فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

 

 

التحقيق حول الرجعة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

 

( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ) [النمل/84]

دَلت هذه الآية الكريمة بكل صراحة ووضوح على أن الله سيحشر في يومٍ مّا بعض الناس دون بعض، وإن البعض الذين يحشرون في ذلك اليوم هم ممن يكذب بآيات الله، وهم أفواج عديدة فمن كل أمة يحشر فوج منهم، وأنهم يدفعون إلى الحشر في ذلك اليوم دفعاً، فهذا ما دلت عليه الآية بنصها.

وهذه الآية تُعد من الآيات القرآنية الكثيرة التي تدل على الرجعة إلى دار الدنيا بعد الموت وقبل يوم القيامة.

 

تساؤلات حول الرجعة:

وموضوع الرجعة من المواضيع الإسلامية المهمة، ونرى أكثر الناس جاهلين بهذا الموضوع، ويتساءل بعضهم:

ما هي الرجعة؟

ومَن يقول بها أو يعتقدها؟

ومتى تكون وما كيفيتها، ومن الذي يُرجع ومَن لا يرجع؟

4- وما هو الدليل عليها، وما هي فلسفتها، وما الحكمة فيها؟

هذه أسئلة سنجيب عنها (إن شاء الله) بوضوح ليعلمها من كان جاهلاً بها.

جوابنا على تلك التساؤلات:

1- ما هي الرجعة؟

بعبارة موجزة هي عبارة عن إرجاع الله عز وجل لبعض الناس إلى الدنيا بعد الموت وقبل يوم القيامة، وسيتضح التفصيل خلال البحث من بقية تلك الأسئلة.

وهذا المعنى هو الذي صرحت به كتب اللغة، قال الجوهري في الصحاح، (وفلان يؤمن بالرجعة أي بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت)، وقال أيضاً: الكر الرجوع. وقال صاحب القاموس أيضاً ج3 ص28: ويؤمن بالرجعة أي الرجوع إلى الدنيا بعد الموت، فهذا معناها الحقيقي المتفق عليه لا غير.

من يقول بالرجعة أو يعتقدها؟

أما السؤال الثاني: مَن يقول بها أو يعتقدها؟

الجواب، اشتهر القول بالرجعة عند الشيعة الإمامية فهم الذين يقولون بها، بل يؤمنون ويعتقدون وقوعها وهي عندهم من المسلمات، ومن ضروريات المذهب، ويروون عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: ليس منا من لم يؤمن بكرتنا؟ ولم يستحل متعتنا(1) ويقرؤون في زيارتهم“ {الجامعة الكبيرة} وهي كما في (مفتاح الجنات) للسيد الأمين العاملي ج2 ص211: من أحسن الزيارات متناً وسنداً وأكملها وقد رواها شيخنا الصدوق في (العيون) ج2 ص272 بإسناد معتبر، وكذا رواها الشيخ الطوسي في (التهذيب) بسنده ج2 ص34 عن الإمام علي الهادي(عليه السلام)، كما رواها الصدوق في كتابه (من لا يحضره الفقيه) ص309 ونقلها عن الصدوق، والطوسي المجلسي في (البحار) ج53 ص92 جاء فيها ما يصرح بالرجعة حيث يقول: وجعلني ممن يقتص آثاركم ويسلُك سبيلكم، ويهتدي بهداكم، ويحشر في زمرتكم، ويكرّ في رجعتكم، ويملك في دولتكم، ويشّرف في عافيتكم، ويمكّن في أيّامكم وتقرّ عينه غداً برؤيتكم.

وفي زيارة الجامعة أيضاً: مؤمن بإيابكم مصدّق برجعتكم منتظر لأمركم، مرتقب لدولتكم..الخ.

وفي زيارة الأربعين للإمام الحسين(عليه السلام) عن الإمام الصادق(عليه السلام) وكذا في زيارة وارث المطلقة: وأُشهِد الله وملائكته وأنبياءه ورسله أني بكم مؤمن وبإيابكم موقن بشرائع ديني وخواتيم عملي…الخ.

وهكذا جاء في أكثر زيارات الأئمة الأطهار والأدعية الواردة عنهم “ التصريح في رجعتهم وأن شيعتهم يؤمنون بها وهي من الكثرة بمكان حتى أن آية الله الشيخ محمد رضا الطبسي جمع بعض ما ورد في تلك الأدعية والزيارات من النصوص الصريحة والدالة على الرجعة، الواردة عن خزان العلم وأهل بيت الوحي“ في مؤلفه القيم (الشيعة والرجعة) الكثير الكثير في ج2 ص117-242، فتحت عنوان (الأدعية والرجعة) جمع من المصادر الموثوقة وبصحائف مرقمة 67 قطعة من تلك الأدعية المأثورة، وتحت عنوان (الزيارات والرجعة) جمع 58 قطعة من تلك الزيارات من مصادرها الثابتة عنهم“ فراجع إذا شئت.

أما الأخبار الواردة عن النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته الأطهار“ الدالة على الرجعة والمصرحة بوقوعها تُعد بالمئات وربما زادت على خمسمائة رواية في أبواب متفرقة وكثيرة كما نص على ذلك العلامة الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج2ص109، ويقول شيخنا المجلسي في (البحار) ج53 ص122: أجمعت الشيعة عليها (أي الرجعة) في جميع الأعصار واشتهرت f,fأبوببينهم كالشمس في رابعة النهار حتى نظموها في أشعارهم واحتجوا بها في جميع أمصارهم إلى أن قال:

وكيف يشك مؤمن بحقية الأئمة الأطهار“ فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح، رواها نيف وأربعون من الثقات العظام، والعلماء الأعلام، في أزيد من خمسين من مؤلفاتهم، (وعد جمعاً منهم إلى أن قال):

وإذا لم يكن مثل هذا متواتراً ففي أي شيء يمكن دعوى التواتر مع ما روته كافة الشيعة خلفاً عن السلف…الخ.

وعلى كلٍ فقد أجمع علماء الشيعة مع أئمتهم“ على إثبات الرجعة ووقوعها، ونقل الشيخ الطبسي في كتابه (الشيعة والرجعة) ج2 ص245 تصريحات بعض العلماء بإجماع الشيعة على ذلك تحت عنوان (الإجماعات والرجعة) مبتدأ بالشيخ الطبرسي في (مجمع البيان)، ومنتهياً بالسيد أبو الحسن الأصفهاني ص245-288، هذا وقد شنع بعض المخالفين عليهم في ذلك، واستسخفوا عقيدتهم بها حتى جعلوا القول بالرجعة من الآراء السخيفة، بل بعضهم يصرح (عناداً أو جهلاً) بأنها مستحيلة الوقوع(1) فاحتجت عليهم الشيعة بأدلة قطعية من الكتاب والسنة، أدلة واضحة جلية، وملزمة، ولكنهم وكأنهم عن سماع تلك الأدلة في آذانهم وقراً فهم لا يسمعون.

وصدق الله حيث قال مخاطباً رسوله الأعظم(صلى الله عليه و آله):

( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(80)وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) [النمل/ 81-82]

متى تكون الرجعة، ومن الذي يرجع ومن لا يرجع؟

أما السؤال الثالث متى تكون الرجعة؟ وما كيفيتها؟ ومَن الذي يُرجع ومن لا يُرجع؟

فالجواب على هذه الأسئلة نقول:

قد تظافرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد(صلى الله عليه و آله) في أن الله الذي هو على كل شيء قدير سيعيد عند قيام المهدي (عج) وبعده قوماً ممن تقدم موتهم من آبائه الطاهرين، وأوليائه وشيعته المؤمنين إلى الدنيا ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته وتقر أعينهم به.

جاء في دعاء العهد الذي روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: من دعا الله أربعين صباحاً بهذا العهد كان من أنصار قائمنا، فإن مات قبله أخرجه الله من قبره، وأعطاه بكل كلمة ألف حسنة ومحا عنه ألف سيئة. وأوله:

اللهم رب النور العظيم، ورب الكرسي الرفيع، ورب البحر المسجور، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور، ورب الظل والحرور، ورب القرآن العظيم.

(إلى أن جاء في الدعاء):

اللهم أن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتماً مقضياً، فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني، شاهراً سيفي، مجرداً قناتي، ملبياً دعوة الداعي، في الحاضر والبادي، اللهم أرني الطلعة الرشيدة، والغرة الحميدة، وأكحل ناظري بنظرة مني إليه، وعجل فرجه وسهل مخرجه…الخ(1) وكما يعيد الله إلى الدنيا قوماً من شيعته، كذلك يعيد قوماً من أعدائه وأعداء آبائه الطاهرين لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقون من العذاب في القتل على أيدي شيعتهم، بعد أن يعانوا الذل والخزي والعار بما يشاهدون من علو كلمته، وظهور دولته.

ومختصراً: الرجعة عند أهل البيت“ (وشيعتهم تبع لهم) رجعة خاصة، وحشر خاص يخص من محض الإيمان محضاً، ومحض الكفر والشرك محضاً، كالنبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته وأتباعهم المخلصين من المؤمنين، وأعدائهم الألداء ممن مات على غير دينهم دين الإسلام، وما عدا هؤلاء مسكوت عنهم.

يوم الرجعة من أيام الله الخاصة:

ويوم الرجعة عند أهل البيت“ هو أحد أيام الله العظيمة التي يظهر فيها للعيان أمره وحكمه وآياته وسلطنته عز شأنه.

تلك الأيام هي التي تشير إليها بعض الآيات القرآنية الكريمة منها قوله تعالى في سورة إبراهيم:

( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور) [إبراهيم/6]

ومنها قوله تعالى في سورة الجاثية:( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الجاثية/15].

نرى في هاتين الآيتين نسبة أيام إلى الله تعالى، ومما لا شك فيه أن المراد بها أيام خاصة لا عامة لكل الأيام، ومعلوم أن نسبة أيام خاصة إلى الله سبحانه مع كون جميع الأيام وكل الأشياء على الإطلاق له جل شأنه إذاً لا بد وأن يكون في تلك الأيام ظهور مشاهد لأمره وحكمه بحيث لا يبقى معه لغيره ظهور ولا حكم، فأيام الله هي الأزمنة والظروف التي أظهر أو سيظهر فيها حكمه ووحدانيته وسلطته كيوم الموت الذي يظهر فيه سلطان الآخرة وتسقط فيه الأسباب الدنيوية عن التأثير، وكيوم القيامة الذي أشارت إليه الآية الكريمة:) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ( [الانفطار/ 5]، وكالأيام التي أهلك الله فيها قوم نوح، وعاد، وثمود، فإن هذه الأيام وأمثالها ظهر فيها القهر والغلبة الالهيان وأتضح فيها) إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا( [يونس/66] كما يمكن أن تكون من أيام الله عز وجل أيضاً الأيام التي ظهرت فيها النعم الإلهية ظهوراً ليس فيه لغيره صنع كيوم خروج نوح (عليه السلام) وأصحابه من السفينة بسلام من الله وبركات منه، ويوم إنجائه إبراهيم الخليل من النار وغيرهما فإنهما أيضاً كسوابقهما لا نسبة لهما في الحقيقة إلى غيره تعالى، فهي أيام منسوبة إليه كما تنسب بعض الأيام إلى الأمم والأقوام ومنها أيام العرب كيوم ذي قار ويوم الفجار، ويوم بغاث وغير ذلك، هذا ما يستفاد من نسبة أيام خاصة إلى الله.

وجاءت عن النبي(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته عدة أحاديث من طرق الخاصة والعامة تفسر المراد من أيام الله: نستعرض بعضها:

1- ففي حديث نقله السيوطي في تفسيره (الدرالمنثور) ج4 ص70 عن النسائي وعبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند، وابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في (شعب الأيمان) عن أبي بن كعب (رض) عن النبي(صلى الله عليه و آله) في قوله تعالى:) وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ( قال: بنعمه وآلائه: أي بنعمة على المؤمنين في تلك الأيام. ورواه ابن كثير في تفسيره عن بعض تلك المصادر ج2 ص523.

2- وما في معناه رواه العياشي في تفسيره ج2 ص222، والطبرسي في مجمع البيان ج3 ص304، ونقله عنهما المولى محسن الفيض في (الصافي)، والعلامة الطباطبائي في (الميزان) في قوله تعالى: ) وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ( عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنه قال: بآلائه ونعمه.

3- ونقل العلامة الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج12 ص16عن آمالي الشيخ الطوسي بإسناده عن عبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله في حديث طويل عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال فيه: أيام الله نعماؤه وبلاؤه وهو مثلاته سبحانه: أي عقوباته.

4- وجاء في تفسير القمي ج1 ص367 قوله: أيام الله ثلاثة يوم القائم، ويوم الموت، ويوم القيامة.

نقله عن القمي المولى محسن الفيض في تفسيره (الصافي)، والبحراني في تفسيره (البرهان) ص534 على ما نقله عنه الطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص105، كما نقله عن القمي العلامة الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج12 ص16 ونقله عن القمي المجلسي في (البحار) ج1 ص45.

5- وجاء في حديث شهير عن أهل بيت الوحي والعصمة منهم الإمامان الباقر وولده الصادقL أنهما قالا:

أيام الله عز وجل ثلاثة، يوم القائم، ويوم الكرة (أي يوم الرجعة) ويوم القيامة. ورواه بهذا النص الصدوق في كتابه (معاني الأخبار) ص348 بسنده عن الإمامين الباقر والصادقL ونقله الطباطبائي في (الميزان) ج12 ص16، كما رواه الصدوق أيضاً بسند آخر في كتابه (الخصال) ص108 عن الباقر (عليه السلام) ، ونقله عن الصدوق في الخصال المولى محسن الفيض في تفسيره (الصافي) في تفسير سورة إبراهيم، ونقل الحديثين عن الصدوق المجلسي ج51 ص50، وفي ج53 ص63، ونقله في نفس الصفحة عن كتاب (منتخب البصائر) أيضاً، ونقل الحر العاملي في كتابه (الإيقاظ) ص97 الحديث عن الصدوق وغيره، كما روى الحديثين بنصهما ص235 عن الصدوق في كتابيه وعن كتاب (الصراط المستقيم) للعاملي وأن هذا الأخير نقل الحديث عن كتاب الحضرمي، وروى الحديث عن الباقر والصادقL الشيخ سليمان الحنفي في كتابه (ينابيع المودة) نقلاً عن كتاب (المحجة) ص424 باب71، وروى الحديثين البحراني في تفسيره (البرهان) ص533-534، ونقلهما عنه الطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص105 و106، وقال الطباطبائي في (الميزان) ج2 ص112 وورد عن أئمة أهل البيت“، وذكر الحديث.

6- روى البحراني في تفسيره (البرهان) ص1002 عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: أيام الله المرجوة ثلاثة، يوم قيام القائم، ويوم الكرّة، ويوم القيامة. ونقله الطبسي ج1 ص375، وج2 ص160.

وهذه الأحاديث التي جاءت تفسر المراد من أيام الله من جهةٍ تراها مختلفة في منطوقها ونصوصها، ومن جهة ثانية – وبعد التدبر لها يتضح لنا إنها غير مختلفة في مفهومها ومفادها وبيان ذلك هو أن الحديث الأول عن النبي (صلى الله عليه و آله) ، والثاني عن حفيده الإمام الصادق(عليه السلام) نصاً في أن المراد من أيام الله هي نعماؤه وآلاؤه، ومعلوم إن النعماء والآلاء من الله في أيامه الخاصة إنما تكون لعباده المؤمنين.

فهي إذا نفسها تكون في تلك الأيام نقمة وعذاباً للكافرين والمتمردين، ويوضح هذا المعنى الحديث الثالث الوارد عن النبي(صلى الله عليه و آله) الذي يجمع بين النعماء والبلاء وأن البلاء هو مثلاتُه سبحانه، ومثلاتُه عُقُوباته النازلة في الكافرين والمتمردين.

أما الحديث الرابع عن القمي في تفسيره القائل، إن أيام الله ثلاثة يوم القائم، ويوم الكرّة، ويوم القيامة فيستفاد منها أن هذه الأيام هي أعظم أيام الله التي يظهر فيها حكمه وعزته لعباده المؤمنين والكافرين، وتبدو لهما معاً النعماء والآلاء، والنقمة والعذاب، ولم يكن الهدف من هذين الحديثين الحصر لمطلق أيامه بل بيان لأيام الله العظيمة

ومجملاً لا منافاة بين كل تلك الأحاديث إذ إنّ النعمة على المؤمن هي نقمة على الكافر، وكذا الأيام المذكورة في الأحاديث هي نِعم عظيمة لقوم ونقم عظيمة لآخرين.

أما الحديث السادس الوارد عن الإمام الصادق(عليه السلام) القائل: أيام الله المرجوة ثلاثة.. الخ، كأنه يشير بالخصوص إلى قوله تعالى مخاطباً لرسوله الأعظم(صلى الله عليه و آله):) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ( [الجاثية/15].

وهذه الآية مكية واقعة في سياق الآيات السابقة الواصفة لحال المتكبرين المستهزئين بآيات الله المهددة لهم بأشد العذاب، ومعناها) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ( أي يا محمد مُر الذين آمنوا أن يعفوا ويصفحوا عن أولئك المستكبرين المستهزئين بآيات الله. الذين لا يتوقعون لله أياماً لا حكم فيها ولا مُلك إلا له تعالى كيوم عذاب الاستئصال في الدنيا، ويوم الموت والبرزخ ويوم القيامة) لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ( أي ليصفحوا عن هؤلاء المنكرين لأيام الله حتى يجزيهم الله بأعمالهم الجائرة الإجرامية في يوم من أيامه الانتقامية.

فتكون الآية نظير قوله تعالى:) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا(11)إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالآ وَجَحِيمًا( [المزمّل/12-13]، وقوله: ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ( [المعارج/84]، وقوله:) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ( [الزخرف/90].

وأخيراً نقول: إن يوم الرجعة هو اعظم يوم في الدنيا يظهر فيه حكم الله وأمره بالنصر والغلبة للمؤمنين، والانتقام والخذلان للكافرين والمتمردين ولذلك صح انتسابه إلى الله تعالى إذ يتضح فيه تماماً بأنه كما قال تعالى:) وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِين( [المنافقون/9] والحمد لله رب العالمين.

ما الدليل على الرجعة وما فلسفتها والحكمة فيها؟

أما السؤال الرابع ما هو الدليل عليها؟ وما فلسفتها والحكمة فيها؟، الجواب نقول هذان سؤالان مهمّان الأول عن الرجعة والثاني عن فلسفتها والحكمة فيها، ونجيب الآن عن السؤال الأول بتفصيل، ويأتيك – إن شاء الله – الجواب عن الثاني

 

أثناء استعراضنا للأدلة فنقول:

الاستدلال التفصيلي بآية أولى من القرآن المجيد الدالة على إرجاع من محض الكفر والشرك.

إن الأدلة على وقوع الرجعة وإمكانيتها كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل فمن أدلة الكتاب الآية التي قدمناها في أول الموضوع وهي قوله تعالى في سورة النمل/48) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ( أي يدفعون إلى الحشر دفعاً، حيث دلت هذه الآية الكريمة على أَنّ هذا الحشر خاص ببعض دون بعض، فتعيّن أن يكون غير الحشر الأكبر الذي في القيامة، لأنه عام بالاتفاق بين المسلمين أجمعين، ولقوله تعالى في صفة الحشر يوم القيامة:) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا( [الكهف/48].

إذاً أي يوم هذا الذي يحشر فيه بعض دون بعض بحيث يحشر من كل أمة فوجاً؟ أي من كل قوم وقرن جماعة، الجواب نقول: فيه للمفسرين قولان الأول وهو المؤكد بالدليل إنه: يوم الرجعة، والثاني قيل: إن المراد به هو الحشر للعذاب الواقع بعد الحشر الكّلي الشامل لجميع الخلق فهو حشر بعد حشر القيامة وهذا القول الثاني

أولاً: لم يرد فيه نص من معصوم يستند إليه المفسرون – فيما علمنا بل هو مجرد رأي، ولا يجوز تفسير القرآن بالرأي وبلا دليل يدل عليه، والروايات الناهية عن التفسير بالرأي مستفيضة من طرق الفريقين(1)

ثانياً: إنه لو كان المراد به الحشر إلى العذاب للزم ذكر هذه الغاية دفعاً للأيهام، كما في قوله تعالى:) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ( [السجدة/20] وفي قوله تعالى:) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ(22)مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ( [الصافات/23-24].

ولهذه الآيات من حشر الظالمين إلى العذاب نظائر في آيات أخر، بينما نرى الآية المبحوث عنها مطلقة لم يُشر فيها إلى شيء يلوّح إلى هذا الحشر المزعوم لها وتزيدها إطلاقاً الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( [النمل/85].

فترى هذه الآية لم يقل فيها: حتى إذا جاؤا العذاب أو النار أو الجحيم نعم ذكرت الآية بعد مجيئهم الاستفهام الاستنكاري منهم عن تكذيبهم لآيات الله، وعدم إحاطتهم بها علماً وعمّا كانوا يعملون، وأخيراً وقوع القول عليهم بظلمهم، فهم لا ينطقون ولم تذكر العذاب والنار والجحيم.

ثالثاً: مما يؤيد إن هذا الحشر غير حشر القيامة، وغير الحشر إلى جهنم هو أن الآية جاءت مسبوقة بأيةٍ تنبئ عن إخراج دابة لهم من الأرض تكلمهم، وإخراج دابة من الأرض من اشراط الساعة الواقع في الحياة الدنيا باتفاق المفسرين، والآية هي قوله تعالى:) وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ( [النمل/83] وهي من الآيات الدالة على الرجعة أيضاً(1) وملحوقة بعدها ثلاث آيات تتضمن عذابهم. وما يتعلق بالعذاب من سوء أعمالهم، ووقوع القول عليهم بظلمهم، وتُذِكّرهُم ببعض آلائه التي جحدوها، بعدها جاءت آيات عديدة تذكر النفخ في الصور، وتصف وقائع يوم القيامة وأهواله العظيمة خصوصاً بالنسبة إلى الظالمين، وإنه يوم الأمن للمحسنين وإن المسيئين تكب وجوههم في النار جزاء بما كانوا يعملون من السيئات..الخ. فلو كانت الآية المبحوث عنها تخص الحشر إلى النار والعذاب لذكرت بعد عرض النفخ في الصور ووصف وقائع القيامة وما بعدها، ولما سبقتها آية بعض اشراط الساعة من خروج دابة من الأرض تكلمهم، فهذا الترتيب والسياق لتلك الآيات السابقة لها، واللاحقة بها هما من أهم القرائن الدالة على أن المراد من هذا الحشر الخاص إلى الدنيا عند الرجعة إليها، وقبل يوم القيامة وهذا هو القول الأول للمفسرين من الشيعة تبعاً للأدلة والتي منها احتجاج أئمة الهدى والحق وكبار شيعتهم بالآية على الرجعة وأن المراد من الحشر فيها هو الحشر إلى الدنيا بعد الموت وقبل يوم القيامة.

من أحتج من الأئمة “ وشيعتهم بالآية على الرجعة؟

1- روى صاحب كتاب (منتخب البصائر) بإسناده عن أبي بصير قال:

قال لي أبو جعفر (أي الباقر(عليه السلام)): يُنكر أهل العراق الرجعة؟

قلت: نعم، قال:

أما يقرأون القرآن) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا( ونقله عنهُ المجلسي في (البحار) ج53 ص540، وروى الحديث البحراني في تفسيره (البرهان) ج2 ص782 بإسناد، على ما نقله عنه الطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص134، ورواه من طريق آخر ص319، ورواه الحر العاملي في (الإيقاظ) ص278 عن المنتخب.

2- روى القمي في (تفسيره) ج2 ص120 بسنده عن أبي بصير عن أبي عبد الله (أي الصادق(عليه السلام)) حديثا عن تفسير دابة الأرض جاء فيه قوله (عليه السلام):

والدليل على أن هذا في الرجعة قوله تعالى:) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ( ..الخ. قال(عليه السلام) الآيات أمير المؤمنين والأئمة“، فقال رجل لأبي عبد الله(عليه السلام): إن العامة تزعم أن قوله:) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا( عنى يوم القيامة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أفيحشر الله من كل أمة فوجاً ويدع الباقين؟ لا ولكنهُ في الرجعة وأما آية القيامة) وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا( .

ونقله عن القمي المولى محسن الفيض في تفسيره (الصافي)، كما نقله عن القمي المجلسي في (البحار) ج53 ص53، وكذا الطبسي في كتابه (الشيعة والرجعة) ج2 ص131 وكذا الحر العاملي في (الإيقاظ) ص257، والأحسائي في كتابه (الرجعة) في المقدمة ص12.

3- روى القمي في تفسيره ج2 ص131 بسنده عن المفضل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى:) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا( قال: ليس من المؤمنين قتل إلا يرجع حتى يموت، ولا يرجع إلا من محض الإيمان محضاً، ومحض الكفر محضاً.

ونقله عنه الفيض في تفسيره، كما نقله عنه المجلسي في (البحار) ج53 ص53 والحر العاملي في (الإيقاظ) ص258 وص343، والأحسائي في (الرجعة) ص12.

وروى هذا الحديث صاحب كتاب (منتخب البصائر) باسانيد عديدة عن محمد بن الطيار عن أبي عبد الله(عليه السلام).. الخ. ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج53 ص40، كما نقله عنه الحر العاملي في (الإيقاظ) ص278.

4- قال القمي في مقدمة تفسيره ص24، وأمّا الرد على من أنكر الرجعة فقوله تعالى:) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا( ، قال: وحدثني أبي عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: ما يقول الناس في هذه الآية:) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا( قلت: يقولون: إنها في القيامة، قال ليس كما يقولون، إن ذلك في الرجعة، أيحشر الله في القيامة من كل أمةٍ فوجاً ويدع الباقين؟، إنما آية القيامة قوله:) وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا( إلى آخر احتجاجاته.

ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج53 ص60، ورواه القمي أيضا في تفسيره ج2 ص36 في تفسير (الكهف) والحر العاملي في (الإيقاظ) ص246 والطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص302، والطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج15 ص446 والسيد عبد الله شبر في كتابه (حق اليقين) ج2 ص4.

5- قال شيخنا الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان) م4 ص234 عند تفسيره للآية الكريمة، وأستّدلَ بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية بأن قال: إن دخول من في الكلام يوجب التبعيض فدلّ ذلك على أن اليوم المشار إليه في الآية يحشر فيه قوم دون قوم وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه وتعالى:) وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا( وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد(صلى الله عليه و آله) في أن الله سيعيد عند قيام المهدي(عليه السلام) قوماً ممن تقدم موتهم من أوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته، ولا يشكّ عاقل إن هذا مقدور لله تعالى وغير مستحيل في نفسه، وقد فعل ذلك في الأمم الخالية ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره على ما فسرناه في موضعه، وصح عن النبي(صلى الله عليه و آله) قوله، سيكون في أمتي كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، والقذّة بالقذة حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه..الخ.

ونقل كلامه الطبسي في كتابه (الشيعة والرجعة) ، ج2 ص133 ونقله عنه المجلسي في البحار ج53 ص126، والحر العاملي في الإيقاظ ص250.

6- جاء في تفسير النعماني وهو محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني الذي روى عن الصادق عن أمير المؤمنينL إنه قال: وأمَا الرد على من أنكر الرجعة فقول الله عز وجل:) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ( أي إلى الدنيا، وأما معنى حشر الآخرة فقوله عز وجل:) وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا( .

واسترسل الحديث في ذكر بعض الآيات القرآنية الأخرى الدالة على الرجعة، والرادة على من أنكرها حيث قال: وقوله سبحانه:) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ( [الأنبياء/96] في الرجعة، فأما في القيامة فإنهم يرجعون.

ومثل قوله تعالى:) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ( [آل عمران/82] وهذا لا يكون إلا في الرجعة.

ومثله ما خاطب الله الأئمة، ووعدهم من النصر والانتقام من أعدائهم فقال سبحانه وتعالى:) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا( [النور/56] وهذا إنما يكون إذا رجعوا إلى الدنيا ومثله قوله تعالى:) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ( [القصص/6] وقوله سبحانه وتعالى:) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ( [القصص/86] أي في الرجعة إلى الدنيا أو قال: أي رجعة الدنيا.

ومثله قوله:) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ( [البقرة/244] ثم ماتوا، وقوله عز وجل،) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا( [الأعراف/156] فردّهم الله تعالى بعد الموت إلى الدنيا وشربوا ونكحوا، ومثله خبر العزير..الخ (راجع البحار للمجلسي ج53 ص118-119)، ونقل المجلسي تفسير النعماني الذي هو عبارة عن رسالة مفردة مدونة كثيرة الفوائد من فاتحتها إلى خاتمتها في ج93 باب ما ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في أصناف آيات القرآن، وأنواعها وتفسير بعض آياتها من ص1- ص97 فراجع، ونقله الحر العاملي في (الإيقاظ) ص377 نقلاً عن رسالة (المحكم والمتشابه) للسيد المرتضى ونقله السيد عبد الله شبر في (حق اليقين) ج2 ص26 من تفسير النعماني.

7- روى الشيخ المفيد في كتابه (الفصول المختارة) ج1 ص11-64 عن الحارث بن عبد الله الربعي إنه قال: كنت جالساً في مجلس المنصور وهو بالجسر الأكبر، وسوار القاضي عنده والسيد الحميري ينشده:

ان الإله الذي لا شيء يشبهه

آتاكم المُلك للدنيا وللدينِ

آتاكم الله مُلكاً لا زوال له

حتى يقاد إليكم صاحب الصينِ

وصاحب الهند مأخوذ برمته

وصاحب الترك محبوس على هونِ

حتى آتى على القصيدة، والمنصور مسرور، فقال سوّار: إن هذا والله يا أمير المؤمنين يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه، والله إن القوم الذين يدين بحبهم لغيركم، إنه والله لينطوي على عداوتكم، فقال السيد: والله إنه لكاذب، وإنني في مدحتك لصادق، وإنه حمله الحسد إذ رآك على هذه الحال، وإن انقطاعي إليكم ومودتي لكم أهل البيت لمُعرق فينا من أبويّ وإن هذا وقومه لأعداؤكم في الجاهلية والإسلام، وقد أنزل الله عز وجل على نبيه في أهل بيت هذا: ) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ( [الحجرات/5] (راجع تفسير الخازن ج4 ص174) فقال المنصور: صدقت، فقال سوّار يا أمير المؤمنين إنه يقول بالرجعة، فقال السيد: أما قوله إني أقول بالرجعة، فإني أقول بذلك على ما قال الله تعالى: ) وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ( ، وقد قال في موضع آخر،) وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا( فعلمنا إن هاهنا حشرين أحدهما عام والآخر خاص وقال سبحانه:) رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ( [غافر/12] وقال تعالى:) فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ( [البقرة/26] وقال تعالى:) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ( [البقرة/244].

فهذا كتاب الله وقد قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): يحشر المتكبرون في صورة الذر يوم القيامة(1) وقال(صلى الله عليه و آله): لم يجر في بني إسرائيل شيء إلا يكون في أمتي مثله حتى الخسف والمسخ والقذف(2)، وقال حذيفة: والله ما ابعد أن يمسخ الله عز وجل كثيراً من هذه الأمة قردة وخنازير(3).

فالرجعة التي نذهب إليها هي ما نطق به القرآن.

وجاءت به السنة، وإنني لأعتقد أن الله تعالى يردّ هذا – يعني سواراً – إلى الدنيا كلبا أو قرداً أو خنزيراً أو ذرّة فإنه والله متجبرّ متكبرّ كافر. قال: فضحك المنصور وانشد السيدّ يقول:

جاثيتُ سّواراً أبا شملةٍ

عند الإمام الحاكم العادل

فقال قولاً خطأ كله

عند الورى الحافيِ والناعلِ

ما ذب عمّا قلت من وصمة

في أهله بل لجٌ في الباطل

وبان للمنصور صدقي كما.

قد بان كذب الأنوك الجاهل

ببغض ذا العرش ومن يصطفي

من رسله بالنير الفاضل

ويشنأ الحبر الجواد الذي

فُضِّلَ بالفضل على الفاضل

ويعتدي بالحكم في معشر

أدّوا حقوق الرسل للراسل

فبينّ الله تزاويقه

فصار مثل الهائم الهائل

قال:- فقال المنصور: كفّ عنه، فقال السيد: يا أمير المؤمنين البادي أظلم يكف عني حتى اكف عنه، فقال المنصور لسوار: تكلم بكلام فيه نُصفه، كفّ عنه حتى لا يهجوك(1).

هذا بعض ما ورد من احتجاج أئمة الهدى والحق كعلي أمير المؤمنين، وحفيديه الباقرين الصادقين“ من طرق عديدة، ومصادر كثيرة يؤيد بعضها بعضاً، وكذا احتجاج كبار شيعتهم من علماء محققين ومؤلفين متثبتين وأدباء متضلعين ورواة ثقاة صادقين احتجوا جميعاً على حقيقة الرجعة بالآية المبحوث عنها بالخصوص وآيات أُخر تدل على الرجعة بالعموم.

فالاستدلال بالآية الشريفة على صحة العقيدة بالرجعة كأنه أمر مغروس في الأذهان ومرتكز في الوجدان عند أهل العلم والتحقيق والدراية والرواية ومن هنا نرى إن أول ما يحتجون به غالباً من الآيات القرآنية الدالة على الرجعة هي الآية المبحوث عنها لظهورها في الموضوع ظهوراً، بيّناً، قد يكون أكثر من غيرها. وقد رأينا بالخصوص – ما دار بين السيد الحميري وسوار القاضي من الاحتجاج عليه بين يدي المنصور الدوانيقي، وكيف أفحمه ، وأعلمه بأحسن بيان وأتقن برهان على الرجعة، حتى أنه لم يجد جواباً مفنداً لأدلته) فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ( [البقرة/259].

كما رأينا إن ثاني آية احتج بها السيد الحميري علي سوار من الآيات الدالة على الرجعة وأحقيتها بعد الآية المبحوث عنها هي قوله تعالى:) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ( [غافر/12].

وإليك الآن بحوثها بصورة مفصلة لتكون الدليل الثاني التفصيلي من القرآن الكريم على الرجعة وأحقية وقوعها وحتميته فإلى لقاءٍ في تلك البحوث.

الاستدلال التفصيلي بآية ثانية من القرآن المجيد الدالة على إرجاع مَن مَحِضَ الكفرَ والشرك.

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ( [غافر/12].

هذه الآية الكريمة من سورة غافر حكى الله فيها قول بعض أهل النار، من المجرمين الكافرين – وهم في النار – وهو القول الذي يتوسلون به إلى الله للتخلص من العذاب، وإنهم قد اعترفوا بذنوبهم، كما اعترفوا بقدرة الله على الإحياء والإماتة والإرجاع إلى الدنيا بعد ما كانوا غير متيقنين لا بالعذاب، ولا بقدرة الله لذا:) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ( .

 

والظاهر إن المراد من قولهم: (أمتنا اثنتين).

إنهم يعنون بذلك الإماتة الأولى بعد حياتهم في الدنيا والإماتة الثانية بعد إحيائهم في الرجعة، فيكون المراد من قولهم: (وأحييتنا اثنتين) هو إحياؤهم أولاً في الدنيا بعد العدم، وإحياؤهم ثانياً في الدنيا بالرجعة إليها، وإنهم قد اعترفوا بذنوبهم في الحياتين الدنيويتين الأولى والثانية، ويقولون متسائلين: (فهل إلى خروج من سبيل) أي فهل تخرجنا إلى الدنيا مرة ثالثة لعلنا نعمل فيها صالحاً؟

وقريب من هذا التساؤل والطلب ما ذكره الله في سورة الأنعام بقوله تعالى:) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ( [الأنعام/28-29].

فهذه الآية:) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ( ظاهرة كمال الظهور في أحقية الرجعة ووقوعها بالفعل، وظواهر القرآن حجة كما هو معلوم ويؤيد هذا الظهور ما ورد في تفسيرها عن أئمة الهدى والحق ومن أحتج بها على الرجعة من اتباعهم في أحاديث عديدة.

1- فقد روى الحسن بن سليمان في كتابه (منتخب البصائر) بإسناده من كتاب (المشيخة) للثقة الأمين الحسن بن محبوب عن محمد بن سلام عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنه قال: في قوله:) رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ( هو خاص لأقوام في الرجعة بعد الموت راجع (البحار9 ج53 ص116 و(الإيقاظ) ص298 و(الشيعة والرجعة) ج2 ص156، و(تفسير البرهان) ج2 ص950.

2- روى القمي في (تفسيره) ج2 ص256 في قوله تعالى:) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ( قال: قال الصادق(عليه السلام): ذلك في الرجعة. أي الإحياء الثاني والإماتة الثانية تكون في الرجعة، ونقل الحديث عن القمي المولى محسن الفيض في (تفسيره)، والمجلسي في (البحار) ج53 ص56. والحر العاملي في (الإيقاظ) ص258 والطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص156 والسيد عبد الله شبر في (حق اليقين) ج2 ص9.

3- قال المجلسي في (البحار) ج53 ص144، وجدت بخط بعض العلماء نقلاً من خط الشهيد قدس الله روحه قال: روى الصفواني في كتابه بإسناده قال سئل الرضا(عليه السلام) عن تفسير (أمتنا اثنتين) الآية، قال: والله ما هذه الآية إلا في الكرة ونقله عن (البحار) الطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص156.

واستنادا إلى هذه النصوص الواردة عن أئمة الهدى وغيرها، نرى كثيراً من العلماء من مؤلفين وأدباء وغيرهم احتجوا بالآية على الرجعة كما يتضح هذا لكل مُطلع على الموضوع.

قال الحر العاملي في كتابه (الإيقاظ) ص84 عند استعراضه للآيات الدالة على الرجعة وإمكانية وقوعها، وقد ذكر أربعاً وستين آية قال: الثالثة والعشرون: قوله تعالى:) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ( وردت الأحاديث بأن المراد بإحدى الحياتين والإماتتين الرجعة، ثم قال: ومعلوم إن ذلك لا يمتنع إرادته من الآية، وإنها ليست بطريق الحصر ولا يدل على نفي الزيادة..الخ.

 

نقاش في المراد من الإماتتين والإحيائين

أما تفسير الآية عند أهل السنة فقد تكلفوا شططاً لتصحيح التثنية في الإماتتين والإحيائين ولم يتوصلوا بالأخير – إلى تفسير لها مقبول ومعقول – ولهم فيما علمنا قولان في ذلك شهيران، وكلاهما باطلان وإليك البيان الأول، قالوا إن الإحياء الأول في الدنيا أيام حياة الإنسان الطبيعية فيها، ثم ينزل به الموت، والإحياء الثاني في القبر للمساءلة ثم يموت والذي يبطل هذا القول:

أولاً- إن الحياة في القبر للمساءلة وليست للتكليف حتى يندم الإنسان على ما اقترف من الذنوب، وما فاته فيها من عمل الصالحات والحال ظاهر الآية الكريمة أنهم يندمون على ما اقترفوا من الذنوب، وما فاتهم من العمل الصالح في الحياتين فليست إذاً إلا الحياتين في الدنيا وهي دار التكليف، أما القبر وعالم البرزخ وفي القيامة فلا تكليف ولا عمل لا صالح ولا طالح: (اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل).

ثانياً- إنهم لو أرادوا بالحياة الثانية في القبر بعد المساءلة لكانت الحياة على ذلك ثلاث مرات لا مرتين الأولى في الدنيا والثانية في القبر للمساءلة والثالثة في الحشر يوم القيامة، وإذاً لقالوا: وأحييتنا ثلاثاً، والحال النص القرآني لقولهم: (وأحييتنا اثنتين).

وهذا الرد – ولله الحمد – ذكره كبير مفسرّيهم الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب) ج7 ص203-204.

وأبطل هناك أن يكون المراد من الإحياء الثاني الإحياء في القبر حيث قال بما نصه: إن هذه الآية تدل على المنع من حصول الحياة في القبر وبيانه:

إنه لو كان الأمر كذلك لكان قد حصلت الحياة ثلاث مرات أولها في الدنيا وثانيها في القبر وثالثها في القيامة، والمذكور في الآية ليس إلا الإحيائين فقط..الخ.

وقال أيضاً في ص204 بما نصه: لو لم تثبت الحياة في القبر لزم أن لا يحصل الموت إلا مرة واحدة فكان إثبات الموت مرتين كذباً وهو على خلاف لفظ القرآن أما لو أثبتنا الحياة في القبر لَلَزِمَنا إثبات الحياة ثلاث مرات والمذكور في القرآن مرتين أما المرة الثالثة فليس في اللفظ ما يدل على ثبوتها أو عدمها..الخ.

كما ذكر هذا الرد على هذا الرأي الزمخشري في تفسيره (الكشاف) ج4 ص155 حيث قال بما نصه:

ومن جعل الإماتتين التي بعد حياة الدنيا والتي بعد حياة القبر لزمه إثبات ثلاث إحياءات، وهو خلاف ما في القرآن، ألا أن يتمحل فيجعل إحداها غير معتد بها ..الخ.

وهكذا ابطل هذا القول والرأي بعضهم، وأعرض عنه ولم يذكره البعض الآخر، وتبناه آخرون مع ما فيه من مؤاخذات، فهذا حال القول الأول.

والقول الثاني لهم – في حصول الإماتتين والإحيائين – إنهم حملوا الإماتة الأولى على خلقهم ميتين ككونهم نطفة وعلقة ميتة ثم أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، وقد اختار هذا القول الغالب منهم وربما استدلوا عليه بقوله تعالى في سورة البقرة/29:) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ( .

والحال في الحقيقة إن هذا القول باطل أيضاً بالرغم من اختيار بعضهم له، لأنه لا يقال لمن خلقه الله نطفة ميتة: أماته، وإنما يقال أماته فيمن كان حياً فأماته، ثم أحياه ثم أماته، ولا يكون ذلك إلا إذا قالوا في الرجعة.

ومن هنا نرى بعضهم يذكر هذا القول ثم يعرض عنه، وبعضهم يبطله فممّن أبطله الفخر الرازي في (تفسيره) ج7 ص203، وصرح هناك إنه ممتنع ومحال حيث قال راداً على هذا الإدعاء بما نصه: لِمَ لا يجوز أن تكون الموتة الأولى هي الموتة التي كانت حاصلة حال – ما كان نطفة وعلقة؟ ثم أجاب قائلا: فنقول:

هذا لا يجوز، وبيانه إن المذكور في الآية إن الله أماتهم، ولفظ الإماتة مشروط بسبق حصول الحياة إذ لو كان الموت حاصلاً قبل هذه الحالة امتنع كون هذه إماته، وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو محال، وهذا بخلاف قوله:) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا( لأن المذكور في هذه الآية إنهم كانوا أمواتاً وليس فيها إن الله أماتهم، بخلاف الآية التي نحن في تفسيرها، لأنها تدل على أن الله تعالى أماتهم مرتين، وقد بيّنا إن لفظ الإماتة لا يصدق إلا عند سبق الحياة فظهر الفرق ..الخ.

نعم هكذا أبطل الفخر الرازي القولين لمفسريهم، ولم يهتدِ إلى طريق الحق بل بقي يتخبط خبط عشواء في ليلة ظلماء إلى أن اعترف بالرجعة من حيث لا يشعر، ونطق بالحق من حيث لا يقصد، حيث قال بالأخير في ج7 ص204 بما نصه: (المسألة الثانية) أعلم آنّا لما أثبتنا حياة القبر (يعني بالأخبار لا بهذه الآية) فيكون الحاصل في حق بعضهم أربعة أنواع من الحياة، وثلاثة أنواع من الموت، والدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة/244 ) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ( – فهؤلاء – لهم..أربع مراتب في الحياة حياتان في الدنيا، وحياة في القبر، وحياة رابعة في القيامة(1).

وهذه الآية الكريمة التي استشهد بها الفخر الرازي على حصول الحياة لإناس أربع مرات هي من الآيات الكثيرة التي تصرح كلّ صراحة بوقوع الرجعة إلى الدنيا في الأمم الماضية، فالرجعة إذاً ممكنة وحاصلة وواقعة بالفعل بنص القرآن المجيد وإليك التفصيل في الفصل التالي وبالله المستعان.

 

1- العجب من الأستاذ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج17 ص330 حيث ينقل اختلاف المفسرين في تفسير الإماتتين والإحيائين فذكر لهم ستة أقوال، وناقش خمسة منها وردها، واختار القول الأول وهو إن المراد من الإماتتين والإحيائَين الإماتة من الحياة الدنيا، والإحياء للبرزخ في القبر، ثم الإماتة عند البرزخ والإحياء للحساب يوم القيامة، ولم يذكر أصلاً موضوع الرجعة في تفسيره للآية، والحال أن القول فيها هو أشهر من الأقوال الستة التي ذكرها بل هو أصح الأقوال وأمتنها، ومؤيد بنصوص أهل البيت (ع) مع العلم إنه ممّن يقول بالرجعة ويعتقدها، ولكننا نعذره بان الإنسان معرّض للغفلة وأن الجواد قد يكبوا، والله اعلم بمراده.