الصفحة الرئيسية

مكتبة الموقع

مكتبة العقائد الإمامية

فهرس الكتاب

 

ـ 6 ـ

شبهات حول زيارة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)

استفاضت السنّة النبوية - كما مر- على استحباب زيارة الرسول، ودلّت السيرة القطعية طوال القرون، المنتهية إلى عصر الصحابة والتابعين، على أنّها من السنن المطلوبة، وأنّ شدّ الرحال إليها، كشدّ الرحال إلى سائر الأمور المسنونة، وأكّد أعلام المذاهب على كونها أمراً قُربيّاً، لذا فالتشكيك في جواز زيارة الرسول أشبه بالتشكيك في أمر بديهي، ولا غرو في التشكيك فيها، فقد شكك عدّة من فلاسفة الإغريق في أبده الأمور وأوضحها، حتى شكّوا في كل شيء، بما في ذلك ذواتهم وأنفسهم، وتفكيرهم وتعقّلهم، حتى في حرارة النار وبرودة الماء، ولولا قيام الحكماء الإلهيين كسقراط، وبعده أفلاطون وأرسطو، في وجوه هؤلاء المنسلخين عن الإنسانية لعمّت الداء العمياء وجه البسيطة.

وما نذكره في المقام من الشبه والتشكيكات لم يذكره ابن تيمية في كتبه وإنّما نقلها الإمام السبكي عن خطه، ويجتّرها أتباعه من دون وعي، وإليك بيانها وتحليلها.

الشبهة الأولى: في تقسيم الزيارة إلى شرعية وبدعية

إنّ زيارة القبور على قسمين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية.

فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام على الميّت والدعاء له إن كان مؤمناً، وتذكّر الموت سواء أكان الميت مؤمناً أم كافراً. والزيارة لقبر المؤمن نبياً كان أو غير نبيّ من جنس الصلاة على جنازته، يدعى له، كما يدعى إذا صلّي على جنازته.

وأمّا الزيارة البدعية فمن جنس زيارة النصارى مقصودها الإشراك بالميت، مثل طلب الحوائج منه أو به أو التمسّح بقبره أو تقبيله أو السجود له ونحو ذلك. فهذا كلّه لم يأمر الله به ورسوله ولا استحبّه أحد من المسلمين، ولا كان أحد من السلف يفعله، لا عند قبر النبي ولا غيره، ولا يسألون ميتاً ولا غائباً سواء كان نبياً أو غير نبي بل كان فضلاؤهم لا يسألون غير الله شيئاً(1).

يلاحظ عليه: بأمرين:

1- حصر الزيارة في قسمين مع أنّها ذات أقسام كما سنذكر.

2- إدخال الأمور الجانبية، كالاستغاثة والسؤال به أو منه في ماهية الزيارة مع أنّها ليست منها، فصار هذا وذاك ذريعة لتبلور الشبهة لديه ولدى أتباعه. وهانحن نذكر معنى الزيارة وأقسامها ليتبيّن أنّ القسم الأخير الذي يقصد فيها الإشراك لا يمتّ لزيارة المسلمين بصلة قبور أكابر الدين ولعلّ الغاية من ذكره دعم الشبهة في أذهان البسطاء.

فالزيارة في اللّغة هو العدول عن جانب والميل إلى جانب آخر، قال ابن فارس: (الزور) أصل واحد يدل على الميل والعدول، ومن وهذا الباب الزائر لأنه إذا زارك فقد عدل عن غيرك(2).

ويظهر من غيره أنّه (بمعنى القصد) وهو لا يخالف ما سبق، لأنّ الميل إلى جانب لا ينفك عن القصد، قال الطريحي: زاره يزروه زيارة: قصده فهو زائر، وفي الحديث من زار أخاه في جانب المصر، أي قصد، وفي الدعاء: اللّهمّ اجعلني من زوّارك إني من القاصدين لك، الملتجئين إليك، والزيارة قصد المزور إكراماً له وتعظيماً واستئناساً به(3).

والظاهر كما يظهر من ذيل كلامه أنّ معناها ليس مجرّد القصد بل القصد المنتهي إلى حضور الزائر لدى المزور لإحدى الغايات، وهي تختلف حسب اختلاف المزور شأناً، ومقاماً، ومهنة.

نعم في إمكان الزائر أن يزور الرسول لإحدى الغايات التالية:

1- أن يزور الرسول(صلى الله عليه وآله) لمجرّد تذكّر الموت والآخرة، وهذا ثابت في زيارة جميع القبور من غير فرق بين الرسول وغيره بل المؤمن والكافر، ودلالة القبور على ذلك متساوية، كما أنّ المساجد - غير المساجد الثلاثة - متساوية لا يتعيّّن شيء منها بالتعيين بالنسبة إلى هذا الغرض، ولا معنى لشدّ الرحال إلى المدينة لزيارة الرسول لتلك الغاية المتحققة في زيارة كلّ قبر في بلد الزائر النائي.

2- أن يزور الرسول(صلى الله عليه وآله) للدعاء له، كما زار الرسول لأهل البقيع، وهذا مستحبّ في حقّ كلّ ميت من المسلمين، ويتحققّ في زيارته(صلى الله عليه وآله) إذا صلّى عليه، وطلب الدرجة الرفيعة له، كما ورد في الحديث: كان عليّ(عليه السلام) يقول: اللّهم أعل على بناء البانين بناءه، وأكرم لديك نُزُله، وشرّف عندك منزله، وآته الوسيلة، وأعطه السناء والفضيلة، واحشرنا في زمرته(4).

3- أن يزوره(صلى الله عليه وآله) للتبرّك به لأنّه ليس في الخلف أعظم بركة منه وهو حيّ يرزق، والصلة بيننا وبينه غير منقطعة، وقد استفاضت الروايات على أنّه يسمع كلامنا، ويرد سلامنا، بشهادة أنّ عامة المسلمين، يسلّمون عليه في تشهّدهم ويخاطبونهم بقولهم: السلام عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته.

4- أن يزوره(صلى الله عليه وآله) لأداء حقّه، فإنّ من كان له حقّ على الشخص فينبغي له برّه في حياته، وبعد موته والزيارة من جملة البرّ لما فيها من الإكرام وليس إنسان أوجب حقّاً عليها من النبيّ.

هذه هي الغايات المتصوّره في زيارة النبيّ الأكرم.

وأمّا الزيارة البدعية التي تحدّث عنها أبن تيمية وأسماها بدعية تارة وإشراكاً لله تعالى أخرى، فهو ممّا أبدعها ابن تيمية وليس بين المسلمين من يسوّي بين الله ورسوله، كما هو شعار المشركين، كما قال سبحانه حاكياً عنهم، ( إذ نسوّيكم بربّ العالمين)[سورة الشعراء: الآية98]، والمسلمون بعامّة طوائفهم براء من الشرك وسماته وقد عرف سبحانه أهل الشرك بسمة خاصّة مذكورة في آيتين، قال سبحانه: ( ذلكم بأنّه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العليّ الكبير)[سورة غافر: الآية12].

وقال تعالى: (إنهم إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون)[سورة الصافات: الآية35] فلا تجد مسلماً عندما يزور النبيّ تحت قبّته الخضراء وفي مسجده يكون على تلك الحالة أي إذا دعي الله وحده كفر به، وإن يشرك به يؤمن به، أو إذا سمع لا إله إلا الله يستكبر عن عبادته.

ولا أدري كيف تجرّى الرجل وحكم بشرك قاطبة المسلمين بمجرد أنّهم يطلبون منه الدعاء بعد رحيله، وكم من صحابيّ جليل، تكلّم معه وطلب منه الدعاء بعد وفاته.

1- هذا أبو بكر: أقبل على فرسه من مسكنه بالسنخ حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلّم الناس حتى دخل على عائشة فتيمّم النبيّ(صلى الله عليه وآله) وهو مسجّى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبّله ثم بكى، فقال: بأبي أنت يا نبيّ الله لا يجمع الله عليك موتتين أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد متّها(5).

فلو لم تكن هناك صلة بين الحياتين فما معنى قوله: (بأبي أنت يا نبيّ الله) فإن لم يسمع فماذا قصد ذلك الصحابي من قوله: (لا يجمع الله عليك موتتين).

2- روى السهيلي في الروض الأنف: (دخل أبو بكر على رسول الله في بيت عائشة ورسول الله مسجّى في ناحية البيت، عليه برد حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثم أقبل عليه فقبّله، ثم قال: بأبي أنت وأمي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ثم لن تصيبك بعدها موتةً أبداً)(6).
3- روى الحلبي في سيرته وقال: (جاء أبو بكر من السنخ وعيناه تهملان فقبّل النبيّ(صلى الله عليه وآله) فقال: بأبي أنت وأمي طبت حيّاً وميتاً)(7).

4- روى مفتي مكة المشرّفة زيني دحلان في سيرته فذكر ما ذكراه، وقال: قال أبو بكر: طبت حيّاً وميّتاً، وانقطع بموتك ما لم ينقطع للأنبياء قبلك، فعظمت عن الصفة وجلّلت عن البكاء، ولو أنّ موتك كان اختياراً، لجدنا لموتك بالنفوس، اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن على بالك(8).

5- قال أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) عندما ولي غسل رسول الله(صلى الله عليه وآله): (بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والأنباء وأخبار السماء - إلى أن قال -: بأبي أنت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك)(9).

إلى هنا تمّت الإجابة عن الشبهة الأولى وأمّا ما ذكره في ضمنها من أنّه ممّا لم يأمر به الله ولا رسوله فستوافيك الإجابة عنه في تحليل الشبهة الثانية.

الشبهة الثانية: إنّ زيارة النبيّ بدعة

(إنّ زيارة النبيّ ليس مشروعاً وانّه من البدع التي لم يستحبّها أحد من العلماء لا من الصحابة ولا من التابعين ومن بعدهم).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره فيها هو نفس ما ذكره في ذيل الشبهة الأولى غير أنّه أضاف في المقام كون الزيارة بدعة.

نقول: إنّ البدعة عبارة عن إدخال ما ليس من الدين فيه، والتصرّف في التشريع بإيجاد السعة أو الضيف فيه، وهذا إنّما يتصور فيما إذا لم يكن في المورد دليل، وقد عرفت تضافر السنّة النبوية، والسيرة القطعية المسلّمة بين المسلمين على زيارته ومع هذا كيف تصح لمسلم داع تسمية تلك بدعة.

ثم إنّ السلفي يطلق على من يقفو أثر السلف، وقد عرفت أنّ السلف منذ رحيل الرسول، دأبوا على زيارة قبره والتبرك به، حتى أنّ الخليفتين أوصيا بالدفن لدى النبيّ، لما فيه من التبرّك بتربته، فأين وصف زيارته بالبدعة من عمل صحابته(صلى الله عليه وآله)، فقد تضافر عن ابن عمر أنّه كان يأتي قبر النبيّ فيسلّم عليه، أو أنّ عمر بن عبد العزيز يبرد البريد لزيارة الرسول نيابة عنه أو أنّ بلالاً، شدّ الرحال إلى المدينة لزيارة الرسول.

إنّ الحوار الدائر بين الإمام مالك وأبي جعفر المنصور، يكشف الغطاء، ويجلّي الحقيقة:

روى القاضي عياض في الشفاء بإسناده عن ابن حميد قال: ناظر أبو جعفر مالكاً في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقال له مالك: يا أميرالمؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإنّ الله تعالى أدّب قوماً، فقال: (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ)[سورة الحجرات: الآية2]، ومدح قوماً فقال: (إنّ الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله)[سورة الحجرات: الآية3] وذمّ قوماً فقال: (إنّ الذين ينادونك من وراء الحجرات)[سورة الحجرات: الآية4]. وانّ حرمته ميتاً كحرمته حيّاً، فاستكان لها أبو جعفر، وقال: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم(عليه السلام) إلى الله تعالى يوم القيامة، بل استقبله وأستشفع به فيشفّعه الله تعالى، قال الله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله )[سورة النساء: الآية64].

فانظر هذا الكلام من مالك رحمه الله وما اشتمل عليه من الزيارة والتوسّل بالنبي(صلى فانظر هذا الكلام من مالك وما اشتمل عليه من الزيارة والتوسل بالنبي(صلى الله عليه وآله) وحسن الأدب معه(10).

وأمّا التبرك بالقبر، أو الإقسام على الله بأحد من خلقه والاستغاثة بالميت، فالكل خارج عن ماهية الزيارة، وإنّما هي أمور جانبية، لا تكون سبباً، لتسمية الزيارة بدعة، على أنّ الجميع جائز بدلالة الكتاب والسنّة وليست تربة النبي الأكرم بأقلّ من قميص يوسف، حيث تبرّك به يعقوب فعاد بصره، قال سبحانه: ( اذهبوا بقميصي هذا فالقوه على وجه أبي يأت بصيراً وأتوني بأهلكم أجمعين... * فلمّا أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتدّ بصيراً قال ألم أقل لكم إنّي أعلم من الله ما لا تعلمون)[سورة يوسف:الآية94- 96].

وليس ضريح النبيّ ومدفنه بأقل كرامة من تابوت بني إسرائيل وما ترك آل موسى وآل هرون من قميص وعصي وغيرهما، وكان بنو إسرائيل يتبرّكون به في الحروب قال تعالى: (وقال لهم نبيّهم إنّ آية ملكه أن يأتيكم التّابوت فيه سكينة من ربّكم وبقيّة ممّا ترك آل موسى وآل هرون تحمله الملائكة إنّ في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين)[سورة البقرة:الآية 248] قال الرازي: إذا حضر (بنو إسرائيل) القتال قدّموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوّهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدوّ فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصر، فلمّا عصوا وفسدوا سلّط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيّهم البيّنة على ملك طالوت قال ذلك النبي: إنّ آية ملكه أنّكم تجدون التّابوت في داره(11).

إنّ الاستغاثة بالنبيّ والولي أحياءً وأمواتاً ترجع إلى طلب الدعاء منهم، فلو لم تكن للميت مقدرة على الإجابة يكون العمل لغواً لا شركاً، وليست الحياة والموت حدّاً للتوحيد والشرك حتى يكون خطاب الحيّ عين التوحيد وخطاب الميّت، نفس الشرك.

على أنّا قد ذكرنا استفاضة الأثر على أنّ الصحابة كانوا يستغيثون بنبيّهم، نبيّ الرحمة وقد ذكر موارده فلاحظ(12).

الشبهة الثالثة: ( إنّ الزيارة تؤدي إلى الشرك)

هذه آخر ما في كنانة الرجل من سهام مرشوقة وقد استدلّ عليه بما لا يمتّ إلى مدعاه بصلة، قال: إنّ من أصول الشرك اتخاذ القبور مساجد كما قال بعض السلف في قوله تعالى: ( وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرنّ ودّاً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا)[سورة نوح:الآية 23] قالوا: كان هؤلاء قوماً صالحين فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوّروا على صورهم تماثيل ثم طال عليهم الأمد فعبدوها.

يلاحظ عليه:

أنّ محور البحث هو الزيارة على ماجرت عليه سيرة السلف والخلف ولم تؤدي طوال القرون الأربعة إلى الشرك، ولم تكن عكوفاً على القبور ولا بتصوير تماثيلهم وعبادتهم مكان عبادة الله، فأيّ صلة لهذا الكلام بمدعاه من تحريم الزيارة.

إنّ زيارة قبر نبيّ التوحيد ورسوله، دعم للمبدأ الذي جاء به وتأكيد لصحّة رسالته التي كانت في طريق تحطيم الوثنية وعبادة الأنداد والأمثال المزعومة، فكيف تقع مثلها ذريعة إلى الشرك يا ترى؟

يقول ابن زهرة:

(فإنّ التقديس الذي يتّصل بالرسل إنّما هو لفكرتهم التي حملوها، فالتقديس لمحمد(صلى الله عليه وآله) تقديس للمعاني التي دعا إليها، وحثّ عليها فكيف يتصوّر من مؤمن عرف حقيقة الدعوة المحمدية أن يكون مضمراً لأيّ معنى من معاني الوثنية وهو يستعبر العبر، ويستبصر ببصيرته عند الحضرة الشريفة والروضة المنيفة، فإذا كان خوف ابن تيمية من أن يؤدي ذلك إلى الوثنية بمضي الأعصار والدهور فإنّه خوف من غير جهة. لأنّ الناس كانوا يزورون قبر الرسول(صلى الله عليه وآله) إلى أوّل القرن الثامن ثم استمرّوا على هذه السيرة في العصور من بعده إلى يومنا هذا، ومع ذلك لم ينظر أحد إلى هذا العمل نظرة عبادة أو وثنية ولو تفرّط أحد فهو من العوام ولا يمنع تلك الذكريات العطرة بل يجب إرشادهم لا منعهم من الزيارة وتكفيرهم)(13).

قال الشيخ محمد زاهد الكوثري من علماء الأزهر الشريف:

إنّ سعي ابن تيمية في منع الناس من زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) يدل على ضغينة كامنة فيه نحو النبي (صلى الله عليه وآله)، وكيف يتصور الإشراك بسبب الزيارة، والتوسل في المسلمين الذين يعتقدون في حقه أنه عبده ورسوله وينطقون بذلك في صلاتهم نحو عشرين مرة في كل يوم على أقل تقدير، إدامة لذكرى ذلك ولم يزل أهل العلم ينهون العوام من البدع في كل شؤونهم، ويرشدونهم إلى السنّة في الزيارة وغيرها إذا حدث منهم بدعة في شيء، ولم يعدّوهم في يوم من الأيام مشركين بسبب الزيارة أو التوسل، وأول من رماهم بالإشراك بتلك الوسيلة هو ابن تيمية وجرى خلفه من أراد استباحة أموال المسلمين ودمائهم لحاجة في النفس(14).

وأما ما رواه إمام الحنابلة عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً، لعن الله قوماً اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد)(15). فإن الحديث - إذا افترضنا صحة الاحتجاج به - لا صلة له بالزيارة، وإنما يهيب بالذين يتخذون قبور أنبياءهم مساجد، يصلّون إليها - إذا اتخذوها قبلة - أو لها، إذا عبدوها. ويدل على ما ذكرنا ما روي أيضاً من أنه (صلى الله عليه وآله) قال: (اللهم لا تجعل قبري يصلّى إليه فإنه اشتدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد)(16).

(وكفى بربك هادياً ونصيراً)[سورة الفرقان: الآية21].

 

1 - الإمام السبكي، شفاء السقام: ص124- ص125، نقلاً عن خط ابن تيمية.

2 - ابن فارس، مقاييس اللغة ج3: ص36.

3 - الطريحي، مجمع البحرين ج1: ص305.

4 - نهج البلاغة، الخطبة 106.

5 - البخاري، الصحيح ج2: ص17، كتاب الجنائز.

6 - أبو القاسم عبد الرحمن السهيلي (508 - 581هـ) الروض الأنف ج4: ص260.

7 - الحلبي علي برهان الدين (975 - 1044هـ) السيرة الحلبية ج3: ص74, ط دار المعرفة، بيروت.

8 - سيرة الزيني دحلان، بهامش السيرة الحلبية ج3: ص391، ط مصر.

9 - نهج البلاغة: الخطبة 235.

10 - الإمام السبكي، شفاء السقام: ص70.

11 - الرازي، مفاتيح الغيب ج6: ص177.

12 - السبحاني، التوسل: ص67 - ص77.

13 - كلام ابن زهرة في كتابه حول حياة ابن تيمية.

14 - تكملة السيف الصقيل: ص156.

15 - الإمام أحمد، المسند ج2: ص246.

16 - كنز العمال ج2: برقم 3802.