الفهرس

 

 

 

 

لقاء الشهر

 

الشاعر الحسيني محمد علي النادب الكربلائي

أجرى اللقاء: حيدر السلامي

عدسة: محمد رزاق

ذات يوم حدثني أحد الأصدقاء وهو رادود حسيني، قد تتاح لنا فرصة لقائه في الأيام المقبلة، عن شاعر أهل البيت (عليهم السلام) الحاج محمد علي النادب صاحب(الدموع النادبة) وجعل يعدد لي الصفات الجميلة والأخلاق النبيلة التي يتمتع بها هذا الرجل.

وكانت أبرز صفة تميزه -كما يقول صاحبي- شدة تعلقه بالإمام الحسين (عليه السلام)، وكثرة ذكره لهذا الاسم المعظم خلال أحاديثه مع الآخرين، فسنح لي أن أقول يومها:

لهوى الحسين بكل قلب منبر ولحزنه مع كل ذكر نادبُ

ولم تمض على ذلك إلا أيام معدودات، إذا بأحدهم يقدمني للتعرف إلى الأخ الحاج أبي مرتضى النادب وكان قد وصل تواً من إيران إلى سوريا للتشرف بزيارة عقيلة بني هاشم السيدة زينب (عليها السلام)، فجلسنا معاً نتحاور في موضوعات عدة، فوجدته يفوق الوصف بكثير، فهو متواضعً طيبً ودودً، لا يبصر الأشياء بعينيه وإنما يتلمسها بنقاوة قلبه ويفيض على جميع خلق الله بمشاعره ولا يني يذكر سيد الشهداء (عليه السلام) ويستعبر فعلمت أنه مصداق للمؤمن الموالي لآل بيت النبوة صلوات الله عليهم أجمعين، مما حدى بي أن أنقل حواري معه إلى القارئ الكريم وهذا هو:

●  كيف يعرف النادب نفسه؟

بسم الله الرحمن الرحيم.. السلام على سيدي ومولاي أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) الذي شرفني الله بالولادة في مدينته المقدسة كربلاء، وكان ذلك عام 1952م.

متزوج ولي أربعة أولاد، احمل شهادة الدراسة الإعدادية وبسبب الظروف القاهرة التي واجهتني بعد التهجير إلى إيران لم أستطع مواصلة الدراسة الأكاديمية إلا أنني استفدت كثيراً من الحلقات التعليمية التي كنت أحضرها في دار آية الله العظمى المرحوم السيد محمد الحسيني الشيرازي صاحب الفضل الكبير على العراقيين المهجرين في إيران.

●  متى بدأت رحلة الشعر الحسيني وأين وبمن من الشعراء تأثرتم؟.

كانت البداية في كربلاء المقدسة حيث مواكب العزاء الحسيني التي تجوب شوارع المدينة والمحافل والمنتديات العديدة التي تفيض بمشاعر الحب الصادق والمواساة لأهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، وحيث قبل كل شيء القبتان والمنائر الذهبية التي تناطح السماء علوّاً ومجداً وشموخاً لتذكر الزمان دائماً بسمو الإخاء الحسيني العباسي ووفاء الأهل والأصحاب الذي صار أنشودة الأجيال بفضل كربلاء الأحرار ولا أتذكر كم كان عمري حين بدأت نظم الشعر فمنذ صباي وأنا أكتب وأعرض ما أكتبه على بعض الأساتذة الشعراء أمثال السيد صاحب يونس شمس الفقهاء والسيد محمد علي الشامي وغيرهم، وقد لازمت لفترة الشاعر الكبير المرحوم الشيخ كاظم منظور والرادود المرحوم حمزة الزغير وأفدت منهما الكثير وكم كنت أتمنى أن أكون مثل شيخ كاظم أو مثل سيد حيدر الحلي أو أخيه سيد جعفر الحلي أو الشريف الرضي أو الكميت او الفرزدق أو دعبل فهؤلاء كلهم قد نالوا شرف الخدمة الحسينية المباركة ويا ليتني كنت مثلهم لأنال ما نالوا.

●  من قرأ لك من الرواديد؟

كثير من الرواديد في إيران قرأوا لي منهم الملا جليل الكربلائي، السيد حسن الكربلائي، الملا حيدر القباني الملا حيدر الكرخي، الملا هاشم السندي وغيرهم.

●  هناك رأي يذهب إلى أن القصيدة الحسينية قد استنفدت طاقاتها ولم تعد تحتمل زخماً أكبر من العطاء.. ما قولكم بذلك؟

إنني اختلف مع هذا الرأي تماماً وأؤكد أن القصيدة الحسينية ما زالت بروحيتها وجذوتها المتأججة دائماً وما زالت شجرة مباركة تؤتي أكلها كل حين،وأنا لا أضرب لك مثلاً ولكني أقول لك إنزل إلى الشارع الشيعي لترى عظمة العطاء الثوري والعقائدي والاجتماعي الذي تمنحه القصيدة الحسينية.

●  وهناك من يدعي انحسار الدور التثقيفي والتربوي الذي كانت تؤديه قصائد الرثاء الحسيني، لأنها اقتصرت على موضوعة المأساة فحسب؟ فهل هذا صحيح؟!.

هذا القول شبيه بسابقه وهو تجنٍ على الحقائق وإسراف في الاتهام ولا أعلم دوافعه ولكني أقول القصيدة الحسينية كانت وما تزال لها حضورها الفاعل في المجتمع وعلى كل المستويات السياسية والاجتماعية والتربوية والدينية ولا مجال لإنكار ذلك وبالإمكان التأكد، فالقصيدة الحسينية ليست بعيدة عنا لكي نطلق الأحكام عليها غيابياً وإنما هي حية موجودة ملء السمع والبصر لأنها وسيلة من وسائل إعلام الثورة الحسينية المباركة، كما إنها الروح لذكرى عاشوراء الحسين (عليه السلام).

●  من يضع الأطوار للقصائد الحسينية بنوعيها(المديح والرثاء)؟

غالباً الرادود هو الذي يضع الطور بما يناسب صوته وقابليته.. ولا يبعد أن يضع الشاعر بعض الأطوار إن تمتع بسماع جيد وربما يتعاون الشاعر والرادود ليضعا الطور الذي يريانه مناسباً للكلام المنظوم.

●  يتهم الرادود اليوم باقتباس الأطوار من الأغاني ما قولكم بذلك وما هو موقف الشرع الإسلامي منه؟

هذا اتهام باطل ومردود من جهات منها: أننا لم نعرف رادوداً يستمع إلى الغناء أصلاً وذلك للحرمة المترتبة عليه والرادود رجل متشرع لا يمكن تصوره يعمل الفسق- نعوذ بالله- ومنها: أن تشابه بعض النغمات بين القصيدة الحسينية، والأغنية أحياناً لا يعني بالضرورة اقتباس إحداهما من الأخرى وإنما يعود سبب التشابه المفترض إلى أن الاثنتين ترتكزان على ما يسمى بالمقامات أي أنهما يعملان على أرض واحدة لذا فلا يسلمان من وقوع بعض التشابه، ثم إنني كنت أسمع من بعض الرواديد والشعراء القدامى أن كثيراً من الملحنين العراقيين كانوا يحضرون مجالس اللطم الحسيني وقد حدث أنهم اقتبسوا من الأطوار الحسينية ونقلوها إلى ساحة الغناء، أما من الناحية الشرعية كما -تفضلتم- فالأمر فيها يرجع إلى الفقهاء المراجع وليس لي، وأنا فيما أعلم أنهم يستمعون إلى قصائد الرثاء الحسيني بالأطوار المعروفة ولم يفت أحد منهم بحرمتها والله العالم.

●  اللهجات.. هل تشكل عائقاً أمام الشاعر الشعبي في نقل المعاني والصور التي يريد توصيلها إلى شعوب عربية أخرى تتحدث بغير لهجته؟

أعتقد أن اللهجة العراقية مفهومة لدى العرب جميعاً لأنها قريبة من الفصحى وقد لعبت دور السفير للمراثي الحسينية ردحاً طويلاً في كل الأقطار العربية فأصبحت معروفة عندهم ومحبوبة ولا يقف بوجهها عائق بل إنني أعرف شعراء خليجيين ينظمون باللهجة العراقية الدارجة ولا يجدون صعوبة في ذلك أبداً.

●  ما هي عوامل نجاح القصيدة وعوامل خلودها في الذاكرة الشعبية؟

كل القصائد الحسينية خالدة في سجل الإمام سيد الشهداء (عليه السلام)، ولكن بعضها شمخت بالخلود ونجحت بإحراز قصب السبق والبقاء في الدنيا والآخرة كليهما.. وفي رأيي أن عوامل النجاح والتي ستكون هي نفسها عوامل الخلود تتلخص بصدق تعبيرها وسلاسة لغتها ووضوح عباراتها وحلاوة أسلوبها وقوة تأثيرها في النفس الإنسانية.

●  تطلق تسمية (مدرسة) على بعض رواد المنبر الحسيني ما المقصود بها وما مدى واقعية هذه التسمية؟

معنى هذه الكلمة هو أن هذا الشخص المسمى بها قد تميز بأسلوب خاص متفرد لم يسبقه إليه أحد فهو فاتح ومؤسس لنهج جديد في الأداء بالنسبة للرادود وفي الطريقة بالنسبة للخطيب وفي النظم بالنسبة للشاعر.

أو لعله يقصد بهذه التسمية أن هذا الشخص قد ترك أثراً كبيراً في مساحة زمنية طويلة أو في أشخاص تبعوه في منهجه وقلدوه في طريقته فصار بمثابة مدرسة تخرج فيها عدد من الناس.

وبالفعل هناك أسماء تحولت إلى مدارس في ميدان الخدمة الحسينية بأنواعها كالوائلي خطيباً وحمزة الزغير رادوداً وكاظم منظور شاعراً فهؤلاء وغيرهم كانوا بحق مدارس كما قد سبقهم زمنياً خطباء وشعراء ورواديد شكلوا مدارس تركت بصمتها في حركة المنبر الحسيني ربما لم نعرف عنهم الكثير بسبب غياب أجهزة الإعلام والتسجيلات في زمانهم وقد قيل أن لكل زمان دولة ورجال.

●  البعض يحاول تكريس حالة التفرقة من خلال التنويه بوجود صراع بين ما يسميه مدرسة كربلاء ومدرسة النجف.. بماذا تعلقون على ذلك؟

أنا أقول بأن المدرسة العلوية الحيدرية هي عيني اليمنى والمدرسة الحسينية هي عيني اليسرى ويداي وقلمي حراس لكلا عينيّ.. فما من صراع بين الاثنتين إطلاقاً ومن يحاول تكريس ذلك فهو فاشل ولا يحسن فعل شيء إلا الخوض في سفاسف الأمور.

وأحب ان أشير إلى أن الحسين (عليه السلام) ليس حكراً على أحد وإنما هو إمام معصوم مفترض الطاعة عالمي الفكر والعطاء وقد استمد عالميته من جده الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي بعث للناس كافة.

●  سؤال أحببت أن نطرحه عليك فلم نفعل.. ما هو وبماذا تجيب عليه؟

في الواقع لم تتركوا شيئاً إلا وتفضلتم بطرحه والسؤال عنه ولكني أحببت أن أسألكم لماذا اخترتم العبد الفقير لإجراء هذه المقابلة معه؟

جوابنا إنك من خدام الحسين (عليه السلام) ومن ضمن رسالتنا كصحفيين إسلاميين العناية بكل ما يمت بصلة للإسلام والرسول والأئمة الطاهرين وشيعتهم أو خدمتهم ونشر ثقافتهم والتعريف بهوياتهم وعرض نتاجاتهم لكل أبناء الأمة كي ينهلوا من معينهم الصافي.

وفي نهاية لقائنا نشكركم وندعو لكم بالتوفيق الدائم لنيل وسام الخدمة الحسينية بأعلى مراتبها.

شكراً لكم ووفقكم الله لخدمة الثقافة والإعلام الإسلاميين، وجزاكم الله عن خدام الحسين (عليه السلام) خير جزاء العالمين.