فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لا شك أن الجمود المنهجي والأصولي أحد أسباب تكلّس القيم والمنطلقات الفكرية في الفكر الإسلامي حيث يفضي إلى عدم قدرتها في التعاطي مع متغيرات الواقع الاجتماعي والسياسي وإدارة المرحلة التي تمضي التيارات الإسلامية والفكرية في تلازم وتداول مجرى الحياة اليومية فيها.

وقد ابتليت التيارات الفكرية الإسلامية بمطب الجمود الفكري وهروبها إلى دفة التشريع الجامد والاعتقادات الماضوية، حتى ظلت لسنوات عديدة (تستحي) من التغيير الفكري ومواكبة التطور والنمو العقلي، فظلت تحوم حول جملة متبنيات وأدبيات متهالكة دون أن تسعى لتطوير أصولها المعرفية وإيجاد منافذ ثقافة متأصلة حية للعمل الإسلامي.

ولعل من أكثر المصطلحات المعرفية تعرضاً للتدهور والتباين والتشويش مصطلح العنف والجهاد ودرجة التقارب والتضارب والتقاطع بين المنحنيين، والخشية الدائمة من استثارة المصطلح ومناقشته في أروقة ومنتديات التداول الفكري خوفاً من افتقاد عناصر الحركة أو خشية من استنهاض مرض الترهل والجمود في عناصر التحول أو رهبة من اتهامها بالانهزامية أو جنوحها نحو الفكر التبريري والمصلحي الذي يبدو كشبح رابض على عقول قادة ورجالات الحركات.

إن هذا ناشئ من اضطراب معرفي (فعسر إدماج هذه المفاهيم في صيرورة الفكر والواقع الإسلاميين ناتج عن اضطرابات معرفية جوهرية حدثت من عملية النقل المفهومي. وتعود جذور هذه الاضطرابات إلى تباين أنساق التطور بين المجتمعات الإسلامية والغربية، لذلك حدثت عملية محاكاة أو تقليد دون أن تحدث عملية استيعاب وتصور وإدراك وهو ما يفسر أن مفاهيم الديمقراطية والوطنية والقومية والعلمانية والحداثة أيضاً بقيت إلى يومنا هذا مظاهر دون مضامين وباتت إشكاليات يدور حولها الصراع الفكري)(1).

في الوقت ذاته لا نزال نلحظ تبايناً يصل إلى حد التناقض في المصطلحات المتداولة في ساحة العمل خاصة في مفردة العنف، فبعض يحلو له أن يطلق عليها بالجهاد وآخر يسميها النضال ومن يرفضها جملة وتفصيلاً ومن يحبذها بعللها، فيما فريق يقتطعها ويجزئها حسب أهوائه وطبيعة الموقف وتغير الظروف!!

هذا الخلل المعرفي لا بد أن يدفع رواد الفكر لصياغة تصور موحد حول ممل مصطلحات العمل الإسلامي وإيجاد مضمون إدراكي واضح لمفهوم اللاعنف ناهيك عن أهمية الشجاعة الأدبية في استثارة الأفكار المتجددة دون خشية جيل التقليديين أو انتفاض العاملين وتقديم الاستقالات الواحدة تلو الأخرى..

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نلحظ أن عالمنا الكوني يغرق في معمعة الحروب والنزاعات الدولية والعسكرية وحتى المدنية، وفي ظل النظم العسكرتارية والإرهابية التي تمارس فنون القتل والتعذيب والإبادة البشرية دون أن يهتز لها عرق، حتى أضحى الإرهاب والعنف من أكثر المشاكل التي تؤرق المجتمع الإنساني وتهدد وجوده.

حيث يصرف عالمنا 500 آلف مليار دولار للتسلح سنوياً وتؤكد التقارير أنه إذا نشبت حرب عالمية سيسقط 200 مليون قتيل في الساعات الأولى من بدء الحرب، ولو أردنا إعدام هذا العدد كم ساعة سيستغرق لتنفيد المهمة!!

في الوقت نفسه يتهدد العالم بين الفينة والأخرى حرب نووية حيث تشير التقارير أن الذي سينجو من الضربة النووية الأولى في الحرب القادمة سيظل يعاني من الإشعاعات النووية لمليون جيل!! هذا إذا تغاضينا عن الأسلحة البيولوجية والكيماوية حيث أن مائة طن منها تكفي لإنهاء الحياة على وجه الكرة الأرضية بأكملها!!!

هل يحق لنا أن نتساءل لماذا نفكر بجنون ولماذا عالمنا مجنون مجنون!! لماذا نتجه نحو الإرهاب والعنف ونبارك ذبح البشر ونحرهم، ثم نصفق لأولئك المتلوثون بدم الجرائم والإبادات البشرية لمجرد اعتلائهم كراسي متهرئة ويربطنا بهم مصالح ومال وثمة صفقات تتم في الهجير وتحت الطاولة!! لماذا نلهث خلف الجنون برغم أن رؤوسنا تحمل عقلاً نيراً يرشدنا إلى إحداثيات الصواب والخطأ.

إننا مطالبون أن نفكر كبشر ونتأمل واقعنا من منطلق إنسانيتنا ونعبّد طريق التعقل من أجل مستقبلنا ومستقبل أجيالنا ومن أجل حياة فضلى يعسعس الاستقرار والأمان لشعوبنا وعالمنا الزاهر، محاولين استلهام تجسيد فلسفة اللاعنف ومفاهيمها الإدراكية من وحي تصوراتنا الشخصية ومراقبتنا للأحداث والوقائع الحادثة.

إن هذه الدراسة المتواضعة محاولة للتفكير البشري في أكثر المصطلحات المعرفية اضطراباً ألا وهو اللاعنف وسنحاول أن نجسد فلسفة اللاعنف ومفاهيمها الإدراكية مستمدين من تجارب الواقع العملي والحياتي وتجارب الحركات الإسلامية، راجين أن نوفق لتحقيق قدر يسير في كشف اللبس وإعانة الإنسانية مسيرتها الخالدة متمنين أن يمد الآخرون لنا يدهم لتسديد الأفكار وتلاقحها من أجل صالح وخير أمتنا.

المؤلف

 

1 ـ (أحمد زكي نحو معجم معرفي لمصطلحات العمل الإسلامي - مجلة البصائر العدد 9).