فهرس الكتاب

المكتبة الفكرية

مكتبة الموقع

 

 

 

إمامة المهدي (عليه السلام) في صباه، وطول عمره في غيبته

يا ليلة النصف من شعبان طوباكِ مَن*** ربّ السماء بعين الطف يرعاكِ

يحض فيكِ يفز في كل مكرمة فيكِ*** مقره الخلد من بالذكر أحياكِ

الزيارة للسبط الشهيد غدت*** هذا لعمركِ من أحدى مزاياكِ

حويت أفضل ما يأتي الزمان به*** لَمّا تولّدَ فيكِ الحجّة الزّاكي .

الإمام الثاني عشر من أئمة الهدى إمامنا الحجة المهدي(عليه السلام) المسّمى باسم جده رسول الله (صلى الله عليه و آله) والمكنى بكنيته (أبو القاسم محمد) وهو ابن الحسن العسكري وأمه أمّ ولد واسمها نرجس، ويقال لها صقيل ولد (عليه السلام) بسر من رأى ليلة الجمعة في النصف من شهر شعبان – وهي ليلة من ليال الإحياء المفضّلة – عند طلوع الفجر سنة مائتين وخمسٍ وخمسين من الهجرة على المشهور(1) في خلافة المعتمد العباسي، ولم يخلف أبوه الحسن العسكري ولداً لا ظاهراً ولا باطناً سواه فهو واحد لأبيه.

وكانت وفاة أبيه سنة مائتين وستين، فعلى هذا يكون عمر الإمام المهدي حين قام بالإمامة بعد وفاة أبيه خمس سنين – ونظراً إلى بقائه (عليه السلام) حياً في غيبته حتى الآن – يكون عمره في هذا العام – الذي هو عام ألف وأربع مائة وست عشرة هجرية – ألفاً ومائة وإحدى وستين سنة، وهنا يرد سؤالان يفرض كل منهما نفسه السؤال الأول ما قد يقال:

هل يجوز أن يقوم أحد بالإمامة والخلافة وهو صبي صغير لم يبلغ الحلم؟ والسؤال الثاني ما قد يقال:

وهل يجوز أن يعمّر إنسان في هذه الحياة الدنيا أكثر من ألف ومائة وستين سنة؟ ولا يعلم إلى كم سيبقى في غيبته، وكم سيبقى بعد ظهوره؟

وهاتان مسألتان كلاميتان ونجيب عنهما مجملاً، أما الجواب عن السؤال الأول: هل يجوز أن يقوم أحد بالإمامة والخلافة وهو صبي لم يبلغ الحلم نقول: نعم وذلك بناءً على ما هو الحق من أنّ أمر الإمامة والخلافة بيد الله سبحانه وتعالى، وليس لأحد من الناس فيه اختيار، يجوز ذلك عقلاً ولا مانع منه مطلقاً.

أمر الإمامة بيد الله تعالى لا بيد خلقه

وكون أنّ أمر الإمامة بيد الله لا بيد خلقه يؤيده قوله تعالى في الآيتين التاليتين: (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(68)وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) [القصص/69-70].

وإليك مفاد الآيتين:

مفاد الآيتين

أولاً: أخبرنا الله جل وعلا في الآية الأولى انه هو الذي يخلق ما يشاء أي يوجد ما يشاء إيجاده.

ثانياً: أنه هو الذي يختار من خلقه مَن يشاء، وعَطَفَ سبحانه الاختيار على الخلق والإيجاد ليُعِلم جميع عباده الذين يعتقدون أن الموجد هو الله وحده لا شريك له يعلمهم أيضاً أن أمر الاختيار كذلك بيده وحده لا شريك له، فهو الخالق وهو المختار(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ).

ثالثاً: نفى تبارك وتعالى نفياً صريحاً أن تكون الخيرة للخلق(مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ).

رابعاً: أخبرنا عن تنزيهه وتعاليه عن أن يشرك خلقه معه في الخلق والاختيار(سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

خامساً: في الآية التالية أبان لنا الحكمة في ذلك، وهي حكمة واضحة جلّية تلك هي أنّ الخالق أعلم بنفسيات خلقه من خلقه ومن يصلح للرئاسة عليهم ومن لا يصلح(وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ).

فإن قيل: أنّ هذا الاختيار المذكور في الآية الكريمة مختص بمسألة النبوة دون غيرها؟ قلنا: ليس في صدر الآية أو ذيلها ما يشعر – ولو من طرف خفي – بالاختصاص بالنبوة فقط بل أن إطلاقها – بما تحمل من صراحة ووضوح – يأبى كل قيد أو تأويل، كيف لا، والإمامة تعتبر استمراراً لمقام النبوة وإتماماً للرسالة، وبهذا جاء النص الصريح في حديث عن النبي (صلى الله عليه و آله) الذي أنزل الله عليه القرآن وخاطبه بهذه الآية(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) على ما هو منقول عن كتاب محمد بن مؤمن الشيرازي – من علماء الجمهور المستخرج من التفاسير الأثنى عشر – عن أنس بن مالك قال: سألت النبي (صلى الله عليه و آله) عن هذه الآية فقال(صلى الله عليه و آله): أنّ الله خلق آدم من الطين كيف يشاء ويختار، وأنّ الله اختارني وأهل بيتي على جميع الخلق فأنتجبنا فجعلني الرسول، وجعل علي بن أبي طالب الوصي، ثم قال تعالى: (مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ) يعني ما جعلت للعباد أن يختاروا ولكني اختار من أشاء، فأنا وأهل بيتي صفوته وخيرته من خلقه الحديث.

(راجع كتاب الوصي ص23 للعلامة الحجة المرحوم السيد علي نقي الحيدري) ورواه ابن شهر آشوب في (المناقب) ج1 ص256.

ونعود للجواب عن جواز قيام الصبي الذي يختاره الله ليكون حجة على خلقه فنقول:يجوز ذلك عقلاً ولا مانع منه مطلقاً، لأن الله الذي هو على كل شيء قدير قادر على أن يجمع في الصبي جميع شرائط الإمامة، والعقل لا يستبعد منه تعالى أن يتخذ ولياً ويجعله رسولاً أو يعينه إماماً وهو صبي لأنه لا عجز في قدرته المطلقة.

وأصدق شاهد وأعدل حاكم لنا على ذلك حديث يحيى بن زكريا وعيسى بن مريم.

إيتاء الكتاب والحكم ليحيى في صباه

أما يحيى فقد قال تعالى مخاطباً له وحكى ذلك الخطاب في القرآن المجيد بقوله:(يَايَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) [مريم/13] فقوله:(خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) أي خذ التوراة، أو هي وسائر كتب الأنبياء السابقة بما قوّاك الله عليه وأيدك به، فالمراد من القوة – على الظاهر – القوة الإلهية التي أودعها فيه والتي تمكنه من التحقيق والمعرفة بما في الكتاب من المعارف، كما تمكنه من العمل بما فيه من الأحكام بالعناية والاهتمام، ولولاها لما تمكّن من المعرفة بما في الكتاب ولا تمكن من العمل بما فيه.

وقوله:(وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) فُسر الحكم بالنبوة، أو بالفهم والعقل، أو بالحكمة والفراسة الصادقة، ولكن المستفاد من الآية نفسها ومن آيات غيرها مثل قوله تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) [الجاثية/17] وقوله تعالى في بعض أنبيائه:(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) [الأنعام/90] وغيرهما من الآيات أن الحكم غير النبوة فتفسير الحكم بالنبوة ليس على ما ينبغي وكذا تفسيره بالفهم والعقل، أو بالفراسة الصادقة، إذ لا دليل من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى يدل على شيء من ذلك نعم الظاهر من اللفظ أن الله جعله حاكماً بحكمه وحكمته على أهل زمانه في حالة كونه صبياً، أي وآتيناه الحكم على العباد في حالة كونه صبياً كما آتى الحكم لغيره من الرسل والأنبياء وجاء في بعض أحاديث أهل البيت “ ما ظاهره أن المراد من الحكم الحكمة والله العالم. ولعل المقصود أنه يحكم بالحكمة، وذكر اكثر المفسرين أن يحيى آتاه الله الكتاب والحكم وهو ابن ثلاث سنين، راجع (مجمع البيان) م3 ص506، و(تفسير الجلالين) ص403، و(تفسير الدر المنثور) ج4 ص261، و(تفسير الجواهر للطنطاوي) ج10 ص5.

قال الفخر الرازي في تفسيره (مفاتيح الغيب) ج5 ص52: فإن قيل: كيف يُعقل حصول العقل والفطنة والنبّوة حال الصبا؟ قلنا: هذا السائل إما أن يمنع من خرق العادات أو لا يمنع منه؟ فإن منع منه فقد سدّ باب النبوات لأن بناء الأمر فيها على المعجزات، ولا معنى لها إلا خرق العادات، وإن لم يمنع فقد زال الاستبعاد، فإنه ليس استبعاد صيرورة الصبي عاقلاً اشد من استبعاد انشقاق القمر أي لمحمد(صلى الله عليه و آله) وانفلاق البحر أي لموسى (عليه السلام).

إيتاء الكتاب والنبوة لعيسى يوم ولادته

فهذا حديث يحيى، وأما حديث عيسى فهو أعجب وأغرب – ولا عجب من أمر الله ولا غرابة – إذ أن عيسى بن مريم قد اتخذه الله عبداً له وآتاه الكتاب وهو الإنجيل، وجعله نبياً وبارك فيه بأنواع المباركات، وأوصاه بعدة وصايا وأنطقه بكل ذلك وهو إذ ذاك ابن يومه، وتتجلّى لك هذه الحقيقة حين تقرأ في القرآن المجيد كيفية ولادته، وما أجاب به هو مَن سأل مِن قومه عن تلك العجائب والغرائب حين جاءت به أمه تحمله بعد ولادته مباشرة قال تعالى بعد حديث ولادته:(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) والفريّ الشيء العظيم البديع الذي لم يسبق له نظير، ثم قال حاكياً عنهم قولهم:(يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا) والظاهر أن المراد من قولهم: (يا أخت هارون) أنه رجل من بني إسرائيل صالح كان يضرب به المثل وينسب إليه كل صالح، أو لعل المراد به هارون أخو موسى الكليم إذ هي منتسبة إليه في نسبها، فقولهم لها: يا أخت هارون كما يقال للتميمي يا أخا تميم، وحينما سمعت من قومها تلك المعاتبة طلبت منهم بالإشارة لا بالكلام أن يوجّهوا المعاتبة إليه نفسه حتى يكون هو المجيب لهم لذا قال تعالى:(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا) فأنطقه الله ثانية بعد ساعة من ولادته: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنت وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَي يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا) مَن هو المتكلم الذي يّدعي هذه الأمور العظام(ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) أي ذلك عيسى بن مريم الذي يختلفون فيه ويتنازعون فهذا يقول: إنه ابن الله وهم النصارى تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا، وذاك يتهم أمه وينسبها إلى ما لا يليق بها وهي البريئة العفيفة وهم اليهود، وأن الحق هو هذا، إن الله خلقه بقدرته وأمره واختاره لعبوديته، وأنه (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [مريم/27-37].

إيتاء الإمامة لثلاثة من أئمتنا وهم صبيان

فالله تعالى جعل عيسى نبياً وهو طفل رضيع في المهد، وآتى يحيى النبوة والحكم وهو صبي وهكذا آتى الإمامة لثلاثة من أئمتنا وهم صبيان لم يبلغوا الحلم.

الأول: هو إمامنا محمد الجواد قام بالإمامة بعد أبيه عليّ بن موسى الرضا وعمره ثمان سنين، باتفاق المؤرخين وقد يقال: إن عمره عند وفاة أبيه تسع سنين، ومع ذلك قام (عليه السلام) بما قام به آباؤه من التعليم والإرشاد وأخذ العلماء منه - على اختلاف طبقاتهم واتجاهاتهم – أنواع العلوم خاضعين مستفيدين، وما وجدوا في علومه نقصاً – لا كثيراً ولا قليلاً – عن علوم آبائه وأجداده الطاهرين بل وجدوا علومه كعلوم جده وسميّه محمد بن عبد الله (صلى الله عليه و آله).

فمن أين كان عنده ذلك العلم الغزير لو لم يكن إلهامياً من الله؟ وإن الله الذي زوده بتلك العلوم هو الذي اختاره إماماً بعد أبيه على صغر سنه على أن الجواد - بالاتفاق – قد فارقه أبوه يوم سافر إلى خراسان وهو ابن خمس سنين، فمّن الذي كان يؤدّ به ويُثقّفه بعد أبيه حتى جعله بتلك المنزلة العلمية السامية؟ ولو كان ما عنده من العلم عن تعلم وتأدب من آخرين فلم لا يكون المعلم والمؤدب له هو صاحب تلك المنزلة والإمامة دونه وقبض الإمام الجواد وهو ابن خمس وعشرين سنة بالاتفاق ومعلوم أن ابن هذا السن لم يبلغ شيئاً كثيراً من العلم لو أنفق عمره كله في الطلب فكيف يكون عالم الأمة ومرشدها ومعلم العلماء ومثقفهم؟ وقد رجعت إليه الشيعة وعلماؤها من يوم وفاة أبيه الرضا(عليه السلام) وحينما كان ينص أبوه على إمامته من بعده ويستغرب ذلك السامع لصغر سنه يستشهد الإمام بحديث عيسى (عليه السلام) فمن ذلك ما رواه الكليني في (الكافي) بسندٍ صحيح كما في (شرحه الشافي) ج3 ص364 عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا (عليه السلام): قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر (يعني الإمام الجواد) فكنت تقول: يهب الله لي غلاماً، فقد وهبه الله لك فاقر عيوننا فلا أرانا الله يومك، فإن كان كون فإلى مَن؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر(عليه السلام) وهو قائم بين يديه، قلت: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين، فقال: (وما يضره من ذلك فقد قام عيسى بالحجة وهو ابن ثلاث سنين) وفي نص: ابن أقل من ثلاث سنين، ونقله عن الكليني الطبرسي في كتاب (إعلام الورى) ص331، والمفيد في (الإرشاد)، ونقله عنهما المجلسي في (البحار) ج50 ص21.

وفي حديث آخر عن الخيراني عن أبيه قال:

كنت واقفاً بين يدي أبي الحسن الرضا(عليه السلام) بخراسان فقال له قائل: يا سيدي إن كان كون فإلى مَن؟ قال إلى أبي جعفر أبني فكأنّ القائل استصغر سن أبي جعفر، فقال أبو الحسن(عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى بعث عيسى بن مريم رسولا نبياً صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي فيه أبو جعفر(عليه السلام) ، (راجع المصادر السابقة).

واحتج الإمام الجواد نفسه على مَن استصغر سنه حينما قام بالإمامة بعد أبيه بحديث يحيى كما روي مسنداً عن علي بن أسباط قال: قدمت المدينة وأنا أريد مصر فدخلت على أبي جعفر محمد بن علي الرضا(عليه السلام) وقد خرج إليّ فأحددت النظر إليه وجعلت أنظر إلى رأسه ورجليه لأصف قامته لأصحابنا بمصر فبينما أنا كذلك حتّى قعد فقال: يا علي إنّ الله احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة فقال:(وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) وقال: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) [يوسف/23].

فقد يجوز أن يعطي الحكم (وفي نصٍ: الحكمة) ابن أربعين سنة، ويجوز أن يُعطاه صبياً.

روى الحديث كثير من علمائنا منهم الكليني في (الكافي كما في شرحه الشافي) ج4 ص643، والطبرسي في تفسيره (مجمع البيان) ج3 ص506 نقلاً عن العياشي، وابن شهر آشوب في (المناقب) ج4 ص389، ونقله المجلسي في (البحار) ج50 ص20، و37 عن كل من (بصائر الدرجات) ص238، و(الخرائج) للقطب الراوندي و(الإرشاد) للمفيد ص340.

وغيرهم وأشار إلى الحديث المولى محسن الفيض في تفسيره (الصافي).

فهذا الإمام الأول من أئمتنا الإثني عشر الذين قاموا بأمر الإمامة وهم صبيان لم يبلغوا الحلم.

والثاني: هو ولده علي الهادي(عليه السلام) فقد كان عمره عند وفاة أبيه ست سنين وخمسة أشهر، وقد يقال: أن عمره كان ثمان سنين، وماذا يحسن من كان هذا عمره لو كان علمه بالكسب والتعلم من الآخرين؟ ولم تكن إمامته باختيار من الله العليم الحكيم؟ في حين كان(عليه السلام) أعلم أهل زمانه على الإطلاق، واعترف بذلك الخاصة والعامة.

قال ابن حجر في (الصواعق المحرقة) ص123: وكان وارث أبيه علماً ومنحى. ونقله عن الصواعق الشبلنجي الشافعي في (نور الأبصار) ص151.

وثبت هذا حينما رجع الناس إليه من الراعي والرعية والصديق والعدو، واختبروه بأنواع العلوم والمعارف وإذا علمه كعلم جده وسميه علي أمير المؤمنين باب مدينة علم الرسول الأكرم(صلى الله عليه و آله).

والثالث: هو المهدي (عليه السلام) الذي كان عمره كما ذكرنا خمس سنين قال ابن حجر في (الصواعق المحرقة) ص124، بعد ذكره لأبيه الحسن العسكري ووفاته بالسم بما نصه: ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين لكن آتاه الله فيها الحكمة، ويُسمّى القائم المنتظر..الخ.

وقال الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) ص452 عند ذكر الإمام المهدي (عليه السلام) نقلاً عن (فصل الخطاب): وقالوا: آتاه الله تبارك وتعالى الحكمة وفصل الخطاب في طفولته وجعله آية للعالمين كما قال تعالى: (يايَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) وقوله تعالى(كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا(29)قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)..الخ.

وذكر هذا المعنى أيضاً ابن الصباغ في الفصول المهمة ص173 في الفصل الثاني عشر فهذا الجواب عن السؤال الأول، وأما الجواب عن السؤال الثاني: هل يجوز أن يعمر إنسان في هذه الحياة الدنيا أكثر من ألف ومائة وخمسين سنة؟

نجيب عنه بمثل ما أجبنا عن السؤال الأول فنقول: لما كانت الأعمار طولها وقصرها بيد الخالق المتعال لا بيد خلقه لا مانع من أن يطول الله عمر من شاء من عباده عند اقتضاء الحكمة إلى ألوف السنين أو مئاتها إذ لا عجز في قدرته، قال تعالى:(وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [فاطر/12].

طول عمر نوح والخضر وعيسى بن مريم “

ولنا أصدق شاهد وأعدل حاكم على ذلك طول عمر نوح والخضر وعيسى بن مريم(عليهم السلام) أما نوح فيصرح القرآن المجيد في أنه لبث في قومه بعد بعثته رسولاً إليهم تسعمائة وخمسين سنة قال تعالى:(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إَِّلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمْ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) [العنكبوت/15]، هذا عمره بعد بعثته بالرسالة وقبل نزول الطوفان بقومه المتمردين الظالمين، وإذاً كم كان عمره حين بُعثَ بالرسالة؟ وكم عاش بعد إنجائه والمؤمنين معه من الطوفان؟ وكم كان مجموع عمره من ولادته إلى حين وفاته؟

تكفل بالجواب على هذه التساؤلات الحديث الوارد عن الإمام الصادق (عليه السلام) الذي رواه شيخنا الصدوق في كتابيه (الأمالي) ص306، وفي (إكمال الدين) ص487 بسنده عن هشام بن سالم عن الصادق جعفر بن محمد (عليهم السلام) قال: عاش نوح ألفي سنة وخمسمائة سنة منها ثمانمائة وخمسون سنة قبل أن يبعث وألف إلا خمسين عاماً وهو في قومه يدعوهم (إلى الله) وسبعمائة عام بعد ما نزل من السفينة ونضب الماء فمصر الأمصار، واسكن ولده البلدان ثم أنّ ملك الموت جاءه وهو في الشمس فقال: السلام عليك فرد نوح عليه السلام وقال له: ما جاء بك يا ملك الموت؟ فقال: جئت لقبض روحك، فقال له: دعني أتحول من الشمس إلى الظل؟ فقال له: نعم، فتحول نوح (عليه السلام) ثم قال: يا ملك الموت فكأنّ ما مر بي في الدنيا مثل تحولي من الشمس إلى الظل فأمض لما أُمرت به فقبض روحه.

ونقله عن الصدوق القطب الراوندي في (قصص الأنبياء)، ونقله عن المصادر الثلاثة المجلسي في (البحار) ج11 ص285-ص286، كما نقله أيضاً الطبرسي في (مجمع البيان).

ونقل المجلسي أيضاً في (البحار) ج11 ص287 عن القطب الراوندي في (قصص الأنبياء) بإسناده عن عبد العظيم الحسني قال: سمعت علي بن محمد العسكري (أي الإمام الهادي(عليه السلام)) يقول: عاش نوح (عليه السلام) ألفين وخمسمائة سنة…الخ. فهذا ما ورد عن الإمامين الصادق والهادي(عليهم السلام)من طرقنا في عمر نوح.

وأما ما ورد من طرق أهل السنة فقد روى السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) ج5 ص143 قال: واخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان عمر نوح (عليه السلام) قبل أن يبعث إلى قومه، وبعد ما بعث ألفاً وسبعمائة سنة.

وقال أيضاً: وأخرج ابن جرير (أي الطبري) عن عون بن أبي شداد قال: أن الله أرسل نوحاً (عليه السلام) إلى قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً ثم عاش بعد ذلك خمسين وثلاثمائة سنة ورواه ابن كثير الدمشقي في (تفسيره) ج3 ص407 وقد نقله عن ابن أبي حاتم، وابن جرير وقال السيوطي: واخرج ابن أبي الدنيا في كتاب (ذم الدنيا) عن أنس بن مالك قال: جاء ملك الموت إلى نوح(عليه السلام) فقال: يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا ولذتها قال: كرجل دخل بيتاً له بابان فوقف وسط الباب(2) هنيئة ثم خرج من الباب الآخر.

وقول ملك الموت له: (يا أطول النبيين عمراً يريد – على الظاهر – أطول عمراً من النبيين الذين سبقوه بالنبوة، إذ جاء بعده من كان أطول منه عمراً ومنهم الخضر(عليه السلام).

والمستفاد من مجموع ما جاء في ترجمة الخضر(عليه السلام) أنه كان أحد أنبياء الله ورسله، وأنه هو الذي التقى به موسى بن عمران حينما كان معه فتاه وهو وصيه يوشع بن نون وذكر هذا اللقاء القرآن المجيد بقوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) [الكهف/66].

وروى الصدوق في كتابه (علل الشرائع) ص59 بسنده عن جعفر بن محمد بن عمارة عن أبيه عمارة عن جعفر بن محمد الصادق(عليهم السلام) أنه قال: إن الخضر كان نبياً مرسلاً بعثه الله تبارك وتعالى إلى قومه فدعاهم إلى توحيده والإقرار بأنبيائه ورسله وكتبه وكانت آيته أنه لا يجلس على خشبة يابسة ولا أرض بيضاء إلا أزهرت خضراً (أي بنور أخضر) وإنما سمّيَ خضراً لذلك وكان اسمه باليا بن ملكان بن عابر (أو عامر) بن أرفخشد بن سام بن نوح (عليه السلام) (أي كان بينه وبين نوح أربعة أظهر) ثم يشرح الإمام الصادق (عليه السلام) كيفية التقائه بموسى بن عمران وسببه، وما جرى بينهما مما ذكره القرآن المجيد، وأوضحه الإمام(عليه السلام) في حديثه من خرق السفينة، وقتل الغلام وإقامة الجدار، والعلل لهذه الأفعال وتأويلاتها، وإن كل ما قام به لم يفعله عن أمره وإنما فعله عن أمر الله عز وجل.

نقله عن (العلل) المجلسي في (البحار) ج13 ص286 كما أنه كان معاصراً لذي القرنين وهو أحد أصحابه المقربين لديه.

فهذا الخضر(عليه السلام) الذي اتفق علماء الخاصة والعامة على طول عمره، وحتى نقل ابن حجر العسقلاني في (الإصابة) ج1 ص430 باب ما ورد في تعميره عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن كتاب (المعمرين) له انه قال: أجمع أهل العلم بالأحاديث والجمع لها أن الخضر(عليه السلام) أطول آدميٍ عمراً، وقال أيضاً ص432.

وأما اجتماعه مع النبي(صلى الله عليه و آله) وتعزيته لأهل بيته وهم مجتمعون لغسله فروي من طرق صحاح، ثم ذكر بعض تلك الطرق فراجع (ذكر الأخبار) التي وردت أن الخضر كان في زمن النبي(صلى الله عليه و آله) ثم بعده إلى الآن من ص435-438، من الإصابة وباب (ما جاء في بقاء الخضر بعد النبي (صلى الله عليه و آله)) ومن نقله عنه أنه رآه وكلمه من ص438-ص447.

فالخضر(عليه السلام) حي موجود إلى زمن النبي(صلى الله عليه و آله) وقد التقى به مراراً، وجاء إلى داره بعد وفاته معزياً أهل بيته به على ما ذكره الفريقان وهو حي موجود أيضاً أيام الأئمة الطاهرين من أهل بيته(عليه السلام) ولا يموت إلى النفخ في الصور، أو حتى يسأل من الله الموت ولكن الله جل وعلا أخفاه على الناس كما أخفى أشخاصاً آخرين ومنهم الإمام المهدي(عليه السلام) في غيبته، وتدل بعض الأخبار إنهما يجتمعان معاً ويأنس كل واحد منهما بالآخر كما سيأتي وتذكر الأخبار أيضاً سبب بقائه طيلة هذه المدة وهو أن الله أطلعه على عين الحياة وشرب منها ولذلك أبقاه الله حياً ومن تلك الأخبار ما جاء في أحاديث أهل البيت “ وغيرهم فقد روى الصدوق في كتابه (إكمال الدين) ص371 بسنده عن الحسن بن علي بن فضال قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا(عليهم السلام) يقول: إن الخضر(عليه السلام) شرب من ماء الحياة فهو حي لا يموت حتى يُنفخ بالصور، وإنه ليأتينا فيسلم علينا فيُسمع صوته ولا يُرى شخصه، وإنه ليحضر حيث ما ذكر، فمن ذكره منكم فليسلم عليه، وإنه ليحضر الموسم كل سنة فيقضي جميع المناسك ويقف بعرفة فيؤمن على دعاء المؤمنين وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته ويصل به وحدته. نقله عنه المجلسي في (البحار) ج12 ص299، وج51 ص152.

وروى الصدوق أيضاً في كتابه (إكمال الدين) ص368 بسنده عن عبد الله بن سليمان قال: قرأت في بعض كتب الله عز وجل إن ذا القرنين كان عبداً صالحاً جعله الله حجة على عباده ولم يجعله نبياً، فمكن الله له في الأرض وآتاه من كل شيء سبباً فوصفت له عين الحياة وقيل له: من شرب منها لم يمت حتى يسمع الصيحة، وإنه خرج في طلبها حتى انتهى إلى موضع فيه ثلاثمائة وستون عيناً، وكان الخضر(عليه السلام) على مقدمته، وكان صالحاً وقال لهم: ليغسل كل رجل منكم حوته في عين فانطلقوا وانطلق الخضر إلى عين من تلك العيون فلما غمس الحوت في الماء حيى وأنساب في الماء، فلما رأى الخضر ذلك علم أنه قد ظفر بماء الحياة فرمى بثيابه وسقط في الماء فجعل يرتمس فيه ويشرب منه، فرجع كل واحد منهم إلى ذي القرنين ومعه حوته، ورجع الخضر وليس معه الحوت فسأله عن قصته فأخبره فقال له: أشربت من ذلك الماء؟ قال: نعم، قال: أنت صاحبها، وأنت الذي خلقت لهذه العين فأبشر بطول البقاء في هذه الدنيا مع الغيبة عن الأبصار إلى النفخ في الصور.

نقله عن الصدوق أيضاً المجلسي في (البحار) ج13 ص298.

وروى القطب الراوندي في كتابه (قصص الأنبياء)، مخطوط، بسنده عن أبي جعفر (أي الباقر(عليه السلام)) ما يقارب هذا الحديث في مضامينه، ونقله عنه أيضاً المجلسي في (البحار) ج13 ص300، وجاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث طويل رواه الكثير من الخاصة والعامة: إن عين الحياة هي أول عين ماء خلقها الله تعالى وإنها هي التي انتهى إليها موسى بن عمران وفتاه (وهو يوشع بن نون) فغسل فيها السمكة المالحة فأحياها الله، ثم قال (عليه السلام): وليس من ميت يصيب من ذلك الماء إلا أحياه الله، وكان الخضر على مقدمة ذي القرنين يطلب عين الحياة فوجدها الخضر وشرب منها ولم يجدها ذو القرنين…الخ.

وهكذا جاءت أحاديث عديدة من طرق أخرى في أن الخضر(عليه السلام) أطلعه الله على عين الحياة وشرب منها فكانت السبب في بقائه حياً إلى الآن وإلى ما شاء الله.

هنا نقول: إذاً ما المانع في أن الله تعالى يُطلِع الإمام المهدي أيضاً على تلك العين ويشرب منها فتكون سبباً لطول عمره من ولادته وحتى الآن وإلى ما شاء الله، والله هو مسبب الأسباب ولا يُعجُزه سبب مطلقاً.

وورد أن الحكمة والعلة في إطالة عمر الخضر(عليه السلام) هي الاستدلال بها على إطالة عمر الإمام المهدي(عليه السلام) على ما جاء هذا صريحاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث له بقوله في آخره وأما العبد الصالح الخضر(عليه السلام) فإن الله تبارك وتعالى ما طَول عُمرهُ لنبوةٍ قدرها له، ولا لكتابٍ يُنزلهُ عليه ولا لشريعةٍ ينسخ بها شريعة مَن كان قبله من الأنبياء ولا لإمامة يُلزم عباده الإقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى إنّ الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من عمر القائم(عليه السلام) في أيام غيبته ما يقدر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول طَوَلَ عمر العبد الصالح من غير سبب أوجب ذلك إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم (عليه السلام) وليقطع بذلك حجة المعاندين لئلا يكون للناس على الله حجة، راجع الحديث في (إكمال الدين) ص340-ص344، ونقله عنه، وعن كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي المجلسي في (البحار) ج51 ص219، ورواه أيضاً الطبرسي في (إعلام الورى) ص406.

وأما عيسى بن مريم فأن اليهود كانت تدّعي إنها قتلته، وكذلك النصارى تظن أن اليهود قد قتلته بالصلب، ولكن القرآن المجيد يرد إدعاء كل من اليهود والنصارى ويصرح بالتأكيد بأنه لم يقتل ولم يُصلب، بل أن الله رفعه إليه قال تعالى حاكياً زعم اليهود بقتلهم له:(وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) أي أن الله ألقى شبهه على غيره وقتلوا ذلك الغير دونه،(وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) [النساء/158-160]، والذي يعطيه ظاهر هذه الآيات، وبالأخص الآية الأخيرة أنه حي عند الله وإنه لن يموت حتى يؤمن به أهل الكتاب فعيسى حي موجود منذ ولد وحتى الآن، وينزله الله من السماء عند ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ويكون من أصحابه ويصلي خلفه كما جاء ذلك في الأحاديث الشهيرة من طرق الفريقين وإليك تفسير الآية الأخيرة ومعناها:

(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا)

كلمة (إن) بمعنى ما النافية والمبتدأ محذوف منها ويدل عليه الكلام في سياق النفي والتقدير وإن أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به كقوله تعالى في آية أخرى (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) [مريم/72].

وتقديرها وإن أحد منكم إلا واردها، والضمير في قوله: به وقوله: (يكون) راجع إلى عيسى بالإجماع، وأما الضمير في قوله: (قبل موته) ففيه خلاف حيث يحتمل بعض المفسرين أن الضمير راجع إلى المبتدأ المقرر وهو (أحد) وعلى هذا يكون معنى الآية وما يكون أحد من أهل الكتاب يخرج من الدنيا إلا ليؤمن قبل موته بعيسى(عليه السلام) أي يظهر للكتابي قبيل موته عند احتضاره ما يرى به من جزاء عقيدته وعمله ويعلم أن عيسى كان عبداً لله ورسولاً منه إلى عباده حقاً فيؤمن به حينئذ، وإن هذا الإيمان منه إيماناً لا ينتفع به، فمثله كمثلِ إيمان فرعون حين أدركه الغرق (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ) [يونس/91]، ويكون عيسى شهيداً عليهم جميعاً يوم القيامة سواء آمنوا به إيماناً ينتفع به أو إيماناً لا ينتفع به كمن آمن به عند موته فقط.

واحتمل آخرون من المفسرين أن الضمير في قوله تعالى (قبل موته) راجع إلى عيسى كبقية الضمائر، وهذا هو المؤيد بظاهر الآية الكريمة ويدل عليه السياق أيضاً حيث إنها جاءت بعد قوله تعالى:(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) وبعد قوله تعالى:(وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ) فهذا السياق يدل على أن الآية(وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) إنها في مقام بيان أنه لم يمت وإنه حي بعد، وإن كل واحد من أهل الكتاب يؤمن به قبل موته(عليه السلام) إيماناً اختيارياً كان كمن يؤمن به بعد نزوله من السماء أيام الإمام المهدي(عليه السلام) ودولته الحقة، أو إيماناً اضطرارياً كمن يؤمن به عند موته فحسب وبالجملة الذي يفيده التدبر في سياق الآيات هو أنّ عيسى لم يتوف بقتل أو صلب أو موت حتف الأنف على نحوما نعرف من مصداقه نعم أن هناك بعض الآيات لا تخلو من إشعار بخلاف ذلك كقوله تعالى:(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا)…الخ [آل عمران/56].

ولكن المراد من التوفي هل هو الموت؟ وهذا غير معلوم لأن معنى التوفي هو أخذ الشيء أخذاً تاماً، وإنما يستعمل في بعض الآيات بمعنى الموت، لأن الله يأخذ عند الموت نفس الإنسان من بدنه، وقد أطلق سبحانه في القرآن المجيد لفظ التوفي على النوم كما أطلقه على الموت في عدة آيات منها قوله تعالى:( وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِِ) [الإنعام/61]، أي يقبض أرواحكم عند النوم بالليل، و(يعلم ما جرحتم) أي ما كسبتم بالنهار، ومنها قوله تعالى:(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الزمر/43].

أي إن الله تعالى يأخذ النفس ويقبضها عند موتها، والتي لم تمت يتوفّاها الله أي يأخذها في منامها، (فيمسك التي قضى عليها الموت) أي يبقيها محفوظة عنده، ويرسل الأخرى إلى اجل مسمى، أي يرجعها بعد النوم إلى البدن إلى وقت أجلها المسمى عنده..الخ.

فالتوفي معناه أخذ الشيء واستلامه، وذكر المفسرون في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) عدة أقوال: أحدها إن المراد به إني قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة بموت، وهذا وارد عن الحسن وكعب، وابن جرير، وابن زيد، والكلبي، ومطر الوراق، وغيرهم، ويكون معنى التوفي أما إني قابضك ورافعك إلى السماء واقياً لم ينالوا منك شيئاً كقولهم: توفيت كذا واستوفيته أي أخذته تاماً، وإني متسلمك كقولهم: توفيت منه كذا أي تسلمته، وهذا قول لبعض المفسرين وهو المشهور.

والقول الثاني: متوفيك وفاة نوم ورافعك إليّ (أي إلى كرامتي) في النوم، وهذا وارد عن الربيع وغيره كثير قالوا: رفعه نائماً ويدل عليه قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ) أي يقبض أرواحكم عند نومكم، وكان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول إذا قام من النوم: أحمد الله الذي أحيانا بعد أن أماتنا، وشبه (صلى الله عليه و آله) النوم بالموت في عدة أحاديث.

والقول الثالث: إني متوفيك وفاة موت، وهذا وارد عن أبن عباس، ووهب بن منبه ولكنهما قالا: توفاه الله ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه إليه. راجع تفسير الآية في (مجمع البيان) ج1 ص449، و(مفاتيح الغيب) ج2 ص464، و(الدر المنثور) ج2 ص36، و(تفسير ابن كثير) ج1 ص366 وغيرها.

وتصريح القولين الأوليين للمفسرين إن عيسى حي لم يمت وإنه رفع إلى السماء أما حالة اليقظة، أو في حالة النوم هذا التصريح تؤيده (بالإضافة إلى ظاهر الآيات – الأحاديث الشهيرة من طرق الفريقين التي تنص على أن عيسى حي لم يمت، ومن تلك الأحاديث قول النبي(صلى الله عليه و آله): إن عيسى بن مريم لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة.

رواه الطبرسي في (مجمع البيان) م1 ص449 ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج14 ص344.

ومنها ما رواه السيوطي في (الدر المنثور) ج4 ص239 قال: وأخرج ابن شاهين عن خصيف قال: أربعة من الأنبياء أحياء اثنان في السماء عيسى وإدريس واثنان في الأرض الخضر والياس…الخ.

ورواه بن حجر العسقلاني في (الإصابة) من طريقٍٍ آخر ج1 ص439 في باب ،ما جاء في بقاء الخضر بعد النبي(صلى الله عليه و آله) وفي هذا الباب روى أحاديث كثيرة في من رآه وكلمه، ومجيئه إلى أهل البيت معزياً لهم بوفاة النبي (صلى الله عليه و آله) وتصريح القول الثالث للمفسرين الوارد عن أبن عباس، ووهب، أيضاً يدل على حياته حيث إنهما قالا: توفاه الله ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه إليه، وقال الفخر الرازي في (مفاتيح الغيب) ج2 ص464: وقد ثبت الدليل إنه حي، وورد الخبر إنه سينزل ويقتل الدجال، ثم إنه يتوفاه بعد ذلك.

 

نزول عيسى من السماء وإقتداؤه بالمهدي (عليه السلام)

وخلاصة ما تقدم إن عيسى بن مريم(عليهم السلام) حي منذ ولد وحتى الآن وقد مضى على تاريخ ولادته ألف وتسعمائة وست وتسعون سنة حسب التاريخ الميلادي، وسينزله الله أيام ظهور الإمام المهدي من السماء إلى الأرض ويكون من أصحابه المقربين ويصلي خلفه مقتدياً به في أحاديث الخاصة والعامة.

فقد روى البخاري في (صحيحه) ج2 ص158،وهكذا مسلم في (صحيحه) بسنديهما عن أبي هريرة عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال: كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم، ونقله عن الصحيحين كثير من المؤلفين منهم العلامة الكنجي الشافعي في كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان) في الباب السابع منه في بيان إنه (عليه السلام) يصلي بعيسى بن مريم حيث نقل الحديث عن أبي هريرة وقال: هذا حديث حسن صحيح متفق على صحته من حديث محمد بن شهاب الزهري رواه البخاري، ومسلم في صحيحيهما ثم قال الكنجي وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه و آله) يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال: فينزل عيسى بن مريم (عليهم السلام) فيقول أميرهم: تعال صل بنا فيقول: لا، أن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله لهذه الأمة قال: هذا حديث حسن صحيح أخرجه مسلم في (صحيحه)، إلى أن قال: فإن سأل سائل وقال: مع صحة هذه الأحاديث وهي إن عيسى يصلي خلف المهدي(عليه السلام) ويجاهد بين يديه، وإنه يقتل الدجال بين يدي المهدي (عليه السلام) ورتبته التقدم في الصلاة معروفة، وكذلك رتبة التقدم في الجهاد وهذه الأخبار مما يثبت طرقها وصحتها عند أهل السنة، وكذلك ترويها الشيعة على سواء وهذا هو الإجماع من كافة أهل الإسلام إذ من عدا الشيعة والسنة من الفرق فقوله ساقط مردود وحشو مطروح فثبت أن هذا إجماع كافة أهل الإسلام ومع ثبوت إلا جماع على ذلك وصحته فأيما افضل الإمام أو المأموم في الصلاة والجهاد معاً ؟

الجواب عن ذلك نقول: هما قدوتان نبي وإمام وإن كان أحدهما قدوة لصاحبه في حال اجتماعهما وهو الإمام يكون قدوة للنبي في تلك الحال وليس فيهما من تأخذه في الله لومة لائم، وهما معصومان من ارتكاب القبائح كافة والمداهنة والرياء والنفاق، ولا يدعو الداعي لأحدهما إلى فعلٍ مّا خارجاً عن حكم الشريعة ولا مخالفاً لمراد الله ورسوله(صلى الله عليه و آله).

وإذا كان الأمر كذلك فالإمام أفضل من المأموم لموضع ورود الشريعة المحمدية بذلك بدليل قول النبي(صلى الله عليه و آله) يؤام بالقوم اقرؤهم فإن استووا فأعلمهم فإن استووا فأفقههم فإن استووا فأقدمهم هجرة فإن استووا فأصبحهم وجهاً.

فلو علم الإمام إن عيسى أفضل منه لما جاز له أن يتقدم عليه لإحكامه علم الشريعة ولموضع تنزيه الله تعالى له عن ارتكاب كل مكروه، وكذلك لو علم عيسى انه أفضل لما جاز له أن يقتدي به لموضع تنزيه الله له من الرياء والنفاق والمحاباة بل لما تحقق إنه أعلم منه جاز له أن يتقدم عليه، وكذلك قد تحقق عيسى إن الإمام أعلم منه لذلك قدمه وصلى خلفه ولو لا ذلك لم يسعه الإقتداء بالإمام(عليه السلام) فهذه درجة الفضل في الصلاة.

ثم إن الجهاد وهو بذل النفس بين يدي من يرغب إلى الله تعالى بذلك، ولو لا ذلك لم يصح لأحد جهاد بين يدي رسول الله(صلى الله عليه و آله) ولا بين يدي غيره، والدليل على صحة ما ذهبنا إليه قول الله سبحانه وتعالى:(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [براءة/112]، ولأن الإمام نائب الرسول(صلى الله عليه و آله) في أمته ولا يسوغ لعيسى (عليه السلام) أن يتقدم على الرسول وكذلك على نائبه…الخ.

ومن الأحاديث التي تصرح بأن عيسى (عليه السلام) يصلي خلف الإمام المهدي الحديث الذي رواه المحدثون من الفريقين بأسانيدهم عن أبي سعيد الخدري ومما جاء فيه أن رسول الله(صلى الله عليه و آله) قال لفاطمة حين دخلت عليه أيام مرضه عند وفاته: يا فاطمة أنا أهل البيت أعطينا ست خصال لم يعطها أحد من الأولين، ولا يدركها أحد من الآخرين، نبينا خير الأنبياء وهو أبوكِ، ووصينا خير الأوصياء وهو بعلكِ وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيكِ حمزة ومنا سبطا هذه الأمة وهما أبناكِ، ومنا مهدي هذه الأمة الذي يصلي عيسى خلفه، ثم ضرب على منكب الحسين(عليه السلام) فقال: مِن هذا مهدي الأمة، نقل الحديث الكنجي الشافعي في كتابه (البيان) في الباب التاسع وقال: هكذا أخرجه الدار قطني صاحب (الجرح والتعديل) كما نقله عن الدار قطني ابن الصباغ المالكي في كتاب (الفصول المهمة) ص278 وفيه: ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو جعفر…الخ.

كما رواه العلامة البدخشي في (مفاح النجا) ص17 مخطوط، نقلاً عن الدار قطني، ونقله الشيخ عبيد الله الحنفي في كتابه (أرجح المطالب) ص385 أيضاً عن الدار قطني، ونقله الشيخ نجم الدين العسكري في كتابه (علي والوصية) ص192 عن ابن الصباغ، والشيخ عبيد الله، والمجلسي في (البحار) ج51 ص91 نقلا عن الكنجي الشافعي وغيرهم كما نقله المجلسي في (البحار) ج51 ص76 نقلا عن كتاب الغيبة للشيخ الطوسي بسنده عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله(صلى الله عليه و آله) قال لفاطمة: يا بنية أنا أهل البيت أعطينا سبعاً لم يعطها أحد من قبلنا نبينا خير الأنبياء وهو أبوكِ ووصينا خير الأوصياء وهو بعلكِ وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيكِ حمزة ومنا من له جناحان خضيبان يطير بهما في الجنة وهو ابن عمكِ جعفر ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين ومنا والله الذي لا إله إلا هو مهدي هذه الأمة الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم، ثم ضرب بيده على منكب الحسين (عليه السلام) فقال: من هذا ثلاثاً.

ومن الأحاديث التي تصرح أيضاً بأن عيسى يصلي خلف الإمام المهدي (عليه السلام) ما نقله ابن حجر في (الصواعق المحرقة) ص98 عن الطبراني مرفوعاً: يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم(عليهم السلام) كإنما يقطر من شعره الماء فيقول المهدي تقدم فصلّ بالناس فيقول عيسى: إنما أقيمت الصلاة لك فيصلّي خلف رجل من ولدي، الحديث، ثم قال ابن حجر:

وفي صحيح ابن حبّان في إمامة المهدي نحوه: وصحّ مرفوعاً: ينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم المهدي(عليه السلام): تعال صلّ بنا فيقول: لا إن بعضكم أئمة على بعض تكرمة الله لهذه الأمة.

وذكر ابن حجر أحاديث أخرى كثيرة في بشائر النبي(صلى الله عليه و آله) بالإمام المهدي، وصلاة عيسى خلفه، وإنه يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً إلى أن قال: (تنبيه) الأظهر إن خروج المهدي قبل نزول عيسى، وقيّل بعدهُ، قال أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى(صلى الله عليه و آله) بخروجه(عليه السلام) وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأنه يخرج معه عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين وأنه يؤم هذه الأمة ويصلي عيسى خلفه، انتهى.

ثم قال ابن حجر: وما ذكره من أن المهدي يصلي بعيسى هو الذي دلت عليه الأحاديث كما علمت…الخ.

ومن الأحاديث التي وردت من طرق أهل البيت“ والتي تصرح بصلاة عيسى(عليه السلام) ما رواه الصدوق في (إكمال الدين) ص334 بسنده عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن سنن الأنبياء بما وقع بهم من الغيبات حادثة (وفي نص جارية) في القائم منا أهل البيت حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة قال أبوبصير:فقلت يا بن رسول الله ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال يا أبا بصير هو الخامس من ولد موسى، ذلك ابن سيدة الإماء يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون، ثم يظهره الله عز وجل فيفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها، وينزل روح الله عيسى بن مريم (عليهم السلام) فيصلي خلفه فتشرق الأرض بنور ربها ولا تبقى في الأرض قطعة عٌبد فيها غير الله عز وجل إلا عبّد الله فيها، ويكون الدين كله (لله) ولو كره المشركون.

ونقله عن المصدر المذكور المجلسي في (البحار) ج51 ص146، والحر العاملي في (الإيقاظ) ص102، والسيد محسن العاملي في (المجالس السنية) ج5 ص529.

أقول كفى الإمام المهدي(عليه السلام) شرفاً وفضلاً ومنزلة وعلوّاً أن يكون أحد مفاخر أهل البيت “ ومعطياتهم السبعة من الله تعالى كما مرّ علينا في حديث أبي سعيد الخدري، ويصلي عيسى بن مريم(عليهم السلام) خلفه وهو أحد السادات الخمسة من أولي العزم من الرسل، ويجاهد بين يديه أعداءه، (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة/55].

غيبتا الإمام المهدي (عليه السلام) الصغرى والكبرى

صاحب العصر الإمام المنتظر*** من بما يأباه لا يجري القدر

حجة الله على كل البشر*** خير أهل الأرض في كلّ الخصال

مَن إليه الكون قد أَلقى القياد*** مجرياً أفعاله فيما أراد

أن تزل عن طوعه السبع الشداد*** خرّ منها كلّ سامي السمك عال

شمس أوج المجد مصباح الظلام*** صفوة الرحمان من بين الأنام

الإمام ابن الإمام ابن الإمام*** قطب أفلاك المعالي والكمال

فاق أهل الأرض في عزّ وجاه لو*** وارتقى في المجد أعلى مرتقاه

ملوك الأرض حلّو في ذراه ذو*** كان أعلى صفهم صف النعال

اقتدار أن يشأ قلب الطباع*** صير الإظلام طبعاً للشعاع

وارتدى الإمكان برد الامتناع*** قدرة موهوبة من ذي الجلال

يا أمين الله يا شمس الهدى*** يا إمام الخلق يا بحر الندى

عجلاً عجل فقد طال المدى*** واضمحلّ الدين واستولى الضلال(3)

لمولانا الإمام المهدي المنتظر أرواحنا فداه غيبتان صغرى وكبرى، ويوصفان أيضاً بالقصرى والطولى أما الصغرى القصيرة فمن حين ولادته إلى انقطاع السفارة الخاصة بينه وبين شيعته.

ومدتها أربع وسبعون سنة، والثانية وقعت بعد الأولى مباشرة إلى أن يأذن الله تعالى له بالظهور والقيام بالسيف، وقد نّص على هاتين الغيبتين علماؤنا الأعلام، وهما من القطعيات الثابتة عندهم كما ذكرهما أيضاً بعض علماء العامة قال ابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) في الفصل الثاني عشر ص273: وله قبل قيامه غيبتان إحداهما أطول من الأخرى، فأما الأولى فهي القصرى فمنذ ولادته إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته، وأما الثانية فهي التي بعد الأولى في آخرها يقوم بالسيف قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) [الأنبياء/106].

وقد وردت في الغيبتين أيضاً روايات عديدة عن أهل البيت“ في مصادر الفريقين فمن تلك الروايات ما رواه السيد البوزنجي - وهو من علماء العامة - في (الإشاعة لإشراط الساعة) ص93 على ما ذكره السيد محمد الصدر في كتابه (تاريخ الغيبة الكبرى) ص1 عن أبي عبد الله الحسين بن علي (عليهم السلام) أنه قال: لصاحب هذا الأمر (يعني الإمام المهدي (عليه السلام))، غيبتان، إحداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات وبعض ذهب، ولا يطلّع على موضعه أحد من وليّ ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره (وهو الله تعالى).

ومن تلك الروايات ما أخرجه النعماني في (الغيبة) ص90 عن محمد بن مسلم الثقفي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) أنه سمعه يقول: أن للقائم غيبتين، يقال في إحداهما هلك ولا يُدرى في أيّ وادٍ سلك. نقله عنه المجلسي في (البحار) ج51 ص156.

وفي حديث آخر عن إبراهيم بن عمر الكناسي عنه(عليه السلام) أنه قال: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين.

وأخرج عن أبي بصير أنه قال: قلت لأبي عبد الله (أي الصادق (عليه السلام)): كان أبو جعفر(عليه السلام) يقول:

لقائم آل محمد غيبتان إحداهما أطول من الأخرى؟

فقال: نعم، الحديث وأخرجه الطبرسي في (إعلام الورى) ص416 ونقله المجلسي في (البحار) ج51 ص157 إلى غير ذلك من الأخبار وهي كثيرة وما ذكرناه فيه الكفاية وقد وقعت الغيبتان وتحققتا كما أخبر بها أهل البيت “.

الفرق بين الغيبتين

أما الفرق بين الغيبتين فهو من جهات عديدة منها:

أولاً: قِصر مدّة الغيبة الصغرى إذ كانت مدتها كما مرّ أربع وسبعين سنة على الأشهر والأظهر، بخلاف الغيبة الكبرى فإنها طويلة، وغير معروفة الأمد باعتبار جهلنا بموعد ظهور المهدي(عليه السلام) ولذلك وصفت الغيبتان بالأحاديث ونصوص العلماء بالقصرى والطولى أي الأولى هي القصيرة والثانية هي الطويلة.

ثانياً: إنه (عليه السلام) كان يشاهد ويعرف في الغيبة الصغرى بشخصه لكثير من خواص شيعته المؤمنين ليتعّرفوا على وجوده بعد ولادته ويثبت ذلك عندهم، كما يعرفوا أيضاً ما منحه الله به من كرامات ومعجزات تدلّ على إمامته من الله العليم الخبير، والتي يعجز غيره عن الإتيان بمثلها وليسمعوا النص من أبيه الحسن العسكري(عليه السلام) على إمامته من بعده حتى تكون إمامته (عليه السلام) ثابتة عندهم، وعند غيرهم بسبب نقلهم وهم الثقات النص، والمعجز الذين شاهدوهما وسمعوهما بأنفسهم، أما في الغيبة الكبرى فهو لا يشاهد لأحد من حيث يعرف إلا بعد مفارقته لهم حفظاً له من أعدائه، ولعل لذلك وصفت الغيبة الأولى بالصغرى والثانية بالكبرى لأن الأولى قلّ فيها الاحتجاب وصغر أما الثانية فقد كثر الاحتجاب وكبر.

ثالثاً: اقتران الغيبة الصغرى بالسفارة الخاصة على أيدي السفراء الأربعة المعروفين بأعيانهم وأشخاصهم والتي قد انتهت بوفاة السفير الرابع، وأما الكبرى فقد انقطعت فيها السفارة الخاصة وصارت عامة لاناس موصوفين بالاجتهاد والعدالة وهم كثيرون وغير منقطعين في كل عصر وجيل ما دامت الغيبة الكبرى سارية المفعول، والتي لا تنتهي، إلا بيوم الظهور الموعود، وعلى هذا فالغيبتان متصلتان لا يفصل بينهما ظهور.

هذا وقد كانت الغيبة الصغرى كالتمهيد الذهني لوجود الغيبة الكبرى في الناس، إذ لو بدا الإمام المهدي بالغيبة المطلقة فجأة، وبدون ظهور جزئي وإرهاص لما أمكن إثبات وجوده(عليه السلام) في التاريخ، وإثبات إمامته بالدليل، وتنقطع بذلك حجة الله على عباده، وحاشا لله أن يقطع حجته وهو القائل: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام/149].

وكلاء الإمام (عليه السلام) في الغيبة الصغرى

وإليك الآن ذكر وكلائه وسفرائه الخاصين في الغيبة الصغرى الذين كانوا يتشرفون بخدمته مباشرة، وتخرج التوقيعات لشيعته بواسطتهم وهم أربعة الأول عثمان بن سعيد العمريّ المعروف بالسمّان لأنه كان يبيع السمّن، وكان وكيلاً عن الإمامين عليّ الهادي ثم ابنه الحسن العسكري (عليه السلام) ، ثم قام بأمر صاحب الزمان وكانت توقيعاته وجوابات المسائل تخرج على يديه، فلما مضى لسبيله قام مقامه في جميع ذلك ابنه محمد بن عثمان المعروف بالخلاني لأنه كان يبيع الخل فلما مضى لسبيله قام بذلك أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي، فلما مضى لسبيله قام مقامه أبو الحسن علي بن محمد السمري، وهؤلاء السفراء الأربعة كلهم ماتوا في بغداد ودفنوا فيها وقبورهم مشيدة ومعروفة والجدير بالذكر الذي يلزم الفات النظر إليه هو أنه لم يقم أحد بالسفارة والنيابة إلا بنص عليه من قبل الإمام صاحب الزمان(عليه السلام) وتصريح من صاحبه السفير المتقدم عليه، وما كانت الشيعة تقبل قولهم وادّعاءَهم الوكالة عن الإمام إلا بعد ظهور آية ومعجزة على يد كلّ واحد منهم تدل على صدقه في ادعاء الوكالة ولما حان رحيل أبي الحسن علي بن محمد السمري وهو السفير الرابع عن الدنيا وقرب أجله قيل له: إلى من توصي حتى يقوم مقامك من بعدك؟ فأخرج إليهم كتاباً بتوقيع المهدي(عليه السلام) وبخط يده الشريفة يقول فيه:-

 

بسم الله الرحمن الرحيم

يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميّت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك ولا توصي إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي من شيعتي من يّدعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فكان كما أخبر قبض علي بن محمد بعد ستة أيام.

وهؤلاء السفراء(4) الأربعة هم وكلاؤه الخواص، وكان له(عليه السلام) وكلاء آخرون في بغداد والكوفة والأحواز وهمدان وقم والري واذربيجان ونيشابور وغيرها من البلدان يناهز عددهم المائة، وترد إليهم التوقيعات من الإمام(عليه السلام) ويحملون الأموال من الحقوق إليه، ولكنهم لا يصلون بخدمته مباشرة بل الواسطة بينهم وبينه أحد السفراء الأربعة.

وكلاؤه في الغيبة الكبرى

وانتهت الغيبة الأولى الموصوفة بالصغرى وانقطعت فيها النيابة الخاصة بوفاة علي بن محمد السمري وذلك في النصف من شهر شعبان سنة ثلاثمائة وتسع وعشرين من الهجرة، ووقعت الغيبة الكبرى التي لا يعلم أمدها إلا الله وصارت النيابة فيها عامة لمجتهدي العصر وفقهائه ولكن تحت شرائط وقيود كما هو مقرر تفصيلاً في محلّه من الكتب الفقهية الاستدلالية، ومن الروايات الدالة على ذلك ما رواه الطبرسي في (الاحتجاج) ج2 ص362 عن الحسن العسكري عن جده الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال في حديث طويل: فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا، بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم…الخ.

وروى الكشي أنه ورد توقيع على القاسم بن العلي وفيه:- أنه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنّا ثقاتنا قد علموا أنا نفاوضهم سرّنا ونحمله إليهم..الخ. راجع كتاب (المهدي) للسيد صدر الدين الصدر ص182.

وروى الصدوق في كتابه (إكمال الدين) ص451، الشيخ الطوسي في كتابه (الغيبة) والطبرسي في (الاحتجاج) ج2 ص283 إن الإمام المهدي (عليه السلام) قال في جواب مسائل سئل عنها: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجة الله عليكم وأنا حجة الله عليهم إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة والغرض منها أنه(عليه السلام) لم يترك المسلمين ولا سيما الشيعة سدى من غير معاذ وملاذ ومرجع ومفزع بل جعل العلماء، ورواة الحديث الثقات قائمين مقامه نيابة عنه في غيبته إلى أن يأذن الله له بالظهور والخلاصة أن الحجة لله على الناس قائمة دائمة(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [الأنعام/149].

غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) في كيفيتها وأسبابها

يا غائباً لم تغب عنّا رعايته*** ولا يزال بعين اللطف يرعانا

بظله وهو محجوب منافع مثل*** الشمس إذا ظللتها السحب تغشانا

ألا ترانا وأعدانا تعاهدنا*** بالظلم مصبحنا فيه وممسانا

دين أبوكَ رسول الله شيدّه*** هد العدى منه لّما غبت أركانا

إليك نشكوا ويشكو الدين حرّ جويّ*** فأسمع لنا يا إمام العصر شكوانا(5)

الواقع أن كيفية غيبة الإمام المهدي(عليه السلام) لم يرد فيها نص صريح صحيح في أيّ مكان وقعت وفي أي زاوية من زوايا داره غاب صعد السطح أو نزل السرداب، أخفى نفسه فيها أو خرج من الباب كل ذلك لم يرد فيه نص صريح وصحيح يعتمد عليه.

نعم الذي ورد في كيفية غيبته وأسبابها هو أن خلفاء بني العباس ومن كان قبلهم من بني آمية والمعاصرين لهم كانوا يسمعون الأحاديث والروايات والأقوال المتواترة عن النبي الصادق الأمين(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته الصادقين (عليهم السلام) وأصحابه الكرام  من أنّ الإمام المهدي الذي هو الثاني عشر من أئمة الهدى من آل محمد، ومن العترة الطاهرة من أهل البيت، ومن ذي القربى من الذرية النبوية الخالدة، والحادي عشر من أولاد علي وفاطمة ومن أولاد السبطين الحسن والحسين(6) والتاسع من أولاد الحسين والسادس من ولد الصادق، والخامس من ولد الكاظم، الرابع من ولد الرضا، وبالأخير هو ابن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) فهذا الإمام المهدي هو الذي يقوم بالسيف، ويزيل الممالك كلها ويقهر كل سلطان، ويملك الدنيا بأسرها، ويبسط العدل فيها ويميت الجور، فكان بنو العباس يتحدثون بتلك الأحاديث والروايا(7) ويحدّثون بذلك أولادهم، ويحذر السابق منهم اللاحق من سطوة هذا الإمام خوفاً على إزالة ملكهم على يده ولذلك تتبعوا أولاً آباءَه الطاهرين بالقتل والسم لأنهم على الحق والحق معهم (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) [المؤمنون/71].

واشتّد الضغط عليهم خصوصاً أيام جديه الجواد والهادي(عليهم السلام) فقتلوا الإمام الجواد بالسم وهو ابن خمس وعشرين سنة، وقتلوا الإمام الهادي بالسم وهو ابن أقل من أربعين سنة، وكان قد عاصر أيام إمامته ستة من خلفاء بني العباس وهم المعتصم بن الرشيد والواثق بن المعتصم، والمتوكل بن المعتصم، والمنتصر بن المتوكل والمستعين بن المعتصم، والمعتز بن المتوكل وانتقم الله من خمسة من هؤلاء فأهلكهم واحداً بعد آخر، وأخيراً دسّ إليه السم المعتز بن المتوكل وتوفي وهو ابن أقل من أربعين سنة وحينما جاء دور الإمام الحسن العسكري والد الإمام المهدي عاصر أيام إمامته ثلاثة من خلفاء بني العباس وهم المعتز بن المتوكل، والمهتدي بن الواثق بن المعتصم، والمعتمد بن المتوكل وهؤلاء الثلاثة كل منهم قد شددّ الضغط عليه بكل أنواعه من تفتيش داره، ومراقبة نسائه وجواريه، واعتقاله في السجن مرّة بعد أخرى، والعزم على اغتياله وقتله مراراً عديدة ولكن الله جلت قدرته ينجيه منهم بعنايته الخاصة به، وينتقم منهم واحداً بعد الآخر وما اعتبر اللاحق منهم بالسابق بل أصروا على الظلم والاعتداء فقد اعتقل المعتز الإمام(عليه السلام) ثم سلمه إلى سعيد الحاجب وأمره بأن يسيّره إلى الكوفة ويغتاله هناك، وهذا ما أقلق شيعته، وكتب أبو هيثم بن سبانه وهو أحد أصحاب الإمام، كتب إليه كتاباً يقول فيه: جعلني الله فداك بلغنا خبر قد أقلقنا وأبلغ منا فكتب إليه(عليه السلام): بعد ثلاث يأتيكم الفرج فخلع المعتز في اليوم الثالث، نقله المجلسي في (البحار) ج50 ص251 عن كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي ص132 والمعتز هذا هو الذي دسّ السم لأبيه علي الهادي كما مرّ، ولما عزم على اغتيال الحسن العسكري سلط الله عليه من عزله فخلع ثم قتل وكانت خلافته كلها حوالي ثلاث سنين.

ولما قام بالأمر بعده المهتدي عزم أيضاً على قتل الإمام واغتياله، وأخذ في تهديده فانتقم الله منه على ما روى الكليني في (الكافي كما في شرحه الشافي) ج4 ص666، والمفيد في (الإرشاد) ص424، والطبرسي في (إعلام الورى) ص356، والمجلسي في (البحار) ج50 ص308 بأسانيدهم عن احمد بن محمد قال: كتبت إلى أبي محمد الحسن العسكري حين أخذ المهتدي في قتل الموالي وقلت: يا سيدي الحمد لله الذي شغله عنك فقد بلغني أنه يتهددك ويقول: والله لأجلينهم عن جديد الأرض (أي عن وجهها) فوقع أبو محمد بخطه: وذلك أقصر لعمره عد من يومك هذا خمسة أيام ويقتل في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف يمرّ به فكان كما قال (عليه السلام).

فقد هجم عليه الأتراك وقبضوا عليه وعصروا بطنه حتى مات وقتلوا قبله صالح بن وصيف وكان أعظم أمرائه ومحل اعتماده في مهماته، وعلقوا رأسه على بابه استخفافاً به ثم قتلوه اقبح قتلة وكانت خلافته كلها سنة إلا خمسة عشر يوماً، راجع (البحار) ج50 ص308 وكتاب (منن الرحمن) ج2 ص10.

ولما قام بالأمر بعده المعتمد شدد ضغطه عليه أيضاً وحبسه مراراً وأخيراً سلمه إلى نحرير (أي أستاذ حاذق ماهر مجرب ومتقن بصير) وكان يضيق عليه ويؤذيه فقالت له امرأته: اتق الله فأنك لا تدري من في منزلك؟

وذكرت له صلاحه وعبادته وقالت: إني أخاف عليك منه، (ولكنه ما ارتدع عن غيه) فقال:

والله لأرمينه بين السباع ثم استأذن في ذلك فأذن له فرمى به إليها فلم يشكوا في أكلها له، فنظروا إلى الموضع ليعرفوا الحال فوجدوه(عليه السلام) قائماً يصلي وهي حوله فأمر بإخراجه إلى داره، راجع (الكافي كما في شرحه الشافي) ج4 ص670 و(الإرشاد) للمفيد ص324، و(إعلام الورى) للطبرسي ص360، و(المناقب) لابن شهر آشوب ج4 ص430 وأضاف ابن شهر آشوب على ما مر بقوله: وروي أن يحيى بن قتيبة الأشعري أتاه بعد ثلاث مع الأستاذ (أي النحرير الذي سلم إليه الإمام) فوجداه يصلي والأسود حوله فدخل الأستاذ المخيل (وهو محل الأسود) فمزقوه وأكلوه، وانصرف يحيى في قومه إلى المعتمد (وأخبره بالخبر) فدخل المعتمد على الإمام العسكري وتضرع إليه وسأله أن يدعوا له بالبقاء عشرين سنة في الخلافة، فقال (عليه السلام) مخبراً له: مدّ الله في عمرك، فأجيب فكان كما أخبر وتوفي بعد عشرين سنة، راجع (البحار) ج50 ص309.

 

إخفاء حمل الإمام المهدي (عليه السلام) في بطن أمه كموسى بن عمران (عليه السلام)

ففي تلك الأيام العصيبة، وذلك الضغط الشديد من وضع المراصد والعيون على الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) وعلى داره ونسائه وجواريه حملت أم الإمام المهدي به، وشاء الله الذي هو على كل شيء قدير أن يخفي حمله في بطن أمه ويغيبه عن الأنظار حفظاً له من أعدائه وأعداء آبائه كما أخفى وغيب حمل موسى بن عمران – في بطن أمه – من قبل على فرعون طاغية زمانه وأعوانه.

وقد جاء في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) حدث به جماعة من أصحابه قال فيه: أن الله تبارك وتعالى أدار للقائم منا ثلاثة أدوار لثلاثة من الرسل (عليه السلام) قدر مولده تقدير مولد موسى(عليه السلام) ، وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى (عليه السلام) ، وقدر إبطاءه بتقدير إبطاء نوح (عليه السلام)، وجعل له من بعد ذلك عمر العبد الصالح – أعني الخضر(عليه السلام) – دليلاً على عمره، فقلنا: أكشف لنا يا بن رسول الله عن وجوه هذه المعاني؟

قال (عليه السلام): أما مولد موسى(عليه السلام) فأن فرعون لما وقف على أن زوال ملكه على يده أمر بإحضار الكهنة فدلوه على نسبه وأنه سيكون من بني إسرائيل ولم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل حتى قتل في طلبه نيفاً وعشرين ألف مولود وتعذر عليه الوصول إلى قتل موسى (عليه السلام) بحفظ الله تبارك وتعالى إياه وكذلك بنو أمية وبنو العباس لما وقفوا على أن زوال ملك الأمراء والجبابرة منهم على يد القائم منا ناصبونا العداوة ووضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول(صلى الله عليه و آله) وإبادة نسله طمعاً منهم في الوصول إلى قتل القائم ويأبى الله عز وجل – أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون…الخ، راجع الحديث في كتاب (إكمال الدين) للصدوق من ص340-ص344 ونقله عن (إكمال الدين)، وعن (الغيبة) للشيخ الطوسي المجلسي في (البحار) ج51 ص219-ص223، ورواه أيضاً الطبرسي في (إعلام الورى) ص406 مختصراً.

نعم هكذا كانت قصة نبي الله موسى مع فرعون كقصة الإمام المهدي مع طواغيت زمانه، فكما أن الإمام المهدي بشر به جده رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمته عن الله عز وجل في إزالة مماليك الظلم والجور على يده بعد ظهوره كذلك بشرت الرسل والأنبياء بموسى بن عمران(عليه السلام) وأنه من بني إسرائيل وأنه يكون زوال ملك فرعون زمانه على يده، ومن جملة من بشر بذلك من الرسل جده يوسف الصديق(عليه السلام) وغيره من أنبياء بني إسرائيل وعلمائهم واشتهرت تلك البشارة عند الإسرائيلين خاصة، وعند غيرهم من القبط وسائر الناس من الكهنة والأحبار وبلغت تلك البشارة فرعون نفسه أيضاً فكان يحاذر على زوال ملكه على يده أشد الحذر وإليك تلك القصة بنبئها في الكتاب العزيز.

 

نبأ موسى (عليه السلام) وفرعون في القرآن

قال عز من قائل في كتابه المجيد في سورة القصص(نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)

الخطاب في هذه الآية الكريمة والآيات التي بعدها موجه إلى النبي (صلى الله عليه و آله) يقص عليه بعض أنباء موسى وفرعون لأجل قوم يؤمنون بآيات الله من أمته.

و(من) في الآية للتبعيض، وقوله: (بالحق) متعلق بقوله: (نتلو) أي نتلو عليك تلاوة متلبسة بالحق فهو أي الحق من عندنا وبوحيٍ منا من غير أن يداخل في إلقائه الشياطين وقوله: (لقوم يؤمنون) اللام فيه للتعليل وهو متعلق بقوله: (نتلو) أي نتلو عليك من نبئها لأجل قوم يؤمنون بآياتنا.

ومحصل المعنى نتلو عليك يا محمد بعض نبأ موسى وفرعون تلاوة بالحق لأجل أن يتدبره المؤمنون من أمتك حتى يعلموا ويتحقق عندهم أن الله الذي أنشأ موسى وحفظه لإحياء الحق وانجاء بني إسرائيل، وإعزازهم بعد ذلتهم وإفناء فرعون وجنوده بيده حتى جعلهم أحاديثاً وأحلاماً هو الله الذي سيفعل بطغاة هذه الأمة مثل ما فعل بأولئك الطغاة، ويمن على المستضعفين المؤمنين من هذه الأمة بجعلهم أئمة وبجعلهم الوارثين المتمكنين، حذو ما صنع ببني إسرائيل.

ثم قال تعالى:(إِنَّ فِرْعَوْنَ علاَ فِي الأََرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحيْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ)

المراد من علو فرعون في الأرض الكناية عن تجبره واستكباره بأرض مصر والشيع جمع شيعة وهي الفرقة التي يتابع بعضها بعضاً، والمراد أن فرعون جعل أهل مصر فرقاً وأشياعاً عديدة بإلقاء الاختلاف بينهم حتى لا تتفق كلمتهم فيثوروا عليه ويقلبوا عليه الأمور على ما هو من دأب الملوك – قديماً وحديثاً – في بسط القدرة وتقوية السلطة على الشعوب وهي السياسة المعروفة بـ (فرق تسد).

والطائفة التي استضعفها فرعون من بين تلك الطوائف هي طائفة بني إسرائيل وهم أولاد يعقوب (عليه السلام) وكانوا قد قطنوا بمصر منذ أحضر يوسف (عليه السلام) أباه وإخوانه وأشخصهم إلى هناك فسكنوها وتناسلوا بها حتى بلغوا الألوف. وكان فرعون وهو ملك مصر المعاصر لموسى(عليه السلام) يعاملهم معاملة الاسراء الأرقاء، ويزيد في تضعيفهم وإذلالهم بشتى الطرق حتى بلغ من استضعافه لهم أن أمر بذبح أبنائهم واستحياء النساء منهم أي إبقاء حياة النساء منهم بعدم قتلهن، وهدفه من ذلك من جهة إفناء رجالهم بقتل الأبناء، ومن جهة ثانية وهي الأهم في نظره القضاء على من يقضي عليه وعلى ملكه منهم وهو موسى الموعود بإزالة ملكه، وهذا هو هدفه وهذه هي إرادته الأخيرة، والسبب في ذلك (أنه كان من المفسدين) في حين أن الله تعالى الذي أوجد الخليقة العامة لم يفرق في بسط وجودها بين شعب وشعب من الشعوب الإنسانية، بل جهز الكل بما يهديهم إلى حياة اجتماعية بالتمتع بمتع الحياة الأرضية وجعل لكل منهم ما يعادل قيمته في المجتمع، وما يساوي زنته في التعاون بلحاظ (قيمة كل امرءٍ ما يحسنه) وهذا هو الصلاح الذي يهتف به الصنع الإلهي وإيجاده، والتعدي عن ذلك بتحرير قوم واستعباد آخرين. وتمتع شعب بما لا يستحقون، وحرمان غيرهم لما يصلحون له هو الإفساد الذي يسوق الإنسانية إلى الإبادة والهلاك، وهو التعدي والإفساد الذي سلكه فرعون في مجتمعه.

وفي الآية الكريمة تصوير للظرف الذي حملت به ام موسى بموسى وولدته به حيث أحدقت الأسباب المبيدة لرجال بني إسرائيل على العموم وللمصلح منهم بالخصوص من قبل الطاغية فرعون في تنفيذ، إرادته فيهم، ولكن الله يريد غير ما يريد فرعون،ويقدر غير ما يقدر، الطاغية.

والطغاة البغاة تخدعهم قوتهم وسطوتهم وحيلتهم فينسون، إرادة الله وتقديره اللتين هما فوق كلّ إرادة وتقدير. ويهيمنان على كل اتجاه.

نعم يحسب الطغاة أنهم يختارون لأنفسهم ما يحبون، ويختارون لأعدائهم ما يشاؤُن ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون والله يعلن هنا إرادته هو، ويكشف عن تقديره هو ويتحدى فرعون وهامان وجنودهما بأن احتياطهم وحذرهم لن يجديهم نفعاً لذا يقول تعالى في الآية التالية:(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ).

ألمن لغة الثقل ومنه تسمية ما يوزن به منا، والمراد هنا اعطاؤهم من النعمة ما يثقلهم، ثم يفسر تلك النعمة الثقيلة بقوله:(وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً) وهو عطف تفسير،(وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ) لأرض فرعون،(وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) أي نعطيهم مكاناً يملكونه ويستقرون فيه مع التمكين لهم….الخ.

والمعنى أن الظرف كان ظرف علو فرعون وتفريقه بين الناس واستضعافه لبني إسرائيل استضعافاً يبيدهم ويفنيهم والحال إنا نريد أن ننعم على هؤلاء الذين استضعفوا من كل وجه نعمة تثقلهم وذلك بان نجعلهم أئمة يقتدى بهم فيكونوا متبوعين بعد ما كانوا تابعين، ونجعلهم الوارثين لها بعد ما كانت بيد غيرهم ونمكن لهم في الأرض بأن نجعل لهم مكاناً يستقرون فيه ويملكونه، ونُري فرعون وهو ملك مصر، وهامان، وهو وزيره وجنودهما منهم أي من هؤلاء الذين استضعفوا ما كانوا يحذرون وهو أن يظهروا عليهم ويذهبوا بملكهم وطريقتهم التي سلكوها كما اعترفوا هم في موسى وأخيه لما أرسلا إليهم بقولهم:(يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى) [طه/64].

والجدير بالذكر الذي يلزم الفات النظر إليه هو إن المراد من جعل بني إسرائيل أئمة هو جعل الصالح منهم للإمامة أئمة كموسى وأخيه ووصيه لا جميعهم والآية وإن كانت في الصالحين للإمامة من بني إسرائيل ولكنها جارية في الصالحين للإمامة من هذه الأمة أيضاً ومن هنا روى الصدوق في كتابه (معاني الأخبار) ص78 بسنده عن المفضل بن عمر أنه قال: سمعت أبا عبد الله (أي الصادق(عليه السلام)) يقول: أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) نظر إلى علي والحسن والحسين “ فبكى وقال: انتم المستضعفون بعدي قال المفضل: فقلت له ما معنى ذلك يا بن رسول الله؟ قال: معناه أنهم الأئمة بعدي، أن الله عز وجل يقول:(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ) فهذه الآية جارية بنا إلى يوم القيامة.

فأم موسى حملت بموسى في مثل تلك الأوضاع القاسية التي أقامها فرعون، وشاء الله تعالى أن يخفي حمله في بطن أمه حتى ساعة ولادته، وأخيراً ولد والخطر محدق به والموت يتلفت عليه والشفرة مشرعة على عنقه تهم أن تحز رأسه وهاهي أمه خائفة عليه أن يصل نبأه إلى الجلادين وهي عاجزة عن حمايته وعاجزة عن إخفاءه وعن حجز صوته الفطري أن ينم عليه.

وهنا تتدخل يد القدرة الإلهية مرة أخرى فتتصل بالأم الوجلة القلقة المذعورة وتلقى في روعها كيف تعمل وتوحي إليها كيف تتصرف يقول تعالى في الآية التالية:(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ) الإيحاء هو التكلم الخفي ويستعمل في القرآن في تكليمه بعض خلقه نحو الإلهام في القلب، أو نحو آخر كما في تكليمه الأنبياء والرسل، واليم البحر والنهر الكبير: وقوله تعالى:(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) فيه إيجاز وحذف والتقدير وحملت أم موسى به وولدته والحال هذه الحال من الشدة والحدة وأوحينا إليها أن ارضعيه…الخ.

والمعنى قلنا بنوع من الإلهام لأم موسى لما وضعته: أن أرضعيه أولاً ما دمت لا تخافين عليه من قبل فرعون، فإذا خفت أن يطلع عليه آل فرعون فيأخذوه ويقتلوه كما هو الحال فألقيه في البحر وهو النيل على ما وردت به الرواية، ولا تخافي عليه القتل ولا تحزني بفقده ومفارقته إيّاكِ، إنا رادوه إليك بعد ذلك وجاعلوه من المرسلين فيكون رسولاً إلى آل فرعون وبني إسرائيل.

وامتثلت أمر الله لها حيث أرضعته ثم وضعته في تابوت وأطبقته عليه وألقته في النيل، وشاءت يد القدرة المدبرة أن تتحدى فرعون وهامان وجنودهما في هذه المرة بطريقة سافرة مكشوفة، إنهم يتبعون الذكور من مواليد قوم موسى خوفاً على ملكهم وعروشهم وذواتهم ويبثون العيون والمراصد على بني إسرائيل كي لا يفلت منهم طفل واحد من الذكور وإذا بيد القدرة تلقى بالطفل الذي على يديه هلاكهم أجمعين تلقيه في أيديهم مجرداً من كل قوة ومن كل حيلة ومع ذلك تحفظه من كيدهم وتنجيه وهو في أيديهم من القتل، أما كيف كان ذلك فهذا ما تجيب عنه الآيات القرآنية التالية: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) والمعنى فأصابه آل فرعون وأخذوه من اليم وكان غاية ذلك أن يكون لهم عدواً وسبب حزن(إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ) أي كانوا خاطئين في قتل الأبناء وترك موسى حيث أرادوا أن يقضوا على من سيقضي عليهم فعادوا يجتهدون في حفظه ويجدّون في تربيته لأن يد القدرة الإلهية حمته بالمحبة التي ألقتها في قلب فرعون نفسه وفي قلب آسية امرأته بالخصوص حتى عادت لا تمـلك نفسها دون أن تدفع عنه القتل وتضمه إليها كما قال تعالى فيما يمن به على موسى(عليه السلام): (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) [طه/40]، نعم كانت آسية هي السبب الظاهر في سلامته كما قال تعالى:(وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) فشفاعة امرأة فرعون عندما جاءوا بموسى إلى فرعون سببها المحبة التي ألقاها الله في قلبها له لما رأت في وجهه من آثار الجلال وسيما الجذبة الإلهية وهي التي جعلت آسية تفرض على فرعون عدم قتله وتخاطبه بحجة أن يكون قرة عين لي ولك، وقولها:(عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) فيه دلالة على إنهما كانا فاقدين للابن، وقوله:(وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) جملة حالية أي قالت ما قالت وشفعت له وصرفت عنه القتل والقوم لا يشعرون ماذا يفعلون وما هي حقيقة الحال وما عاقبته ثم يأتي الحديث القرآني عن شأن أمه الوالهة وقلبها الملهوف على ولدها يقول تعالى:(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) الظاهر أن المراد من قوله تعالى:(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) أي فارغاً من الصبر حتى كادت أن تخبر بخبره ولكن الله جلت قدرته ربط على قلبها أي ثبته على الصبر حتى تصبر ولا تجزع، ولتكون واثقة، بحفظ الله له، هذا هو الظاهر لنا من الآية الكريمة والله أعلم بمراده، وصبرت بالفعل على إبداء أمره ولكنها لم تسكت عن البحث عنه يقول تعالى:(وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(11)وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) ومعنى الآيتين أن أم موسى قالت لأخته اتبعي أثر موسى حتى ترين إلآم يؤول أمره، فمضت لذلك فرأته عن بعد وقد أخذه خدم فرعون وهم لا يشعرون بأن أخته تقص أثره وتراقبه، هذا وقد حرم الله عليه المراضع قبل مجيئها تحريماً تكوينياً لا تشريعياً ومعناه أنه لا يقبل ثدي مرضعة ويمتنع من إرتضاعها وكأنه يريد الثدي الذي إرتضع منه حين ولادته وهو ثدي أمه التي ولدته، فلما رأت ذلك قالت لهم(هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ) وحينما سمعوا قولها استبشروا رجاء أن تصدق بقولها وينجو الطفل العزيز والمحبوب وهكذا كانت عودته لأمه الملهوفة عليه معافى في بدنه مرموقاً في مكانته يحميه فرعون نفسه وترعاه امرأته وتقر عين أمه به يقول تعالى:(فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).

كيفية ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)

هذا بعض نبأ موسى وفرعون في القرآن المجيد، أما نبأ حمل الإمام المهدي (عليه السلام) في بطن أمه وكيفية ولادته فقد جاءت به الروايات الكثيرة بأسانيدها عن أئمة الهدى (عليه السلام) مجملاً، وعمن حضرت ولادته مفصلاً وهي حكيمة بنت الإمام الجواد(عليهم السلام) وإليك حديثها من طريقين، الأول:

روى الصدوق في كتابه (إكمال الدين) ص400 بسنده عن موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة بن الإمام موسى بن جعفر(عليهم السلام) قال: حدثتني حكيمة بنت الإمام محمد الجواد(عليه السلام) إنها قالت: بعث إلي أبو محمد الحسن بن علي (عليهم السلام) فقال: يا عمة اجعلي إفطارك عندنا هذه الليلة فإنها ليلة النصف من شعبان فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجته في أرضه، قالت: فقلت له: ومَن أمه؟ قال لي: نرجس قلت له: جعلني الله فداك والله ما بها اثر، فقال: هو ما أقول لك، قالت: فجئت فلما سلمت وجلست وجاءت تنزع خفي وقالت لي يا سيدتي وسيدة أهلي كيف أمسيتي قلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي، قالت: فأنكرت قولي وقالت: ما هذا يا عمة؟ قالت فقلت لها: يا بنية إنّ الله تعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة قالت فخجلت واستحيت فلما فرغت من صلاة العشاء الآخرة، أفطرت وأخذت مضجعي فلما ان كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادثة ثم جلستُ معقبة ثم اضطجعت ثم انتبهت فزعة، وهي راقدة ثم قامت فصلت ونامت.

قالت حكيمة: وخرجت اتفجر فإذا أنا بالفجر الأول كذنب السرحان فدخلني الشك، فصاح بي أبو محمد(عليه السلام) من المجلس فقال لي: لا تعجلي يا عمة فهناك الأمر قد قرب قالت: فجلست وقرأت (ألم السجدة ويس) فبينما أنا كذلك، إذ انتبهت نرجس فزعة فوثبت إليها فقلت: بسم الله عليك، ثم قلت لها: أتحسين شيئاً قالت: نعم يا عمة، فقلت لها اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك، قالت: فاخذتني فترة وأخذتها فترة فانتبهت بحس سيدي فكشفت الثوب عنها فإذا أنا به ساجداً يتلقى الأرض بمساجده فضممته(عليه السلام) وإذا أنا به نظيف متنظف فصاح لي أبو محمد(عليه السلام) هلمي إلي ابني يا عمة فجئت به إليه فوضع يديه تحت آليتيه وظهره ووضع قدميه في صدره ثم أدلى لسانه في فيه وأَمر يديه على عينيه وسمعه ومفاصله ثم قال: تكلم يا بنيَ فقال: اشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله(صلى الله عليه و آله) ثم صلى على أمير المؤمنين وعلى الأئمة “ إلى أن وقف على أبيه ثم أحجم.

ثم قال أبو محمد يا عمة اذهبي به إلى أمه ليسلم عليها وآتيني به فسلم عليها فرددته فوضعته في المجلس فقال: يا عمة إذا كان يوم السابع فأتينا، قالت حكيمة: فلما أصبحت جئت لأسلم على أبي محمد(عليه السلام) وكشفت الستر لأتفقد سيدي (عليه السلام) فلم أره فقلت جعلت فداك ما فعل سيدي فقال يا عمة استودعناه الذي استودعته أم موسى.

قالت حكيمة: فلما كان اليوم السابع جئت فسلمت وجلست فقال: إليّ ابني فجئت بسيدي (عليه السلام) وهو في الخرقة ففعل كفعله الأول ثم أدلى لسانه في فيه كأنما يغذيه لبناً وعسلاً ثم قال تكلم يا بنيَ فقال: اشهد أن لا إله إلا الله وثني بالصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين وعلى الأئمة الطاهرين “ حتى وقف على أبيه(عليه السلام) ثم تلى هذه الآية(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ)، قال الراوي وهو موسى بن محمد فسألت عقبة الخادم عن هذا فقال: صدقت حكيمة.

فهذا الطريق الأول من حديث حكيمة عن كيفية ولادة الإمام المهدي أمّا الطريق الثاني فقد رواه الصدوق في (إكمال الدين) ص402 بسنده عن محمد بن عبد الله المطهري قال: قصدت حكيمة بنت محمد(عليهم السلام) بعد مضي أبي محمد (عليه السلام) أسألها عن الحجة وما قد أختلف فيه الناس من الحيرة التي فيها فقالت لي: اجلس فجلست ثم قالت لي: يا محمد إن الله تبارك وتعالى لا يخلي الأرض من حجة ناطقة أو صامتة، ولم يجعلها في الأخوين بعد الحسن والحسين تفضيلاً للحسن والحسين وتنزيهاً لهما أن يكون في الأرض عديلهما، إلا أن الله تبارك وتعالى خص ولد الحسين بالفضل على ولد الحسن كما خص ولد هارون على ولد موسى(عليه السلام) وإن كان موسى حجة على هارون والفضل لولده إلى يوم القيامة، ولا بد للأمة من حيرة يرتاب فيها المبطلون ويخلص فيها المحقون لئلا يكون للخلق على الله حجة، وإن الحيرة لابد واقعة بعد مضي الحسن(عليه السلام) فقلت: يا مولاتي هل كان للحسن ولد؟ فابتسمت ثم قالت: إذا لم يكن للحسن(عليه السلام) عقب فمن الحجة من بعده؟ وقد أخبرتك أن الإمامة لا تكون لأخوين بعد الحسن والحسين (عليهم السلام) فقلت: يا سيدتي حدثيني بولادة مولاي وغيبته(عليه السلام) قالت: نعم، كانت لي جارية يقال لها نرجس فزارني ابن أخي(عليه السلام) واقبل يحد النظر إليها، فقلت له يا سيدي لعلك هويتها فأرسلها إليك؟

فقال: يا عمة ولكني أتعجب منها فقلت وما أعجبك؟ فقال(عليه السلام): سيخرج منها ولد كريم على الله عز وجل الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، فقلت: فأرسلها إليك يا سيدي؟ فقال: استأذني في ذلك أبي قالت: فلبست ثيابي فأتيت منزل أبي الحسن(عليه السلام) فسلمت وجلست فبداني (عليه السلام) وقال: يا حكيمة ابعثي نرجس إلى ابني أبي محمد قالت: فقلت: يا سيدي على هذا قصدتك أن استأذنك في ذلك: فقال يا مباركة إن الله تبارك وتعالى أحب أن يشركك في الأجر ويجعل لك في الخير نصيباً قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي فزينتها ووهبتها لأبي محمد وجمعت بينه وبينها في منزلي فأقام عندي أياماً ثم مضى إلى والده ووجهت بها معه.

قالت حكيمة: فمضى أبو الحسن(عليه السلام) وجلس أبو محمد مكان والده وكنت أزوره كما كنت أزور والده فجاءتني نرجس يوماً تخلع خفي وقالت: يا مولاتي ناوليني خفك، فقلت بل أنت سيدتي ومولاتي والله لا دفعت إليك خفي لتخلعيه ولا خدمتيني بل أنا أخدمك على بصري فسمع أبو محمد (عليه السلام) ذلك فقال: جزاك الله خيراً يا عمة فجلست عنده إلى وقت غروب الشمس فصحت بالجارية وقلت ناوليني ثيابي لأنصرف فقال(عليه السلام): يا عمتاه بيتي الليلة عندنا فإنه سيولد الليلة المولود الكريم على الله عز وجل الذي يحيي به الله الأرض بعد موتها، فقلت ممّن يا سيدي ولست أرى بنرجس شيئاً من اثر الحمل؟ فقال: من نرجس لا من غيرها، قالت: فوثبت إلى نرجس فقلبتها ظهراً لبطن فلم أر بها أثراً من حبل فعدت إليه فأخبرته بما فعلت فأبتسم ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحبل لأن مثلها مثل أم موسى لم يظهر بها الحبل ولم يعلم أحد إلى، وقت ولادتها، لأن فرعون كان يشق بطون الحبالى في طلب موسى وهذا نظير موسى.

قالت حكيمة فعدت إليها فأخبرتها بما قال وسألتها عن حالها فقالت: يا مولاتي ما أرى بي شيئاً من هذا قالت حكيمة: فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يدي، لا تقلب جنباً إلى جنب حتى إذا كان آخر الليل وقت الفجر وثبت فزعة فضممتها إلى صدري وسميت عليها فصاح إلي أبو محمد(عليه السلام) وقال: أقرأي عليها(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) فأقبلت اقرأ عليها وقلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر بي الأمر الذي أخبرك به مولاي فأقبلت اقرأ عليها كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ مثل ما أقرأ وسلم عليّ.

قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت فصاح بي أبو محمد(عليه السلام): لا تعجبي من أمر الله تبارك وتعالى ينطقنا صغاراً بالحكمة ويجعلنا حجة في أرضه كباراً، فلم يستتم الكلام حتى غُيّبت نرجس فلم أرها كأنه ضُرب بيني وبينها حجاب فعدوت نحو أبي محمد(عليه السلام) وأنا صارخة فقال: ارجعي يا عمة فإنك ستجديها في مكانها.

قالت فرجعت فلم ألبث أن كشف الغطاء الذي بيني وبينها وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشي بصري وإذا بالصبي(عليه السلام) ساجداً لوجهه جاثياً على ركبتيه رافعاً سبابته وهو يقول، أشهد أن لا إله إلا الله وأن جدي محمداً رسول الله وأن أبي أمير المؤمنين ثم عدّ إماما إماماً إلى أن بلغ إلى نفسه.

ثم قال: اللهم أنجز لي ما وعدتني وأتمم لي أمري وثبت وطأتي وأملأ الأرض بي عدلاً وقسطاً فصاح بي أبو محمد(عليه السلام) فقال: يا عمتاه هاتيه فتناولته وأتيت به نحوه فلما مثلته بين يدي أبيه وهو على يدي سلم على أبيه فتناوله الحسن (عليه السلام) مني والطير يرفرف على رأسه فصاح بطير منها فقال له: احمله واحفظه ورده إلينا في كلّ أربعين يوماً فتناوله الطير وطار به في جو السماء وأتبعه سائر الطير فسمعت أبا محمد(عليه السلام) يقول: استودعك الذي أودعته أم موسىJ فبكت نرجس فقالت: اسكتي فإن الرضاع محرم عليه إلا من ثدييك وسيعاد إليك كما ردّ موسى إلى أمه وذلك قول الله عز وجل:(فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ) قالت حكيمة: قلت: وما هذا الطير: قال: هذا روح الله الموكل بالأئمة“ يوفقهم ويسددهم ويربيهم بالعلم.

قالت حكيمة فلما كان بعد أربعين يوماً ردّ الغلام، ووجّه إليّ ابن أخي (عليه السلام) فدعاني فدخلت عليه فإذا أنا بالصبي يتحرك بين يديه فقلت: سيدي هذا ابن سنتين فتبسم (عليه السلام) ثم قال: أن أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشأون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وأن الصبي منا إذا كان أتى عليه شهر كان كمن أتى عليه سنة وإن الصبي منا يتكلم في بطن أمه يقرأ القرآن ويعبد ربه عز وجل عند الرضاع وتطيعه الملائكة وتنزل عليه صباحاً ومساءً.

قالت حكيمة فلم أزل أرى ذلك الصبي في كل أربعين يوماً إلى أن رايته رجلاً(8) قبل مضي أبي محمد(عليه السلام) بأيام قلائل فلم أعرفه فقلت لأبي محمد (عليه السلام) من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه: فقال: ابن نرجس وهو خليفتي من بعدي وعن قليل تفقدوني فأسمعي له وأطيعي قالت حكيمة: فمضى أبو محمد(عليه السلام) بعد أيام قلائل (أي توفي) وافترق الناس كما ترى ووالله إني لأراه صباحاً ومساءً وأنه لينبئني عما تسألوني عنه فأخبركم ووالله إني لا أريد أن أسأله عن الشيء فيبين أني به وأنه ليرد عليَّ الأمر فيخرج إليَّ منه جوابه من ساعته من غير مسألتي وقد أخبرني البارحة بمجيئك إليَّ وأمرني أن أخبرك بالحق، قال محمد بن عبد الله: فوالله لقد أخبرتني حكيمة بأشياء لم يطلع عليها أحد إلا الله فعلمت أن ذلك صدق وعدل من الله تبارك وتعالى لأن الله قد أطلعهم على ما لم يطلع عليه أحداً من خلقه ونقل الحديثين عن الصدوق المجلسي في (البحار) ج51 ص2، وص11، كما نقل أحاديث آخر في باب ولادته(عليه السلام) عن مصادر عديدة من ص2-ص28، فراجع كما روى جماعة من علماء السنة حديث ولادته (عليه السلام) ومنهم المحدث العارف محمد خواجه البخاري في كتابه (فصل الخطاب) على ما نقل عنه الشيخ سليمان الحنفي في كتابه (ينابيع المودة) ص387 قال بما نصه:

ويروى أن حكيمة بنت محمد الجواد كانت عمة أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) تحبه وتدعو له وتتضرع إلى الله تعالى أن ترى ولده، فلما كانت ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين دخلت حكيمة عند الحسن فقال لها: يا عمة كوني الليلة عندنا لأمر فأقامت، فلما كان وقت الفجر اضطربت نرجس فقامت إليها حكيمة فوضعت المولود المبارك فلما رأته حكيمة أتت به الحسن وهو مختون.

فأخذه ومسح بيده على ظهره وعينيه وادخل لسانه في فيه وأذن في أذنه اليمنى وأقام في الأخرى ثم قال: يا عمة اذهبي به إلى أمه قالت حكيمة ثم جئت من بيتي إلى بيت أبي محمد الحسن فإذا المولود بين يديه في ثياب صفر وعليه من البهاء والنور، أخذ حبه مجامع قلبي فقلت: يا سيدي هل عندك من علم في هذا المولود المبارك فقال: يا عمة هذا المنتظر الذي بُشرنا به فخررت ساجدة لله شكراً على ذلك، ثم كنت أتردد إلى الحسن فلا أرى المولود فقلت: يا مولاي ما فعل سيدنا المنتظر قال: استودعناه الله الذي استودعته أم موسىJ ابنها….الخ.

عود إلى كيفية غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)

وبعد أن ولد الإمام المهدي(عليه السلام) كان أبوه الحسن العسكري(عليه السلام) يخفيه ويستر أمره عن كافة الناس إلا عن خواص شيعته الذين يثق بهم وبمحافظتهم على أسرار أهل البيت “، وكان المعتمد يلتمس أنواع الحيل في قتل الإمام العسكري حتّى دس إليه السم، فلما مرض وكلّ به عشرة من ثقاته بلزومه ليلاً ونهاراً، وأمر المتطببين بالاختلاف إليه صباحاً ومساءً وأظهر أن الغرض من ذلك أن يتعاهدوا خدمة الإمام ولكن غرضه الحقيقي الإطلاع على ولده المهدي، وما زال الأطباء يتعاهدونه وثقاة المعتمد العشرة ملازمين له حتى حضرته الوفاة.

وحينما خرجوا من عنده آيسين من اطلاعهم على ولده قيّض الله له رجلاً من شيعته الثقاة فدخل عليه – ليعوده – وهو أبو سهل إسماعيل بن علي النوبختي على ما رواه عنه الشيخ الطوسي في كتابه (الغيبة) بسنده أنه قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي في المرضة التي مات فيها وأنا عنده إذ قال لخادمه عقيد – وكان الخادم اسوداً نوبياً قد خدم من قبله علي بن محمد وهو ربّى الحسن – فقال له: يا عقيد أغل لي ماءً بمصطكي فأغلى له ثم جاءت به صقيل الجارية أم الخلف(عليه السلام)، فلما صار القدح في يديه هم بشربه جعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن فتركه من يده وقال لعقيد: أدخل البيت فأنك ترى صبياً ساجداً فاتني به، قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت أتحرى فإذا أنا بصبي ساجد رافع سبابتيه نحو السماء فسلمت عليه فأوجز في صلاته فقلت: إن سيدي يأمرك بالخروج إليه إذ جاءت أمه صقيل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن (عليه السلام) قال أبو سهل: فلما مثل الصبي بين يديه سلم وإذا هو درّي اللون وفي شعر رأسه قطط مفلّج الأسنان فلما رآه الحسن بكي وقال: يا سيد أهل بيته إسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده ثم حرّك شفتيه ثم سقاه فلما شرب قال: هيئوني للصلاة فطرح في حجره منديل فوضاه الصبي واحدة واحدة ومسح على رأسه وقدميه.

فقال أبو محمد (عليه السلام): أبشر يا بني فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه وأنت ولدي ووصيي وأنا ولدتك، وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: ولدك رسول الله(صلى الله عليه و آله) وأنت خاتم الأئمة الطاهرين، وبشر بك رسول الله(صلى الله عليه و آله) وسّماك وكنّاك بذلك عهد إليّ أبي عن آبائك الطاهرين صلّى الله على أهل البيت ربنا إنه حميد مجيد، ومات الحسن بن علي من وقته. ونقله عن الطوسي المجلسي في (البحار) ج52 ص16.

وجاء في حديث طويل لأحمد بن عبيد الله بن خاقان وهو يومئذٍ عامل المعتمد على أهل قم أنه قال: ولما بلغ السلطان (أي المعتمد) وفاة الحسن بعث إلى داره مَن يفتشها ويفتش حجرها وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده وجاءوا بنساء يعرفن الحبّل فدخلن على جواريه فنظرن إليهن فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل فأمر بها فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته وعطلّت الأسواق وركب أبي وبنو هاشم والقواد والكتاب وسائر الناس إلى جنازته فكانت سر من رأى يومئذٍ شبيهاً بالقيامة…الخ(9).

صلاة الإمام المهدي (عليه السلام) على أبيه

وهنا قبل أن يشيع الإمام ويدفن شاء الله أن يظهر الإمام المهدي لمن حضر تشييعه، ويصلي أمامهم على ابيه ليثبت وجوده عند العامة والخاصة كما جاء هذا في حديث أبي الأديان الذي رواه الصدوق في (إكمال الدين) ص443 بسنده، ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج50 ص332، وج52 ص67.

قال أبو الأديان: كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد(عليهم السلام) وأحمل كتبه إلى الأمصار، فدخلت عليه في علته التي توفي فيها فكتب معي كتباً وقال: إمض بها إلى المدائن فإنك ستغيب أربعة عشر يوماً وتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل، قال أبو الأديان: قلت يا سيدي فإذا كان ذلك فمَن؟ قال مَن طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي، فقلت: زدني، فقال من يصلي عليَّ فهو القائم بعدي فقلت‘ زدني فقال: من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي، ثم منعتني هيبته أن أسأله عما في الهميان.

وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي(عليه السلام) وإذا أنا بالواعية في داره وإذا أنا به على المغتسل، وإذا بجعفر الكذاب أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يعزونه ويهنئونه، فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة لأني أعرفه يشرب النبيذ، ويقامر في الجوسق (أي في القصر)، ويلعب بالطنبور، فتقدمت وعزيت، وهنيت فلم يسألني عن شيء، ثم خرج عقيد فقال لجعفر، يا سيدي قد كفن أخوك فقم وصلّ عليه فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمّان فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي (عليهم السلام) على نعشه مكفّناً فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه فلما همّ بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة بشعره قطط، بأسنانه تفليج فجذب برداء جعفر وقال: تأخرّ يا عم فأنا أحق بالصلاة على أبي، فتأخر جعفر وقد أربدّ وجهه (أي تغير) وأصفر وتقدم الصبي فصلى عليه ودفن إلى جانب قبر أبيه (عليه السلام).

ثم قال يا بصري هات جوابات الكتب التي معك فدفعتها إليه، فقلت في نفسي: هذه بينّتان، بقي الهميان، ثم خرجت إلى جعفر وهو يزفر، قال له حاجز الوشا: يا سيدي من الصبي – لنقيم عليه الحجة – فقال: والله ما رأيته قط ولا أعرفه.

فنحن جلوس إذ قدم من قم نفر فسألوا عن الحسن(عليه السلام) فعرّفوا موته، فقالوا فمن نعّزي؟ فأشار الناس إلى جعفر فسلموا عليه وعزوه وهنأوه وقالوا: معنا كتب ومال فتقول ممنّ الكتب وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه ويقول: تريدون منا أن نعلم الغيب، قال: فخرج الخادم فقال: معكم كتب فلان وفلان وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلية (وفي نص مطلّسة والدينار المطلس الذي انمحى أثر نقشه)، فدفعوا الكتب والمال، وقالوا: الذي وجه بك لأجل ذلك هو الإمام، فدخل جعفر، على المعتمد وكشف ذلك له فوجه المعتمد خدمه فقبضوا على صقيل الجارية وطالبوها بالصبي، فأنكرته وادعت حملاً بها لتغطي على حال الصبي، فسلمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي، وبغتهم موت عبيد الله بن خاقان فجأةً، وخروج صاحب الزنج بالبصرة، فشغلوا بذلك عن الجارية فخرجت عن أيديهم والحمد لله رب العالمين لا شريك له.

ويؤيد حديث أبي الأديان في صلاة الإمام المهدي على أبيه(عليهم السلام) ما رواه الشيخ الطوسي بسنده في كتاب (الغيبة)، ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج52 ص5 عن أبي عبد الله محمد بن عبد ربه الأنصاري الهمداني، عن أحمد بن عبد الله الهاشمي العباسي أنه قال: حضرت دار أبي محمد الحسن بن علي(عليهم السلام) بسر من رأى يوم توفي وأُخرجت جنازته ووُضعت ونحن تسعة وثلاثون رجلاً قعوداً ننظر حتى خرج علينا غلام عشاري (أي كأنّه ابن عشر سنين) حاف عليه رداء قد تقنع به فلما أن خرج قمنا هيبة له من غير أن نعرفه فتقدم وقام الناس فاصطفوا خلفه فصلى عليه ومشى فدخل بيتاً غير الذي خرج منه.

قال أبو عبد الله الهمداني فلقيت بالمراغة رجلاً من أهل تبريز يُعرف بإبراهيم بن محمد التبريزي فحدثني بمثل حديث الهاشمي لم يخرم (أي لم ينقص) منه شيء…الخ.

وقال احمد بن عبيد الله بن خاقان في حديثه: فلما دفن الحسن العسكري (عليه السلام) وتفرق الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليها الحبل (أي صقيل أم الخلف) ملازمين لها سنتين وأكثر حتى تبين لهم بطلان الحبل، فقسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر(10) وادعت أمه (أي أم الحسن العسكري وهي المعروفة بالجدة) وصيته وثبت ذلك عند القاضي، والسلطان مع ذلك يطلب أثر ولده…الخ.

هذا ما ورد عندنا معشر الإمامية في كيفية غيبة الإمام المهدي(عليه السلام) فالله الذي حفظ موسى بن عمران في البحر والأمواج تقذفه يميناً وشمالاً وحفظه وهو رضيع في بيت عدوه قادر على أن يحفظ الإمام من كيد أعدائه أينما كان في بيته أو خارج بيته، وأن الله تعالى شأنه الذي حفظ جده الأعظم (صلى الله عليه و آله) يوم فر من أعدائه إلى الغار وأخفى خبره عليهم وأنجاه بحوله، وقوته منهم لا يعجزه حفظ حفيد نبيه الإمام المهدي(عليه السلام) وهو على كل شيء قدير وعلى كلٍ يعد ابتداء غيبته(عليه السلام) من يوم ولادته لا من يوم وفاة أبيه العسكري (عليه السلام) بل يظهر مما ذكرناه أن ابتداء غيبته منذ حمله في بطن أمه…

السرداب والإمام المهدي (عليه السلام)

وأما ما يوجد في بعض كتب العامة كـ(الصواعق المحرقة) لابن حجر ص100 وغيره من أنّ الشيعة تقول: أن الإمام المهدي غاب في السرداب، وأنه هو صاحب السرداب، وأنهم ينتظرون خروجه منه(11) واستشهد ابن حجر على ذلك بقول شاعرهم:

ما آنَ للسرداب أن يلد الذي*** كلمتموه بجهلكم ما أنا

فعلى عقولكم العفاء فإنكم*** ثلثتم العنقاء والغيلانا

فمنشأ ذلك ما يشاهدونه من زيارة الشيعة للإمام في ذلك الموضع الشريف وعلينا الآن أن نذكر السبب في ذلك فنقول: ورد عن بعض أئمة الهدى “ وعن كثير من علمائنا الأعلام استحباب زيارة الإمام المهدي في هذا المكان المقدس بعد زيارة الإمامين علي الهادي والحسن العسكري (عليهم السلام) ولعل السر في ذلك هو أن الصحن الذي فيه حرم العسكريين، والصحن الذي خلف مرقدهما، والثالث الذي فيه السرداب محل دورهم وبيوتاتهم الشريفة وموضع سكناهم كما صرح بذلك كثير من أعلام المؤرخين ومنهم ثقة الإسلام النوري، وحيث أن المهدي المنتظر لا محل له يُقصد كان الأنسب والأوفق أن يزار في بيته الذي كان يسكنه ولا سيما سرداب ذلك البيت الذي طالما كان يخلو فيه لعبادة ربه ويختفي فيه عن الأنظار في بعض الأحيان، بل وبيته يزار لأن زيارة بيوت الأحياء بعد هجرتهم منها من السنن الجارية بين الأحبّاء قال الشاعر (قيس بن الملوح):

أمر على الديار ديار ليلى*** أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا

فهذا هو السبب في زيارتنا السرداب سنة حسنة وعادة ودادية اتخذتها الشيعة شعاراً اتباعاً للنصوص الواردة ولنعم ما فعلوا إنّ بيوتاً مرت عليها عشرات السنين يعبد فيها الله ويذكر فيها اسمه وتقام فيها الصلوات آناء الليل وأطراف النهار وترتفع فيها الأصوات بقراءة القرآن لجديرة أن تعظم وتزار ويتذكر الزائر حين دخوله إليها سكانها الأطائب ويستفاد من بعض الأخبار أنه: من كانت له إلى الله حاجة فليفزع بها إلى إمام زمانه.

واعتقادنا أن الإمام(عليه السلام) وإن كان غائباً عن الأبصار لا يعرفه أحد ولكنه يسمع الكلام ويرد الجواب يحضر المجالس ويصاحب المسافر والحاضر – وكل ذلك بإذن الله عز وجل – كما أنه يحضر موسم الحج في كل سنة ويرى الناس فيعرفهم ويرونه ولا يعرفونه كما جاء في حديث مسند عن عبيد الله بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (أي الصادق(عليه السلام)) يقول: يفقد الناس إمامهم فيشهد الموسم، فيراهم ولا يرونه.

(إكمال الدين) ص415، وفي حديث آخر عن عبد الله بن جعفر الحميري أنه قال: سمعت محمد بن عثمان العُمري (أي الخلاني) يقول: والله أن صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كل سنة فيرى الناس فيعرفهم ويرونه ولا يعرفونه. (المصدر السابق)، ونقله عنه المجلسي في (البحار) ج51 ص350.

وربما أتم حجه بزيارة جده رسول الله(صلى الله عليه و آله) وزيارة مراقد آبائه الطيبين ولا سيما في الأوقات الخاصة، فهو سلام الله عليه في الجماعة الإسلامية وبينها ولكنه لا يعرف بشخصه وعنوانه ولذا ورد في بعض الأخبار أنه (عليه السلام) إذا ظهر ورآه الناس قالوا: أنا قد رأيناه قبل هذا، راجع كتاب (المهدي) للسيد صدر الدين الصدر ص177.

وأما قول ابن حجر: وأنهم ينتظرون خروجه منه، أي من السرداب فهو افتراء علينا إذ أنا لا نقول بأن خروجه من السرداب، ولا ننتظر خروجه من السرداب كما زعم بل ظهوره(عليه السلام) إنما يكون بمكة كما جاء في عدة أحاديث ثابتة عن أئمة الهدى “ وأن جبرئيل ينادي باسمه من السماء حيث يسمع الناس جميعاً في شرق الأرض وغربها ويُفهم أهل كلّ لغةٍ بلغتهم حتى لا يبقى راقد إلّا قام ولا قائم إلّا قعد، ولا قاعدٍ إلّا قام من ذلك الصوت الذي يعم أرجاء العالم بأسره(12).

وقد جاء في قرننا هذا ما يؤكد صحة تلك الأخبار من أن جبرئيل ينادي باسمه ويسمع أهل كل لغة بلغتهم، وهو ما اخترعه علماء الشرق والغرب من الأجهزة الحديثة التي توصل صوت المتكلم أين ما كان مع صورته إلى أنحاء العالم وبعض تلك الأجهزة تترجم كلامه إلى لغات العالم على اختلافها.

وقد جاء في حديث عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) يقول فيه: إن المؤمن في زمان القائم وهو في المشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذلك الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق(13) ومصداق ذلك كله قول الله عز وجل في سورة السجدة:(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ) [السجدة/54-55].

 

وأنه(عليه السلام) ليرعى شيعته خاصة وينظر إليهم بعين لطفه ولنعم ما قال السيد صالح القزويني مخاطباً له:

يا غائباً لم تغب عنا رعايته*** ولا يزال بعين اللطف يرعانا

بظله وهو محجوب منافع مثل*** الشمس إذ ظللتها السحب تغشانا .

شبه الإمام المهدي (عليه السلام) بالشمس إذا سترتها السحب

شبّه هذا الأديب منافعنا بوجود الإمام مع غيبته بمنافع الشمس إذا حجبتها السحب عن الأبصار وهو من الطف أنواع التشبيه وأجمله، لأن الشمس لها فوائد وأثار عظيمة تترتب على إشراقها وكونها غير مستورة بالسحاب ولها فوائد أيضاً وآثار عظيمة تترتب على نفس وجودها وكونها فوق الأرض وأن سترها السحاب غاية الأمر أن الانتفاع بها حالة ظهورها وإشراقها أتم وأكمل من حالة احتجابها واستتارها بالسحاب، وكذلك الإمام في حالة ظهوره وتصرفه وبسط يده أكثر منافعاً من كونه غائباً محتجباً، ولكن الحكمة الإلهية لما اقتضت احتجابه وغيبته كما اقتضت احتجاب الشمس بالسحب أحياناً فهل تنتفي الفوائد المترتبة على وجوده؟ كلا وألف كلا، كيف وأن وجوده(عليه السلام) ووجود آبائه من قبله كوجود جدهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) في الأمان لهذا الخلق وعدم نزول العذاب عليه قال تعالى:(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الأنفال/34].

راجع كتابنا (قبس من القرآن في صفات الرسول الأعظم(صلى الله عليه و آله)) في تعليقنا على هذه الآية الكريمة من ص281-ص297، تحت هذه العناوين التالية: (الأمان في الدنيا من العذاب العام لهذه الأمة)، (الأمان الأول للأمة النبي (صلى الله عليه و آله) وأهل بيته)، (طرق أحاديث الآمان)، 1- (طريق سلمة بن الأكوع)، 2- (طريق أنس بن مالك)، 3- (طريق عبد الله بن عباس)، 4- (طريق جابر بن عبد الله، وأبي موسى الأشعري، وابن عباس)، 5- (طريق محمد بن المنكدر عن أبيه)، 6- (طريق أبي سعيد الخدري، وابن عباس)، 7- (طريق علي أمير المؤمنين(عليه السلام))، (دلالة هذه السنن)، (الأمان الثاني للأمة الاستغفار).

وأحاديث الأمان بكل طرقها، والتي رواها جل علماء المسلمين من السنة والشيعة تنص على أن النجوم أمان لأهل السماء، وأهل البيت أمان لأهل الأرض، وللأمة…الخ.

قال احمد بن حنبل معلقاً على بعض تلك الأحاديث: أن الله خلق الأرض من أجل النبي (صلى الله عليه و آله) فجعل دوامها بدوام أهل بيته وعترته وقال ابن حجر في (الصواعق المحرقة): فأن الله لما خلق الدنيا بأسرها من أجل النبي (صلى الله عليه و آله) جعل دوامها بدوامه ودوام أهل بيته لأنهم يساوونه في أشياء مرّ عن الرازي بعضها، لأنه قال في حقهم: اللهم إنهم مني وأنا منهم، ولأنهم بضعة منه بواسطة أن فاطمة بضعته فأقيموا مقامه في الأمان…الخ، (راجع القبس ص286).

فوجود الإمام المهدي(عليه السلام) وهو خاتم الأئمة الطاهرين من أهل البيت “ أمان لأهل الأرض، وأمان للأمة الإسلامية بالخصوص وقد قيل: لو خليت لقلبت، أي لو خليت الأرض من وجوده، لقلبت بالعذاب العام، وجاء أهلها ما كانوا يوعدون من قيام الساعة.

ونعود إلى تشبيه القزويني منافعنا بالإمام المهدي(عليه السلام) مع غيبته بمنافع الشمس إذا سترتها السحب عن الأبصار فنقول: هذا التشبيه لم يكن نابع من نسج الخيال والاستحسان وإنما أخذه من مضامين أحاديث ثابتة عن النبي (صلى الله عليه و آله) وأهل بيته الطاهرين وعن الإمام المهدي نفسه(عليه السلام) وإليك بعض ما ورد منها:

أحاديث منافعنا بالإمام المهدي (عليه السلام) أيام غيبته

1- روى الصدوق في كتابه (إكمال الدين) ص246 بسنده، وعلي بن محمد الخزاز في كتابه (كفاية الأثر) في النصوص على الأئمة الإثني عشر ص7 ونقله عنهما المجلسي في (البحار) ج36 ص249 عن جابر الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: لما أنزل الله عز وجل على نبيه محمد(صلى الله عليه و آله):(أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء/60].

قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله فمن أولوا الأمر منكم الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال(صلى الله عليه و آله): هم خلفائي يا جابر، وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن والحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر وستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم سمييّ وكنييّ، حجة الله في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره – على يديه مشارق الأرض ومغاربها ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان.

قال جابر: فقلت له: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته فقال (صلى الله عليه و آله) أي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وأن تجللها سحاب…الخ.

ورواه أيضاً ابن شهر آشوب في كتاب (المناقب) ج1 ص282، ورواه بعض علماء العامة ومنهم الشيخ سليمان الحنفي في كتابه (ينابيع المودة) ص494.

2- روى الحمويني في كتابه (فرائد السمطين) ج1 ص33 بسنده عن سليمان بن مهران الأعمش، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين(عليهم السلام) أنه قال: نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين وقادة الغر المحجلين وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزّل الغيث، وينشر الرحمة ويخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منا لساخت بأهلها ثم قال:

ولم تخل الأرض – منذ خلق الله آدم – من حجة لله فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور - ولا تخلوا إلى أن تقوم الساعة - من حجة لله فيها ولولا ذلك لم يعبد الله، قال سليمان: فقلت للصادق(عليه السلام) فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب.

ونقله عن الحمويني الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) ص21، وهذا الحديث الشريف رواه علماؤنا كالصدوق في (إكمال الدين) ص200 وفي (الأمالي) ص112، والطبرسي في (الاحتجاج) ج2 ص48 ونقله عنهم المجلسي في (البحار) ج23 ص6، ونقله عن (الأمالي) ج52 ص92.

3- روى الصدوق في (إكمال الدين) بسنده ص451-ص452 والطبرسي في (الاحتجاج) ج2 ص281-ص284، ونقله عنهما المجلسي في (البحار) ج52 ص93 عن الكليني عن إسحاق بن يعقوب أنه ورد عليه من الناحية المقدسة (أي ناحية الإمام المهدي(عليه السلام)) على يد محمد بن عثمان (أي الخلاني) في مسائل عديدة سأل عنها يقول(عليه السلام) فيما فيه محل الشاهد: وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل يقول:(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة/102]، إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وأني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء فأغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم ولا تتكلفوا على ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإن ذلك فرجكم والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى.

 

1- نص على ذلك شيخنا الكليني في (الكافي كما في شرحه الشافي) ج4 ص671، ورواه الصدوق في (إكمال الدين) ص406 والطوسي في (الغيبة)، والطبرسي في كتابه (إعلام الورى) ص393، والمفيد في 0الإرشاد) وابن الصباغ المالكي في (الفصول المهمة) ص274 ونقل رواياتهم وغيرهم في ذلك المجلسي في (البحار) ج51 ص2، 4، 17، 28.

2- ولعل الصحيح وسط البيت.

3- الأبيات من قصيدة للشيخ البهائي نقلناها من (كشكوله) ج1 ص246.

4- راجع ترجمة هؤلاء السفراء في (البحار) ج51 ص343-ص366 وراجع باب – ما ظهر من معجزات الإمام (ع) ص293-ص343.

5- الأبيات من قصيدة عصماء لشاعر أهل البيت (ع) السيد صالح القزويني.

6- كون الإمام المهدي من أولاد الحسن (ع) ذلك هو أن أحد أجداده الكرام الإمام محمد الباقر (ع) وهو ابن علي بن الحسين (ع) وأمه فاطمة بنت الحسن (ع) وهو أول مولود اجتمعت فيه ولادة السبطبن الحسن والحسين (ع) فذريته كلها حسينية وحسنية، نسبّ كأنّ عليه من شمس الضحى نوراً ومن فلق الصباح عموداً.

7- راجع الأحاديث والروايات التي تعرف الإمام المهدي (ع) بتلك التعاريف وغيرها وتنص على غيبته وتبشر بظهوره وأنه يملأ الدنيا بأسرها قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، إلى غير ذلك مما يتعلق بشؤونه (ع) راجعها في كتاب (إكمال الدين) للصدوق من ص243-ص267، و(البحار) للمجلسي ج51 ص65-166، وكتاب (المهدي) للسيد صدر الدين من أوله إلى ص148، وهذا الأخير لا ينقل إلا ما رواه أهل السنة في صحاحهم وسننهم ومسانيدهم وسائر كتب الحديث لهم.

8- أي كأنه رجل، وذلك باعتبار أنه كان ينمو سريعاً.

9- أحمد صاحب هذا الحديث هو عامل المعتمد على أهل قم وأبوه عبيد الله وزير المعتمد، وكانا من أنصب خلق الله وأشدهم عداءاً لأهل البيت (ع) وقد حدث أحمد بحديثه هذا أهل مجلسه بقم سنة ثمان وسبعين ومائتين (أي بعد وفاة الحسن العسكري بثمانية عشر سنة) ووصف في حديثه عظمة الإمام الحسن (ع) ورفيع مقامه عند المعتمد وعند أبيه وعند ولي العهد والقواد وبني هاشم وسائر الناس، ووصفه بما فيه من الصفات= =الجليلة واستعرض في حديثه أيضاً مرض الإمام ووفاته وتشييعه ودفنه ومراقبة المعتمد له أثناء ذلك كله وطلبه الحثيث لولده، وعدم عثوره عليه وقد روى لنا حديثه هذا كثير من علمائنا الأعلام بأسانيدهم منهم الصدوق في (إكمال الدين) ص38-42، والكليني في (الكافي) ج4 ص656-ص659، والمفيد في (الإرشاد) ص318-ص320، والطوسي في (الفهرس) والطبرسي في (إعلام الورى) ص357-359، وأشار إليه النجاشي في (رجاله)ص68 ونقله عن هذه المصادر المجلسي في (البحار) ج50 ص325-330، كما نقله عن هذه المصادر أيضاً صدر الدين الصدر في كتابه (المهدي) ص49 وغيره الكثير.

10- تقسيم الميراث هنا بين أمه وأخيه على ما عليه العامة، وأما عند الشيعة الإمامية فليس للأخ نصيب في الميراث مع وجود الأم.

11- نحن لا نقول بأن خروجه من السرداب بل ظهورهُ يكون بمكة كما هو متفق عليه عند الشيعة الإمامية ولكننا بلينا بقوم لا يفقهون وإنا لله وإنا إليه راجعون.

12- راجع (البحار) ج52 باب يوم خروجه وما يحدث عنده ص279-ص308.

13- المصدر السابق ص391.