمل والرسالة الدينية منذ قرون ابتداء بالمجدد الشيرازي مرورا بقائد ثورة العشرين وبتلامذة هذه المدرسة التي حملت العلم والعمل والتدريس والكفاح والجهاد، والتي كانت مهمومة بالإنسان وبالعبادة وبالعمل من أجل هذا الإنسان مسلما كان أو كافرا، بهذه الروحية وهي روحية الأئمة (عليهم السلام) انطلق الإمام الشيرازي(رحمه الله) إلى فضاءات الفكر الأوسع. وميزة هذا الفكرهي أنه فهم الدين كما يجب أن يفهم، نحن في المدرسة الإمامية نعتقد أن الدين ليس هو جانبا عقائديا فحسب. الدين رسالة للإنسان بكل أبعاده ولا يمكن أن نتصور أن الرسالة الدينية هي رسالة خاصة بفكر الأنسان.. تقوم أفكاره وتجعله كما في الفلسفة يرى الوجود كما هو، وإن كانت رسالة الإسلام تعتمد على العقل.

وليس الدين رسالة تختص فقط بالجوانب الفقهية التي تتعلق بالعبادات وبعض المعاملات، بل هي رسالة تتعلق بالإنسان بأكمله فردا ومجتمعا، فللإنسان عقل وعاطفة وسلوك. الرسالة الدينية باختصار هي رسالة موجهة نحو الإنسان فيجب أن تشبع جميع احتياجاته وشتى جوانبه وبتكاملية، فالجانب العاطفي مرتبط بالجانب العقلي والجانب الاجتماعي مرتبط بالجانب الفردي وبالعكس. إذن فهي رسالة يجب أن يقودها قائد يسعى إلى تطبيقها في الحياة وهذا هو مجمل فكرة الإمامة بمعنى أن هناك إماما يقود حركة الدين في الأمة، ويحافظ على القيم الدينية التي نزلت من السماء، ويحافظ على جوهر الدين من التحريف.

والإمام الشيرازي هو أحد النواب العاملين في عصر الغيبة وقد حمل رسالة الائمة، وتميز فكره بهذا الشمول وهذه الروحية. في الجانب الفكري لديه أطروحة متكاملة لا يمكن استيعابها في كلمات أو صفحات، بل لابد من أن تستقرئ هذا الفكر وتقرأ ما وراء السطور وتحاول أن تستلهم الدروس من هذا الفكر الذي تركه في مئات الكتب.

كان الإمام واعيا مرتبطا بالحياة غير منعزل عنها سواء في بلده الصغير كربلاء أو قم أو الحياة في محيطه كمرجعية دينية للتشيع أو الحياة في المحيط الإسلامي أو الحياة في هذا المحيط العالمي العام، بل حتى في المحيط الكوني. الإمام الشيرازي قدم في فقهه كتابا اسمه البيئة وهذا بحث جديد في الفقه الإسلامي لم يتطرق إليه أحد بالرغم من اعتقادي أن أهل البيت(عليهم السلام) بما يتناسب واحتياجات الناس في هذا الجانب في زمانهم لهم روايات تعطي رؤية لتعامل الإنسان مع مسألة البيئة. ولكن عندما تمتد المشكلة وتكبر وتتضخم إلى أن تصبح خطرا يحدق بالكون أو الكرة الأرضية هنا يجب على الفقيه أن يطلع علىهذه المشكلة وهو ما نلمسه في هذاالجانب من علمية السيد الإمام إذ أنه يتميز باطلاعه الغريب حول المواضيع. فالحكم يأتي كي يعطي رأي الإسلام بالموضوع، فإذا لم يكن الفقيه ملماً إلماما كاملا بذلك الموضوع لا سيما أن قسما من هذه المواضيع في طبيعتها معقدة لها جوانب يجب أن يلم بها وبارتباطاتها بجوانب أخرى حتى يعطي حكما صحيحا. والإمام الشيراز ي كان متميزا في ذلك ولذا قدم رؤية كاملة حول البيئة. كان الأمام الشيرازي - كما أسلفت- واعيا بهذه الحياة التي يعيش فيها إلى مستوى وعيه بالمسألة الكونية.

بالإضافة لذلك أنه يمتلك عمقا قل نظيره في تاريخ العلماء فهو الذي كتب أكثر من تفسيرللقرآن الكريم ومنها تفسير موضوعي لم يطبع لحد الآن، وكتب في موسوعته كتابا كاملا عن القرآن الكريم، وجمع روايات أهل البيت في المسائل المستدركة، وقرأ البحارأكثرمن مرة، وتباحث في وسائل الشيعة ثلاث مرات، وكتب عن سيرة أهل البيت وخاصة سيرة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وقد كان مولعا بهذه الشخصية العظيمة حتى أنه كان يسمي كثيرامن المدارس التي ينشئها أو الحسينيات باسم الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وكان متتبعا سيرتهم (عليهم السلام) بدقة غريبة، وكان يسترشد بتلك السيرة في حياته وهذا الجانب مما يجب أن يهتم به الدارسون لسيرة الإمام الشيرازي، ليعرفوا كم استفاد من السيرة النبوية وسيرة أهل البيت(عليهم السلام) في استنباطاته الفقهية وممارساته الحياتية.

●   وكيف تتعاطى المدرسة الشيرازية مع مفردات الحياة بكل أبعادها؟ ولنأخذ مثلا أطروحة السلم واللاعنف التي نادى بها السيد الإمام كحل حقيقي لكل الأزمات التي يعج بها عالمنا.

نظريةاللاعنف هي نظرية قديمة، ولكن كان التأكيد عليها في مرحلة تعدد المذاهب في كيفية تحقيق الانتصار وفي تلك المرحلة كانت الحركة الإسلامية متأثرة من حيث لا تشعر بطرح الحركة اليسارية التي كانت منتشرة بالعالم والتي كانت تعتقد بمبدأ الكفاح المسلح. أتذكر أن الكثيرين كانوا يتصورون أو يطرحون و يقولون بأن الإمام الشيرازي متأثر في نظرية السلم بغاندي ، وفي الواقع هذا الكلام أثبتت الأيام عدم صحته و كانت هنالك تصورات سيئة عن الأطروحة من قبيل أنها أطروحة تريد أن تنهي مبدأ الإسلام ورغم إنهم لم ينظروا أن من يطرح هذه الأطروحة هو فقيه من كبار فقهاء الإسلام ولديه كتاب كتاب مفصل حو ل أحكام الجهاد وهو باب الجهاد المفتوح، وهو إلى آخر لحظة من حياته قاوم الظلم في كل المراحل من حياته في داخل العراق وفي خارج العراق.

الإمام الشيرازي ينطلق في أطروحة السلم واللاعنف من تلك السيرة العطرة لأهل البيت(عليهم السلام) ومن تلك الروح الإسلامية والقرآنية ومن الفكر الذي ينادي بالسلم والأمن ولا يمكن أن يدعي أحد أنها ردة فعل أو تأثر من خارج الدين الإسلامي بل هي نظرية إسلامية خالصة، وليس هنالك أي ثأثير خارجي لهذه النظرية ربما يتحسس البعض من هذا الإسم(اللاعنف) لأنها حالة سلبية، لكن دعنا نستعير تعبير أحد الكتاب المعاصرين الذي عبّر عنها بالجهاد المدني، فهي حالة جهاد لكنه جهاد يعتمد على كرامة البشر ويعتمد الطريق الأقرب والأسهل للإنتصار والإنتصار لايتحقق بالدبابات والأسلحة، بل يتحقق بالعقل فهذه النظرية كانت واضحة لدى الإمام الشيرازي حتى أن بعض المفكرين أوالمريدين والذين كانوا يتقربون إلى عمل آخر كانوا يرون إلى هذا الفكر بشكل غريب ومتحيّر لأنه فكر غريب، وفكر سابق على زمانه، ولذا قال السيد المرعشي متحدثا عن الإمام الشيرازي: (هذا الرجل لم يفهم إلا بعد عشرين سنة) لهذا كان يوجد استغراب لهذا الفكر، ولكن الزمان أثبت و بجدارة مدى عظمته، والأيام المقبلة كذلك قد تشهد دقة وموضوعية كثير من آرائه.. الإمام الشيرازي في نظريته السلم واللاعنف سبق تلك الاتجاهات التي تعيش في العنف و التي كانت سبب قصور الأمة.....

●   ترى سماحة الشيخ من أين نشأت هذه التابعية والإحساس بالذيلية أحياناً للحركات والأفكار الأجنبية، وكمثال على ذلك أن كثيراً من الناس ينسب نظرية السلم واللاعنف إلى غاندي ويعتقد بأن الإمام الشيرازي قد تأثر به، بينما الحقيقة أن غاندي قد تأثر بالإسلام وقال معترفا: علّمني الحسين أن أكون مظلوما فأنتصر؟

الإمام الحسين هو المعلم الأبرز لهذه النظرية لأن الإمام الحسين لم يمارس العنف مع أعدائه، وإنما هو مارس حق الدفاع عن نفسه وبطريقة سلمية إذ طلب منهم خياراتٍ متعددة ولكنهم رفضوا. والمشكلة أن الناس في بلادنا لا يقرأون الواقع التاريخي ولا حتى الواقع الراهن قراءة صحيحة، ويرجع ذلك إلى أسباب منها الوقوع في شراك الدعاية المضادة للإسلام التي يشنها الاستكبار العالمي عبر قنواته المتعددة وأساليبه المتطورة الكثيرة وأياديه الخبيثة المتحركة في وسط مجتمعاتنا، في الوقت الذي لا نمتلك فيه أبسط الوسائل الوقائية، بل نحن قد اعتدنا أن نعيش استهلاكيين وبلادنا ما هي إلا سوق مفتوح لترويج أي جديد قادم من الغرب وبالتالي فليس غريبا أن نفقد الثقة بتراثنا رغم كل ما يزخر به من كنوز عظيمة، وننظر إلى المستورد نظرة الانبهار بل والتقديس أحيانا.

غير أننا في الواقع لا يمكن أن نعزو هذا التصورإلى شخص ما أو جهة ما أو سبب ما واحد لكن في بعض الأحيان قد نقارن بين ما يصدر إلينا وبين ما نمتلكه كأمة وأفراد وبهذا نصل إلى هذه النتيجة من الإحساس بالتابعية للآخرين، لأننا كما قلت لا نحسن قراءة الأشياء قراءة صحيحة.

مع كل ذلك فإننا لا ينبغي أن يفقد الأمل ولا يمكن أن نتغافل عن التطور الذي بدأنا نشهده في الواقع الإسلامي منذ بداية السبعينات وبالذات عندما بدأ المد الإسلامي بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران والتي كانت بحق نموذجا لانتصار منهج اللاعنف. فالثورة الإسلامية انتصرت ومنذ اليوم الاول بهذا المنهج بمنهج الوردة في مقابل الدبابة والكلمة الطيبة في مقابل الرصاصة.