|
الفصل الرابع: العبودية (الارادة الحازمة والعمل الخالص) |
|
{ 213 } الارادة الربانية محور مركزي في الشخصية الاسلامية : قد نطلق كلمة (الارادة) ونقصد بها الاختيار، وإعمال القدرة في ترجيح جانب الفعل او جانب الترك، فنقول : ان فلاناً اراد كذا، ولم يرد كذا.. وقد نطلق كلمة (الارادة) ونريد بها الشوق الى الفعل، أو بعضه بالنسبة الى تركه فيقول الاصولي، ان منا مبادئ الحكم.. الملاك والارادة.. وقد نطلقها ونريد بها الجهاز الحاكم في الشخصية الذي يسيطر على رغبات النفس، فيمنع من بعض الافعال، ويلزم بالبعض الآخر.. ومن هنا يقال : ان ارادة فلان ضعيفة بمعنى، انه منساق مع رغباته، وليس لديه القدرة على التحكم فيها، وارادة فلان قوية بمعنى أن لديه قدرة كافية على التحكم في الاهواء، والرغبات الشائعة الآنية.. وهذا هو المقصود. ويتلخص هذا الجانب في شخصية الانسان المسلم في (حلول الارادة الربانية محل الارادة الشخصية) بحيث تكون ارادة المسلم، وجهازه الحاكم في شخصيته ممتثلاً لارادة الله تعالى الارادة التشريعية بالطبع(1) ومنسجماً معها ولهذه الارادة التي تشكل العنصر الثالث البارز في الشخصية الاسلامية - مضافاً الى عنصري الايمان، والحب - حيثيات، وجهات ثلاث : 1 - القدرة على التحكم في الاهواء، والشهوات، والسيطرة عليها، ومخالفتها، والارادة من هذه الجهة تسمى ب(الصبر) . { 214 } (الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا ذهب الرأس ذهب الجسد، واذا ذهب الصبر ذهب الايمان) 2 - انسجام هذه الارادة، وتوافقها مع الارادة الربانية التشريعية.. وتسمى الارادة بهذا اللحاظ ب(الطاعة) أو (الالتزام). (تلك حدود اللّه ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار، خالدين فيها، وذلك الفوز العظيم، ومن يعص اللّه ورسوله، ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين)(النساء / 14) (وما كان لمؤمن أو مؤمنة اذا قضى اللّه ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة) 3 - انبعاث الارادة الشخصية عن الارادة الالهية أو عن دافع ديني عام وهذا هو (الاخلاص). (وما امروا الا ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين حنفاء). وسندرس هذه الجوانب الثلاثة إن شاء الله.. وندرس معها ايضاً.. قضية (التعقل) في السلوك بوصفه بعداً آخر للارادة المسلمة.. وقضية { 215 } (التوكل) بصفة عملية تعزيز لارادة المواجهة والاقدام في شخصية المسلم. والشخصية الاسلامية.. باعتبار تمكن الارادة الربانية فيها.. تخرج في سلوكها، ومواقفها من دائرة السلوك الفطري الشهوي الى دائرة السلوك الهادف، والملتزم.. ومن دائرة السلوك الفوضوي المزدوج الى النظام، والوحدة والتماسك.. ومن دائرة السلوك الاناني الذاتي.. الى دائرة السلوك الغيري، الاخلاقي.. وبهذا يتجلى الفرق من هذه الناحية بين الشخصية العادية، وتصرفاتها الجاهلية التي لم يتمكن فيها الايمان الجاهلي. ولم يدخل الايمان في وجدانها، وقلبها، وبين الشخصية الاسلامية. (*) الشخصية الجاهلية تعيش على شهواتها، وغرائزها الفطرية المصاغة بصيغة اجتماعية مادية.. وبهذا تكون لديها الغرائز (طاقة) و(دافعاً) و(غاية) اما في الشخصية الاسلامية فالغرائز لا تكون في العموم سوى طاقة نفسية، ولكنها طاقة تستخدم في غايات اسمى ولخدمة هدف اخلاقي معين، وانسجاماً مع خط رسالي خاص وهذا معنى خروج الشخصية الاسلامية من دائرة الفطرية والشهوة الى دائرة الالتزام والهدفية. (*) والانسان له شهوات متعددة، وغرائز مختلفة وميول متباينة - نابعة من الغرائز، والشهوات الفطرية والشخصية الجاهلية لا تملك (المحور المركزي) والقيادة المركزية التي تنسق بين هذه الشهوات، والغرائز، والميول وبذلك فهي تعاني من الفوضى والتعدد، والازدواج والاضطراب { 216 } النفسي.. اما الشخصية الاسلامية فهي على العكس، تمتلك هذا المحور المركزي، متمثلاً في الارادة الربانية، والحس الاخلاقي المتعلق بالله تعالى، وهي بذلك تحقق (وحدة) الشخصية، وانسجام طاقاتها، وتلاحمها لخدمة هدف معين.. وهذا معنى خروج الشخصية الاسلامية من دائرة السلوك الفوضوي المزدوج الى النظام، والوحدة والتماسك الذاتي. (*) - والشخصية الجاهلية - التي تنتمي الى الحضارة الجاهلية في أي وقت، واي مكان - شخصية انانية لا تعمل لسوى ذاتها، ولا تخدم غير اغراضها الشخصية والشخصية الاسلامية شخصية اخلاقية تسعى الى مثل اخلاقي اعلى يحقق للمجتمع مصلحته في الوقت الذي يحقق فيه للفرد مصالحه الشخصية.
«الشخصية الاسلامية والشخصية المزدوجة» اذن فالشخصية الاسلامية هي التي تشكل الارادة الربانية فيها المحور المركزي، والجهاز الحاكم الذي ينظم لها عملياتها السلوكية، ومواقفها في الحياة.. وتصرفاته الخاصة في الاسرة والمجتمع.. ولا توجد ارادة اخرى تفوق، او تساوي، او تقارب هذه الارادة الربانية فيها.. وفي مقابل ذلك نجد في واقعنا.. ما يمكن تسميته ب(الشخصية المزدوجة) من الناحية الدينية.. والازدواج في الشخصية من الناحية الدينية هو، تشتت قواها، واتجاه الدوافع المتقاربة في القوة الى { 217 } العمل في اتجاهات متعاكسة، أو هو بكلمة، عدم تمكن (الارادة الربانية) من السيطرة الكاملة على الشخصية.. والتحكم الكامل في قواها، ودوافعها.. ونلاحظ عند بعض الناس المسلمين انهم يعملون الخيرات ويخلصون للّه تعالى.. واحياناً كثيرة مساوية أو مقاربة يعملون لذواتهم، ومراكزهم، وجاههم حتى لو خالفوا بذلك ارادة الله عز وجل. والازدواج على قسمين : 1) - الازدواج الفكري.. وهو الصدور فكرياً عن منابع ثقافية مختلفة ورؤى مذهبية متناقضة، فتراه مرة يفكر بطريقة الاسلام في التفكير، ويتحدث بلغته، ويتبنى مفاهيمه واخرى يفكر بطريقة التفكير الغربي، ويتبنى الكثير من مفاهيم الحضارة الغربية، وقيمها مع تغليفها بالغلاف الاسلامي وهو لا يشعر بذلك.. وسنتناول هذا النحو من الازدواج في الجزء الثاني ان شاء اللّه تعالى. 2) - الازدواج النفسي والسلوكي.. وهو وجود عوامل، ودوافع نفسية متناقضة الاتجاه متقاربة المستوى والدرجة، بحيث لم يتضاءل احدها مقابل الآخر، فهو صاحب مركز يفكر، ويسعى إلى تكوين مركز اجتماعي، أو ثقافي مرموق ويحب الظهور في هذا المجال، وذاك.. وصاحب دين يخشى الله، ويعمل له.. وهذا الازدواج ما يمكن ان نسميه بالشرك في العبادة، لان هذا الانسان له معبودان.. احدهما الله والآخر هو الهوى.. ومن الممكن ان نسمي الازدواج الاول ب(الشرك الثقافي) ونعمم هذين الشركين الى الشرك في الذات (الايمان بتعدد الآلهة) والشرك في الصفات { 218 } (الايمان بمفارقة الصفات الالهية للذات المقدسة).
والفرق على هذا الاساس بين الازدواج، والنفاق واضح وذلك لان المنافق ليس مزدوج الشخصية بين الكفر والاسلام لا من جهة عقائدية، ولا من جهة ثقافية، ولا من جهة نفسية سلوكية.. وانما هو كافر خالص يعلن ايمانه زوراً ومنافاة. (واذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا، واذا خلوا الى شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزؤون)(2) (اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول اللّه واللّه يعلم انك لرسوله، واللّه يشهد ان المنافقين لكاذبون اتخذوا ايمانهم جنة)(3) واما الانسان المزدوج فهذا الذي تعيش في نفسه قوى متصارعة ليس لاحدها الغلبة على الاخرى.. هو هذا الانسان، الذي ساعة لربه، واخرى لقلبه، ويمارس في الساعة التي لقلبه الواناً من الفجور، والمحارم والشبهات.. هو هذا الانسان ذو العاطفة الدينية التي تستنفر في لحظات خاصة.
الازدواج الصريح والازدواج الخفي وفي حياتنا الدينية نجد ازدواجاً صريحاً كالذي ذكرناه يعترف فيه { 219 } الانسان بأن هذا شيء يختلف عن ذاك، وانه مرة يعمل لدينه، وأخرى يعمل لشياطينه.. ويمكن للانسان من الخارج ان يكتشفه، ويحكم عليه.. والى جانب هذا، هناك ازدواج آخر.. ازدواج خفي.. يظهر فيه الانسان متديناً في كل شيء.. وهو في حقيقة امره منشطر الذات الى شخصيتين شخصية متدينة، واخرى منحرفة.. ويتم هذا عن طريق ارضاء كل من الجانب الشخصي الذاتي والجانب الديني، والتوفيق الشكلي المظهري فيما بينهما. لنأخذ على ذلك مثلاً.. ناس متقاعسون كالذين ذكروا في الرواية عن أبي جعفر (ع) : (يكون في آخر الزمان قوم ينبع فيهم قوم مراؤون.. ولو أضرت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم، وأبدانهم لرفضوها، كما رفضوا اسمى الفرائض، واشرفها (الامر بالمعروف والنهي عن المنكر) هم هؤلاء أن يحافظوا على دينهم في الاطار الذي يحفظ اموالهم، وانفسهم، واذا خرج الامر عن هذه الحدود لم يلزموا انفسهم بعد بالدين.. ولكن كيف ترى يترك هؤلاء واجب الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر ؟! هل يتركونه مع اعلانهم بأن هذه ساعة من ساعات القلب وللرب ساعات اخرى ؟! ابداً.. انما يقومون بعملية تبرير.. اما عن طريق تحريف احكام الله، وتشويه نظرية الاسلام في ميدان من أهم ميادينه، وأشرف فرائضه.. أو عن طريق تحريف الواقع، وتقديم (الاعذار).. (وسائل - ابواب الامر وانلهى - ب 10) ومثال آخر.. { 220 } هذا الذي يظهر بمظهر ديني.. ويخفي في ذاته ما الله مبديه من حب المال، والمركز والجاه.. ماذا تراه يصنع عندما (يجمع) من اموال الله تعالى، وحقوق الامة من أجل ان يبني المسكن الواسع، ويقتني الدابة الفارهة، أو عندما يسعى لتأكيد ذاته، والظهور من اجل الظهور ؟! ان ما يقدمه في هذا الميدان، هو ان المسكن ضروري للخدمة والدابة الفارهة تحفظ حرمته، ومكانته، لا باعتباره الشخصي وانما (باعتباره النوعي) وتأكيد شخصيته انما هو من اجل تأكيد أفكاره الدينية.. الى آخر ما يلقي الشيطان في روعه من التبريرات والتزييفات اعاذنا الله تعالى من كل ذلك. فعن طريق الخداع، خداع الذات والتبرير يستطيع ان يقضي هذا الانسان على الصراع النفسي بين قوتين نفسيتين، ودافعين متقاربين في درجة التأصل في النفس اذ تتحايل احدى القوتين، وهي هنا القوة الشهوية على القوة الاخرى، وتحقق له راحة التوافق، والانسجام الداخلي وتجنبه آلام الصراع والتناحر الذاتي.
كيف تتحقق الحاكمية العامة للارادة الربانية ؟ تكوّن الجهاز المركزي الحاكم في الشخصية الاسلامية وهو الجهاز المؤلف من الصبر، والطاعة، والاخلاص. أي من الارادة الربانية، يتم عندما يتحقق الشرطان التاليان : (1) - قوة الدافع الديني في الشخصية.. وكونه اقوى الدوافع واصلها في النفس، والدافع الديني هو العواطف، والاحاسيس الدينية في النفس كحب الله، وخوفه، ورجائه والتطلع الى ثوابه الجزيل.. والمحاسبة { 221 } الاخلاقية الحاكمة بوجوب طاعة الله في النفس.. وهكذا. (2) - الوعي الذاتي، ومعرفة حيل النفس، واساليبها في الدفاع، والخداع.. وليس يكفي لحكومة الدين على شخصية الانسان ان يكون اقوى الدوافع، واثبتها في النفس، لان من الممكن مع هذا، أن يؤثر دافع دنيوي شهوي تأثيراً بالغاً في النفس حتى على حساب الدين، ولكن من خلال خداع الضمير الديني.. وخداع النفس.
الالتزام العملي بخط الاسلام في الحياة (الطاعة) نأخذ الارادة الربانية في شخصية الانسان المسلم من المظهر الخارجي.. وهو الاستقامة السلوكية على خط الاسلام في الحياة.. وموافقة الشريعة.. وعدم مخالفتها في واجب، أو حرام كحد ادنى.. ثم البناء على اداء المستحبات، واجتناب المكروهات كحد أعلى للسلوك، ويسمى هذا ب(الطاعة) و(الالتزام) أو (الاستقامة). 1) - والطاعة لله تعالى في احكامه الالزامية.. واجبة بحكم العقول التي تقرر ان الله تعالى بحكم كونه خالقاً للانسان مُوجِداً له منعماً عليه، له حق الطاعة على عباده.. وحق الانسجام مع شريعته اوامر، ونواه. وتحكيمها في السلوك. (يا أيها الناس اعبدوا رَبكم الذي خلقَكَم والذين من قبلكم)(4) فالطاعة لله تعالى - بالاستقامة على خط رسالته ودينه.. ومتابعة اوامره { 222 } ونواهيه - عمل اخلاقي يقوم على اساس هذا الحق، الذي يدركه العقل ببداهته، وسجيته. 2) - وطاعة الله تعالى هي الاساس السلوكي الذي يرجو به الانسان غداً - في اليوم الآخر - التخلص من العقاب، وتحصيل الاجر الالهي بخلاف المعصية التي هي تعدٍ لحدود اللّه وطريق لدخول اللّه. (تلكَ حدُودُ اللّه، ومَن يُطِع اللهَ ورسُولَهُ يُدخِلهُ جنّات تجري من تحتها الانهارُ خالدين فيها، وذلك هو الفوز العظيم ومن يعص اللّه، ورسوله، ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها، وله عذابُ مهينُ)(5) (وما كان لمؤمن ولا مؤمنةٍ اذا قضى اللّه ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص اللّه ورسوله فقد ضل ضلالاً مُبيناً)(6) (ومن يطع اللّه، ورسوله، ويخشَ اللّه ويتّقّه فأولئك هُم الفائزوُن)(7) 3) - والطاعة.. أو الالتزام بالخط العملي للاسلام في الحياة يعتبر جزءاً ضرورياً متمماً للشخصية الاسلامية، فلا يمكن ان تكون الشخصية الاسلامية كاملة من دون الطاعة، والالتزام الجدي بخط الله.. بل لا يمكن ان تكمل العناصر الاخرى من دون الطاعة، وذلك لان للمعاصي آثاراً { 223 } سلبية كبيرة في النفس، والقلب، حتى لتكاد تمسخه مسخاً.. ان الانسان، وحدة متكاملة يؤثر بعضها على بعض، وجهاز موحد تتناول اجزاؤه التأثير، والعمل. يقول الله تعالى : (بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)(8) عن ابي عبد الله (ع) : (كان ابي يقول : ما من شيء افسد للقلب من خطيئة. ان القلب ليواقع الخطيئة، فما تزال به حتى تغلب عليه فيصير اعلاه اسفله) (وسائل، جهاد النفس ب 4) وعن ابي عبد الله (ع) في خبر معتبر : (اذا أذنب الرجل خرجت في قلبه نقطة سوداء، فان تاب انمحت، وان زاد، زادت حتى تغلب على قلبه، فلا يفلح بعدها أبداً) (الموضع نفسه) وعنه (ع) : (ان الرجل يذنب الذنب فيحرم من { 224 } صلاة الليل، وان العمل السيّئ اسرع في صاحبه من السكين في اللحم) والنصوص التي تدل على ان الشخصية الاسلامية متكاملة الاجزاء، والاطراف، لا يكفي فيها الفكر وحده، والاخلاق وحدها ولا الطاعة.. وانما يشترط فيها الطاعة الى جانب الفكر، والجهاد، والاخلاق.. كثيرة.. عن أمير المؤمنين (ع) : (ان الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الاقرار، والاقرار هو العمل، والعمل هو الاداء..) وعن الصادق (ع) بعد ان سئل عن، ان العمل من الايمان قال : (نعم، الايمان لا يكون الا بعمل، والعمل منه، ولا يثبت الايمان الا بعمل). وعنه (ع) في خبر : (فاذا اتى العبد كبيرة من كبائر المعاصي، أو صغيرة من صغائر المعاصي التي نهى الله عز وجل عنها كان خارجاً من الايمان، ساقطاً عن اسم الايمان) (راجع أصول الكافي الأبواب الاولى من كتاب الايمان والكفر) { 225 } 4) - والاستقامة على خط الاسلام، شرط اساسي لمجموعة من الممارسات المتقدمة في الحياة الاسلامية سوى العدول أي المستقيمين سلوكياً على خط الاسلام بنحو تكون الاستقامة طبعاً لهم، وملكة متمكنة في نفوسهم. فلا يجوز تقليد غير العادل، فان المرجعية الدينية مشروطة بالاستقامة، كما نقل عليه اجماع الفقهاء.. وعن الامام العسكري (ع) : (وكذلك عوامنا اذا عرفوا من علمائهم الفسق الظاهر، - والعصبية الشديدة، والتكالب على الدنيا، وحرامها فمن قلد هؤلاء فهو متل اليهود الذين ذمهم الله بالتقليد لفسقة علمائهم. فاما من كان من الفقهاء، صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه) (الوسائل - صفات القاضي - ب 10) وكذلك قال بعضهم، انه لا يجوز للعاصي الافتاء أو التصدي لهذا المقام الخطير، وكذلك تجب العدالة والاستقامة في القاضي، وامام الجماعة، والشهادة، وموارد اخرى. وليست هذه الاحتياطات من الاسلام من اجل الاحتياط على هذه الوظائف الخطيرة في الحياة الاجتماعية، وانما هي من جهة اخرى تركيزاً لقيمة الاستقامة، والتقوى في الحياة الاسلامية. { 226 } 5) - وقد اكد الاسلام تأكيداً بالغاً على من نصب نفسه للناس هادياً، واماماً أن يلتزم بما يقول، ويعلم نفسه قبل تعليم غيره (بنحو شمول المسؤولية، لا تقييدها بالمطيعين والملتزمين فقط). وعن الامام علي (ع) : (من نصب نفسه للناس اماماً فعليه ان يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره. وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه) (الوسائل - الامر والنهي ب 10) وعن ابي ذر عن رسول الله (ص) في وصيته له : (يا ابا ذر يطلع قوم من اهل الجنة الى قوم من اهل النار، فيقولون : ما ادخلكم النار وانما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم، وتأديبكم، فيقولون انا كنا نأمركم بالخير، ولا نفعله) وعن ابي عبد الله (ع) : (كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع، والاجتهاد، والصلاة، والخير، فان ذلك داعية) { 227 } 6) - هذا ويعتبر اعداد الشخصية الاسلامية المتورعة الملتزمة بالخط الاسلامي في الحياة احد اهداف عمل الائمة (ع)، عن ابي عبد الله (ع) : (ليس منا، ولا كرامة من كان في مصر فيه مائة الف، أو يزيدون، وكان في ذلك المصر احد اورع منه) وعنه ايضاً : (انا لا نعد الرجل مؤمناً حتى يكون بجميع امرنا متبعاً مريداً الا وان من اتباع امرنا وارادته الورع فتزينوا به يرحمكم الله وكيدوا اعدائنا ينعشكم الله)
عرفنا ان الاستقامة من صلب الايمان، وانها شرط اساسي في الشخصية الاسلامية.. وهذا امر واضح من خلال الكتاب الكريم والسنة المطهرة.. وطبيعة الرسالات السماوية لم تتنزل لتصحيح الاعتقادات فقط، وانما لبناء الانسان وتغيير السلوك، واختطاط نهج خاص للسلوك الفردي والاجتماعي في حياة الانسان، والتركيز على مجموعة من القيم الاخلاقية. ويعبّر ذلك عن مشروع رباني لصياغة انسان جديد، انسان رباني في فكره وروحه وقيمه النفسية وفي سلوكه الشخصي، وتعامله مع الناس. والصعود بالانسان الى مستوى بنائي متميز، وشخصية فريدة تمشي بين { 228 } الناس بنور الهدى الالهي.. وعلى السبيل الذي حدده الله لهذا الانسان.. ومن الواضح ان هذا المشروع التغييري الذي تبنته رسالات السماء لم يفرض على الانسان فرض الجاء، والا لاهتدى الناس جميعاً.. وانما اريد له أن يتم من خلال الانسان، وفعاليته، وارادته.. وان كان برعاية الله، وهداية الله. ومن الواضح الى جانب ذلك ان للانسان اهواءه، وشهواته، وميوله النفسية التي تتعارض مع الصيغة الربانية المقترحة.. وأنه ليس من السهل للانسان ان ينسجم مع هذه الصيغة الا من خلال الصبر، والمعاناة، والمجاهدة النفسية، وترويض النفس. وكان الناس امام هذا المشروع التغييري الجبار القائم في الاساس على عبودية الله، وتحرير النفس من الاهواء والالتزام بالعدل، والمصالح النوعية للناس على ثلاثة اصناف : صنف رفض الايمان، والالتزام المبدئي بالرسالات السماوية وركن الى مجاميع متعددة من تسويلات الشيطان، وخدعه.. وصنف ثان رحب بالصيغة الربانية، وآمن بها، وتعاطف معها والتزم بها التزاماً جدياً، وتصاعد بها الى المستوى الانساني المطلوب، والشكل الرباني المقترح للانسان.. واكثر الناس آمنوا بالانبياء، ورسالاتهم، وعاشوهم في جزء، وآخر من شخصياتهم.. الا انهم لم يرتفعوا بها، ولم يتصاعدوا من خلالها، ولم يلتزموا بها الالتزام الضروري المطلوب.. لان الانسان بشكل عام، ليس مستعداً ان يجاهد الجهاد الاكبر ويعاني باستمرار في سبيل الطاعة، والالتزام، ويتوافق، ولو على حساب ميوله، واهوائه مع ارادة الله. والناس هؤلاء يعيش الايمان في ذواتهم، وينبض ضميرهم الديني { 229 } بالحركة، ويدعوهم باستمرار الى العمل، والانسجام مع الدين ومن هنا ينشأ صراع داخلي بين القوى الدينية في النفس، القوى الخيرة التي تدعو الى التعالي الاخلاقي والالتزام الديني، وبين القوى الشهوية، والاهواء، والميول الشخصية من جنس، وعدوان، وامن الخ. وهو صراع - ككل صراع نفسي - بغيض للنفس البشرية تحاول بشتى الاساليب ان تتخلص منه، وان تجد له (حلاً).. تتوافق به القوى النفسية، وتنسجم في عملها، واتجاهاتها. والفكر التبريري هو ابسط الاساليب، واشملها في حل الصراعات الداخلية بين القوى الاخلاقية، والقوى الغريزية الشهوية، والميول، والاهواء.. ومن هنا يحاول الانسان دائماً ان يخدع ضميره الاخلاقي، ليمارس شهواته واهواءه براحة بال.. والمعنى السائد في الفكر التبريري، الذي يحاول التغطية على الانحراف، والتوفيق بين الاوضاع المنحرفة المائعة، وبين الدين هو (تغيير الرسالة)، وتحريفها لتنسجم مع واقع الانحراف، والانحلال.. ومن خلال الفكر التبريري هذا يغير الانسان الرسالة السماوية، ويحرفها، بدلاً عن ان يتغير بها.. ويشوهها.. وينزل بها الى واقعه، بدلاً عن ان يصعد بها ويتنمّى. ونستعرض هنا ألواناً من الفكر التبريري لتغطية الانحراف.. والخروج عن الاستقامة الشرعية، وطاعة الله سبحانه.. مستخلصة من واقع الحياة الدينية للمسلم المعاصر. { 230 } أ) - تحوّل الولاء الى أداة تبرير : كان التشيع.. في ايامه الاولى رسالة تغييرية، واصلاحية كبرى في جسم العالم الاسلامي تستهدف الالتزام المر بقيم هذا الدين، والقضاء على كل التميعات، والانحرافات التي تولدت في المجتمع الاسلامي نتيجة لاختلاط الحضارات، وفقدان القادة المبدئيين، وكان التشيع حركة وعي ملتزمة.. متمحورة حول قيادات اسلامية نقية تشع على اتباعها التعبد، والزهد، والقيم، والالتزام.. (وما كانوا «الشيعة» يعرفون يا جابر الا بالتواضع، والتخشع، والامانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء، وأهل المسكنة، والغارمين، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الالسن عن الناس الا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الاشياء)(9). (ان شيعة علي كانوا خمص البطون، ذبل الشفاه، اهل رأفة، وعلم، وحلم، يعرفون بالرهبانية)(10) والذي يبدو انه حدث تغير اجتماعي في هذا الاتجاه زمن الامام الباقر (ع).. او بدأ واضحاً في ذلك الوقت.. اذ تكونت في الذهنية الشيعية مفاهيم، وافكار تبريرية تغطي على الانحراف، وتستوعبه.. كمفهوم الشفاعة في صيغته المحرفة، ومفهوم انه لا معصية مع حب اهل البيت (ع).. وقد يكون ذلك نتيجة للانعطاف الجماهيري على التشيع بعد مقتل الحسين (ع).. ونتيجة لظهور التيارات الغالية في الصف الشيعي.. { 231 } وسوء فهم كلمات اهل البيت الواردة في تأثير منزلتهم.. ولا زالت هذه الافكار تعيش في ذهن الانسان المسلم الى اليوم تكرس من بعده عن الشريعة وتحلله من الالتزامات الدينية. وقد واجه الائمة (ع) هذا التيار الذي يحاول تحريف التشيع، وتحويله من نقائه، وصفائه، واصالته الاسلامية والتزاماته الحدية، الى فكر يقدم التنازلات تلو التنازلات لواقع الانحراف، وسلوك التحلل، والتميع. ما امامي من نصوص عنهم (ع) في شجب هذه الظاهرة اكثرها عن الامام الباقر (ع) وهو امر قد تكون له دلالته التاريخية، عن محمد بن مسلم عن ابي جعفر (ع) قال : (لا تذهب بكم المذاهب فواللّه ما شيعتنا الا من أطاع اللّه عز وجل) وعن جابر عن ابي جعفر (ع) قال لي : (يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع، ان يقول بحبنا اهل البيت، فوالله ما شيعتنا الا من اتقى الله، واطاعه.. يا جابر لا تذهبن بك المذاهب حسب الرجل ان يقول : احب علياً، واتولاه ثم لا يكونن مع ذلك فعالاً، فلو قال اني احب رسول الله (ص) فرسول الله خير من علي (ع)، ثم لا يتبع سيرته، ولا يعمل بسنته { 232 } ما نفعه حبه اياه شيئاً فاتقوا الله، واعلموا لما عن الله، ليس بين الله وبين احد قرابة، احب العباد الى الله عز وجل (واكرمهم عليه) اتقاهم، واعملهم بطاعته.. ومن كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو، وما ننال ولايتنا الا بالعمل، والورع) وهكذا فان (الحب) لاهل البيت (ع) وتوليهم ليس تعويضاً، أو بديلاً عن الطاعة، والالتزام - كما تفهمه الاجيال المتخلفة - وانما هو طريق اليها، وتأكيد عليها من خلال تجسيد القدوة الحية.. والقيادة المعصومة، والايمان بها ومتابعتها، والاقتداء بها. (الا وان لكل مأموم اماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه، الا وان امامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طمعه بقرصيه، الا وانكم لا تقدرون على ذلك، ولكن اعينوني بورع، واجتهاد، وعفة، وسداد) ب) - الفهم الاجتماعي والسياسي للدين : والاسلام كما نعرف رسالة شاملة.. فيها التعاليم الاجتماعية الى جانب النظام السياسي والنظام الاقتصادي والتربوي.. الخ. ولكن في { 233 } جوهره، وروحه استسلام لله تعالى، وعبودية كاملة له. (ان الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين) والانسان المسلم هو الانسان الذي يلتزم باحكام الله، ويتورع عن محارمه.. مهما بدت، وفي أي مجال شرعت من مجالات الحياة.. غير ان الكثيرين ممن يعيشون في هذا العصر - ومن اجل التوفيق بين انتمائهم التقليدي للدين من جهة، وبين التسيب السلوكي عندهم وتأثرهم بالمضمون الحضاري الغربي - يفهمون جوهر الاسلام في مجموعة من التعاليم الاجتماعية، والاخلاقية، وفي الالتزام السياسي بقضيته، واما الجوانب الفردية فهي موضع اهمال وتجاوز، لانها لا تتناسب مع السياق العام، الذي يبدو لهم الاسلام فيه.. وهؤلاء - في واقع الامر - يأخذون من الاسلام.. ولا يأخذون بالاسلام منهجاً كاملاً للحياة.. ان الاسلام في جوهره فتنة لهذا الانسان، واختبار لحس العبودية لله عنده، ووسيلة لاظهار المضمون الاخلاقي الديني في شخصيته.. وهو لهذا شامل التشريع، واسع المجالات، فيه التعليم الاجتماعي الى جانب النهج السياسي، والنهج التربوي الروحي، والنظام الاخلاقي، والاحكام التي لا نعرف لها سراً، ولا حكمة.. والاحكام التي اريد بها اختبارنا، وفتنتنا.. ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة. ونحن ملزمون في كل ذلك محاسبون عليه مسؤولون عنه. فليس الاسلام، اذن جمعية سياسية لا تجد فيها سوى الفكر { 234 } الاجتماعي السياسي، والالتزامات السياسية والتنظيمية، وانما هو اولاً (دين) وعبودية خالصة لله.. وهو بعد ذلك كل شيء.. سياسة، واقتصاد، واجتماع، وتربية.. و.. والمنطق الاساسي للتربية، والبناء هو الالتزام بكل شيء في هذا الدين عرفنا حكمته، أو جهلناها. وسبحان الله.. قال الانسان للانسان : نفذ ثم ناقش، وقبل منه ذلك عن طواعية، واختيار.. وقال الله للانسان لا تأكل من هذه الشجرة وقدم له حيثيات الامر، والحكم ولكنه ناقش، وتفلسف، وعصى.. فخرج من الجنة، يعيش الهموم، والآلام.. وهذه عبرة من عبر قصة آدم (ع).. ج) - الجبر والارجاء : مذهب الجبر، هو المذهب القائل بان الفعل الانساني في مجال الطاعة والمعصية وغيرهما هو - في حقيقته - فعل الله تعالى الواقع بمشيئة الازلية.. واما العبد فلا اختيار له.. أو اذا كان له اختيار، وقدرة فليس الفعل صادراً عنه.. وللجبر صورة علمية.. وانصار باحثون.. وله صورة شعبية ايضاً نجد انها تعيش في واقعنا المعاصر، كما عاشت في العصر الجاهلي. (وقال الذين أشركوا لو شاء اللّه ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء)(11) (وسيقول الذين أشركوا لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم)(12) { 235 } والارجاء، هو المذهب الذي مات امام ضغوطات الفكر الحق.. ولكنه لا يزال يعيش في الوسط الشعبي.. ويؤكد على ان القيمة الحقيقية للايمان، وتقوى القلوب، وأن الاعمال الظاهرية لا يحاسب الله عليها، وليس لها قيمة من وجهة النظر الدينية.. هذان الاتجاهان التبريريان - الجبر، والارجاء - يرجعان من الناحية التاريخية - حسب بعض التقديرات - الى الحاكم الاموي (معاوية)، الذي حاول ان يكرس الانحراف ويبرر الفسق، والفجور، والخروج عن حدود الشرع، ودائرة الدين من خلال وضع الاحاديث من جهة.. والترويج للافكار التبريرية كالفكرتين السابقتين.. د) - التشكيك بالحكم الشرعي، واستصغار الذنب : وبعض الناس يرتكبون الذنوب، ويقترفون السيئات والمعاصي.. ويبررون ذلك عن طريق انكار الحكم الشرعي الذي خالفوه لانهم لا يجدونه في القرآن الكريم، ومسموعاتهم عن السنة.. ومن الواضح أن الانسان الاعتيادي لا يتاح له أن يبت بانكار هذا الحكم، وذاك، واثبات هذا، وذاك.. لان مثل هذا الاثبات، وذاك النفي يحتاجان الى خبرة طويلة، ومعايشة مستمرة للقرآن الكريم، والسنة المطهرة، وتاريخ الرسول (ص) والائمة (ع)، وتدبر مستغرق فيها، وتخصص وتفرغ.. وليس من حق الانسان أن يتسرع في اثبات الحكم، ونفيه، فانه بذلك يضيف ذنباً الى ذنبه وخطيئة الى خطيئته. (وان اسوأهم (اصحابي) عندي حالاً { 236 } وامقتهم الذي اذا سمع الحديث ينسب الينا ويروى عنا فلم يقبله اشمأز منه، وجحده، وكفر من دان به، وهو لا يدري لعل الحديث من عندنا خرج، والينا اسند، فيكون بذلك خارجاً من ولايتنا) هكذا قال الامام الصادق (ع). والانسان الذي لا خبرة له في مجال البحث الاصولي والفقهي والرجالي وسائر المجالات، التي تتصل بالتفقه بالدين، والتعرف على الشريعة، يجب عليه ان يرجع الى اهل الخبرة - والرجوع الى اهل الخبرة مبدأ عقلاني اقره الاسلام في كثير من المجالات -. (فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون) (ومن كان من الفقهاء حافظاً لدينه صائناً لنفسه مخالفاً لهواه مطيعاً لامر مولاه فللعوام ان يقلّدوه) واحتقار الذنوب، واستصغارها من الترضيات النفسية للمخالفة، ولكنه هو الآخر مما يزيد الذنب ذنباً، والخطيئة خطيئة فعن سماعة عن ابي الحسن (ع) يقول : (لا تستكثروا كثير الخير، ولا تستقلوا قليل { 237 } الذنوب فان قليل الذنوب يجتمع حتى يكون كثيراً، وخافوا الله في السر تعطوا من انفسكم النصف) (اشد الذنوب، ما استهان به صاحبه)(13)
الوجه الآخر للارادة الربانية في شخصية المسلم هو الصبر. فانت عندما تقيس الارادة الربانية من حيث نتائجها العملية الى الشريعة.. تكون بذلك طاعة، والتزاماً، وعندما تنظر اليها باعتبار مواجهتها للاهواء النفسية، ودوافع الانحراف، والتثبيط تكون صبراً. وعندما تنظر اليها باعتبار دافعها الرباني وهدف التقرب الى الله تكون «اخلاصاً» حسبما مر معنا سابقاً. وقصة الصبر معنا هي قصة المفاهيم الاسلامية الممسوخة والمشوهة في الذهنية العامة للمسلمين.. تلك المفاهيم الدافعة.. والمحركة.. المفاهيم التي كانت يوماً وقود الثورة الاسلامية الذي لا يستهلك، واداة تجاوز الانسان لصغاره.. واهوائه قليلة الشأن.. ورياضة روحية تنشط الارادة، وتبني استقلال شخصية الانسان المسلم. فاصبح الصبر - وهو واحد من هذه المفاهيم - أداة تخديرية.. اصبح (صبراً على الانحراف بعد ان كان صبراً على مواجهة الانحراف، والمنحرفين. وبعد أن كان صبراً على الثبات على طريق ذات الشوكة، وتحمل الامانة، والالتزام بدين الله في احرج اللحظات واقسى الظروف، { 238 } اصبح صبراً على (التنصل) عن الالتزامات المبدئية في هذا الدين، وعلى مواجهة الضمير الديني الحي الذي ينبض بشيء من الحياة.. وليس التوكل.. بعيداً عنا.. التوكل الذي كان عوناً للمقاتل في الساحة، وللمجاهد في مراحل الصراع، واداة للاستهانة بقدرات العدو الكافر، والثقة بالنفس.. اصبح هذا المفهوم الرائد.. والبعد الاصيل في شخصية المسلم.. اتكالاً مريضاً، وتفويضاً، وتكاسلاً من تحمل اعباء المسيرة. والزهد الذي يمثل قمة التحرر، والانعتاق، وتجاوز الاهواء والشهوات والتحرر الداخلي الحقيقي للانسان، اصبح كلمة ذليلة حتى في اسماع بعض المسلمين المؤمنين نتيجة لما قرنت به من الممارسات الشاذة، والوان القطيعة الاجتماعية، والهروب عن الحياة. وهكذا دائماً يغير الانسان المفاهيم التي جاءت لتغييره وينزل بها الى الحضيض بدلاً من ان يرقى معها الى الكمال.. فليس من الهين، والسهل ان يرقى الانسان، وانما التصاعد معاناة، وزهد، ومرارة.. ومن اجل ان يبقى في حالته المريحة هذه فعليه - حتى يريح ذاته من الشعور بالانفصام بين الفكر، والسلوك - أن يحرف مفاهيمه الثورية وان يسحبها الى وراء، بدلاً من ان يتقدم معها الى امام.. هذه هي خلاصة التحريف الاجتماعي للمفاهيم، والرسالات، وعلينا باستمرار ان نرجع الى النبع الاصيل لتوضيح مفاهيمنا لا الى عقلية الانحراف والتخلف والتحلل. والصبر في مفهومه الاسلامي الاصيل تمرد الارادة المسلمة على اهواء النفس، وشهواتها.. التي تهدف الى اخلاد الانسان الى الارض.. وهو { 239 } امتلاك النفس، وحبسها على الخط المستقيم، في مواجهة حازمة للضغوط الخارجية والداخلية على السواء.. انه الصبر على الالتزام المر بقيم هذا الدين.. في مواجهة قوى الضغط في الداخل، والخارج، وليس هو الصبر على الخلود الى الطين.. في مواجهة الضمير الديني، وقوى الخير النابضة للحياة في النفس البشرية.. وهو الصبر على تحمل مشاق الطريق، واعباء المسيرة، واجتناب الآلام، والغربة والعذاب في سبيل الله، تحقيقاً للارادة الربانية، وتمثلها في النفس، والسلوك.. وليس الصبر على الانحراف والمنكرات، والمحارم تحقيقاً لقيم الكسل والرخاء، والامن والراحة.. في دنيا مليئة بالمتاعب، والمكاره واشكال الآلام والهموم. وعلى هذا الاساس اصبح الصبر ركناً ركيناً من الايمان. (الصبر رأس الايمان) (الصبر من الايمان، بمنزلة الرأس من الجسد، فاذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك اذا ذهب الصبر ذهب الايمان) (ولا ايمان لمن لا صبر له) (الجنة محفوفة بالمكاره، والصبر، فمن صبر على المكاره والدنيا دخل الجنة)
النوازل والمكاره، وشظف العيش، وفقدان الاعزة، والاحبة، والغربة { 240 } بين الناس.. هذه وامثالها، يتعرض لها المؤمنون في كل مكان.. وخصوصاً المجاهدون في الله منهم كضريبة لصراعهم مع الكفر، ومواجهتهم للجاهلية في كل زمان ومكان وعلى كل المستويات.. وكتدخل الهي اريد به تمييز الصادق من الكاذب، وتمحيص الفئة المجاهدة، واعدادها وتعميقها.. لتكون حلقة ربانية ضمن حلقات مسلسل الهدى الالهي، الذي سوف ينتهي لا محالة الى بسط الحق، والعدل وانتشار القسط، والخير بعد ان ملئت الارض ظلماً وجوراً، وعانت البشرية من آلام الصراع بين الهدى، والضلال.. وقد جعل الله سبحانه البلاء، والآلام، والمكاره في صلب تخطيطه للحياة، وفي صلب تخطيطه للدعوة، والدعاة.. كما يوضح ذلك كل عرض مدرسي مبسط لنظرية الفتنة في القرآن الكريم. هذه المصائب، والآلام المتعددة في الحياة فتنة للانسان المسلم يسعد فيها من سعد، ويشقى فيها من يشقى، ويبتعد عن الله.. ويعكس لنا (النص الاسلامي) هاتين الاستجابتين المختلفتين للاصابة بالبلاء.. 1) - (أوَلما أصابتكم مصيبةُ قد أصبتم مثليها قلتُم أنى هذا)(14) (ومن الناس من يعبدُ اللّه على حرف فان أصابه خير اطمأن به وان أصابته فتنةٌ انقلب على وجههِ خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسرانُ المبين)(15) (وان تصبهمُ سيئةٌ يطيروا بموسى ومن { 241 } معهُ)(16) (وان تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم اذا هم يقنطون)(17) (وان تصبهمُ سيئةٌ بما قدمت أيديهم فان الانسان كفورٌ)(18) وهكذا فان (التزلزل) و(الارتداد) و(التطير) و(القنوط) و(كفران نعمة الله) هي النتائج السلبية التي يصل اليها بعض الناس من خلال فتنة البلاء، والمصيبة.. 2) - واما المؤمنون فلهم شأن آخر من البلاء.. اذ تشخذ فيهم النوازل الشعور بالحاجة الى الله، والتوجه اليه وتزيدهم ثباتاً، وصلابة، وعناداً في الحق، ويجددون الصبر والشكر لله، ويعيدون تقييم ذواتهم، واختبارها.. (الذين اذا أصابتهمُ مصيبة قالوا انا للّه وانا اليه راجعوُنَ)(19) (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم)(20) (وكأين من نبي قاتل معهُ ربيون كثيرٌ فما وهنوا لما أصابهم في سبيل اللّه، وما ضعفوا، وما استكانوا)(21) { 242 } (الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم، والصابرين على ما اصابهم)(22) (والذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون)(23) (والصابرين في البأساء وحين البأس)(24) (قل لن يُصيبنا الا ما كتب اللّه لنا هُو مولانا)(25) (فاخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون)(26) وهكذا فالمؤمن عند المصيبة، والبلاء يراجع تصوراته الكونية ووعيه الكوني للحياة، ولا يحزن، ولا يهن، ولا يضعف، ولا يستكين، بل على العكس يصبر، وينتصر، ويرضى بقضاء الله، وقدره، ويتضرع الى الله ويلتجئ الى الله.. ويزداد ايماناً وثباتاً. (الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لك فأخشوهُم فزادهم ايماناً، وقالوا حسبنا اللّه ونعم الوكيلُ)(27) بعد هذا ننتقل الى السنة، وهي تتحدث عن حتمية البلاء، والنوازل { 243 } بالنسبة الى المؤمن، وموقفه تجاه النازلة ودرجات المبتلين.. (ان أشد الناس بلاء الانبياء ثم الذين يلونهم ثم الامثل فالامثل) (ان للّه عز وجلَّ في الارض من خالص عباده، ما ينزل من السماء تحفة الى الارض الا حرفها عنهم الى غيرهم ولا بلية الا حرفها اليهم) (أن المؤمن يبتلى بكل بلية، ويموت بكل ميتة الا انه لا يقتل نفسه) (ان المؤمن من اللّه عزَّ وجلَّ لبأفضل مكان - يكرر الامام ذلك ثلاثاً - انه ليبتليه بالبلاء، ثم ينزع نفسه عضواً عضواً من جسده، وهو يحمد اللّه على ذلك) (ولو يعلم المؤمن ما له من الأجر على المصائب لتمنى انه قرض بالمقاريض)(28) (أن الحر حر على جميع احواله : ان نابته نائبة صبر لها، وان تداكت عليه المصائب لم تكسره، وان أسر وقهر، واستبدل بالصبر عسراً) { 244 } ومن خلال القرآن الكريم، والسنة المطهرة يتبين، ان المؤمن في ايام المحنة، والبلاء، ووقت المكاره، والمصائب.. يتمثل موقفه.. في (الثبات) والاستقامة على الخط الرباني عقيدة.. وروحاً.. وسلوكاً فلا يتنازل، ولا يستقل منه شيء. (المؤمن أعز من الجبل، الجبل يستقل منه بالمعاول.. والمؤمن لا يستقل منه شيء) ولا يتنازل عن جهاده، وعمله في سبيل الله لان (المؤمن مجاهد.. يجاهد في دولة الحق بالسيف، ويجاهد في دولة الباطل بالتقية) ولا يعاني من الضعف والتردد والتلكؤ. (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثيرٌ فما وهنوا لما اصابهم في سبيل اللّه، وما ضعفوا، وما استكانوا)(29) ولا تصدر منه كلمة جزع، أو سخط، ولا يتشكك، ولا يتزلزل.. هذا ما يتمثل موقفه فيه اولاً.. ويتمثل موقفه ثانياً في (الاستزادة) والنمو من خلال المحنة، والبلاء. (الذين قال لهم الناس ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم ايماناً) { 245 } وهذه زيادة في الايمان.. وهناك زيادة في اللجوء الى الله تعالى، والانشداد له. (فاخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون) وهناك استبصار للذات واكتشاف لها.. لاحظ قوله تعالى : (فما وهنوا لما اصابهم في سبيل اللّه، وما ضعفوا، وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم، الا أن قالوا، ربنا اغفر لنا ذنوبنا، واسرافنا في أمرنا) الى آخر مجالات الاستزادة على المستوى الفردي والجماعي.. والملاحظ - على مستوى النصوص، وعلى المستوى التحليلي - ان كلاً من الثبات، والاستقامة، والاستزادة من الفتنة والبلاء لا يتم الا من خلال الصبر، والتحكم في الاهواء التي تنزع بالانسان المؤمن الى الانحراف، وتطليق الشريعة، والحيود عن الجادة.. لكي يتوافق مع مجتمعه ويبعد عنه شبح الغربة، ويتخلص من الآلام، والمتاعب والمكاره، واشواك الطريق..
والاهواء لدى الانسان كثيرة.. منها الاصيل في النفس ومنها { 246 } المتشكل، والمتفرع عن معان اصيلة.. وهو يعاني منها في اكثر من مجال.. أو في كل مجال من مجالات العمل في سبيل الله.. مع النفس.. ومع الناس. والصبر هو التحكم في هذه الاهواء والسيطرة عليها. وعلى الانفعالات، وعن الامام (ع) : (من ملك نفسه اذا رغب، واذا رهب واذا اشتهى، واذا غضب، واذا رضي، حرم اللّه جسده على النار) ومن اجل تسهيل البحث، وتوضيح المطلب نصنف الصبر - من زاوية مما يصبر عليه - الى الصبر في المجال الروحي.. أو العبادة.. والصبر في المجال الاخلاقي بالمعنى الخاص.. والصبر في ميدان العمل لله.. وهداية النفس.. «العمل الاجتماعي». أ) - الصبر على العبادة : قال تعالى : (وأمرُ اهلك بالصلاة واصطبر عليها)(30) التقرب الى الله تعالى جوهر هذا الدين واساسه المتين الذي بنيت عليه انظمته في المجالات كافة.. ويتم التقرب الى الله تعالى في اوضح صورة عن طريق العبادة الخاصة من الصلاة والذكر، والدعاء، والقرآن الكريم.. وللانسان من المعوقات عن العبادة - اداء، واستفادة - اهواء كثيرة تضغط عليه، وتحول بينه، وبين ان يؤدي العبادة، او يستفيد من { 247 } قبيل الميل الجنسي في الذهن البشري، والانشداد الخيالي الى المعاني المادية، وصعوبة التعامل مع الغيب والتعب البدني، والارهاق الناتج عن السعي في سبيل الحياة المادية، والالفة، والعادة التي تمنع من عيش الصلاة عيشاً جديداً منتجاً، والاستثارة الروحية بالاذكار، والدعوات.. والمشاغل النفسية، وهموم الحياة التي تشغل بال الانسان وهو يؤدي الصلاة لله.. وبسبب هذا كله، وغيره، احتاج المؤمن في اداء العبادة والاكثار منها، وعيشها، والاستفادة منها، ومداومتها الى تحكم في اهوائه، ودوافعه النفسية المثبطة له عن القيام بحق الله في العبادة، والذكر، والشكر، والى مراجعة مستمرة لمفاهيمه عن الكون، والحياة وتصوراته الاصيلة عن هذا الدين حتى يعيشها احاسيس منشطة، ومحركة، ودافعة لعيش الصلاة وعيش العبادة.. دروساً روحية، ودورات تربوية، تتم بعين الله، ورعايته، وامامه، تساعد المؤمن على تطهير الذات وتحريرها، والعروج بها في مدارج الرقي الروحي والكمال والنفسي. ب) - الصبر الاخلاقي : 1) - الصبر عند الغضب، والغيظ.. (والذين اذا غضبوا هم يغفرون) (والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس) وفي السنة : { 248 } (من كف غضبه ستر اللّه عورته) (فيما ناجى الله عز وجل به موسى : يا موسى أمسك غضبك عمن ملكتك عليه اكف عنك غضبي) (من لم يملك غضبه لم يملك عقله) (من كف غضبه عن الناس كف اللّه تبارك وتعالى عنه عذاب يوم القيامة) (ما احب ان لي بذل نفسي حمر النعم، وما تجرعت جرعة احب الي من جرعة غيظ لا اكافي بها صاحبها) (ما من عبد كظم غيظاً الا زاده اللّه عز وجل عزاً في الدنيا والآخرة) 2) - الصبر امام شهوة البطن، والفرج. (ما عبد اللّه بشيء أفضل من عفة بطن، وفرج) 3) - الصبر في مواجهة هوى الثرثرة، الكلام الزائد والمحرم... في الخبر (جاء رجل الى النبي (ص) فقال يا رسول الله اوصني. قال : احفظ لسانك. قال : يا رسول الله اوصني. قال : احفظ لسانك قال : يا رسول الله { 249 } اوصني. قال : احفظ لسانك، ويحك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار الا حصائد ألسنتهم) وفي الخبر عن الرضا (ع) : (من علامات الفقه : الحلم، والعلم، والصمت ان الصمت باب من ابواب الحكمة، ان الصمت يكسب المحبة، انه دليل على كل خير) ج) - الصبر على الكتمان : يحب الانسان التظاهر، والثرثرة، والتجريح بالآخرين وكشف عيوبهم، واسرارهم، ويحب ان يكشف حاله ومشاريعه للناس، وبيان كل ما في ذهنه من حقائق وافكار.. ان اللسان.. والتحدث في ما لا ينبغي التحدث به محطّ اهواء كثيرة.. هوى الظهور، والبروز امام الناس بمظهر العارف بهذه الامور.. وهوى الحط من كرامة الآخرين، وتجريحهم.. وهوى الالفة مع الآخرين من خلال طرح كل ما في نفسه.. وضغوط الاصدقاء، والعلاقات بهم ومن هنا، فان الكتمان عنصر يحتاج الى الصبر، والمعاناة.. ليكون بعد ذلك سجية، وسليقة ككل الموارد التي يصبر عليها الانسان ابتداء ثم يالفها، ويعتادها، ولا يشعر معها بالكلفة والعناء. الكتمان ضرورة.. { 250 } (استعينوا على اموركم بالكتمان) (وددت اني افتديت خصلتين في الشيعة ببعض لحم ساعدي النزق، وقلة الكتمان) كما ورد عن علي بن الحسين (ع) : الكتمان ضرورة، وواجب في كثير من الاحيان من الزاوية الشرعية لحفظ كرامة الآخرين.. وضرورة للحفاظ على النفس.. وضرورة للحفاظ على الآخرين.. وضرورة لنجاح الكثير من المشاريع التي يجب ان لا تسلط عليها الاضواء، والملاحقات من قبل الآخرين، وتدخلاتهم السلبية، وفضول الكثير من الناس.. وفي جل الناس شيء من الفضول.. 1) - كتمان عيوب الناس، وسترها.. مما ينبغي، ويجب الصبر عليه لان (الغيبة اسرع في دين الرجل المسلم من الآكلة في جوفه)(31) ولان (من روى على مؤمن رواية يريد بها شينه، وهدم مروءته، ليسقط من أعين الناس اخرجه الله من ولايته الى ولاية الشيطان، فلا يقبله الشيطان)(32) { 251 } ولان الله تعالى يقول : (ولا يغتب بعضكم بعضاً ايحب احدكم ان يأكل لحم اخيه ميتاً فكرهتموه)(33) وللغيبة موارد ذكر الفقهاء جوازها فيها، ولكنها موارد مستثناة، والاصل في الغيبة الحرمة.. فينبغي التورع من ذكر عيوب الناس، وكشف ما ستره الله تعالى من امراضهم وذنوبهم.. وكثيراً ما ينتهي باحدنا الغيظ، والحقد، والتنافس الى ذكر مساوئ اخوانه في الله.. وفضحهم بما فيهم وما ليس فيهم. مما يقطع بين المؤمنين من ولاية.. فان (من قال لاخيه المؤمن اف، انقطع ما بينهما من ولاية، ومن قال له : انت عدوي كفر احدهما، ومن اتهمه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء) وهكذا الحال في الظنون السيئة والاحتمالات التي لا ينبغي للمؤمن ان يتحقق فيها، ويشيعها الا عند الضرورة الشرعية لذلك.. واين هذا من واقع التجريح والتشهير، والغيبة، والبهتان، وغير ذلك من المعاني التي يعاني منها واقعنا الاجتماعي.. ؟! 2) - كتمان اسرار الآخرين التي يخافون كشفها ويتوقع الضرر الاجتماعي عليه منها، وعدم الاذاعة والثرثرة في هذا الميدان، مما يحتاج، ويجب فيه هو الآخر الصبر والصمت.. فقد وردت النصوص الكثيرة في { 252 } تحريم الاذاعة، وكشف السر. فعن ابي عبد الله (ع) : (ما قتلنا من اذاع حديثنا قتل خطأ، ولكن قتلنا قتل عمد) (من اذاع علينا حديثنا سلبه الله الايمان) وعن ابي جعفر (ع) : (يحشر العبد، يوم القيامة، وما ندى دماً، فيدفع اليه شبه المحجمة أو فوق ذلك، فيقال له : هذا سهمك من دم فلان، فيقول : يا رب انك لتعلم انك قبضتني، وما سفكت دماً فيقول : بلى سمعت من فلان رواية كذا، وكذا فرويتها عليه، فنقلت حتى صارت الى فلان الجبار فقتله) وعن ابي عبد الله (ع) : تلا هذه الآية: (ذلك بانهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)(34) { 253 } قال : (والله ما قتلوهم بايديهم ولا ضربوهم باسيافهم، ولكنهم سمعوا احاديثهم فاذاعوها فاخذوا عليها، فقتلوا فصار قتلاً، واعتداء، ومعصية) وعنه (ع) : (من استفتح نهاره باذاعة سرنا، سلط الله عليه حر الحديد وضيق المحابس) د) - الصبر على الاستقامة الفكرية : وعدم المساومة في الافكار، وتقديم التنازلات، والتميعات الفكرية امام ضغوط القيم الاجتماعية، والحضارية، والاشكال الاخرى من ضواغط الحياة. قال الله تعالى : (وان كادوا ليفتنونك عن الذي اوحينا اليك لتفتري علينا غيره، واذاً لاتخذوك خليلاً.. ولولا ان ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئاً قليلاً. اذاً لاذقناك ضعف الحياة وضعف الممات. ثم لا تجد لك علينا نصيراً)(35) تتحدث هذه الآيات.. عن محاولة جاهلية لفتن الرسول (ص) عما { 254 } اوحي اليه من الله تعالى.. او بعض ما اوحي اليه.. ويتلخص هذا العرض في ان يقدم الرسول بعض التنازلات الفكرية للمشركين في مكة، لينضموا الى صفوف الدعوة.. «لقد حاولوا هذه المحاولة في صور شتى.. منها : مساومتهم له ان يعبدوا الهه، في مقابل ان يترك التنديد بآلهتهم، وما كان عليه آباؤهم.. ومنها مساومة بعضهم له ان يجعل ارضهم حراماً كالبيت العتيق الذي حرمه الله ومنها طلب بعض الكبراء، ان يجعل لهم مجلساً غير مجلس الفقراء». «هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله، هي محاولات اصحاب السلطان مع اصحاب الدعوات دائماً محاولة اغرائهم، لينحرفوا - ولو قليلاً - عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لانه يرى الامر هيناً، فاصحاب السلطان لا يطلبون اليه ان يترك دعوته كلية، انما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق، وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور ان خير الدعوة في كسب اصحاب السلطان اليها، ولو بالتنازل عن جانب منها ولكن الانحراف الطفيف في اول الطريق ينتهي الى الانحراف الكامل في نهاية الطريق. وصاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها، ولو يسير، وفي اغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك ان يقف عندما سلم به اول مرة، لان استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة الى الوراء».. { 255 } «والتسليم في جانب، ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب اصحاب السلطان الى صفها : هو هزيمة روحية بالاعتماد على اصحاب السلطان في نصرة الدعوة، والله وحده الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم. ومتى دبت الهزيمة في اعماق السريرة فلن تنقلب الهزيمة نصراً».. «لذلك امتنّ الله على رسوله (ص) ان ثبته على ما اوحى الله، وعصمه من فتنة المشركين له، ووقاه الركون اليهم، ولو قليلاً، ورحمه من عاقبة هذا الركون، وهي عذاب الدنيا والآخرة مضاعفاً، وفقدان المعين، والنصير»(36). وتنشأ المساومة الفكرية والتنازلات الفكرية من مناشئ مختلفة اهمها اثنان : (1) - التعجيل بتقدم الدعوة، ونمو العمل في الوسط الاجتماعي.. وهنا يتم التنازل عن بعض افكار الرسالة الاصيلة لعدم تقبل الناس لهذه الافكار، ورفضهم لها، حتى تتقدم الدعوة بشكل عام، وان كان على حساب التفاصيل وبعض الاجزاء منها.. ومن هذا القبيل التنازلات الفكرية الكبيرة التي قدمتها الاحزاب الشيوعية الاوروبية بعد ان وقف نموها، وتجمدت فعاليتها في المجتمعات الغربية ذات التقاليد الفكرية الخاصة. (2) - تأثر اصحاب الدعوة بالقيم الحضارية والفكرية للمجتمع الذي ينوون تغييره.. وذلك لانهم ابناء هذا المجتمع يؤثر فيهم من حيث { 256 } يشعرون، أو لا يشعرون عن طريق الايحاء الاجتماعي، والبنية الفكرية، ويغلب هنا الارتباط الحضاري، والاجتماعي عند هؤلاء على الارتباط المبدئي، والرسالي فيطمسون بعض معالم رسالتهم بسبب انتمائهم الجزئي الى حضارة مختلفة. ومن هنا احتاج المؤمنون الرساليون الى (ملكة صبر) عالية يواجهون بها الضغوط السياسية، والاجتماعية، وضغوط التعجل والترف في داخلهم.. التي تعمل على تمييع شخصيتهم الفكرية، واحتوائهم فكرياً، والى انشداد خاص بالله تعالى.. ينمي فيهم الاستقلال عن الجو المنحرف ويصعد من درجة تحكمهم بعواطفهم، وانفعالاتهم الآنية، ومن هنا امر الله تعالى رسوله (ص) - بعد ان ذكر العرض الجاهلي - بالصلاة. (اقم الصلاة لدلوك الشمس الى غسق الليل، وقرآن الفجر ان قرآن الفجر كان مشهودا. ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى ان يبعثك ربك مقاماً محمودا)(37) ه) - الصبر على الاستمرار، والفعالية العملية : ان (خوف) الانسان من مخاطر الطريق، و(شعوره بالغربة) في مجتمع يتناقض مع افكاره، ومبادئه، و(ملله) من العمل و(الفته) له، وكذلك (انشغاله) النفسي بالدنيا من جاه، ومال، وملذات، و(تزلزل) ثقته بالصف، و(وساوسه) الشيطانية في الداخل و(ازدراء) اعين الناس له، ولمن يقوم معه، و(روح الفردية) وحبه الاستقلال، هذه كلها وغيرها عوامل { 257 } تحول.. او تثبط او تضعف من الروح العملية من الاستمرار على خط العمل لله تعالى، والفعالية والنشاط عن المواصلة.. ومن هنا احتاج المؤمن كذلك ليحفظ استقامته على خط العمل، وفعاليته فيه الى ملكة صبر يواجه بها اهواء الانفصال، والبرود في العطاء.. و) - الصبر على الاستقامة في خضم العمل الاجتماعي تعتمد الروح العملية والنشاط الاجتماعي في الاساس على سرعة المبادرة، وسرعة الحركة، والاداء.. على السرعة في تقييم الناس.. وتقديم الافكار، وتصحيحها، والسرعة في اعطاء الصلاحيات.. الخ. والانسان عندئذ في هذه الحركة السريعة قد لا يحفظ انضباطه الشرعي، ويتقيد بحدود الاسلام فيكون امره عليه غمة.. ويدخل في الانحراف من حيث هو يعمل للقضاء عليه.. الانسان العامل في الحقل الاجتماعي معرض اكثر من غيره.. الى الوقوع في خطيئة (التضليل) وتربية الناس على الافكار المنحرفة التي دخلت حوزته نتيجة للتعجل في تقديم الافكار، وتربية الآخرين.. وهو معرض اكثر من غيره للوقوع في خطيئة (ظلم) الناس، واتهامهم، وتجريحهم وذكر ما ليس فيهم من العيوب، وهدر كرامتهم.. وهو معرض اكثر من غيره الى اعطاء الصلاحيات لغير اهلها، ووضع الشيء في غير موضعه.. ولعل من اصعب الاشياء في ميدان العمل الاجتماعي هو الموازنة بين الانضباط الشرعي من جهة، وبين الروح العملية، والفعالية الاجتماعية { 258 } من جهة اخرى.. ولهذا ينبغي للانسان المؤمن ان يعاني في هذا الميدان، ويكتوي بنار هذه المعاناة.. ويجاهد في الله.. نفسه حتى يهديه الله تعالى سبله، ويجعل الاستقامة، والفعالية سليقة، وطبعاً له لا يجد حرجاً، ولا صعوبة فيه.. والله تعالى مع المحسنين.
الوجه الثالث للارادة الربانية الحاكمة في الشخصية الاسلامية، هو الاخلاص. والناس غير المؤمنين على قسمين : 1) - الناس الذين لا يملكون انفسهم امام شهواتهم الرخيصة الآنية ورغباتهم العاجلة كالجنس، والمال، والاكل.. ولا يتمتعون بافق واسع، ونظر بعيد.. 2) - الذين يملكون انفسهم امام شهواتهم الرخيصة ورغباته العاجلة، وذلك بأمل تحقق مكاسب شخصية اكبر في الاصل.. وهؤلاء يمثلون نحواً من التجاوز بالنسبة للآخرين من حيث (نوعية) الهوى الذي يعملون له، والزمن الذي يحققون فيه هدفهم الشخصي.. فالانسان من النوع الاول ينطلق من هوى الطمع في المال وشهوة البطن، والفرج، وليس هذا النوع على استعداد لان يضحي بهذه الامور.. في أي حقل كان.. لان هذه الاشياء في وعيه يضحي من اجلها ولا يضحي بها من اجل شيء آخر.. اما الانسان من النوع الثاني فهو ينطلق من اهواء اخرى.. لنسمها بالاهواء المعنوية.. مقابل الاهواء المادية.. من { 259 } قبيل هوى (العظمة، والمجد، والخلود) وهوى (التحكّم، والسيطرة، والتسلط) وهوى (تحقيق الذات من خلال تحقيق المبادئ، والافكار التي يؤمن بها) وهوى (الانتصار للعرق، والقومية، والوطن).. وغير ذلك من المعاني التي تمثل توسعاً في دائرة ونطاق الذات الفردية.. والانسان من النوع الاول انسان عجول، وليس مثقفاً في ابداء رغباته، واظهار شهواته، فلا هو يصبر على تأجيلها ولا هو بالذي يتفنن في العمل من اجلها. وهذا بخلاف الانسان من النوع الثاني.. الذي يملك النفس الطويل في تحقيق اهدافه، والسعي وراءها. والشخصية الاسلامية قسم ثالث، يختلف نوعياً عن القسمين السابقين، وليست هذه الشخصية بأحد النمطين السابقين اذا اضفنا له الايمان.. والالتزام السلوكي والمظهر الديني.. فان الاسلام كما يحاول تغيير المضمون العقائدي.. والسلوك الاجتماعي، كذلك يهدف الى تغيير المضمون النفسي والوجداني، ودوافع السلوك، وبواعث الاعمال.. لان الاسلام يبني صياغة جديدة للانسان، ويحاول ان ينشئ خلقاً خلقاً آخر من الناس يتميز عن كل ما عرفه التاريخ البشري وتعرفه الحضارة المادية اليوم باشكالها، ومظاهرها المختلفة من ناس.. والاسلام اذ يحاول انشاء انسان جديد.. فهو يهمه في هذا الانشاء المضمون اكثر من الشكل.. وتهمه النية بقدر ما يهمه العمل لان خلق الانسان العابد.. الذي يحكم الله تعالى في كل جوانب حياته.. وهذا هو هدف الاسلام التربوي.. لا يتم الا بتطهير النية، وربطها بالله تعالى.. وهذا هو الاخلاص. فالاخلاص، هو ان يكون الدافع على العمل، والباعث له (التقرب) الى الله، والحصول على مرضاته. { 260 } ومن الممكن ان يتم هذا عن طريق احد الدوافع التالية التي تشترك جميعاً في كونها دوافع دينية هدفها الله تعالى : (1) - الدافع الاخلاقي : وهو ان تمتثل.. وتؤدي اعمالك بسبب ان الله تعالى يامر بها. وانه تعالى أهل للعبادة وواجب الطاعة بحسب رؤية العقل العملي للانسان. (الهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكن وجدتك اهلاً للعبادة فعبدتك) (2) - الدافع الوجداني العاطفي النابع من حب الله تعالى والانس به، والتشوق اليه. (3) - الدافع (الرباني / الذاتي) وهو ان تتقرب الى الله تعالى، وتطلب رضاه من اجل تأمين سعادتك الاُخروية، أو الحصول على نتائج عملية في الحياة الدنيا بنحو تعي ان هذا الهدف الذاتي، لا يحصل من دون توسيط الله من خلال التقرب اليه، وليس نتيجة طبيعية لفعلك الذي تقوم به. ان الدافع هو الاساس النفسي للفعل.. والمقياس للقيمة النفسية التي يصدر عنها الفعل، كالاحساس بالواجب الاخلاقي، وحب الله، وحب رضاه وجنته، أو الخوف من عقابه. ويختلف (الدافع) عن (الهدف) في ان هدف الفعل، هو النتيجة التي تقصد اليها في ادائك للفعل.. فالحصول على { 261 } الجنة هدف، والوقاية من النار هدف اما حب الجنة والخوف من النار فدافعان للعمل. |