فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

 

 

أولاً - قصة الألوف الذين أماتهم الله ثم أحياهم

قال عز من قائل:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) [البقرة/244].

الآية الشريفة في أسلوبها الرائع وبلاغتها الخلابة تبيّن لنا آيةً من الآيات الإلهية التي وقعت في الأمم السالفة للعبرة والعظة وهي إماتة ألوف من الناس بعد خروجهم من ديارهم حذر الموت دفعةً واحدة ثم إحياؤهم بعد موتهم كذلك وإرجاعهم إلى الدنيا كما كانوا أولاً.

وترشدنا إلى عظيم قدرة الله تعالى وإيجاب الرجوع إليه في مواضع الخطر. وأن الموت والحياة بيده جلّ شانه وان الحذر لا يقي القدر إذا حضر كما تبين أن جميع التدبيرات الأرضية مقهورة تحت إرادة السماء وهي التي تحفظ الإنسان من جميع الشرور والأخطار ولذلك يجب علينا شكره على ما تفضل به تعالى ولكن اكثر الناس لا يشكرون.

وإليك الآن أقوال المفسرين من الفريقين حول الآية الكريمة:

قال الفخر الرازي عند تفسيره لهذه الآية في تفسيره (مفاتيح الغيب) ج2 ص287:

إعلم أن عادته تعالى في القرآن أن يذكر- بعد بيان الأحكام- القصص ليفيد الاعتبار للسامع، ويحمله ذلك الاعتبار على ترك التمرد والعناد ومزيد الخضوع والانقياد، (إلى أن قال عند استعراضه لما ورد حول القصة):

قال السدّي: كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها، والذين بقوا مات أكثرهم، وبقي قوم في المرض والبلاء ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين هربوا سالمين فقال مَن بقي من المرضى: هؤلاء احرص منا لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات، ولئن وقع الطاعون ثانياً خرجنا، فوقع وهربوا وهم بضع وثلاثون ألفاً، فلما خرجوا من ذلك الوادي ناداهم ملك من أسفل الوادي، وأخر من اعلاه أن موتوا فهلكوا، وبليت أجسامهم فمرّ بهم نبي يقال له حزقيل فلما رآهم وقف عليهم وتفكر فيهم، فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك كيف أُحييهم، فقال: نعم فقيل له نادِ أيتها العظام إن الله يأمرك أن تتجمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمّت العظام، ثم أوحى الله إليه نادِ أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً ودماً، ثم نادِ إن الله يأمرك أن تقومي، فقامت فلماّ صاروا أحياء قاموا وكانوا يقولون: سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم وكانت إمارات إنهم ماتوا ظاهرة في وجوههم، ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم.

 

من ذكر القصة واحتج بها:

هذه القصة ذكرها المفسرون في تفاسيرهم كالسيوطي في تفسيره(الدر المنثور) ج1 ص310، وقد نقلها عن كلٍ من ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن طريق أسباط السدي عن أبي مالك، كما ذكرها ابن كثير الدمشقي في (تفسيره) ج1 ص298، عن غير واحد من السلف وذكر الفخر الرازي رواية في سبب إصابتهم بالطاعون والموت حيث قال في الرواية الثالثة إن حزقيل النبي(عليه السلام) ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا فأرسل الله عليهم الموت، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فراراً من الموت، فلما رأى حزقيل ذلك قال: اللّهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك، فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك فأرسل الله عليهم الموت – جميعاً – ثم إنه(عليه السلام) ضاق صدره بسبب موتهم، فدعا مرة أخرى فأحياهم الله تعالى.

واستمر الرازي في تفسيره الآية والتعليق عليها إلى أن قال في التعليق على قوله تعالى:( ثُمَّ أَحْيَاهُمْ): ففيه مسائل:

المسألة الأولى: الآية دالة على إنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا فوجب القطع به وذلك لأنه في نفسه جائز والصادق أخبر عن وقوعه، فوجب القطع بوقوعه، أما الإمكان فلأن تركب الأجزاء على الشكل المخصوص ممكن، وإلا لما وُجد أولاً، واحتمال تلك الأجزاء الحياة ممكن، وإلا لما وجد أولاً ومتى ثبت هذا فقد ثبت الإمكان وأما أن الصادق قد

أخبر عنه ففي هذه الآية، ومتى أخبر الصادق عن وقوع ما ثبت في العقل إمكان وقوعه وجب القطع به.

أقول: هذا التحقيق أو الاستدلال الذي ذكره الرازي في وجوب القطع بحصول الرجعة في الأمم الماضية لإمكانيته وعدم منافاته للعقل، ولأخبار الصادق به، لماذا لا يجري بحصول الرجعة لهذه الأمة؟ والموضوع الأول هو مثيل الموضوع الثاني، والأدلة متوفرة على إمكانيته ومعقوليته، ولإخبار الصادق بوقوعه في المستقبل ولما دلّ، بالتواتر القطعي المتفق عليه أنه كل ما جرى في الأمم الماضية يجري في هذه الأمة أيضاً وقد أمرنا الله تعالى أن نكون مع الصادقين فيما دعوا إليه قال تعالى:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة/120].

فإن قيل: إن الرجعة ممكنة ولا تنافي العقل ولكنها خارقة للعادة، وخوارق العادات إنما تكون معجزة لرسول أو نبي لتكون دليلاً على رسالته أو نبوته ورسول هذه الأمة محمد(صلى الله عليه و آله) قبض وهو غير موجود الآن فإذاً لا تكون معجزة ولا رجعة؟

الجواب:

أولاً: إن خوارق العادات لله عز وجل لا تنحصر بوجود النبي(صلى الله عليه و آله) فقط بل يجريها الله في أي وقت شاء، وعلى يد من شاء من نبي أو إمام أو ولي لكرامته على الله، ولتأييده لما دعا إليه من الحق وقد أجرى الله من المعجزات الظاهرات على أيدي كثير من الأولياء، وأجراها لأئمتنا الهداة كما هو معلوم عند أكثر الأمة، ومذكور في كتب التفسير والتاريخ والفضائل والمناقب لذلك قال الرازي في (تفسيره) ج2 ص288 عند استعراضه المسائل حول قوله تعالى:(ثُمَّ أَحْيَاهُمْ).

المسألة الثانية: قالت المعتزلة ..إحياء الميت فعل خارق للعادة، ومثل هذا لا يجوز من الله إظهاره إلا عندما يكون معجزة لنبي، إذ لو جاز ظهوره لا لأجل أن يكون معجزة لنبي لبطلت دلالته على النبوة، وأما عند أصحابنا فإنه يجوز إظهار خوارق العادات لكرامة الولي، ولسائر الأغراض فكان هذا الحصر باطلاً..الخ.

ثانياً: إن نبوة محمد(صلى الله عليه و آله) خالدة إلى يوم القيامة، وجميع الناس في كل دور وجيل – مطالبون بتصديقها وتصديق ما جاء به(صلى الله عليه و آله) وعلى هذا كل معجزة يجريها الله على يد ولي من أوليائه المؤمنين لاقتضاء مصلحة ما، أو على يد خلفائه الأئمة المعصومين لإثبات إمامتهم تكون تلك المعجزة مؤيدة لنبوة النبي(صلى الله عليه و آله) ولما جاء به من شريعته الغراء وبالتالي تكون تلك المعجزة دالة على أحقيته(صلى الله عليه و آله) وصدقه، وأحقية ما جاء به ولإتمام الحجة على كل منكر لنبوته أو مرتد عن دينه ومنحرف عنه فالرجعة التي يعتقدها أهل البيت“ وشيعتهم من العلماء المجتهدين وغيرهم، وأجمعوا عليها هي من جملة آيات النبي(صلى الله عليه و آله) ومعجزاته كما هي – في نفس الوقت – معجزة لإمام الزمان(عليه السلام) ومعلوم إن منزلة خاتم النبيين هي أعلى وأرفع من منزلة موسى وعيسى وحزقيل وعزير وغيرهم من الأنبياء الذين أجرى الله الرجعة لهم أو على أيديهم بغير خلاف عند العلماء.

ومن هنا نرى أن بعض الأئمة“ فيما ورد عنهم، وكثيراً من علمائنا يحتجون بالآيات التي تعرضت لذكر من أرجع إلى الدنيا بعد الموت على أحقية الرجعة في هذه الأمة، وعلى إمكانيتها.

راجع ما مر في الموضوع الأول الاستدلال التفصيلي بآية أولى من القرآن المجيد تحت عنوان (من احتج من الأئمة“ وشيعتهم بالآية على الرجعة) رقم/5 من احتجاج الطبرسي برقم/6 ما رواه النعماني في تفسيره الذي رواه بسنده عن الصادق عن علي أمير المؤمنين(عليه السلام) فيما أحتج به و/7 فيما احتج به السيد الحميري على سوار القاضي حيث ذكروا في ضمن احتجاجهم على الرجعة بعض الآيات التي ذكرت الرجعة الواقعة في الأمم الماضية، وممن احتج بتلك الآيات من الأئمة الأطهار الإمام الرضا(عليه السلام) على المأمون، وأقر هذا الأخير باحتجاجه، وسيأتيك حديثه(عليه السلام) بنصه.

واحتج بها شيخنا الصدوق حيث قال رَحِمَهُ الله في (رسالة العقائد) اعتقادنا في الرجعة إنها حق وقد قال الله عز وجل:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ)

كان هؤلاء سبعين ألف بيت، وكان يقع فيهم الطاعون كل سنة، فيخرج الأغنياء لقوتهم ويبقى الفقراء لضعفهم فَيقلَّ الطاعون في الذين يخرجون، ويكثر في الذين يقيمون، فيقول الذين يقيمون: لو خرجنا لما أصابنا الطاعون ويقول الذين خرجوا: لو أقمنا لأصابنا كما أصابهم.

فأجمعوا على أن يخرجوا جميعاً من ديارهم إذا كان وقت الطاعون فخرجوا، جميعهم فنزلوا على شط بحر فلما وضعوا رِحالَهم ناداهم الله: موتوا فماتوا جميعاً فكنستهم المارة عن الطريق، فبقوا ما شاء الله تعالى.

ثم مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له إرميا، فقال: لو شئت يا رب لأحييتهم فيعمروا بلادك ويلدوا عبادك ويعبدوك مع من يعبدك فأوحى الله تعالى إليه أفتحب أن أحييهم لك؟ قال نعم، فأحياهم الله له، وبعثهم معه: فهؤلاء ماتوا ورجعوا إلى الدنيا ثم ماتوا بآجالهم. إلى آخر ما سيأتي من احتجاجه في مقام آخر. راجع كلامه في (البحار) ج53 ص128، و(الشيعة والرجعة) ج2 ص248، و(الإيقاظ) ص40 وص144، و(حق اليقين) ج2 ص41 للسيد عبد الله شبر وما ذكره الصدوق من قصة هؤلاء السبعين ألفاً الذين أماتهم الله ثم أحياهم رواه الكليني في (روضة الكافي) ص170 بسنده عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) إلاّ أن فيه إنّ النبي الذي مر عليهم هو حزقيل ونقل الحديث عن الكليني كل من المجلسي في (البحار) ج13 ص385، والفيض في تفسيره (الصافي)، والطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص68، والسيد هاشم المحلاتي في حاشية تفسير العياشي، ص130، والحر العاملي في (الإيقاظ) ص124، والبهادلي في (فلسفة الشهادة) ص109 نقلا عن كتاب (النور المبين) عن الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) ، كما ذكر الحديث كثير من المفسرين من أهل السنة – منهم السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ج1 ص311 نقلاً عن ابن جرير وابن أبي حاتم عن هلال بن يساف، ومنهم الثعلبي في (قصص الأنبياء) ص140-141، وروى العياشي في تفسيره ج1 ص130 عن حمران بن أعين عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: قلت له: حدثني عن قول الله:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمْ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) قلت: أحياهم حتى نظر الناس إليهم ثم أماتهم من يومهم، أو ردّهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدور وأكلوا الطعام ونكحوا النساء قال: بل ردوهم حتى سكنوا الدور وأكلوا الطعام وأكلوا ونكحوا النساء ولبثوا بذلك ما شاء الله ثم ماتوا باجالهم ونقله عن العياشي المجلسي في (البحار) ج13 ص382، والفيض في (الصافي) نقلاً عن (مجمع البيان) للطبرسي راجع المجمع ج1 ص347، ونقله عن المجمع الطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص65، وعن العياشي ص69، ونقله عن المجمع العاملي في (الإيقاظ) ص132، ورواه البحراني في تفسيره (البرهان) ج1 ص233، وروى هذا الحديث الحسن بن سليمان في (منتخب البصائر) ص23-24 بسنده عن حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: كان في بني إسرائيل شيء لا يكون ههنا (أي في هذه الأمة) مثله فقال: لا فقلت فحدثني عن قول الله عز وجل،(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ) إلى آخر الحديث السابق، فنقله عن (المنتخب) المجلسي في (البحار) ج13 ص381 والحرّ العاملي في (الإيقاظ) ص152- ص153.

وروى الشيخ الطبرسي في كتابه (الاحتجاج) ج2 ص88 في احتجاج الإمام الصادق (عليه السلام) على بعض أعداء الدين من الزنادقة حيث سأله هذا الزنديق عن مسائل كثيرة في حديث طويل منها قال: فلو أن الله رد إلينا في كل مائة عام واحداً لنسأله عمن مضى منّا إلى ما صاروا؟ وكيف حالهم وماذا لقوا بعد الموت؟ وأي شيء صُنع بهم؟ ليعلم الناس علم اليقين ويضمحل الشك، ويذهب الغل عن القلوب؟ قال(عليه السلام) في جوابه إن هذه مقالة من أنكر الرسل وكذبهم، ولم يصدق بما جاءوا به من عند الله، إذ أخبروا وقالوا: إن الله أخبر في كتابه عز وجل على لسان أنبيائه حال من مات منّا، أفيكون أحد أصدق من الله قولاً ومن رسله ثم قال(عليه السلام): وقد رجع إلى الدنيا ممن مات خلق كثير إلى أن قال(عليه السلام) وأحيى الله قوماً خرجوا عن أوطانهم هاربين من الطاعون، ولا يحصى عددهم، وأماتهم الله دهراً طويلاً حتى بليت عظامهم، وتقطعت أوصالهم، وصاروا تراباً فبعث الله في وقت أحب أن يرى خلقه قدرته نبياً يقال له: (حزقيل) فدعاهم فاجتمعت أبدانهم، ورجعت فيها أرواحهم، وقاموا كهيئة يوم ماتوا لا يفقدون من أعدادهم رجلاً، فعاشوا بعد ذلك دهراً طويلاً (إلى آخر الحديث) ونقل المجلسي في (البحار) ج1 الحديث بطوله من ص164-188، كما نقل محل شاهدنا منه في ج13 ص387، ونقله عن الطبرسي الحر العاملي في (الإيقاظ) ص146-147.

وروى الصدوق في كتابيه (عيون أخبار الرضا ج1 ص160، والتوحيد ص106) والطبرسي في (الاحتجاج) ج2 ص205 حديثاً للإمام الرضا (عليه السلام) في احتجاجه مع أهل الأديان عند المأمؤن العباسي جاء فيه أثناء احتجاجه على الجاثليق الذي يتخذ عيسى رباً لأنه أحيا الموتى قوله (عليه السلام): ما أنكرت إن عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله عز وجل؟

قال الجاثليق وهو كبير النصارى وعالمهم: أنكرتُ ذلك من أجل أن من أحيى الموتى وأبرء الأكمه والأبرص فهو ربّ مستحق لأن يُعَبَد، قال الرضا (عليه السلام): فإن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى(عليه السلام) مشى على الماء وأبرء الأكمه والأبرص فلم تتخذه أمته رباً ولم يعبده أحدُ من دون الله عز وجل..إلى أن جاء في حديثه ثم أن قوماً من بني إسرائيل خرجوا من بلادهم هرباً من الطاعون وهم ألوف حذر الموت، فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة، فلم يزالوا فيها حتى نُخِرَت عظامهم وصاروا رميماً، فمرّ بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم ومن كثرة عظامهم البالية، فأوحى الله عز وجل إليه: أتحب أن أحييهم لك فتنذرهم؟ قال نعم يا رب، فأوحى الله إليه: أن نادهم فقال: أيتها العظام البالية قومي بإذن الله عز وجل فقاموا بإذن الله عز وجل أحياءً أجمعون ينفضون التراب عن رؤوسهم..الخ.

ونقل تلك المحاجة بطولها المجلسي في (البحار) ج10 ص299-ص318. عن المصادر الثلاثة السابقة - فما اجدر بالباحثين عن الحقائق مراجعتها – ونقل منها قصة الألوف في ج13 ص386، ونقلها عن المصادر الثلاثة أيضاً الحر العاملي في (الإيقاظ) ص114-115.

هذه بعض أحاديث أهل البيت من الإمام الباقر والصادق والرضا “ الصريحة كل الصراحة في أن هؤلاء الألوف من بني إسرائيل الذين أماتهم الله بقوا بعد موتهم دهراً طويلاً حتى بليت عظامهم وتقطعت أوصالهم وصاروا تراباً ورميماً، ثم أحياهم الله الذي هو على كل شيء قدير وردهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدور وأكلوا الطعام ونكحوا النساء ولبثوا بذلك ما شاء الله ثم ماتوا بآجالهم تدريجياً كما نصت على ذلك الأحاديث الأخرى من طرق آخرين.

فرجعة هؤلاء الألوف إلى الدنيا كالرجعة التي يعتقدها أهل البيت وشيعتهم الواقعة في هذه الأمة والتي أكدت الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة وقوعها:(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا) [النساء/88].

 

ثانياً - قصة مَن أماته الله مائة عام ثم بعثه:

ومن الآيات التي صرّحت بوقوع الرجعة إلى الدنيا في الأمم الماضية قوله تعالى:(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [البقرة/260].

فهذا – مات حسب نص الآية الكريمة مائة عام ثم بعثه الله وأرجعه إلى الدنيا ثم مات بأجله وهو (عزير) على أشهر الأقوال وقيل أسمه أرميا وهو أحد أنبياء الله عز وجل.

 

التدبير لمفاد الآية الكريمة:

التدبر في الآية الكريمة يعطي أن الرجل كان من صالح عباد الله عالماً بمقام ربه مراقباً لأمره، بل يعطي التدبر فيها أيضاً إنه كان نبياً مُكلماً وبيان ذلك هو إنه ظاهر قوله في خاتمة الآية:(أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أنه بعد تبيّن الأمر له بمشاهدة ما شاهد من إماتته وإحيائه وما تعلق بهما من حماره وطعامه وشرابه بعد تلك المشاهدات كلها رجع إلى ما لم يزل يعلمه من قدرة الله المطلقة، نهاية الأمر أنّه كان يعلم ذلك استدلالاً، والعلم الاستدلالي ربما اعترته الشبهةُ النفسية ولكنه لما أحياه الله بعد إماتته وشاهد كيفية ذلك حصل عنده العلم ضرورة، ومثل هذه العملية للخواطر النفسية نوع من تربية الله لحججه.

وظاهر قوله تعالى:(ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْت) إنه كان مأنوساً بالوحي والتكلم وربما لم يكن هذا لم يكن هذا أول وحي يوحى إليه وإلا لكان حق الكلام أن يقال: فلما بعثه قال كم لبثت أو ما يشبهه، وتفيد الآية الكريمة أنه (عليه السلام) كان قد خرج من داره قاصداً مكاناً بعيداً عن قريته التي كان بها والدليل على ذلك خروجه مع حمار يركبه وحمله طعاماً وشراباً يتغذى بهما، فلما سار إلى ما كان يقصده مر بالقرية التي ذكرها الله إنها كانت خاوية على عروشها، والخاوية هي الخالية، والساقطة، والعروش جمع عرش، والمراد به هنا هو السقف من الأركان التي يعتمد السقف عليها، كهيئة عرش الكرم والمعنى إن القرية كانت خالية من أهلها وسقوف القرية ساقطة على أبنيتها وأعمدتها هذا وهو لم يكن قاصداً نفس القرية وإنما مر بها مروراً ثم وقف معتبراً بما شاهده من أمر القرية الخربة التي قد أبيد أهلها وشملتهم نازلة الموت، وعظامهم الرميمة بمرأى ومنظر منه، لذا أشار إلى الموتى الذين صاروا رميماً بقوله:(أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ) فأطلق لفظ القرية وأراد به أهلها. كقوله تعالى:(وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) أي وأسأل أهل القرية، ولو كان مراده بذلك عمران نفس القرية بعد خرابها لكان حق الكلام أن يقال: أنّى يعمر هذه الله بعد خرابها على أن عمران القرية بعد خرابها ليس مماً يستعظم عادةً، في حين أن كلامه(أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) من جهة يدل على استعظامه أحياءَها مع طول مدة مكثها إليه ومن جهة ثانية استعظامه رجوع تلك الأجزاء البالية إلى صورتها الأولى بعد هذه التغيرات التي حلت بها.

وهنا يبين الله له الأمر من الجهتين جميعاً بياناً مشاهداً له عملياً وإنهما معاً هينين عليه فعلاً، أما الجهة الأولى فبإماتته ثم إحيائه وسؤاله (كم لبثت) وأما من الجهة الثانية فبإحيائه العظام بعد رميمها بمنظر ومرأى منه.(فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ).

وقد كانت إماتته على ما في الروايات، أول النهار، وأحياؤه في آخر النهار الذي أُحي فيه بعد مائة سنة، وأعيد كما كان لم يتغير شيء من هيئة بدنه لذا لما قال له:(كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا) وحيث نظر إلى الشمس بعد لم تغرب استدرك قائلاً:(أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) فرد الله سبحانه عليه وقال(بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ) فرأى عند ذلك من نفسه شاهد مائة سنة كيوم أو بعض يوم فكان في ذلك جواب ما استعظمه من طول الوقت.

واستشهد الله على قوله(بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ) بقوله:(فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّه) أي لم يتغير بشيء منهما عما كانا عليه، وإنما قال لم يتسنه على المفرد دون المثنى لأنه أراد جنس الطعام والشراب أي أنظر إلى ما تركته إنه لم تغيره السنون، وقيل كما في (مجمع البيان) م1 ص370، كان زاده عصيراً وتيناً وعنباً وهذه الثلاثة أسرع الأشياء تغيراً وفساداً، فوجد العصير حلواً والتين والعنب كما جنياً لم يتغيرا.

ثم أعطاه الله تعالى الشاهد الدال على طول مدة المكث بقوله: (وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ) فأمره أن ينظر ثانياً إلى الحمار وقد صار عظاماً رميماً، وذلك يدل على طول مدة المكث، كما أن حال الطعام والشراب يدل على إنكار أن يبقى طيلة هذه المدة على حال واحد من غير أن يتغير شيء من هيئته.

ومن هنا يظهر أن الحمار قد أُميت أيضاً وصار رميماً، وربما السكوت عن ذكر إماتته معه لما عليه القرآن من الأدب البارع ثم قال الله تعالى له: (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) وهذا النص يدل على أنه هناك غاية أخرى غير الغاية التي تخصه، والمعنى فعلنا بك ما فعلنا لنبين لك إنما ما استعظمته هين علينا، ولتكون آية للناس، والغرض الإلهي لم يكن منحصرأ في بيان الأمر له نفسه فحسب، بل هناك غاية أخرى وهي جعله آية للناس عامة، وهذا كله فيما يتعلق بالجهة الأولى من استعظامه ثم بين الله له الجهة الثانية التي يشتمل عليها قوله:(أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) وهو أنه كيف تعود الأجزاء إلى صورتها الأولى بعد كل هذه التغيرات والتحوّلات الطارئة عليها، فاستلفت نظرهُ ثالثاً إلى العظام فقال تعالى: (وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) والأنشاز هو الإنماء، وظاهر الآية الكريمة إن المراد بالعظام عظام الحمار الذي أحياه الله له بعد أن صار عظاماً رميماً فكساها لحماً طرياً بمنظر ومرأى منه وأحياه له كما كان أولاً.

وبعد أن بين الله له بتلك المشاهدات إن استعظامه لتلك الجهتين كان في غير محله رَجَعَهُ – كما قلنا سابقاً – إلى ما كان يعلمه ولا يزال يعلمه من قدرة الله المطلقة كما قال الله تعالى:(فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وليس معنى هذا النص أنه لما تبين له الأمر حصل له العلم، أو انه قد كان شاكاً في قدرة الله في الأحياء بعد الإماتة، إذ لو كان ذلك كذلك لكان حق الكلام حين إذن أن يقول: علمت أو الآن علمت. هذا أولاً، وثانياً إن الرجل كان نبياً مكلماً وساحة الأنبياء منزهة عن الجهل بالله تعالى وخاصة في مثل صفة القدرة التي هي من صفاته الذاتية وثالثاً إن حصول العلم بتعلق القدرة بإحياء الموتى بمجرده لا يوجب حصول العلم بتعلقها بكل شيء في حين انه قال:(أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) هذا ما يستفاد من مجموع الآية الكريمة: وذكر المفسرون، والمؤلفون في قصص الأنبياء وغيرهم أخباراً وأحاديث كثيرة عن كيفية قصته مطولاً ومختصراً نذكر بعضها مما فيه العبرة لمن اعتبر.

 

الأخبار والأحاديث حول القصة

أولاً- روى العياشي في (تفسيره) ج1 ص141 بسنده عن أبي ظاهر العلوي عن علي بن محمد العلوي، عن علي بن مرزوق عن إبراهيم بن محمد قال: ذكر جماعة من أهل العلم إن ابن الكوى قال لعلي (عليه السلام) يا أمير المؤمنين ما وُلد أكبر من أبيهم من أهل الدنيا؟ قال أولئك ولد (عزير) حيث مرّ على قرية خربة، وقد جاء من ضيعة له تحت حمار ومعه شنة (أي قِربة) فيها تين (وفي نص فيها لبن)، وكوز فيه عصير فمرّ على قرية خربة فقال: (أنى يحيي هذه القرية بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام توالد ولده وتناسلوا ثم بعث الله إليه فأحياه في المولد الذي أماته فيه، فأولئك ولده أكبر من أبيهم.

ونقله عن العياشي المجلسي في (البحار) ج14 ص374 والمولى محسن الفيض في تفسير (الصافي)، وأخرجه البحراني في تفسيره (البرهان) ج1 ص350، ونقله عن العياشي الشيخ علي البهادلي في كتابه (فلسفة الشهادة) ص108، ويروي هذا الحديث الحسن بن سليمان في كتابه (منتخب البصائر) من طريق آخر بسنده عن الأصبغ بن نباتة: إن عبد الله بن الكوي اليشكري قال لأمير المؤمنين(عليه السلام): يا أمير المؤمنين أن أبا المعتمر تكلم آنفاً بكلام لا يحتمله قلبي، فقال وما ذاك؟ قال: يزعم إنك حدثته إنك سمعت رسول الله(صلى الله عليه و آله) يقول فيه إنا قد رأينا أو سمعنا برجل اكبر سناً من أبيه فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) أفهذا الذي كبر عليك؟ قال نعم. فهل تؤمن أنت بهذا وتعرفه؟ فقال(عليه السلام): نعم. ويلك يا بن الكوى أفقه عني أخبرك عن ذلك، أن عزيراً خرج من أهله وامرأته في شهرها وله خمسون سنة، فلما ابتلاه الله عز وجل بذنبه وأماته مائة عام فرجع إلى أهله وهو ابن خمسين سنة فأستقبله ابنه وهو ابن مائة سنة ورد الله عزيراً في السن الذي كان به ..الخ.

ونقله عن المنتخب المجلسي في (البحار) ج14 ص374 كما نقله عن المنتخب أيضاً الحر العاملي في (الإيقاظ) ص151-ص186 وللحديث بقية سنذكرها في الموضع المناسب.

واختصر هذا الحديث الطبرسي في (مجمع البيان) م1 ص370 حيث روى مرسلاً آخر الحديث بما نصه: وروى عن علي(عليه السلام) إن عزيراً خرج من أهله وامرأته حامل وله خمسون سنة فأماته الله مائة سنة ثم بعثه إلى أهله ابن خمسين سنة، وله ابن له مائة سنة، فكان ابنه اكبر منه فذلك من آيات الله.

ونقله عن الطبرسي المولى محسن الفيض في تفسيره (الصافي) والحر العاملي في (الإيقاظ) ص169، والطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص72.

ثانياً- وفي (الدر المنثور ) للسيوطي ج1 ص331 قال: قوله تعالى:( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) الآية اخرج عبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والحاكم و(صححه) ج2 ص282، والبيهقي في (الشعب) عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال: خرج عزير نبي الله من مدينته وهو شاب فمرّ على قرية خربة وهي خاوية على عروشها فقال: (أنّى يحيى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه، فأول ما خلق منه عيناه فجعل ينظر إلى عظامه وينظم بعضها إلى بعض ثم كسيت لحماً ثم نفخ فيه الروح فقيل له:(كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ)، قال:(بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ) فأتى مدينته وقد ترك جاراً له اسكافاً فجاء وهو شيخ كبير.

ونقله عن السيوطي الطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص76.

ثالثاً- روى محمد بن جرير الطبري الإمامي المتوفى في القرن الرابع الهجري في كتابه (دلائل الإمامة) ص104 بسنده عن الإمام الصادق(عليه السلام) حديث أشخاص هشام بن عبد الملك للإمام الباقر وابنه الصادق إلى دمشق، وذكر ما جرى بين الإمام الباقر وبين هشام من قضايا ومحاجات، وإن الإمام الباقر(عليه السلام) بعد خروجه من هشام رأى اجتماع النصارى فجلس هو وابنه الصادق في ذلك الاجتماع، وقد جاء عالمهم ليسألوه، وأن هذا العالم النصراني بعد أن تعرف على وجود الإمام في مجتمعهم وجه إليه عدة أسئلة أجابه عنها الإمام الباقر بأحسن الجواب المقترن بالدليل الحاسم والمقنع، وجاء في آخر أسئلته أن قال له:

بقيت مسألة واحدة لاسألنك عنها، ولا تهتدي إلى الجواب عنها أبداً، قال الإمام الصادق(عليه السلام): فقال أبي: فسل أنك حانث في قولك، فقال: أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد وماتا في يوم واحد عمر أحدهما مائة وخمسين سنة والآخر خمسين سنة في الدنيا، فقال أبي: ذلك عزير وعزرة ولدا في يوم واحد ولما بلغا مبلغ الرجال خمس وعشرين عاماً مرّ عزير على حماره بقرية في أنطاكية وهي خاوية على عروشها فقال: (أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) فكان الله قد اصطفاه وهداه، فلما قال ذلك غضب الله عليه وأماته مائة عام ثم بعثه على طعامه وشرابه وحماره وعاد إلى داره وأخوه عزرة لا يعرفه، فاستضافه وبعث إلى أولاده وأحفاده وقد شاخوا وعزير شاب في سن خمس وعشرين سنة وهو يذكّر عزرة بنفسه فيقول له: ما رأيت شاباً أعلم بعزير منك، من أهل السماء أنت أم من أهل الأرض؟ فقال عزير لأخيه: أنا عزير سخط الله تعالى عليَّ بقول قلته فأماتني مائة سنة ثم بعثني لتزدادوا بذلك يقيناً أن الله على كل شيء قدير وهذا حماري وطعامي وشرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده لي كما كان بقدرته فأعاشه الله بينهم تمام الخمسين وقبضه الله وأخاه في يوم واحد فنهض عند ذلك عالم النصارى وقاموا معه وهو يقول: جئتموني بأعلم مني فأقعدتموه بينكم ليفضحني ويعلم المسلمون بأن لهم من يحيط بعلومنا، وعنده ما لا نحيط به فلا والله لا كلمتكم ولا قعدت لكم إن عشت..الخ.

ونقله عن كتاب (دلائل الإمامة) السيد ابن طاووس في كتابه (أمان الأخطار) ص52، ونقله عن ابن طاووس المجلسي في (البحار) ج46 ص306 –ص313، وقال وجدت الخبر في أصل كتاب الدلائل كما ذكر، ونقل الحديث بالكامل السيد محسن الأمين العاملي في (أعيان الشيعة) القسم الثاني من ج4 ص43 ص47.

وروى حديث النصراني وأسئلته للإمام الباقر(عليه السلام) ، بسند آخر القمّي في (تفسيره) ج1 ص98 جاء في آخر أسئلته أنه قال للنصارى الذين معه يا معشر النصارى لأسألنّه مسالة يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل. فقال الإمام(عليه السلام): سل قال: أخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت منه بابنين حملتهما جميعاً في ساعة واحدة ووضعتهما في ساعة واحدة وماتا في ساعة واحدة ودفنوا في ساعة واحدة، في قبر واحد عاش أحدهما خمسين ومائة سنة، وعاش الآخر خمسين سنة، من هما؟ فقال أبو جعفر الباقر(عليه السلام) هما عزير وعزرة كانت حملت أمهما بهما على ما وصفت، ووضعتهما على ما وصفت، وعاش عزير وعزرة كذا وكذا سنة، ثم أمات الله تبارك وتعالى عزيراً مائة سنة ثم بعث، وعاش مع عزرة هذه الخمسين سنة، ومات كلاهما في ساعة واحدة فدفنا في قبر واحد، فقال النصراني يا معشر النصارى ما رأيت أحداً قط أعلم من هذا الرجل، لا تسألوني عن حرف وهذا بالشام ردوني إلى كهفي..الخ.

ونقله عن القمي بسنده الكليني في (روضة الكافي) ص105 ونقل الحديث عن القمي في تفسيره المجلسي في (البحار) ج10 ص149 من كتاب (الاحتجاج) وفي ج14 من كتاب (النبوة) ص378 مختصراً على ما يتعلق بعزير، وفي ج46 ص313 في ذكر أحوال الإمام الباقر(عليه السلام) كما نقل الحديث عن (روضة الكافي) الحر العاملي في (الإيقاظ) ص159 مختصراً على ما يتعلق بعزير، وروى الحديث مرسلاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) القطب الراوندي في الخرائج ص197 على ما نقل عنه المجلسي في (البحار) ج10 ص152 من كتاب (الاحتجاج) وأن عالم النصارى أسلم يومئذ مع أصحابه على يد الإمام(عليه السلام) كما نقله عن الخرائج أيضاً الحر العاملي في (الإيقاظ) ص181 مختصراً على ما يتعلق بعزير ونقله عن القمي البهادلي في كتابه ص107.

رابعاً- نقل السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ج1 ص331 – 333 حديثاً مطولاً في قصة عزير وكيفية إماتته وإماتة حماره وإحيائهما عن إسحاق بن بشير وأبن عساكر من طرق عن ابن عباس، وكعب، والحسن، ووهب، يزيد بعضهم على بعض جاء في أواخر الحديث قوله: فركب عزير حماره (أي بعد ما أحياه الله) وقصد بيت المقدس حتى أتى محلته فأنكره الناس وأنكر الناس، وأنكر منازله فأنطلق على وهم منه حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمةً لهم، فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت قد عرفته وعقلته، فقال لها عزير: يا هذه هذا منزل عزير؟ قالت: نعم، وبكت وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيراً، وقد نسيه الناس، قال: فإني أنا عزير، قالت: سبحان الله فإن عزيراً غادرنا منذ مائة سنة فلم نسمع له بذكر، قال: فأني أنا عزير كان الله أماتني مائة سنة ثم بعثني، قالت: فأن عزيراً كان رجلاً مستجاب الدعوة يدعو للمريض ولصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فأدع الله أن يرد عليَّ بصري حتى أراك فأن كنت عزيراً عرفتك فدعا ربه ومسح يده على عينها فصحتا، وأخذ بيدها فقال: قومي بأذن الله، فأطلق الله رجلها فقامت صحيحة كأنما نشطت من عقال، فنظرت، فقالت: أشهد أنك عزير، فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن العزير شيخ ابن مائة وثمان عشرة سنة، وبنوا بنيه شيوخ في المجلس، فنادتهم فقالت: هذا عزير قد جاءكم فكذبوها، فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربه فرد عليَّ بصري، وأطلق رجلي، وزعم أن الله أماته مائة سنة ثم بعثه، فنهض الناس فاقبلوا إليه فنظروا إليه فقال ابنه: كانت لأبي شامة سوداء وفي نص: مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه وإذا هو عزير..الخ.

ونقله مختصراً كما ذكرناه الدميري في (حياة الحيوان) باب الحمار ص421 عن ابن عباس وكما رواه عن ابن عباس ببعض التغير الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب) ج2 ص328 وغيره.

خامساً- نقل ابن كثير الدمشقي في (تفسيره) ج1 ص314 عن السدّي، وغيره إنهم قالوا: تفرقت عظام حماره (أي حمار عزير) حوله يميناً ويساراً، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها فبعث الله ريحاً فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حماراً قائماً من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحماً وعصباً وعروقاً وجلداً، وبعث الله ملكاً فنفخ في منخر الحمار فنهق بإذن الله عز وجل، وذلك بمرأى من العزير، فعند ذلك لما تبين له هذا كله (قال أعلم ان الله على كل شيء قدير) أي أنا عالم بهذا، وقد رايته عياناً، فأنا أعلم أهل زماني بذلك..الخ. ونقله عن السدي أيضاً الدميري في (حياة الحيوان) ج1 ص42 بتغيير يسير.

 

السبب في قول اليهود عزير ابن الله:

سادساً- نقل الدميري في (حياة الحيوان) ص421 عن السدي، والكلبي إنهما قالا: لما رجع (أي العزير) إلى قريته، وقد احرق بخت نُصَّر التوراة، ولم يكن عهداً بين الخلائق بكى عزير على التوراة، فأتاه ملك بإناء من الله تعالى فيه ماء فشرب منه فمثلت التوراة في صدره.

فرجع إلى بني إسرائيل وقد علّمه الله التوراة وبعثه نبياً فقال: أنا عزير فلم يصدقوه فقال إني عزير، بعثني الله تعالى إليكم لأجدد لكم توراتكم، قالوا: فأملها علينا فأملاها عليهم عن ظهر قلب، فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعد ما ذهبت، إلا أنه أبنه، فقالوا: عزير ابن الله، تعالى الله وتقدس عن الصاحبة والولد ثم قال الدميري: وكان الله قد أمات عزيراً وهو ابن أربعين سنة، وبعثه وهو ابن مائة وأربعين سنة(1) وكان أولاد أولاده شيوخاً وعجائزاً وهو شاب أسود الرأس واللحية، فسبحان من هو على كل شيء قدير.

وما ذكره الدميري في سبب قول اليهود عزير ابن الله ذكر معناه الكثير من المفسرين كالفخر الرازي في (تفسيره) ج2 ص328، والسيوطي في (تفسيره) ج1 ص332 والثعلبي في (قصص الأنبياء) ص192، والطبرسي في (مجمع البيان) م1 ص371 وغيرهم.

وما نقلناه من الأخبار والأحاديث حول القصة قليل من كثير وفيه ما يكفي للاعتبار لمن أعتبر(وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ) [القمر/5].

ثالثاً - قصة بعث المختارين من قوم موسى (عليه السلام) بعد موتهم.

ومن الآيات التي صرحت بوقوع الرجعة إلى الدنيا في الأمم الماضية قوله تعالى:(وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة/56-57].

استعرض الله سبحانه في هاتين الآيتين الكريمتين قصة المختارين من قوم موسى وهم السبعون الذين اختارهم موسى(عليه السلام) ليسمعوا كلام الله له، فلما سمعوا كلامه قالوا:

يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، أي علانية وعياناً فيخبرنا بأنك نبي مبعوث فإذا رأيناه حينئذ نصدقك فيما تخبر به ونؤمن بنبوتك، وعلى أثر هذا القول منهم أخذتهم الصاعقة.

والصاعقة تطلق على كل عذاب إلهي مهلك، كنار تنزل من السماء، أو صيحة مهلكة أو غير ذلك، وجمعها صواعق قال تعالى:(يُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) [الرعد/14].

ومعنى شديد المحال أي شديد القوة والأخذ، وقال تعالى:(فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) [فصلت/14].

والصعق يطلق على الموت الفجائي كقوله تعالى:(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) [الزمر/69].

ويطلق على الغشية أيضاً مع القرينة كما في قوله تعالى:(وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) [الأعراف/144].

فهؤلاء السبعون لما طلبوا من موسى(عليه السلام) المستحيل عقلاً وشرعاً – بقولهم له: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) استحقوا نزول العذاب عليهم ليكون ذلك العذاب عبرة لهم بعد إحيائهم، ولغيرهم في استحالة ما طلبوا ولذلك أخذتهم الصاعقة قيل هي نار وقعت من السماء عليهم فأحرقتهم وهو الأظهر بل المتعين الصحيح وقيل صيحة جاءت من السماء فأماتتهم، وحينما أخذتهم الصاعقة كانوا ينظرون إليها وإلى نزولها بهم، ولذلك قال تعالى:(فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ) وهذا يدل على أن ناراً نزلت عليهم من السماء وإنهم نظروا إليها عند نزولها وقال تعالى في الآية الثانية: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فهذه الآية الكريمة – كما ترى – صريحة كل الصراحة على إن الله أحياهم وبعثهم من بعد موتهم الذي كان بسبب الصاعقة عسى أن يذكروا نعم خالقهم ويشكروه بعد إعطائهم فرصة الحياة والتكليف مرة ثانية.

 

الأخبار والأحاديث حول القصة:-

وإليك الآن أقوال بعض المفسرين من الخاصة والعامة، ورواياتهم حول الموضوع.

1- قال ألقمي في (تفسيره) ج1 ص47: فهم السبعون الذين اختارهم موسى ليسمعوا كلام الله، فلما سمعوا الكلام قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة، فبعث الله عليهم صاعقة فاحترقوا ثم أحياهم الله بعد ذلك.. ثم قال: فهذا دليل على الرجعة في أمة محمد (صلى الله عليه و آله): فأنه قال (صلى الله عليه و آله): لم يكن في بني إسرائيل شيء إلا وفي أمتي مثله. نقله عنه المجلسي في (البحار) ج13 ص222 ونقله عن المولى محسن الفيض في (تفسيره)، والطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص52 والحر العاملي في (الإيقاظ) ص173.

2- وقال الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان) م1 ص115: (ثم بعثناكم) أي ثم أحييناكم ( من بعد موتكم) لاستكمال آجالكم عن الحسن وقتادة، إلى أن قال: واستدل قوم من أصحابنا بهذه الآية على جواز الرجعة، وقول من قال: إن الرجعة لا تجوز إلا في زمن النبي(صلى الله عليه و آله) لتكون معجزاً له، ودلالة على نبوته باطل، لأن عندنا، بل عند أكثر الأمة يجوز إظهار المعجزات على أيدي الأئمة والأولياء، والأدلة على ذلك مذكورة في كتب الأصول..الخ.

ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج13 ص199، والطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص51.

3- وقال المولى محسن الفيض في تفسيره (ثم بعثناكم من بعد موتكم) بسبب الصاعقة، ثم قال: قيد البعث بالموت لأنه قد يكون من إغماء ونوم، ثم قال وفيه دلالة واضحة على جواز الرجعة في أمة محمد (صلى الله عليه و آله) التي قال بها أصحابنا نقلاً عن أئمتهم“ واحتج بهذه الآية أمير المؤمنين(عليه السلام) على ابن الكوى حين أنكرها كما رواه عنه الأصبغ بن نباتة، ثم نقل قول القمي الذي ذكرناه برقم (1) كما ذكر بعضاً من حديث للإمام الرضا(عليه السلام) في هذا الموضوع..الخ. ونقله عنه الطبسي ج1 ص51.

حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) في احتجاجه على ابن الكوّى

 

جاء في حديث ابن الكوّي:

إنه قال له: أن أناسا من أصحابك يزعمون إنهم يُرجَعُون بعد الموت؟ فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) نعم… فقال ابن الكوّى لا أومن بشيءٍ مما قلتم، فقال أمير المؤمنين ويلك إن الله عز وجل أبتلى قوماً بما كان من ذنوبهم فأماتهم قبل آجالهم التي سميت لهم ثم ردهم إلى الدنيا يستوفون أرزاقهم ثم أماتهم بعد ذلك قال: فكبر على ابن الكوّى ولم يهتد له فقال له أمير المؤمنين(عليه السلام) ويلك أن الله عز وجل قال في كتابه:(وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا) [الأعراف/156] فأنطلق بهم ليشهدوا له إذا رجعوا عند الملأ من بني إسرائيل أن ربي قد كلمني، فلو أنهم سلّموا ذلك له وصدقوه لكان خيراً لهم، ولكنهم قالوا لموسى (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) قال عز وجل:(فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَة) يعني الموتُ(وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ). (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) افترى يا بن الكوّى إن هؤلاء ما رجعوا إلى منازلهم بعدما ماتوا؟ فقال ابن الكوّى وما ذلك ثم أماتهم مكانهم؟ فقال أمير المؤمنين(عليه السلام) ويلك أوليس قد أخبرك الله في كتابه حيث يقول:(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمْ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى) [البقرة/58].

فهذا بعد الموت إذ بعثهم، وأيضاً الملأ (الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) ومثلهم عزير (أماته الله مائة عام ثم بعثه) يا بن الكوّى فلا تشكنّ في قدرة الله عز وجل.

راجع مصادر الحديث فيما ذكرناه في قصة عزير رقم (1) و(الشيعة والرجعة) ج2 ص51-52 في الحاشية و(الإيقاظ) ص51-52 وإليه أشار المولى محسن الفيض في (تفسيره) كما مرّ، وأورد الحديث بتمامه السيد الجليل البحراني في (تفسيره) ج1 ص64 بإسناده على ما نقل عنه الطبسي في (الشيعة والرجعة).

ردّ الشبهة عن موسى بن عمران (عليه السلام)

بهذه المناسبة نذكر حديثاً للإمام الرضا(عليه السلام) مع المأمون العباسي في ردّ شبهة عن كليم الله موسى بن عمران(عليه السلام) حيث سأل ربَه النظر إليه مع إن النظر إليه مستحيل عقلاً وشرعاً، وقد جاء هذا السؤال في الآية الكريمة: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) [الأعراف/144].

4- الحديث روى شيخنا الصدوق في كتابيه (عيون أخبار الرضا) ج1 باب 15 ص195، و(التوحيد) باب ما جاء في الرؤية ص74، وهو حديث طويل تضمّن أسئلة عديدة عرضها المأمون على الإمام الرضا (عليه السلام) حول عصمة الأنبياء ومع أن بعض الآيات القرآنية في ظاهرها تخالف ذلك، وقد أجاب الإمام(عليه السلام) بالأجوبة الشافية الكافية، والتي استحسنها المأمون استحساناً بالغاً، رواه مسنداً عن تميم بن عبد الله القرشي (رض) قال: حدثني أبي عن حمدان بن سليمان النيسابوري عن علي بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى(عليهما السلام) فقال له المأمون: يا بن رسول الله أليس من قولك أن الأنبياء معصومون؟ قال: بلى ثم سأله عن آيات من القرآن الكريم فكان فيما سأله إن قال له:

فما معنى قول الله عز وجل:(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي) الآية كيف يجوز أن يكون كليم الله موسى بن عمران(عليه السلام) لا يعلم إن الله تعالى لا يجوز عليه الرؤيا حتى يسأله هذا السؤال.

فقال الرضا(عليه السلام) إن كليم الله موسى بن عمران(عليه السلام) علم إن الله عزّ أن يُرى بالأبصار، ولكنه لما كلم الله عز وجل، وقربه نجيا رجعا إلى قومه فاخبرهم أنَّ الله عز وجل كلمه وقربه وناجاه فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربه. فخرج بهم إلى طور سينا فأقامهم في سفح الجبل وصعد إلى الطور وسأل الله تبارك وتعالى أن يكلمه ويسمعهم كلامه فكلمه الله تعالى وذكره وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام لأن الله عز وجل أحدثه في الشجرة ثم جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه فقالوا لن نؤمن بأن هذا الذي سمعناه كلام الله حتى نرى الله جهرة، فلما قالوا هذا القول العظيم، واستكبروا وعنوا بعث الله عز وجل عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا إنك ذهبت بهم فقتلتهم لأنك لم تكن صادقاً فيما ادعيت من مناجاة الله إياك، فأحياهم الله وبعثهم معه، فقالوا إنك لو سَأَلتَ الله أن يريك أن تنظر إليه لأجابك وكنت تخبرنا كيف هو، فنعرفه حق معرفته، فقال موسى(عليه السلام) يا قوم إن الله لا يُرى بالأبصار، ولا كيفية له، وإنما يعرف بآياته ويُعلم بإعلامه، فقالوا لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى: يا رب إنك سمعت مقالة بني إسرائيل، وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى الله جل جلاله إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن أؤآخذكَ بجهلهم، فعند ذلك قال موسى (عليه السلام) رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن أستقر مكانه وهو يهوي فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل بآية من آياته جعله دكاً وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك، يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي، وأنا أول المؤمنين منهم بأنك لا ترى، فقال المأمون: لله دَرك يا أبا الحسن، الحديث الذي جاء في آخره إن المأمون قال للأمام الرضا(عليه السلام).

لقد شفيت صدري يا بن رسول الله. وأوضحت لي ما كان ملتبساً عليَّ، فجزاك الله عن أنبيائه وعن الإسلام خيراً، قال الراوي علي بن محمد بن الجهم: فقام المأمون إلى الصلاة وأخذ بيد محمد بن جعفر الصادق(عليهما السلام) وكان حاضر المجلس فتبعتهما، فقال له المأمون: كيف رأيت ابن أخيك؟ فقال له: عالم ولم نره يختلف إلى أحد من أهل العلم، فقال المأمون: إن ابن أخيك من أهل بيت النبي(صلى الله عليه و آله) الذين قال فيهم النبي(صلى الله عليه و آله) ألا أن إبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغاراً، وفي نص أعقل الناس صغاراً، وأعلم الناس كباراً فلا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى، ولا يدخلونكم في باب ضلالة، وأنصرف الرضا (عليه السلام) إلى منزله، فلما كان من الغد غدوت عليه وأعلمته ما كان من قول المأمون، وجواب عمه محمد بن جعفر له، فضحك(عليه السلام) ثم قال: يا بن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فإنه سيغتالني (أي يقتلني غيلة) والله ينتقم لي منه.

تجد الحديث بتمامه في (العيون) للصدوق ج1 من ص195–204، وفي (الاحتجاج) للطبرسي ج2 ص215-224، ونقله عنهما المجلسي في (البحار) كتاب النبوة ج11 من ص78-ص85، كما ذكر مضامينه ج49 عند ذكره للرضا(عليه السلام) ص179-ص180، ونقل بعض الحديث أيضاً الحر العاملي في (الإيقاظ) ص119، وتجد حديث الرؤية بالإضافة إلى المصادر السابقة في (التوحيد) للصدوق ص73-ص75، وفي (البحار) كتاب النبوة ج13 ص217 نقلاً عن المصادر الثلاثة (العيون والتوحيد والاحتجاج) وفي ج4 كتاب (التوحيد) ص47 وفي تفسير (الصافي) في تفسير سورة الأعراف، وفي كتاب (كلمة حول الرؤية) للسيد عبد الحسين شرف الدين ص24 وما اجدر بالباحثين على الحقائق بالرجوع لهذا الكتاب فإنه على صغر حجمه إلا أن فيه ما يشفي الغليل ويوقفك على الحقيقة بالدليل، والله الهادي إلى سواء السبيل وفي كتاب (فلسفة الشهادة) للشيخ علي البهادلي ص103، نقلاً عن كتاب (العيون) للصدوق فأما ما ورد من تصريحات العامة في تفاسيرهم حول القصة وآياتها البينات فهي كثيرة نذكر بعضها لإتمام الحجة.

5- قال الزمخشري في تفسيره (الكشاف) ج1 ص141 في تعليقه على الآيات: وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادّهم القول وَعرَّفهم أن الرؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال، وأن من استجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام أو الأعراض، فرادّوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان، ولجّوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل، فسلط الله عليهم الصاعقة كما سلط على أولئك القتل تسوية بين الكفرين، ودلالة على أنَّ عظمهما بعظم المحنة، و (الصاعقة) ما صعقهم، أي أماتهم قيل: نار وقعت من السماء فاحرقتهم، وقيل صيحة جاءت من السماء وقيل أرسل الله جنوداً سمعوا بحسها فخروا صاعقين ميتين يوماً وليلة، وموسى(عليه السلام) لم تكن صعقته موتاً ولكن غشية، بدليل قوله:(فَلَمَّا أَفَاقَ)، والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله:(وَأَنْتُمْ تَنظُرُون) وقوله(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي تشكرون نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة الله بعد ما كفرتموها إذا رايتم بأس الله في رميمكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت.

6- وقال الفخر الرازي في تعليقه على القصة وآياتها ج1 ص356 (البحث الثاني) للمفسرين في هذه الواقعة قولان (الأول) أن هذه الواقعة كانت بعد(2) أن كلف الله عبدة العجل بالقتل قال محمد بن إسحاق: لما رجع موسى(عليه السلام) من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال: وحرّق العجل وألقاه في البحر، أختار من قومه سبعين رجلاً من خيارهم، فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى يسمعنا كلامه فسأل موسى(عليه السلام) ذلك فأجابه الله إليه، ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه، فقال للقوم: أدخلوا وعوّا، وكان موسى(عليه السلام) متى كلمّه ربّه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه وسمع القوم كلام الله مع موسى (عليه السلام) يقول له: ولا تفعل، فلما تم الكلام أنكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه، فقال القوم بعد ذلك لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعاً، وقام موسى رافعاً يديه إلى السماء يدعو ويقول: يا إلهي اخترتُ من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم، فارجع إليهم وليس معي منهم واحد فما الذي يقولون فيَّ؟

فلم يزل موسى منشغلاً بالدعاء حتى ردّ الله إليهم أرواحهم، وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم.

(القول الثاني): إن هذه الواقعة كانت بعد القتل، قال السدي: لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بان قتلوا أنفسهم أمر الله تعالى أن يأتيه موسى في ناسٍ من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلاً فلما أتوا الطور قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وماتوا، فقام موسى يبكي ويقول يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحداً فماذا أقول لهم؟ فاوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن أتخذوا العجل إلهاً، فقال موسى:(إِنْ هِيَ إِلا فِتْنَتُكَ….) الخ [الأعراف/156].

ثم إنه تعالى أحياهم فقاموا، ونظر كل واحد منهم إلى الآخر كيف يحيه الله تعالى ..الخ.

7- وقال السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ج1 ص70: ,اخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله تعالى:(وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى،(فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَة) قال: ماتواَ( بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُم) فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في الآية قال عوقب القوم فأماتهم الله عقوبة، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها.

وأخرج الطبسي عن ابن عباس: إن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى:(فَأَخَذَتكُمْ الصَّاعِقَة) قال: العذاب، واصله الموت، قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول:

وقد كنت أخشى عليك الحتوف

وقد كنت آمنك الصاعقة

هذا بعض ما صرح به المفسرون من أماتة الله لهؤلاء السبعين وأحيائهم بعد موتهم وفيما ذكرناه الكفاية،وعلى ذلك إجماعهم، فهل يبقى بعد مجال للتشكيك في إمكانية الرجعة في هذه الأمة، وفي قدرة الله على إحياء جماعة من الموت كما فعل في عهد موسى(عليه السلام) وقد تم الدليل القاطع والبرهان الساطع عليهم بما هو حجة لديهم من كتبهم والله الهادي إلى سواء السبيل.

رابعاً - قصة صاحب البقرة وإحياء مَن ضُرب ببعضها

ومن الآيات التي صرحت بوقوع الرجعة إلى الدنيا بعد الموت في الأمم الماضية قوله تعالى:(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [البقرة/73-74].

تفسير الآيتين الكريمتين وتدبر مفادهما

استعرض الله سبحانه وتعالى في هاتين الآيتين والآيات التي قبلها جريمة من جرائم المجرمين من بني إسرائيل وهي جريمة قتل نفس بريئة ظلماً وعدواناً، ورميهم بريئاً آخر بقتلها للتخلص من تلك الجريمة وتوجيهها إلى ذلك البريء ولكنّ الله العليم الخبير والذي هو على كل شيء قدير أفشل خطّتهم الإجرامية وأظهر حقيقة ما حاولوا أن يكتموه بإحياء ذلك القتيل وإنطاقه بتعيين قاتله، وقيل: وَجَّه الخطاب في تلك الآيات لمن كان على عهد النبي(صلى الله عليه و آله) من بني إسرائيل والمراد أسلافهم على عادة العرب في خطاب الأبناء والأحفاد بخطاب الأسلاف والأجداد، خطاب العشيرة بما يكون من أجدادها كما يقال: فعلت بنو تميم كذا وإن كان الفاعل واحداً منهم، كما يحتمل أن يكون الخطاب لمن كان في زمن موسى (عليه السلام) ويكون تقديره وقلنا لهم:

(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) والظاهر إنه هو الأولى والله العالم بمراده.

والدرءُ لغةَ الدفع ومنه الحديث: ادرأوا الحدود بالشبهات، ومنه قوله تعالى:(وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ) [النور/9] أي ويدفع عنها العذاب، وإنما قال ذلك حيث كانوا قد قتلوا نفساً وكل طائفة منهم تحاول دفع ذلك الدم عن نفسها وتوجيه التهمة إلى غيرها: وشاء الله سبحانه إظهار ما كتمه المجرمون ولذلك قال تعالى:(فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ).

ثم ذكر جل وعلا الحل لاختلافهم في تعيين القاتل بقوله تعالى: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

والضمير في قوله تعالى:(اضْرِبُوهُ) راجع إلى نفس القتيل، وفي قوله تعالى:(بِبَعْضِهَا) راجع إلى البقرة، وقد تقدم ذكرها في آيات سابقة وأختلف المفسرون؟ في هذا البعض الذي ضرب به القتيل اختلافاً كثيراً أي شيء كان من أعضاء تلك البقرة ولكن المعجزة حاصلة وخرق العادة به كائن وقد كان معيناً في نفس الأمر لهم ولو كان في تعيين ذلك البعض فائدة تعود علينا في أمور الدين والدنيا لبينه الله تعالى لنّا ولكن الوارد عن بعض أئمة الهدى أن ذلك البعض من البقرة كان ذنبها كما سيأتي وهو المروي أيضاً عن سعيد بن جبير وحينما ضُرب ببعض تلك البقرة أحياه الله وقام وأوداجه تشخب دماً فقالوا له: من قتلك؟ قال: قتلني ابن عمّي فلان. والله جل وعلا وإن كان قادراً على إحيائهِ من دون هذه العملية، ولكنّه أمرهم بذلك لحكم عديدة يأتي بعضها، ولأنهم سألوا موسى(عليه السلام) أن يبين لهم حالَ القتيل، وهم كانوا يعدون القربان من أعظم القربات إلى الله، وكانوا جعلوا له بيتاً على حدة لا يدخله إلا خيارهم، فأمرهم الله بتقديم هذا القربان ليكون أقرب إلى الإجابة، وإنما أمرهم بضرب القتيل ببعضها من دون تعيين لوقت خاص ليعلموا ويعلّموا غيرهم أنَّ الله سبحانه وتعالى قادر على إحياء الأموات في أي وقت شاء سواء كان ذلك الوقت يوم القيامة أو قبله.

وفي الآية حذف تقديره(فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا) فضربوه فحي، كما قال تعالى مخاطباً لموسى(اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ) [الشعراء/65] تقديره فضربه فانفلق، وكذلك قوله تعالى له:(اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) [البقرة/61].

وتقديره أيضاً فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرَةَ عيناً، ولذلك أمثلة أخرى كثيرة في القرآن وقوله تعالى:(كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى) يحتمل أن يكون حكاية عن قول موسى(عليه السلام) لقومه، أي أعلموا بما عاينتموه أن الله قادر على أحياء الموتى للجزاء ممّن ينكر قدرة الله على إحياء الموتى يوم القيامة، وإحياء مَن شاء إحياءه قبل يوم القيامة بإرجاعه إلى الدنيا وهو الأولى والله أعلم بمراده.

وقوله تعالى(وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ) يعني المعجزات الخارقة للعادة من إحياء ذلك القتيل وغيره، وقوله:(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي لكي تستعملوا عقولكم إذ أن من لم يستعمل عقله لم يبصر رشده فهو كمن لا عقل له.

وفي هذه القصة وغيرها من قصص القرآن الكريم الواقعية دلالة على صدق نبوة نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) حيث اخبرهم بغوامض أخبارهم التي لا يجوز أن يعلمها إلا من قرأ كتب الأولين، أو من أوحي إليه من عند رب العالمين، وقد صدقه مخالفوه من اليهود فيما أخبر به من تلك القصص في حين علموا إنه أمي لم يقرأ كتاباً ولم يرتابوا في ذلك وفي هذه القصة بالخصوص آية صادقة وحجة ساطعة في تثبيت نبوته(صلى الله عليه و آله) وإثبات قدرة الصانع المتعال على إحياء الموتى يوم القيامة وإحياء أي ميت شاء إحياءه في أي وقت شاء ذلك.

(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ(81)إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82)فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس/82-84].

 الأخبار والأحاديث حول القصة

أولاً: روي القمي في (تفسيره) ج1 ص49 بسنده عن أبي عبد الله (الصادق (عليه السلام)) إنه قال: إن رجلاً من بني إسرائيل وعلمائهم خطب امرأة فأنعمت له، أي قالت له نعم، وخطبها ابن عمٍ لذلك الرجل وكان فاسقاً ردياً فلم ينعموا له، فحسد ابن عمه الذي أنعموا له فقعد له فقتله غيلة، ثم حمله إلى موسى (عليه السلام) فقال يا نبي الله هذا ابن عمي قد قُتل، قال موسى(عليه السلام) مَن قتله؟ قال لا ادري، وكان القتل في بني إسرائيل عظيماً جداً فعظم ذلك على موسى، فأجتمع إليه بنو إسرائيل فقالوا ما ترى يا نبي الله؟ وكان في بني إسرائيل رجل له بقرة وكان له ابن بار وكان عند ابنه سلعة فجاء قومٌ يطلبون سلعته وكان مفتاح بيته تحت رأس أبيه وكان نائماً، وكره ابنه أن ينبهه وينغص عليه نومه فأنصرف القوم ولم يشتروا سلعته فلما انتبه أبوه فقال له: يا بنيَ ماذا صنعت في سلعتك؟ قال: هي قائمة لم أبعها لأن المفتاح كان تحت رأسك فكرهت أن أنبهك وأنغص عليك نومك قال له أبوه: قد جعلت هذه البقرة لك عوضاً عما فاتك من ربح سلعتك، وشكر الله لأبنه ما فعل بابيه، وأمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها، فلما اجتمعوا إلى موسى وبكوا وضجوا قال لهم موسى(عليه السلام)::(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) فتعجبوا فقالوا:(أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًاً) نأتيك بقتيل فتقول اذبحوا بقرة؟ فقال لهم موسى(عليه السلام):(أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) فعلموا إنهم قد اخطأوا فقالوا:(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ) والفارض التي قد ضربها الفحل ولم تحمل، والبكر التي لم يضربها الفحل.

(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا) أي شديدة الصفرة(تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ) أي لم تذلل،(وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ) أي لا تسقي الزرع(مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا) أي لا نقط فيها إلا الصفرة،(الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) هي بقرة فلان فذهبوا ليشتروها فقال: لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهباً، فرجعوا إلى موسى فاخبروه فقال لهم موسى(عليه السلام) لا بد لكم من ذبحها بعينها بملء جلدها ذهباً فذبحوها ثم قالوا: ما تأمرنا يا نبي الله؟ فأوحى الله تعالى إليه: قل لهم اضربوه ببعضها وقولوا: مَن قتلك؟ فاخذوا الذنب فضربوه به وقالوا مَن قتلك يا فلان: فقال فلان بن فلان ابن عمي الذي جاء به وهو قوله تعالى: ( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الآيات من سورة البقرة/68-74].

نقل الحديث عن القمي بسنده المجلسي في (البحار) ج13 ص259، والمولى محسن الفيض في (تفسيره) والطبسي في كتابه (الشيعة والرجعة) ج2 ص55، والحر العاملي في (الإيقاظ) ص137، ونقله عن الإمام الصادق (عليه السلام) الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان) م1 ص135 مختصراً كما نقله عن القمي السيد نعمة الله الجزائري في (قصص الأنبياء) ص222، ونقله عن القمي الشيخ علي البهادلي في كتابه (فلسفة الشهادة) ص105.

ثانياً: روى العياشي في (تفسيره) ج1 ص47 بسنده والصدوق في (عيون أخبار الرضا(عليه السلام)) ج2 ص13 مستنداً عن احمد بن محمد بن أبي نصر البيزنطي قال: سمعت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) يقول: إن رجلاً من بني إسرائيل قتل قرابة له ثم أخذه فطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل، ثم جاء يطلب بدمه فقالوا لموسى(عليه السلام) أن سبط آل فلان قتل فلاناً، فأخبرنا مَن قتله؟ فقال: ائتوني ببقرة(قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) قال: ولو عمدوا إلي أي بقرة اجزأتهم ولكن شددّوا فشدّد الله عليهم(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ) يعني لا صغيرة ولا كبيرة (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ) ولو إنهم عمدوا إلى أي بقرة اجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) ولو أنهم عمدوا إلى أي بقرة أجزأتهم ولكن شددّوا فشدد الله عليهم(قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل، فقال لا أبيعها إلاّ بملء مسكُها ذهباً (أي بملء جلدها ذهبا) فجاؤا إلى موسى فقالوا له ذلك: قال فاشتروها وجاؤا بها فأمر بذبحها ثم أمر أن يضرب الميت بذنبها، فلما فعلوا ذلك حيى المقتول: وقال يا رسول الله أن ابن عمي قتلني دون مَن يدعي عليه قتلي، فعلموا بذلك قاتله قال فقال لرسول الله موسى بعض أصحابه، وفي نص قال موسى لبعض أصحابه إن هذه البقرة لها نبأ فقال: ما هو؟ قال: إن الفتى من بني إسرائيل كان باراً بأبيه وإنه اشترى بيعاً فجاء إلى أبيه والأقاليد (أي المفاتيح) تحت رأسه فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع فاستيقظ أبوه فأخبره، فقال أحسنت خذ هذه البقرة فهي لك عوضاً لما فاتك: قال: فقال لهما رسول الله موسى(عليه السلام) أنظروا إلى البر ما بلغ بأهله، وفي نص انظروا ما صنع البر به، ونقله عن العياشي والصدوق المجلسي في (البحار) ج13 ص262-263، ونقله عن العياشي الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان) م1 ص134، ونقل بعض فقرات الحديث المولى محسن الفيض عن العياشي والصدوق عن الإمام الرضا(عليه السلام) وكذلك الجزائري في (قصص الأنبياء) ص223، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) ونقل الحديث الطبسي في (الشيعة والرجعة) ج2 ص57، نقلاً عن (مجمع البيان) عن العياشي، ونقله الحر العاملي في (الإيقاظ) ص113 عن الصدوق في (العيون): ورواه البحراني في تفسيره (البرهان) ج1 ص105 كما في حاشية العياشي، ونقله الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج1 ص206، عن الصدوق والعياشي.

ثالثاً: نقل المجلسي في (البحار) ج13 ص277 عن السيد بن طاووس إنه قال في كتاب (سعد السعود) وجدت في تفسير منسوب إلى أبي جعفر الباقر(عليه السلام) إنه قال وأما قول الله تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) فذلك أن رجلين من بني إسرائيل وهما أخوان وكان لهما ابن عم أخ أبيهما وكان غنياً مكثراً، وكانت لهما ابنة عمٍ حسناء شابة كانت مثلاً في بني إسرائيل بحسنها وجمالها خافا أن ينكحها ابن عمهما ذلك الغني فعمدا فقتلاه فاحتملاه فألقياه إلى جانب قرية ليبرؤا منه، وأصبح القتيل بين ظهرانيهم فلما غمَّ عليهم شأنه ومَن قتله قال أصحاب القرية الذين وجد عندهم: يا موسى أدع الله لنا أن يُطلعَ على قاتل هذا الرجل، ففعل موسى ثم ما ذكره الله جل جلاله في كتابه، وقال ما معناه إنهم شددّوا فشدّد الله عليهم، ولو ذبحوا في الأول أي بقرة كانت كافية، فوجدوا البقرة لامرأة فلم تبعها لهم إلا بملء جلدها ذهباً، وضربوا المقتول ببعضها، فعاش فاخبرهم بقاتليه فأخذا فقتلا فأهلكا في الدنيا، وهكذا يقتلهما ربنا في الآخرة (سعد السعود/121-122) كما في حاشية (البحار)، يبدو في الظاهر إن اختلافاً حاصلاً بين هذا الحديث والحديثين السابقين، حيث إن الحديثين نصا على إن البقرة لفتى بارٍ بوالديه كما تنص على ذلك أحاديث أُخر في الموضوع أيضاً من طرق عديدة، بينما هذا الحديث ينص على أن البقرة كانت لامرأة وأنها لم تبعها إلا بملء جلدها ذهباً وقد جاء في أحاديث أُخر أن البقرة كانت لشاب من بني إسرائيل وإنه جعل الخيار في سعرها بيد أمه إطاعة لها، ومن هنا يمكن أن يكون الجمع بين هذه الأحاديث كلها هو أن البقرة للفتى وأنه قد جعل الخيار في سعرها بيد أمه فحينئذ قد يصح أن يقال: أنها للمرأة نظراً إلى أن بيعها كان بتوجيه منها وإنها لم تقبل ببيعها إلا بملء جلدها ذهباً والله العالم بحقيقة الأمر وما ذكرناه من الأحاديث من طريق أئمة الهدى، والتي تنص على أن القتيل لما ضرب ببعض البقرة أحياه الله تعالى، وفي بعضها أنه سأل الله عز وجل أن يبقيه في الدنيا متمتعاً في حياته مع ابنة عمه إلى سبعين سنة إضافة إلى سنيه السابقة، وأما الأحاديث الواردة من غير طريق أهل البيت “ فهي أيضاً كثيرة نذكر بعضها روماً للأختصار.

رابعاً: قال السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ج1 ص76: قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) الآية: وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب (مَن عاش بعد الموت) عن ابن عباس قال: كانت مدينتان في بني إسرائيل وأحداهما حصينة ولها أبواب والأخرى خربة فكان أهل المدينة الحصينة إذا أمسوا أغلقوا أبوابها فإذا أصبحوا قاموا على سور المدينة فنظروا هل حدث فيما حولها حادث، فأصبحوا يوماً فإذا شيخ قتيل مطروح بأصل مدينتهم فأقبل أهل المدينة الخربة فقالوا: قتلتم صاحبنا، وابن أخٍ له شاب يبكي عليه ويقول قتلتم عمّي، فقالوا: والله ما فتحنا مدينتنا منذُ أغلقناها وما لدينا من دم صاحبكم هذا (علم)، فأتوا موسى فأوحى الله إلى موسى(عليه السلام) (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) إلى قوله:(فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ) قال: وكان في بني إسرائيل غلام شاب يبيع في حانوت له وكان له أب شيخ كبير، فأقبل رجل من بلد آخر يطلب سلعة له عنده فأعطاه بها ثمناً فأنطلق معه ليفتح حانوته فيعطيه الذي طلب والمفتاح مع أبيه فإذا أبوه نائم في ظل الحانوت فقال (أي المشتري): أيقظهُ، فقال ابنه: أنه نائم وأنا أكره أن أروّعه من نومته، فانصرفا فأعطاه ضعف ما أعطاه على أن يوقظه فأبى، فذهب طالب السلعة فاستيقظ الشيخ فقال له ابنه: يا أبت والله لقد جاء رجل يطلب سلعة كذا فأعطى بها من الثمن كذا وكذا فكرهت أن أروعك مِن نومك فلامه الشيخ، فعّوضه الله من بره بوالده أن نتجت من بقرةٍ تلك البقرة التي يطلبها بنو إسرائيل فأتوه فقالوا له: بعناها فقال: لا: قالوا: إذن نأخذها منك فأتوا موسى فقال: اذهبوا فأرضوه من سلعته، قالوا: حكمك: قال حكمي أن تضعوا البقرة في كفة الميزان وتضعوا ذهباً صامتاً في الكفة الأخرى فإذا مال الذهب أخذته، ففعلوا وأقبلوا بالبقرة حتى انتهوا بها إلى قبر الشيخ واجتمع أهل المدينتين فذبحوها فضرب ببضعةٍ منها القبر فقام الشيخ ينفض رأسه يقول: قتلني ابن أخي طال عليه عمري وأراد أخذ مالي، ومات.

وقريب من هذا الحديث ذكره ابن كثير الدمشقي في تفسيره وبسنده عن ابن عباس أيضاً، راجع ج1 ص108.

خامساً: قال السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ج1 ص76، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه عن عبيدة السلماني قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيماً لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثهُ فقتله ثم أحتمله ليلاً فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذوو الرأي منهم علامّ يقتل بعضكم بعضاً وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى فذكروا ذلك له فقال:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْجَاهِلِينَ) قال فلو لم يعترضوا لاجزأت منهم أدنى بقرة ولكنهم شددّوا فشدّد الله عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فذبحوها فضربوه ببعضها فقام (حياً) فقالوا: مَن قتلك؟ فقال: هذا (مشيراً) لابن أخيه ثم مال ميتاً، فلم يعط من ماله شيئاً ولم يورث قاتل بعده.

ونقله ابن كثير في تفسيره ص108 عن عدة مصادر عن عبيدة السلماني كما نقله شيخنا الطوسي في تفسيره (التبيان) ج1 ص304 عن ابن سيرين عن أبي عبيدة السلماني.

سادساً: قال الفخر الرازي في (تفسيره) ج1 ص374: روى عن أبن عباس، وسائر المفسرين: إن رجلاً في بني إسرائيل قتل قريباً له لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكى ذلك إلى موسى(عليه السلام) فاجتهد موسى في تعرف القاتل فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبيَّنه فسأله فأوحى الله إليه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة: فتعجبوا من ذلك ثم تشددوا على أنفسهم في الاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف فلما تعين لم يجدوها بعد النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل ففعلوا، فصار المقتول حياً فسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه فوراً.

نعم هكذا إن الله لا يجوزه ظلم ظالم عاجلاً أم آجلاً(إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر/15].

خامساً - قصة إبراهيم (عليه السلام) في إحياء الطيور:

ومن الآيات التي صرحت بوقوع الرجعة إلى الدنيا بعد الموت قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة/261].

تفسير الآية الكريمة وتدبر مفادها

من المعلوم إن هذه الآية الكريمة من الآيات القرآنية الكثيرة الدالة دلالة واضحة على إمكانية الرجعة إلى الدنيا في أي وقت أراد البارئ المتعال إيقاعها، وأن ذلك ليس عليه بعزيز، وإنها قد وقعت بالفعل بالنسبة إلى الطيور الأربعة بحيث إن إبراهيم(عليه السلام) قد شاهد إحياءها عياناً كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله في الأحاديث والأخبار والآية الكريمة نفسها تدل على ذلك، كما إنها تدل على صحة العقيدة بالبعث يوم القيامة.

والآية الكريمة حكى الله فيها سؤال إبراهيم ربّه أن يريه كيف يحي الموتى حيث قال تعالى:(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) أي واذكروا إذ قال إبراهيم ذلك، والتذكير للنبي(صلى الله عليه و آله) وأمته، ومن المعلوم أيضاً المقطوع به أن أنبياء الله عامة وخصوصاً مثل النبي الجليل إبراهيم الخليل الذي هو من سادات النبيين والمرسلين، ومن أولي العزم، والذي قال الله عز من قائل في شأنه:(وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) [الأنبياء/52]، وقال في علوّ مقامه(وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ) [الأنعام/76]، والإيقان هو أسمى مراتب العلم، فهو إذاً – بالقطع واليقين – يعلم وكل الأنبياء يعلمون علم اليقين بقدرة الله على إحياء الموتى في يوم القيامة وقبله وفي أي وقت شاء ذلك، وهذا لا ريب فيه لكل مؤمن بالله وأنبيائه واليوم الآخر إذا لِمَ سأل إبراهيم مثل هذا السؤال؟ وما هو السبب في ذلك؟

قبل الجواب عن سبب أو أسباب هذا السؤال يلزمنا ألفات النظر إلى أن إبراهيم(عليه السلام) إنما سأل الله بلفظ (كيف) وإنما يستقيم السؤال بكيف عن خصوص وجود الشيء لا عن أصل وجوده، مثلاً إذا قلت: أرأيت كان معنى السؤال عن تحقق أصل الرؤية، وإذا قلت كيف رأيت زيداً كان أصل الرؤية مفرُغاً عنده وإنما السؤال عن خصوصيات الرؤية فإبراهيم إنما سأل ليشاهد كيفية الإحياء لا أصل الإحياء الذي كان محققاً عنده ومعلوماً لديه وهذا هو الظاهر من النص في الآية الكريمة، ويؤيده ما ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) في قوله تعالى:(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) قال:

وهذه آية متشابهة، ومعناها أنه سأل عن الكيفية والكيفية من فعل الله متى لَم يعلمها العالم لم يلحقه عيب، ولا عرُضَ في توحيده (لله) نقص ..الخ. راجع (معاني الأخبار) للصدوق ص128، ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج12 ص69، والطباطبائي في (الميزان) ج2 ص400.

أما الجواب عن سبب سؤال إبراهيم ذلك فقد ذكر المفسرون والمحدثون لذلك عّدة أجوبة نستعرضها لك مع إعطاء النتيجة.

أحدها ما قاله الحسن، والضحاك، وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) إن إبراهيم رأى جيفة تمزقها السباع، وتأكل منها سباع البر وسباع الهواء ودواب البحر وعلى أثر ذلك سأل الله تعالى قائلاً: يا ربِ قد علمت إنك تجمعها من بطون السباع، والطيور، ودواب البحر فارني كيف تحييها لا عاين ذلك.

وثانيها: إن سبب السؤال منازعة نمرود إياه إذ قال: أنا أُحي وأميت وأطلق نمرود بالفعل محبوساً، وقتل آخراً، فقال له إبراهيم(عليه السلام) ليس هذا بإحياء، وإن كنت صادقاً فأحي الذي قتلته، وقال: يا رب أرني كيف تحي الموتى ليعلم نمرود ذلك، وينكشف له ولأتباعه، وروي أن نمرود توعدّه بالقتل أن لم يحي الله الميت بحيث يشاهده، فلذلك قال:(وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أي بنجاتي، وأن لا يقتلني الجبّار.

وهذا منقول عن محمد بن إسحاق بن يسار والقاضي.

وثالثها: ما قاله قوم آخرون وهو قريب من الثاني أنه سال ذلك لقومه لا لنفسه، كما سأل موسى(عليه السلام) الروية لقومه والمقصود أن يشاهد قومه فتزول الشبهات عن قلوبهم، ويؤيده ما روى عن الحسن قال: سأل إبراهيم (عليه السلام) ربه أن يريه كيف يحي الموتى وذلك ممّا لقي من قومه من الأذى، فدعا ربّه عند ذلك ممّا لقي منهم من الأذى فقال:(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) راجع (الدر المنثور) ج1 ص334 للسيوطي قال: أخرجه ابن أبي حاتم.

ورابعها: ما روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي، وذكره جماعة من المفسرين: أن مَلَكاً قال لإبراهيم(عليه السلام) ، وفي نص: أن الله أوحي إليه أني متخذ بشراً خليلاً وفي نص: متخذ من عبادي خليلاً، فاستعظم ذلك إبراهيم(عليه السلام) وقال: إلهي ما علاقة ذلك؟ فقال: علاقته أنه يحي الميت بدعائه، فلما عظم مقام إبراهيم في درجات العبودية لله وأداء الرسالة خطر بباله: لعّلي أنا أكون ذلك الخليل، فلذلك سأل عن كيفية إحياء الموتى، فقال الله: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) على إنني خليلٌ لك، وقريب من هذا وارد عن ا لإمام الرضا(عليه السلام) وسيأتي حديثه بنصه.

وخامسها: أنه أحب أن يعلم ذلك عَلمَ عيان بعد أن كان عالماً به من جهة الاستدلال والبرهان لتزول الخواطر النفسية ووساوس الشيطان وإلى هذا يشير حديث وارد عن الإمام الصادق(عليه السلام) وسيأتي ذكره بنصه بأذن الله وكذا غيره من الأحاديث.

وسادسها: ما قاله البعض: إنه إنما سأل ذلك لأنه كان شاكاً فيه(1) ورووا فيه رواية عن أبي هريرة رواها البخاري، ومسلم في صحيحهما ونقلها عنهما وعن غيرهما بعض المفسرين كالسيوطي في (الدر المنثور) ج1 ص335، والدمشقي في (تفسيره) ج1 ص315 وهذه الرواية ناقشها وأبطلها بالأدلة القاطعة سيدنا السيد عبد الحسين شرف الدين في كتابه القيم الشهير (أبو هريرة) فراجع ص98-105، لتعرف الحقيقة.

فهذا الوجه السادس باطل بلا ريب، لأن الشك في أن الله قادر على إحياء الموتى كفِرٌ به لا يجوز على الأنبياء لأنه تعالى لا يجوز أن يبعث إلى خلقه من هو جاهل بما يجوز وما لا يجوز، ومن نسب الشك إليهم صلوات الله عليهم فقد ضل ضلالاً مبيناً.

وبطلان هذا الرأي يمكن أن يفهم من نفس الآية الكريمة حيث إنه (عليه السلام) لما قال: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) وحيث أن مثل هذا السؤال قد يوهم البعض أنه لم يكن متيقناً، لذا قرره الله عز وجل بسؤاله(أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) مع علمه بسره وحاله ليكون جوابه إسقاطاً للتهمة عنه وتنزيهاً له من الشك، وهو من باب (وكم سائل عن أمره وهو عالم) وبالفعل أجاب إبراهيم بقوله: (بلى) وكلمة بلى برءّ يُردَ بها النفي ولذلك ينقلب بها النفي إثباتاً، كقوله تعالى مخاطباً أرواح بني آدم في عالم الذر:(أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)، [الأعراف/172]. ولو قالوا: نعم لكان كفراً فتبين بذلك أنه كان عارفاً بالإحياء مصدقاً به، وإنما سأل لزيادة اليقين ودفع الشبهات عن النفس وليكون بذلك من الموقنين.

وجاء في تفسير العياشي ج1 ص143 عن علي بن أسباط أن أبا الحسن الرضا(عليه السلام) سُئل عن قوله تعالى:(قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أكان في قلبه شك؟ قال: لا ولكنه أراد الزيادة في يقينه..الخ.

ونقله عن العياشي المجلسي في (البحار) ج12 ص73، والبحراني في تفسيره (البرهان) ج1 ص215 على ما في حاشية العياشي كما نقله أيضاً الطباطبائي في تفسيره (الميزان)، ونقله عن العياشي، وعن كتاب (المحاسن) المولى محسن الفيض في تفسيره.

وروى الكليني في (الكافي) على ما نقل عنه المجلسي في (البحار) ج12 ص63 بسنده عن الحسين بن الحكم قال: كتبت إلى العبد الصالح (أي موسى بن جعفر(عليهما السلام)) أخبره أني شاكّ، وقد قال إبراهيم(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) وأني أحب أن تريني شيئاً، فكتب(عليه السلام) ، إليّ، أن إبراهيم كان مؤمناً وأحب أن يزداد إيماناً وأنت شاك والشاك لا خير فيه.

ونقل هذا المعنى عن الكافي عن الصادق، وعن العبد الصالح(عليه السلام) الطباطبائي في (الميزان) ج2 ص400 والبهادلي في فلسفة الشهادة ص102.

فاتضح بكلَ ما تقدم بطلان الوجه السادس من الأساس، واما الوجوه الأخرى الخمسة فلا يبعد صحتها كلها أو أكثرها، ولا سيما الواردة منها عن أئمة الهدى“ فإن الجمع بينها ممكن ولا مانع منه خصوصاً إذا علمنا إن لِكلام الله وكلام رسله وأنبيائه وأفعالهم أهدافاً وحكماً عديدة، والغرض منها الهداية العامة للجميع، ومن هنا كان الجواب من الله عملية أخذ الطيور وتقطع أجزائهن ووضع كلّ جزء منهن على جبل ليشاهد إبراهيم (عليه السلام) وقومه ذلك، حتى تكون المشاهدة زيادة يقين لبعض، وإزالة الشبهات والشكوك للبعض الآخر، وإقامة الحجة الواضحة على آخرين وكل ذلك تربية من رب العالمين، لذا(قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا).

وحين قام إبراهيم (عليه السلام) بهذه العملية التي أمره الله بامتثالها، قطعاً ما قام بها إلا أمام أكبر عدد ممكن من أمته لتحقيق تلك الأهداف السامية التي أشرنا إليها.

وأنواع الطيور التي أخذها إبراهيم(عليه السلام) سيأتي الكلام عنها في عرض الأحاديث والأخبار الواردة فيها، وقد كانت مختلفة الأجناس، وإنما خَص الطير من بين سائر الحيوان لخاصية الطيران، ولأنه أقرب إلى الإنسان وأجمع لخواص الحيوان.

وقوله تعالى:(فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أي الطيور اجمعهن إليك فقطعهن، وحذفت جملة (فقطعهن) لدلالة الكلام عليها لأن قوله تعالى:(ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) يدل على التقطيع، وكانت الجبال عشرة باتفاق أحاديث أهل البيت“ (ثمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) أي أدعو تلك الطيور بعد تقطيعهن وتوزيع أجزائهنَ فأنهن سيأتينك سعياً كما كنَّ قبل التقطيع والتوزيع، وبذلك تتضح الحقيقة للجميع قال الرازي في (تفسيره) ج1 ص333: اجمع أهل التفسير على أن المراد بالآية قطعهن وأن إبراهيم (عليه السلام) قطع أعضاءها ولحومها وريشها ودماءها وخلط بعضها على بعض وقوله تعالى في خاتمة الآية( وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) أي إنه عزيز لا يفقد شيء بزواله عنه، وقويّ لا يعجز عن شيء، وحكيم في أفعاله لا يفعل شيئاً إلا من طريقه اللائق به فهو جلّ وعلا يوجد الأجساد بإحضار الأرواح وإيجادها ذلك لأنّ أجسادها تابعة لأرواحها لا بالعكس، والأرواح كلها بيد خالقها الواحد القهار لا بيد غيره قال عزّ شأنه:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا) [الإسراء/86].

الأخبار والأحاديث حول القصة

1- جاء في حديث مسند عن أبي بصير عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول فيه: أن إبراهيم(عليه السلام) لما أُري ملكوت السماوات والأرض، التفت فرأى جيفة على ساحل البحر بعضها في الماء وبعضها في البر تجئ سباع البحر فتأكل ما في الماء ثم ترجع فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضاً، ويجئ سباع البر فيأكل ما في البر فتأكل منها فيشتمل بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضاً فعند ذلك تعجب إبراهيم (عليه السلام) مما رأى و(قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) أي هذه أمم يأكل بعضها بعضاً كيف يخرج ما تناسخ(قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) حتى أرى كما رأيت الأشياء كلها، قال خذ أربعة من الطير فقطعهن وأخلطهن كما اختلطت هذه الجيفة في هذه السباع التي أكلت بعضها بعضاً (ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) فلما دعاهن أجبنه وكانت الجبال عشرة.

وفي نص أخذ إبراهيم الطاووس والديك، والحمام والغراب، وقال الله عز وجل (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) أي قطعهن ثم أخلط لحمهنّ وفرقها على عشرة جبال ثم خذ مناقيرهن وأدعهن يأتينك سعياً، ففعل إبراهيم ذلك وفرقهن على عشرة جبال ثم دعاهن فقال: أجيبيني بأذن الله تعالى، فكان يجتمع ويتألف لحم كل واحد وعظمه إلى رأسه، وطارت إلى إبراهيم، فعند ذلك قال إبراهيم: (أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (راجع تفسير العياشي ج1 ص142 ونسبه المعلق في حاشيته إلى الكليني في الكافي أيضاً، ورواه بسنده القمي في تفسيره ج1 ص91 ونقله المجلسي في (البحار) ج12 ص61 عن العياشي وص65 عن القمي، و(علل الشرائع) للصدوق، تجده ص586 باب 385 من كتاب العلل، ونقله أيضاً المولى محسن الفيض في تفسيره (الصافي) عن الكليني في (الكافي)، ويرويه أيضاً البحراني في تفسيره (البرهان) ج1 ص251 على ما في حاشية العياشي، ونقله عن القمي، والعياشي الطباطبائي في (الميزان) ج2 ص400، ونقله الطبسي عن القمي 83، كما نقله عن القمّي الحر العاملي في (الإيقاظ) ص138، وروى بعض الحديث عن الصادق(عليه السلام) الطبرسي في (مجمع البيان) ج1 ص373 وبمعنى هذا الحديث مروي أيضاً من طرق العامة عن ابن عباس وقتادة وغيرهما كما سيأتي إن شاء الله.

دفع شبهة الآكل والمأكول

وهذا الحديث يدل على إن الشبهة التي دعت إبراهيم(عليه السلام) أن يسأل ربّه بقوله: (أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) هي ما رآه من تفريقه أجزاء الجسد الواحد بعد الموت تفريقاً يؤدي إلى تغيّر تلك الأجزاء، وانتقالها إلى أجساد مختلفة وأمكنة متنوعة بحيث لا يبقى معها من الأصل شيء.

والظاهر إن هذه الشبهة (الآكل والمأكول) حيث اشتمل الحديث على وثوب بعض الحيوانات على بعض، وأكل بعضها بعضاً، ثم فرّع الحديث على ذلك تعجب إبراهيم(عليه السلام) وسؤاله وربما تكون الشبهة هنا شبهتان أحدهما تَفَرّقُ أجزاء الجسد الواحد وفناء أصلها من الصور والأعراض، وهنا قد يقال: إذاً كيف تتميز تلك الأجزاء وتركبها، الحياة؟ وثانيها صيرورة أجزاء بعض الحيوانات جزءاً من أجساد بعض آخر مما يؤدي بالتالي إلى استحالة إحياء الحيوانين ببدنهما تامين معاً، وهذه هي شبهة الآكل والمأكول والذي أجاب الله سبحانه به وهو ما معناه تبعية البدن للروح لا بالعكس هذا المعنى كان كافياً ووافياً لدفع الشبهتين معاً.

وإيضاح ذلك وبيانه هو إن الله أمر إبراهيم(عليه السلام) أن يأخذ أربعة من الطير ليعرفها تماماً حتى لا يشك فيها بعد إعادة الحياة إليها ولا ينكرها، وليرى ما هي عليه من الاختلاف والتمييز بعضها عن بعض قبل تقطيعها ثم أمره ثانياً بتقطيعهن بعد ذبحهن بحيث كلها تصير كعجينة واحدة مكونة من أربعة طيور مختلفة، ثم أمره ثالثاً أن يجعلها اجزاءاً وأن يجعل على كل جبل منهن جزءاً لتتباعد تلك الأجزاء بتباعد الجبال بعضها عن بعض، والجبال كانت عشرة باتفاق روايات أهل البيت“ والأجزاء – طبعاً – غير متميزة بل مخلوطة من الجميع، ثم أمره رابعاً أن يدعهن إليه بأن ينادي الطيور كل طير بنوعه: يا طاووس، يا حمام، وهكذا بقية تلك الطيور الأربعة ثم أخبره جلّ وعلا خامساً إنهن سيأتينك سعياً، أي يتجسدن ويتصفن بالإتيان والإسراع إليك كما كن أولاً، وهذا ما قام به إبراهيم(عليه السلام) بالفعل امتثالا لأمر ربه وحين دعاهن بإذن الله جعل سبحانه إتيانهن سعياً وهو إيداع الحياة فيهن مشاهد له، ورأى كيفية فيضان الأمر بالحياة على تلك الأجزاء المتباعدة والمختلطة من الله العزيز الحكيم الذي تترشح منه حياة الأحياء كلها.

ومن هنا اتضح لنا أن أجساد الطيور كانت تابعة لأرواحها لا بالعكس لأن البدن فرع تابع للروح وبها حياته، قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في بعض كلماته القصار: الروح حياة البدن، والعقل حياة الروح.

فالله سبحانه إذا أوجد حياً من الأحياء أو أعاد الحياة إلى أجزاء مسبوقة بالحياة فإنما يتعلق إيجادها بالروح الواجدة للحياة أولاً ثم تتبعها أجزاء المادة بروابط محفوظة عنده سبحانه وتعالى لا نحيط بها علما، قال تعالى:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) ثم يقول:(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا) [سورة الإسراء/86].

والخلاصة يتعين الجسد بتعيين الروح من غير فصل ولا مانع وبذلك يشعر قوله تعالى:(ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا) أي مسرعات مستعجلات، وبذلك اندفعت الشبهتان معاً، شبهة تفرق الأجزاء وتغيرها، وشبهة انتقالها إلى أجساد مختلفة التي هي شبهة (الآكل والمأكول) والحمد لله رب العالمين الذي يحي ويميت ويميت ويحي وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كلّ شيء قدير.

والآن نعود لاستعراض الأخبار والأحاديث.

2- وجاء في حديث آخر مسند عن صالح بن سهيل الحمداني عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) في قوله تعالى:( فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) الآية فقال: أخَذَ الهدهدّ والصرد(4) والطاووس والغراب فذبحهن وعزل رؤوسهن ثم نحز أبدانهن بالمنحاز (أي دق أبدانهم بالهاون) بريشهن ولحومهن وعظامهن حتى اختلطت، ثم جزأهن عشرة أجزاء على عشرة جبال، ثم وضع عنده حباً وماءاً ثم جعل مناقيرهن بين أصابعه ثم قال: أتيني سعياً بإذن الله عز وجل فتطايرت بعضهن إلى بعض اللحوم والريش والعظام حتى استوت بالأبدان كما كانت وجاء كلّ بدن حتى التزق برقبته التي فيها المنقار، فخلّى إبراهيم عن مناقيرها فوقعن وشربن من ذلك الماء، والتقطن من ذلك الحب، ثم قلن يا نبي الله أحييتنا أحياك الله، فقال: بل الله يحي ويميت، الحديث.

رواه العياشي في (تفسيره) ج1 ص145، ونقله عنه البحراني في تفسيره(البرهان) ج1 ص253 على ما في حاشية العياشي، والمولى محسن الفيض في تفسيره نقلاً عن العياشي والصدوق في (الخصال) وقد رواه الصدوق في الخصال باب الأربعة ص 264 ج1، ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج12 ص63، ونقله عن الصادق(عليه السلام) البهادلي في كتابه (فلسفة الشهادة) ص102، وأشار إليه الطباطبائي في (الميزان) ج2 ص40.

3- ما رواه العياشي في تفسيره ج1 ص143 عن معروف بن خرّبود أنه قال: سمعت أبا جعفر (أي الباقر(عليه السلام)) يقول: إن الله لما أوحى إلى إبراهيم (عليه السلام) أن خذ أربعة من الطير، عمد إبراهيم فأخذ النعامة والطاووس والوزة (والوزة لغة من الأوز وهو البط) والديك فنتف ريشهن بعد الذبح ثم جعلهن في مهراسة (أي هاون) فهرسهنّ، ثم فرقهن على جبال الأرض وكانت عشرة جبال فوضع على كل جبل منهن جزءاً ثم دعاهنّ بأسمائهن فأقبلن إليه سعياً، يعني مسرعات، فقال إبراهيم عند ذلك: أعلم أن الله على كل شيء قدير ونقله عن العياشي المجلسي في (البحار) ج2 ص73 والبحراني في تفسيره (البرهان) ج1 ص251.

4- عن علي بن محمد بن الجهم قال: سأل المأمون الرضا(عليه السلام) عن قول إبراهيم (عليه السلام) (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال الرضا(عليه السلام) أن الله تبارك وتعالى كان أوحى إلى إبراهيم (عليه السلام) في أني متخّذ من عبادي خليلاً أن سألني أحياء الموتى أجبته فوقع في نفس إبراهيم (عليه السلام) أنه ذلك الخليل، فقال:(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) على الخلّة (قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فاخذ إبراهيم (عليه السلام) نسراً وبطاً وطاووساً وديكاً فقطعهنّ فخلطهن ثم جعل على كل جبل من الجبال التي حوله، وكانت عشرة منهن جزءاً وجعل مناقيرهن بين أصابعه ثم دعاهن باسمائهن ووضع عنده حباً وماءً، فتطايرت تلك الأجزاء بعضها إلى بعض حتى استوت الأبدان، وجاء كل بدن حتى أنضم إلى رقبته ورأسه فخلى إبراهيم عن مناقيرهن فطرن ثم وقعن فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك الحب وقلن: يا نبي الله احييتنا أحياك الله، فقال إبراهيم (عليه السلام) بل الله يحي الموتى وهو على كل شيء قدير، قال المأمون: بارك الله فيك يا أبا الحسن ..الخ.

رواه الصدوق في كتابيه (عيون أخبار الرضا) ج1 ص198، و(التوحيد) ص82 باب القدرة ونقله عن المصدرين السابقين المجلسي في (البحار) ج12 ص63، ورواه الطبرسي في (الاحتجاج) ج2 ص217، ونقله عنه المجلسي في (البحار) أيضاً ص64، كما نقل المجلسي الحديث بكامله عن العيون، والطبرسي في ج11 ص78-85، والمتعلق بقصة إحياء الطيور ص79، ونقل المولى محسن الفيض في تفسيره عن العيون للصدوق وكذلك الحر العاملي في كتابه (الإيقاظ) ص118 نقلاً عن (العيون)، و(التوحيد)، و(الاحتجاج) للطبرسي، والطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج2 ص402 نقلاً عن (العيون).

5- عن عبد الصمد بن بشير قال: جُمِعَ لأبي جعفر المنصور القضاة، فقال لهم: رجل أوصى بجزء من ماله فكم الجزء؟ فلم يعلموا كم الجزء، واشتكوا إليه فيه، فأبرد بريداً إلى صاحب المدينة (أي إلى عامله فيها) أن يسأل جعفر بن محمد (أي الصادق(عليه السلام)): رجل أوصى بجزء من ماله فكم الجزء؟ فقد أشكل ذلك على القضاة فلم يعلموا كم الجزء؟ فإن هو اخبرك به وإلا فأحمله على البريد ووجهّه إليّ، فأتى صاحب المدينة أبا عبد الله (عليه السلام) فقال له: أن أبا جعفر بعث إليّ أن أسألك عن رجل أوصى بجزء من ماله، وسأل مَن قبِله من القضاة فلم يخبروه ما هو، وقد كتب إليّ إن فسرَت ذلك له وإلا حملتك على البريد إليه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) هذا في كتاب الله بيّن أن الله يقول: لما قال إبراهيم: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) إلى قوله:(كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) فكانت الطير أربعة والجبال عشرة يخرج الرجل من كل عشرة أجزاء جزءاً واحداً، ثم قال(عليه السلام) وأن إبراهيم دعا بمهراس فدق فيه الطيور جميعاً وحبس الروؤس عنده، ثم أنه دعا بالذي أمر به فجعل ينظر إلى الريش كيف يخرج وإلى العروق عرقاً عرقاً حتى تم جناحه مستوياً فأهوى نحو إبراهيم، فمال إبراهيم ببعض الرؤوس فاستقبله به، فلم يكن الرأس الذي استقبله به لذلك البدن حتى أنتقل إلى غيره، فكان موافقاً للرأس، فتمت العدة، وتمت الأبدان.

رواه العياشي في تفسيره ج1 ص143، ونقله عنه كل من المجلسي في (البحار) ج12 ص72، والبحراني في تفسيره (البرهان) ج1 ص251، والمولى محسن الفيض في تفسيره والبهادلي ففي (فلسفة الشهادة) ص103.

هذا ممَا ورد عن طريق أهل البيت“ عن هذه القصة أما ما ورد من طرق أخرى فأليك بعض مما رواه المفسرون وغيرهم.

6- قال السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ج1 ص334: أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في (العظمة) عن ابن عباس قال: أن إبراهيم مرّ برجل ميت زعموا أنه حبشي على ساحل البحر فرأى دواب البحر تخرج فتأكل منه، وسباع الأرض تأتيه فتأكل منه والطير تقع عليه فتأكل منه، فقال: إبراهيم عند ذلك ربّ هذه دواب البحر تأكل من هذا وسباع الأرض والطير ثم تميت هذه فتبلى ثم تحييها فأرني كيف تحي الموتى: قال:(أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) يا إبراهيم أني أحيي الموتى:(قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، يقول لأرى من آياتك وأعلم أنك قد أجبتني، فقال الله: خذ أربعة من الطير، فصنع ما صنع، والطير الذي أخذه رال وديك ووز وطاووس، واخذ نصفين مختلفين ثم أتى أربعة جبال فجعل على كل جبل نصفين مختلفين وهو قوله:(ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا) ثم تنحى ورؤوسها تحت قدميه فدعا باسم الله الأعظم فرجع كل نصف إلى نصفه وكل ريش إلى طائره ثم أقبلت تطير بغير رؤوس إلى قدمه تريد رؤوسها بأعناقها فرفع قدمه فوضع كل طائر منها عنقه في رأسه، فعادت كما كانت(وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) يقول: مقتدر على ما يشاء (حكيم) يقول: مُحِكم لما أراد: الرال فرخ النعام.

7- وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة نحوه.

8- وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن الحسن نحوه.

9- واخرج بن جرير عن ابن جريح عن ابن عباس قال: بلغني أن إبراهيم (عليه السلام) بينما هو يسير على الطريق إذا هو بجيفة حمار عليها السباع والطير قد مزقت لحمها وبقي عظامها فوقف فعجب ثم قال: ربّ قد علمت لتجمعنها من بطون هذه السباع والطير(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى) ولكن ليس الخبر كالمعاينة.

10- واخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وأبن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن سعيد بن جبير في قوله:(وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) قال: بالخلّة قال الدميري في كتابه (حياة الحيوان) باب الحمار ص415 ج1: قوله تعالى:(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى) قال الحسن، وقتادة وعطاء الخراساني، والضحاك وابن جرير (ره): كان السبب في هذا السؤال من إبراهيم(عليه السلام) أنه مرّ على دابة ميتّة. قال ابن جريح: كانت جيفة حمار بساحل البحر، قال عطاء بحيرة طبرية قالوا: فرأها وقد توزعتها دواب البحر والبر إذا أمدّ جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها، فما وقع منها يصير في البحر، وإذا جزر جاءت السباع فأكلت منها فما وقع منها يصير تراباً فإذا ذهبت السباع جاءت الطير فأكلت منها فما سقط منها قطعته الرياح في الهواء، فلما رأى إبراهيم ذلك تعجب منها، وقال: يا رب قد علمت لتجمعها من بطون السباع وحواصل الطير وأجواف دواب البحر، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فازداد يقيناً: فعاتبه الله على ذلك فقال: (أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟) فقال بلى يا ربّ قد علمت ولكن ليطمئن قلبي: أي يسكن إلى المعاينة والمشاهدة. ثم قال الدميري: فإبراهيم (عليه السلام) كان يعلم يقيناً أن الله يحي الموتى، ولكنه أراد أن يصير له علم اليقين عين اليقين لآن الخبر ليس كالمعاينة، وما أحسن قول بعضهم

لئن كلمت بالتفريق قلبي ولكن للعيان لطيف معناً ***فأنت بخاطري أبداً مقيمُ له سَألَ المعاينةَ الكليمُ .

وقيل كان سبب هذا السؤال من إبراهيم أنه لما احتج على نمرود فقال: ربي الذي يحي ويميت، فقال نمرود: أنا أحي وأميت، قتل رجلاً وأطلق آخر فجعل ترك القتل إحياءً، فقال إبراهيم: أن الله يقصد إلى جسد ميت فيحييه فقال له نمرود: أنت عاينته؟ فلم يقدر ان يقول نعم، فانتقل إلى حجة أخرى، ثم سأل ربّه أن يريه إحياء الموتى قال:(أَوَلَمْ تُؤْمِنْ)؟ (قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) بقوة حجتي، وإذا قيل لي أنت عاينته أقول نعم قد عاينته.

11- ثم قال الدميري، وقال سعيد بن جبير: لّما أتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت ربّه أن يأذن له فيبشر إبراهيم بذلك، فإذن له.

فأتى ملك الموت إبراهيم في داره ولم يكن في الدار، فدخل داره، وكان إبراهيم من أغير الناس، إذا خرج أغلق بابه، فلما جاء وجد في داره رجلاً فثار عليه إبراهيم ليأخذه، فقال له: مَن أنت؟ ومَن أذن لك أن تدخل داري بغير أذني؟ فقال: أذن لي ربّ هذه الدار، فقال له إبراهيم: صدقت وعرف أنه ملك الموت، فقال له مَن أنت؟ فقال له: أنا ملك الموت، جئت أبشرك بأن الله قد أتخذك خليلاً، فحمد الله تعالى ثم قال: ما علاقة ذلك؟ قال: إجابة الله دعاءك، وإحياء الموتى بسؤالك، فحينئذ قال إبراهيم:(رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أنك قد اتخذتني خليلاً، وأجبتني إذا دعوتك.

وذكر هذا الحديث السيوطي في (الدر المنثور) ج1 ص334 نقلاً عن ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي وفيه زيادة على ما ذكره الدميري، راجعها بالحاشية(5) وحديث سعيد بن جبير هذا، والسدي والحديث الذي ذكرناه برقم (4) عن الإمام الرضا(عليه السلام) فيه دلالة بينّة على أنّ مقام الخِلّة يستلزم استجابة الدعاء، واللفظ يساعد عليه فإن الخلّة هي الحاجة والخليل يسمى خليلاً لأن الصداقة إذا كملت رفع الصديق حوائجه إلى صديقه. ولا معنى لرفعها مع عدم قضائها له، وإعطائه حوائجه وطلباته. ولذلك دعا إبراهيم ربّه أن يُريَهُ كيف يحي الموتى ليطمئن قلبه بأنه خليل لله عز وجل وأجاب الله له دعاءه وأعطاهُ سؤله.

كما نلاحظ في هذه الأحاديث والأخبار الاختلاف في أنواع الطيور التي أخذها (عليه السلام) والظاهر أن منشأ هذا الاختلاف هو تسامح الرواة في ضبط تلك الأنواع ولعلهم تسامحوا في ضبطها لعلمهم أنه لا يترتب على معرفتها حكم إسلامي، بل ولا فائدة يعتد بها لتعيينها، والذي اتفقوا عليه من تلك الأنواع هو الطاووس، وأكثرها تذكر معه الديك والله أعلم بواقع الحال ومجملاً أن هذه القصة بآياتها البينة، والتدبر فيها وما ورد فيها من أخبار وأحاديث من طرق عديدة ممّا ذكرناه وممّا لم نذكره كلها دالة على أنّ إحياء الموتى في أي وقت أراد البارئ إيقاعه أوقعه، وأن ذلك ليس عليه بعزيز ولا يمنعه منه مانع مطلقاً.

فإذا له أن يعيد نفوساً سعيدة، ونفوساً شقية إلى الدنيا بعد الموت وأفاضة الروح عليها عند ظهور المهدي المنتظر (عج) وهو القادر على ما يشاء (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلاَءِ الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) [النساء/79].

سادساً - قصة أصحاب الكهف وإرجاعهم إلى الدنيا

من الآيات التي صرحت بوقوع الرجعة إلى الدنيا بعد رقدة طويلة استغرقت مئات السنين هي الآيات التي تستعرض - للنبي(صلى الله عليه و آله) وللأجيال – قصة أصحاب الكهف، نذكر الآيات الأولى منها بتفسيرها وهي قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا) [الكهف/10-13].

قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا)

الحُسبان هو الظن، والكهف هو المغارة الواسعة في الجبل، والرقيم من الرقم وهو الكتابة المرقمة كالجريح والقتيل بمعنى المجروح والمقتول، و(عجباً) مصدر بمعنى التعجب أريد به المبالغة في وصف التعجب وظاهر سياق القصة أن أصحاب الكهف هم أصحاب الرقيم لا غيرهم، وهم جماعة بأعيانهم والقصة قصتهم جميعاً فهم المسُمّون أصحاب الكهف وأصحاب الرقيم أما تسميتهم أصحاب الكهف فلدخولهم الكهف ووقوع ما جرى عليهم فيه، وأما تسميتهم أصحاب الرقيم فقد قيل: إن قصتهم كانت منقوشة في لوح منصوب هناك، أو محفوظة في خزانة الملوك فلذلك سمّوا أصحاب الرقيم، وقيل إن الرقيم أسم الجبل الذي فيه الكهف، وذكر المفسرون أقوالاً آُخر في معنى الرقيم والقول الأول هو الأظهر والمؤيد ببعض الأحاديث مما سنذكره إن شاء الله في استعراض الأخبار.

والظاهر من سياق القصة أيضاً وخاصة قوله تعالى مخاطباً النبي (صلى الله عليه و آله) (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا) أن القصة كانت معلومة للنبي(صلى الله عليه و آله) أجمالاً، وأن الذي كشف عنه الوحي هو تفصيل تلك القصة، ويؤيد ذلك تعقيبه في الآيات الثلاث بذكر القصة إجمالاً التي كانت معلومة لديه،ثم ذكر له بعدها تفصيل قصتهم الآخذ من قوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ) ..إلى آخر الآيات.

أما قوله تعالى:(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) أي إذ رجع الفتية إلى الكهف ليستقروا فيه والفتية جمع لفتى والفتى هو الشاب، ولكن لا تخلو كلمة (الفتية) هنا من إشعارهم بمدحهم، ومن هنا روى العياشي في (تفسيره) ج2 ص333 وغيره عن سليمان بن جعفر النهدي قال: قال لي جعفر بن محمد (أي الصادق (عليه السلام)): يا سليمان من الفتى؟ فقلت له: جعلت فداك الفتى عندنا الشاب، قال لي: أما علمت أن أصحاب الكهف كانوا كلهم كهولاً فسماهم الله فتية بإيمانهم، يا سليمان من آمَن بالله وأتقى فهو الفتى. ونقله عنه البحراني في (تفسيره) ج2 ص457 على ما في حاشية تفسير العياشي ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج14 ص428، والمولى محسن الفيض في تفسيره، كما نقله أيضاً عن الكافي الكليني عن الصادق(عليه السلام) أنه قال لرجل: ما الفتى عندكم؟ فقال له: الشاب، فقال: لا الفتى المؤمن، إن أصحاب الكهف كانوا شيوخاً فسمّاهم الله فتية بإيمانهم ونقله عن العياشي الطباطبائي في (الميزان) ج13 ص303، وقال: وروي ما في معناه في (الكافي) عن القمي مرفوعاً عن الصادق(عليه السلام) كما نقله عن الكافي البحراني في تفسيره ومما يؤيد هذا المعنى نداء جبرئيل يوم أحد بين السماء والأرض: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي (راجع الغدير) ج2 ص54 في ذكر مصادر هذا النداء يوم أحد، وبدر، وخيبر، و(إحقاق الحق) ج6 ص12-ص23.

وقول أهل الكهف بعد أن استقروا فيه:(رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) كَأنّهم قد ألتجأوا بانقطاع تام – لفقد القوة وانقطاع الحيلة – إلى المبادرة بالمسألة من لدن الله عز وجل أن يرحمهم، والمراد بالرحمة المسؤولة من لدنه أيضاً بعض المواهب والنعم المختصة به تعالى كالهداية التي يصرح في مواضع من كلامه بأنها منه خاصة لا من غيره كقوله تعالى مخاطباً رسوله الأعظم(صلى الله عليه و آله):(إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص/57] ولذلك قالوا:(رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) ولم يقولوا: آتنا رحمة. ثم قالوا في مسألتهم من الله تعالى:(وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) الرُشد خلاف الغي ويستعمل استعمال الهداية، والمراد من أمرهم هو الشأن الذي يخصهم فيما هم عليه حيث قد هربوا من سلطة قوم يتتبعون المؤمنين ويسفكون دماءهم ويكرهونهم على عبادة غير الله، والتجأوا إلى الكهف وهم لا يدرون ماذا سيجري عليهم ولا يهتدون إلى أيّ سبيل للنجاة يسلكون، ومن هنا يظهر أن المراد بالرشد الاهتداء إلى ما فيه نجاتهم، فهم يسألون الله تعالى التأييد والاهتداء مرة بعد أخرى وقد استجاب الله دعاءهم وأنجاهم من أعدائهم حيث قال تعالى:(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سنِينَ عَدَدًا).

قال الزمخشري في تفسيره (الكشاف) ج2 ص705: أي ضربنا على آذانهم حجاباً مِن أن تسمع يعني أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات كما ترى المستثقل في نومه يُصاح به فلا يسمع ولا يستنبه. فحذف المفعول الذي هو الحجاب كما يقال:

بنى على امرأته يريدون بنى عليها قبة.

وقال الطبرسي في (مجمع البيان) م3 ص451: والضرب معروف، ومعنى ضربنا على آذانهم سلّطنا عليهم النوم وهو من الكلام البالغ في الفصاحة..الخ.

وقال أيضاً ص452: معناه أنمناهم سنين ذات عدد، وتأويلهُ فأجبنا دعاءهم وسَددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها سنين كثيرة لأن النائم إنما ينتبه بسماع الصوت، ودل سبحانه بذلك على أنّهم لم يموتوا وكانوا نياماً في أمن وراحة وجمام نفس، وهذا من فصيح لغات القرآن التي لا يمكن أن يترجم بمعنى يوافق اللفظ انتهى، وما ذكره الطبرسي من المعنى أبلغ مما ذكره الزمخشري.

وقال العلامة الطباطبائي في تفسيره (الميزان) ج13 ص266 بعد ما نقل قول الزمخشري والطبرسي قال: وهناك معنى ثالث وأن لم يذكروه وهو أن يكون إشارة إلى ما تصنعه النساء عند إنامة الصبي غالباً من الضرب على أذنه بدق الأكف أو الأنامل عليها دقاً نعيماً (أي خفيفاً) لتتجمع حاسته عليه فليأخذ النوم بذلك، فالجملة كناية عن انامتهم سنين معدودة بشفقة وحنان كما تفعل الأم المرضع بطفلها الرضيع.

وقوله تعالى:(ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا)

المراد من البعث هنا هو الإيقاظ دون الأحياء بقرينة الآية السابقة، والمراد بالعلم العلم الفعلي المشاهد عند حدوثه، وهو ظهور الشيء وحضور وجوده الخاص عند الله وقد كثر ورود العلم بهذا المعنى في القرآن المجيد كقوله تعالى:(وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحديد/26]، وكقوله تعالى:(لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) [الجن/29]، وكقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) [محمد/32]، إلى غير ذلك من الآيات التي تذكر ما سيعلمه الله علم مشاهدة بعد علمه به بالغيب والمراد بالحزبين الطائفتين من أصحاب الكهف حين سأل بعضهم وهذا ما يفيده قوله تعالى في الآيات التالية: (وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ) والمراد بالأمد المدة التي لبثوا فيها في الكهف أيهم أحصى عدّاً لمدة لبثهم فيه أو أيهم أدق أحصاءً لمدة لبثهم.

ففي هذه الآيات الأربع تلخيص يجمل القصة ويرسم خطوطها الرئيسية العريضة فنعرف منها أن قصة أصحاب الكهف والرقيم قصة واحدة، وأنها على غرابتها ليست بأعجب آيات الله، بل في صفحات هذا الكون الواسع من العجائب وفي ثناياه من الغرائب ما يفوق قصتهم عجباً وغرابة.

كما نعرف أنهم فتية – لا نعلم عددهم – آووا إلى الكهف وهم مؤمنون بربهم خائفون من أعدائهم الكافرين فسألوا عند ذلك ربهم قائلين (رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) ننجوا بها مما يهددّنا بالتخيير بن عبادة غيرك وبين القتل والتعذيب، وأعد لنا من أمرنا هدى نهتدي به إلى النجاة، فاستجاب لهم ربهم بأن أنامهم في الكهف سنين معدودة، ثم أيقظهم ليبين أي الحزبين أعدَّ أمداً للبثهم.

هذا مجمل القصة، ثم تأخذ الآيات التالية بتفصيلها مبتدأ بقوله تعالى: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) إلى آخر الآيات.

وقد أعطى العلامة الطباطبائي صورة عن قصتهم في القرآن في تفسيره (الميزان) ج12 ص313 بعد ما فسر الآيات وأوضح مفاهيمها تحت عنوان:

قصة أصحاب الكهف في القرآن

جاء فيها ما يلي: كان أصحاب الكهف والرقيم – فتية نشأوا في مجتمع مشرك لا يرى إلا عبادة الأوثان (وكان قد) تسرب في المجتمع دين التوحيد فآمن بالله قوم منهم فأنكروا عليهم ذلك وقابلوهم بالتشديد والتضييق والفتنة والعذاب وأجبروهم على عبادة الأوثان ورفض دين التوحيد فمن عاد إلى ملتهم تركوه ومن أصرّ على المخالفة قتلوه شرّ قتلة.

وكانت الفتية ممّن آمن بالله إيماناً على بصيرة فزادهم الله هدى على هداهم وأفاض عليهم المعرفة والحكمة وكشف بما آتاهم من النور عمّا يهمّهم من الأمر وربط على قلوبهم فلم يخشوا إلا الله ولا أوحشهم ما يستقبلهم من الحوادث والمكاره فعلموا أنهم لو أداموا المكث في مجتمعهم الجاهل المتحكم لم يسعهم دون أن يسيروا بسيرتهم فلا يتفوّهوا بكلمة الحق ولا يشترعوا بشريعة الحق، وعلموا أن سبيلهم أن يقوموا على التوحيد ورفض الشرك ثم اعتزالهم القوم، وعلموا أن لو اعتزلوهم ودخلوا الكهف أنجاهم الله مما هم فيه من البلاء.

فقاموا وقالوا ردّا على القوم في اقتراحهم(6) وتحكمهم:(رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) ثم قالوا:(وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا).

ثم دخلوا الكهف واستقرّوا على فجوة منه وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد فدعوا ربهم بما تفرسّوا من قبل أنه سيفعل بهم ذلك فقالوا: ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً فضرب الله على آذانهم في الكهف سنين ولبثوا في كهفهم – وكلبهم معهم – ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعاً وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لو ليت منهم فراراً ولَمِلئتَ منهم رعباً.

ثم أن الله بعثهم بعد هذا الدهر الطويل وهو ثلاثمائة وتسع سنين من يوم دخلوا الكهف ليريهم كيف نجاهم من قومهم فاستيقظوا جميعاً ووجدوا أن الشمس تغيّر موقعها وفيهم شيء من لوثة نومهم الثقيل قال قائل منهم: كم لبثتم؟ قال قوم منهم لبثنا يوماً أو بعض يوم لما وجدوا من تغيّر موقع الشعاع وترددّوا، هل مرّت عليهم ليلة، أو لا؟ وقال آخرون منهم: بل ربكم أعلم بما لبثتم ثم قال: فابعثوا (أحدكم) بورقكم هذه (أي درهمكم الفضي) إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً (أي أطهر) فليأتكم برزق منه فأنكم جياع وليتلطف الذاهب منكم إلى المدينة في مسيره إليها وشرائه الطعام ولا يشعرنّ بكم أحدا إنهم أن علموا بمكانكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذاً أبدا.

وهذا آوان أن يُعثِر الله سبحانه الناس عليهم فأن القوم الذين اعتزلوهم وفارقوهم يوم دخلوا الكهف قد انقرضوا وذهب الله بهم وبملكهم وملّتهم وجاء بقوم آخرين الغلبة فيهم لآهل التوحيد، وقد اختلفوا أعني أهل التوحيد وغيرهم في أمر المعاد فأراد الله سبحانه أن يظهر لهم آية في ذلك فأعثرهم على أصحاب الكهف.

فخرج المبعوث من الفتية وأتى المدينة وهو يظن أنها التي فارقها البارحة لكنه وجد المدينة قد تغيّرت بما لا يعهد مثله في يوم ولا في عمر والناس غير الناس والأوضاع والأحوال غير ما كان يشاهده بالأمس فلم يزل على حيرة من الأمر حتى أراد أن يشتري طعاماً بما عنده من الورق وهي يومئذ من الورق الرائجة قبل ثلاثة قرون فأخذت المشاجرة فيها ولم تلبث دون أن كشف عن أمر عجيب وهو أن الفتى ممّن كانوا يعيشون قبل ذلك بثلاثة قرون وهو أحد الفتية (الذين) كانوا في مجتمع مشرك ظالم فهجروا الوطن واعتزلوا الناس صوناً لإيمانهم ودخلوا الكهف فأنامهم الله لهذا الدهر الطويل ثم بعثهم، وهاهم الآن في الكهف في انتظار هذا الذي بعثوه إلى المدينة ليشتري لهم طعاماً يتغذون به.

فشاع الخبر في المدينة لساعته واجتمع جمع غفير من أهلها فساروا إلى الكهف ومعهم الفتى المبعوث من أصحاب الكهف فشاهدوا ما فيه تصديق الفتى فيما أخبرهم من نبأ رفقته وظهرت لهم الآية الإلهية في أمر المعاد.

ولم يلبث أصحاب الكهف بعد بعثتهم كثيراً بل توفاهم الله سبحانه وعند ذلك اختلف المجتمعون على باب الكهف من أهل المدينة ثانياً فقال المشركون منهم: ابنوا عليهم بنياناً ربهّم أعلم بهم، قال الذين غلبوا على أمرهم وهم الموحدون: لنتخذّنّ عليهم مسجداً. انتهى.

هذه هي قصة أصحاب الكهف في القرآن على ما ذكرها العلامة الطباطبائي في (الميزان)، والجدير بالذكر أنَّ الذي يلزم ألفات النظر إليه وإيضاحه هو أن الله سبحانه قد جعل إعثار الناس عليهم – أي اطلاع الناس عليهم من دون أن يطلبوا ذلك بالإطلاع – دليلاً وبرهاناً وجدانياً على أن وعد الله حق، وأن الساعة لا ريب فيها، حيث كان الناس في ذلك الوقت يتنازعوُن في أمر المعاد والبعث يوم القيامة فمن موحدين لله يرون أحقية وواقعية إرجاع الأرواح إلى أجسادها يوم القيامة وبعثهما معاً، ومن مشركين ينكرون البعث ولا يؤمنون به، ويستبعدونه ويشكون فيه، وقد يقولون بالتناسخ، لذلك بعث الله سبحانه أصحاب الكهف – بعد انتزاع أرواحهم من أجسادهم دهراً طويلاً – لإزالة الشكوك عن قلوبهم في أمر البعث ورفع عدم الإيمان به أو الاستبعاد لوقوعه ولذلك قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا) ومعنى الآية الكريمة كما أنمناهم ثم بعثناهم ليتساءلوا بينهم، كذلك اطلعنا الناس عليهم بعد بعثهم في زمان يتنازع فيه الناس في أمر البعث ليعلموا أن وعد الله حق في كلّ ما وَعَد به، وأن الساعة – التي وعد بها أيضاً حق – لا ريب فيها ومن هنا يتجلّى لنا أن رقدتهم أو نومهم دهراً طويلاً كان في حقيقته موتاً وفراقاً للحياة، إذ لولا انتزاع أرواحهم عن أجسادهم لاحتاجوا إلى الغذاء من الطعام والشراب كما هو معلوم، ولما تعطل شعورهم ورَكدَت حواسهم عن أعمالها، ولما سقطت قواهم البدنية من النشوء والنماء ونبات الشعر والظفر، وظهور الشيب وغير ذلك ممّا عليه الأحياء عادة.

فحدوث هذه الحادثة بإرجاع أرواحهم إلى أجسادهم واطلاع الناس عليهم لا يدع ريباً - لهم ولا لغيرهم من الناس – في أنها آية إلهية قُصد بها إزالة الشك عن القلوب في أمر البعث، وأن البعثين معاً أي بعثهم بَعد رقدتهم، وبعث الناس عموماً بعد موتهم من خوارق العادات لله الذي لا يعجزه شيء، وهو على كل شيء قدير فلا يستبعدهما أو ينكرهما إلا الجاهل الذي يُعمى أو يتعامى عن الدلائل الواضحة للقدرة الإلهية الباهرة.

أما أجسامهم بعد خروج الروح منها – فقد بقيت سالمة على حالها، وعيونهم مفتحة لرائيها وقد أشار القرآن الكريم لذلك بقوله تعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) وهم في فجوة منه أي نقلبهم تارة من اليمين إلى الشمال، وأخرى من الشمال إلى اليمين ليكون ذلك التقلب سبباً تاماً لحفظهم ولئلا تأكلهم الأرض ولا تبلى ثيابهم، ولا تبطل قواهم البدنية بواسطة الركود والخمود بطول المكث، نعم هذه هي إرادة الله الحكيمة، وقدرته التامة أن أبقى أجسادهم سالمة إلى أن أعاد أرواحهم وبعثهم كما كانوا أولاً ليكونوا عبرة لمن أعتبر.

فهم إذاً ممّن آماتهم الله في الأمم الماضية دهراً طويلاً ثم أرجعهم بعد موتهم وأحياهم ثم أماتهم ثانياً بعد سويعات قليلة من إحيائهم، ومن هنا ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) في حديث أنه قال فيه: وقد رجع إلى الدنيا ممّن مات خلق كثير منهم أصحاب الكهف آماتهم الله ثلثمائة عام وتسعة ثم بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث ليقطع حجتهم ويريهم قدرته، وليعلموا أن البعث حق..الخ. (راجع الاحتجاج للطبرسي) ج2 ص88 ونقله عنه الفيض في تفسيره (الصافي).

وتنص بعض الأخبار أن الله سبحانه أحياهم مرة أخرى أيام النبي (صلى الله عليه و آله) ثم أماتهم، وأن الله سَيحييهم مرة أخرى أيام الإمام المهدي (عج) ويكونوا من أصحابه وأعوانه كما سنذكر ذلك في عرض الأحاديث والأخبار حول قصتهم إن شاء الله تعالى.

 

الأخبار والأحاديث حول القصة

قد تكاثرت الروايات والأخبار حول قصة أصحاب الكهف وكيفيتها من طرق الفريقين ولكن أغلبها متهافتة ومختلفة اختلافاً كثيراً حتى لا يكاد يوجد منها خبران متوافقان في المضمون من جميع الجهات، لذلك نختصر على ذكر بعضها ممّا قد يكون أقرب إلى الحقيقة والله ولي التوفيق.

1- جاء في تفسير ألقمي ج2 ص31: قوله تعالى:(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا) يقول قد آتيناك من الآيات ما هو أعجب منه وهم فتية كانوا في الفترة بين عيسى بن مريم(عليهما السلام) ومحمد (صلى الله عليه و آله) ، وأما الرقيم فهما لوحان من نحاس مرقوم أي مكتوب فيهما أمر الفتية وأمر إسلامهم وما أراد منهم دقيانوس الملك وكيف كان أمرهم وحالهم.

قال القمي: حدثني أبي عن ابن أبي عمير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال، كان سبب نزولها يعني سورة الكهف أن قريِشاً بعثوا ثلاثة نفر إلى نجران وهم النضر بن الحارث بن كلدة، وعقبة بن أبي مُعيط، والعاص بن وائل السهمي ليتعلموا من اليهود والنصارى مسائل يسألونها رسول الله(صلى الله عليه و آله) فخرجوا إلى نجران إلى علماء اليهود فسألوهم، فقالوا: سلوه عن ثلاث مسائل فأن أجابكم فيها على ما عندنا فهو صادق، ثم سلوه عن مسألة واحدة فإن ادعى علمها فهو كاذب، قالوا: وما هذه المسائل؟ قالوا: سلوه عن فتية كانوا في الزمن الأول فخرجوا وغابوا وناموا، وكم بقوا في نومهم حتى انتبهوا؟ وكم كان عددهم؟ وأي شيء كان معهم من غيرهم، وما كان قصتهم؟(7) واسألوه عن موسى حين أمره الله ان يتبع العالم ويتعلم منه مَن هو وكيف تبعه وما كانت قصته معه؟ واسألوه عن طائف طاف مغرب الشمس ومطلعها حتى بلغ سدّ يأجوج ومأجوج مَن هو وكيف كانت قصته؟ ثم أملوا عليهم أخبار هذه الثلاث مسائل وقالوا لهم إن أجابكم بما أملينا عليكم فهو صادق وإن أخبركم بخلاف ذلك فلا تصدقوه، وقالوا: فما المسألة الرابعة؟ قال: سلوه متى تقوم الساعة؟ فإن أدعى علمها فهو كاذب، فأن قيام الساعة لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى فرجعوا إلى مكة واجتمعوا إلى أبي طالب (عليه السلام) فقالوا: يا أبا طالب أن ابن أخيك يزعم أن خبر السماء يأتيه ونحن نسأله عن مسائل فإن أجابنا عنها علمنا أنه صادق وأن لم يجبنا علمنا أنه كاذب، فقال أبو طالب: سلوه عمّا بدا لكم، فسألوه عن الثلاث مسائل، فقال رسول الله(صلى الله عليه و آله): غداً أخبركم ولم يستثن، أي لم يقل إن شاء الله، فأحتبس الوحي عليه أربعين يوماً حتى اغتم النبي(صلى الله عليه و آله) وشَكَ أصحابه الذين آمنوا به، وفرحت قريش واستهزوا وآذوا، وحزن أبو طالب فلما كان بعد أربعين يوماً نزلت عليه سورة الكهف، فقال رسول الله(صلى الله عليه و آله) يا جبرئيل لقد أبطأت؟ فقال: إنا لا نقدر أن ننزل إلا بإذن الله فأنزل:(أَمْ حَسِبْتَ) يا محمد(أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً) ثم قص قصتهم فقال:(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا) فقال الصادق(عليه السلام): إنّ أصحاب الكهف والرقيم كانوا في زمن ملك جبّار عات وكان يدعو أهل مملكته إلى عبادة الأصنام فمن لم يجبه قتله، وكان هؤلاء قوماً مؤمنين يعبدون الله عز وجل ووكّلَ الملك بباب المدينة وكلاء ولم يدعوا أحداً يخرج حتى يسجد للأصنام، فخرج هؤلاء بحيلة الصيد وذلك إنهم مروّا براع في طريقهم فدعوه إلى أمرهم فلم يجبهم وكان مع الراعي كلب فأجابهم الكلب وخرج معهم. فقال الصادق(عليه السلام): فلا يدخل الجنة من البهائم إلا ثلاثة حمار بلعم بن باعوراء، وذئب يوسف وكلب أصحاب الكهف، ثم قال(عليه السلام) فخرج أصحاب الكهف من المدينة بحيلة الصيد هرباً من دين ذلك الملك، فلما أمسوا دخلوا ذلك الكهف والكلب معهم فألقى الله عليهم النعاس كما قال الله تعالى:(فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا) فناموا حتى أهلك الله ذلك الملك وأهل مملكته وذهب ذلك الزمان وجاء زمان آخر وقوم آخرون، ثم انتبهوا فقال بعضهم لبعض: كم لبثنا هاهنا؟ فنظروا إلى الشمس قد ارتفعت فقالوا نمنا يوماً أو بعض يوم، ثم قالوا لواحد منهم: خذ هذا الورق وادخل المدينة متنكراً لا يعرفوك فاشتر لنا طعاماً فإنهم إن علموا بنا وعرفونا يقتلونا أو يردوّنا في دينهم، فجاء ذلك الرجل فرأى مدينة بخلاف الذي عهدها ورأى قوماً بخلاف أولئك لم يعرفهم ولم يعرفوا لغته ولم يعرف لغتهم فقالوا له مَن أنت ومِن أين جئت؟ فأخبرهم فخرج ملك تلك المدينة مع أصحابه والرجل معهم حتى وقفوا على باب الكهف وأقبلوا يتطلعون فيه فقال بعضهم فهؤلاء ثلاث ورابعهم كلبهم وقال بعضهم خمسة وسادسهم كلبهم وقال بعضهم: هم سبعة وثامنهم كلبهم، وحجبهم الله عز وجل بحجاب من الرعب فلم يكن أحد يتقدم بالدخول علي