●
يجيب المفكر الإسلامي
(زكي الميلاد) بأن هذه النظريات أو المقولات الثلاث، (صدام الحضارات، وحوار
الحضارات، وتعارف الحضارات)، إنما تتعدد وتختلف بحسب اختلاف وتعدد أنساقها
المعرفية. فكل واحدة منها لها طبيعتها النسقية المتميزة بها، والمكوّنة لعناصرها
ومكوناتها الذاتية وملامحها الكلية.
فصدام الحضارات: هي نظرية تفسيرية أو هكذا أراد أن يصورها
هنتنجتون لكي يدافع عنها، ويقنع بها، ويقطع على الآخرين شكوكهم وهواجسهم
واحتجاجاتهم. فقد أراد هنتنجتون - كما يدعي - أن يقدم نظرية كلية يربط من خلالها،
ويفسر بواسطتها الأحداث والوقائع والنزاعات المتناثرة والمفككة والمتفرقة بين
جغرافيات العالم، والتي لها طبيعة النزاعات والصدامات والحروب المشتعلة والمتفجرة
منذ زمن طويل، وترجع لأسباب وخلفيات دينية وعقائدية وثقافية، كالنزاع الطويل بين
الهند وباكستان ابتداء من انقسام باكستان الإسلامية عن الهند الهندوسية، وصولاً إلى
إقليم كشمير، أو النزاع بين تركيا واليونان حول جزيرة قبرص المقسمة دينياً بين
شطرين إسلامي يدين بالولاء لتركيا، ومسيحي أرثوذكسي يدين بالولاء لليونان. أو
بانفجار الصراع في يوغسلافيا وانقسامها دينياً بين سكان البوسنة المسلمين، وبين
الصرب المسيحيين الأرثوذكس والكروات المسيحيين الكاثوليك. وهكذا النزاع في ايرلندا
بين الأقلية البروتستانتية والأغلبية الكاثوليكية. بالإضافة إلى الصراع العربي
الإسرائيلي على فلسطين. إلى جانب نزاعات وصدامات أخرى في قارات مختلفة.
لذلك فإن هذه النظرية تنتمي إلى المجال السياسي وتتحدد به.
وأن هنتنجتون تعامل مع الثقافة أو الحضارة من خلال معايير وتقنيات ومنهجيات علم
السياسة، وهو مجال اختصاصه الأكاديمي والمهني والوظيفي. والمشكلة في هذه النظرية هي
أنها لم تقف عند حدود الأبعاد التفسيرية كما أراد أن يصور ذلك هنتنجتون، وإنما
تجاوزت ذلك إلى أبعاد إنشائية وتحريضية، حيث كانت تصور دائماً وكأنها تحذر الغرب من
صدام مع بقية الحضارات غير الأوربية وبالتالي أن يحافظ على تفوقه ويكون في مستوى
مواجهة مثل هذا الاحتمال لكي لا يفقد حضارته أو تفوقه على مستوى العالم. وهذه
الخلفيات هي التي أثارت حفيظة العالم ومخاوف المجموعات البشرية، وحرضت على سجال هو
الأوسع من نوعه في تاريخ العالم المعاصر.
أما حوار الحضارات: فهي نظرية أراد منها غارودي أن تكون
خطاباً نقدياً وعلاجياً لأزمة الغرب الحضارية - كما يصفها - ولأنماط علاقاته
بالعالم والحضارات غير الأوربية. كما أراد منها أيضاً أن تكون خطاباً موجهاً إلى
الغرب بصورة أساسية. لذلك فهي تنتمي وتصنف على النظريات الغربية التي تنطلق من نقد
التجربة الغربية والفكر الغربي. ومن حيث نسقها المعرفي فهي تنتمي إلى المجال
الثقافي وتتحدد به لأنها تركز على الأبعاد الثقافية والفكرية والأخلاقية.
وأما حوار الحضارات: في رؤية السيد محمد خاتمي فقد جاءت
استجابة لبعض المعطيات والضرورات السياسية في الدرجة الأولى، ومن أجل أن تكون
خطاباً نقدياً بديلاً لخطاب صدام الحضارات. وقد ظلت تتحدد في هذا النطاق ولم تتحول
إلى نظرية واضحة ومتماسكة، وما زال العالم العربي والإسلامي يفتقد إلى نظرية تعبر
عن رؤيته في كيفية التقدم والتحضر، وعن أنماط علاقاته بالعالم.
فإذا اعتبرنا صدام الحضارات بوصفها نظرية تفسيرية، وحوار
الحضارات بوصفها نظرية نقدية أو علاجية، فإن تعارف الحضارات هي نظرية إنشائية بمعنى
أن القاعدة فيها هي الإنشاء وليس الإخبار، فقد جاءت لإنشاء شكل العلاقات المفترض
بين الناس كافة حينما انقسموا إلى شعوب وقبائل كما نصت الآية الكريمة التي أطلق
عليها بآية التعارف، في سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ
مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[الحجرات:
13].
فالتعارف هو المفهوم العام والكلي والجامع والشامل الذي
اختارته هذه الآية في تحديد النمط العام لعلاقات الناس كافة مهما تعددت وتنوعت
أعراقهم وسلالاتهم، لغاتهم وألسنتهم، دياناتهم ومذاهبهم، تاريخهم وجغرافياتهم. ولأن
خطاب الآية إلى الناس كافة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، ولأن الحديث عن شعوب وقبائل
وليس عن أفراد، أي أنه حديث عن أمم ومجتمعات وتجمعات لذلك فقد جاز لنا تطبيق هذا
المفهوم على مستوى الحضارات، ومن هنا تحدد مفهوم تعارف الحضارات. فهي نظرية مستنبطة
من القرآن الكريم، وهو الكتاب الذي بإمكانه تحديد وصياغة العناوين أو المفاهيم
الكلية والعامة والجامعة والشاملة، إذا جاءت في سياق يقتضي هذا الشأن -كما هو الحال
في آية التعارف- علماً بأن جملة (شُعُوبًا وَقَبَائِلَ) لم ترد في القرآن الكريم
إلا في هذه الآية. لهذا فإن تعارف الحضارات فيها من المقومات والركائز والشرائط
بالشكل الذي يجعلنا نطلق عليها مصطلح النظرية.