الصفحة الرئيسية

مكتبة الموقع

مكتبة العقائد الإمامية

فهرس الكتاب

 

تمهيد

الإسلام دين الفطرة

عندما نقول إن الإسلام دين الفطرة فهذا لا يعني أن كل حكم جزئي منه يوافقها، بل يعني أن الأصول الكلية في مجالي العقائد والشريعة، تنسجم مع الفطرة وتوحي إليها بشكل واضح، ولذلك كانت تعاليم الأنبياء، وفي مقدمتهم الشريعة الإسلامية، تثير مكنون الفطرة، لذا فهم قبل أن يكونوا معلمين كانوا مذكرين بما أودع الله سبحانه في فطرة الإنسان من ميولات نحو العبودية لله سبحانه، والانشداد إلى ما وراء الطبيعة، والجنوح إلى العدل ومكارم الأخلاق، والنفور عن الظلم ومساوئ العادات. فكأن الفطرة أول مدرسة يتعلم فيها الإنسان أصول المعارف ومكارم الأخلاق وآدابها، من دون معلم، وهذا لطف وامتنان منه سبحانه لعباده ويعد الحجر الأساس لسائر الهدايات الإلهية الواصلة إليهم عن طريق أنبيائه ورسله.

وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون)[سورة الروم: الآية30] فإن المراد من الدين في الآية مجموع العقيدة والشريعة، كما فسره به مشاهير المفسرين، وكلمة (فطرت الله) التي نصبت على الاختصاص تفسير للدين، فالدين - بتمام معنى الكلمة- يوافق فطرة الإنسان، بالمعنى الذي عرفت، أي أن أصوله وكلياته تنسجم مع الفطرة وليست الآية وحيدة في بابها بل لها نظائر في الذكر الحكيم تؤكد مضمونها، وتثبت بوضوح كون معرفة المحاسن والمساوئ والفجور والتقوى والميل إلى الفضائل، والانزجار عن الرذائل أمراً فطرياً إلى حد يقول سبحانه: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)[سورة الشمس: الآية8] وفي آية أخرى: (ألم نجعل له عينين* ولساناً وشفتين* وهديناه النجدين)[سورة البلد: الآية8 - 10].

فالإنسان الطبيعي الذي لم يتأثر بالمناهج البشرية، يدرك المحاسن والمساوئ، والفجور والتقوى والخير والشر، كرامة من الله سبحانه إليه.

ومن روائع الكلم ما روي عن الإمام علي(عليه السلام) حول تحديد دعوة الأنبياء وأن دورهم في مجال التربية تذكيرهم بمقتضيات الفطرة. يقول(عليه السلام):

(فبعث الله فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسيّ نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول)(1).

فالشرائع السماوية كأنها تستنطق الفطرة وتذكر بالنعمة المنسية بفعل الأهواء والدعايات الباطلة، وقد أمر حملتها بإثارة ما دفن في فطرة الإنسان من جواهر المعقولات في مجالي العقيدة والشريعة.

وعلى ذلك فالشريعة - وفق الفطرة - مصباح ينير الدرب لكل ساع في طلب الحق. وكل فكرة أو ميل، توحي إليهما الفطرة فهو آية كونه حقاً، وكل فكرة أو جنوح، يناقض الفطرة وترفضهما فهو آية كونه باطلاً. ولأجل ذلك تخلينا عن الرهبانية والتعزّب ووأد البنين والبنات لأنها تخالف مقتضى الفطرة.

إن البحث في كون الشريعة الإلهية شريعة فطرية، يتطلب مجالاً واسعاً لما يترتب على البحث من نتائج مشرقة تعين على حل مشاكل أثارها خصوم الإسلام في مجال خاتمية الشريعة الإسلامية، حيث إنهم يرفضون كون الدين ديناً خاتماً، بزعمهم أن الحياة الإنسانية حياة متغيرة ومتحولة فكيف يمكن تدبير المجتمع المتغير، بقوانين ثابتة جامدة؟

ولكنهم لعدم معرفتهم بحقيقة الشريعة الإسلامية، غفلوا عن أمر هام، وهو أن المتغير في الحياة الإنسانية هو القشر، لا اللب، وإلا فالإنسان بما له من غرائز وميول علوية وسفلية لم يتغير ولن يتغير، وبهذه الميزة والخصوصية هو محكوم بالقوانين الثابتة.

فالإنسان القديم كان يحب العدل وينفر من الظلم ويميل إلى الزواج والحياة الاجتماعية وهكذا الإنسان في العصر الحاضر، إذن فالقانون في حقهما سواء وإن تغيرت أجواء الحياة وقشورها ولباسها وظواهرها.

الصلة بين الأحياء والأموات

إن زيارة الإنسان لقبر حبيبه ومن كانت له به صلة روحية أو مادية، هي مما تشتاق إليه النفوس السليمة، فكل من يعيش تحت السماء باسم الإنسان السوي إذا فارق أحبته وأقرباءه، لا يقطع علاقته بمن شغف قلبه حباً، بل هو على حبه باق، ويريد أن يجسد محبته وشوقه بصور مختلفة، فهو تارة يأوي إلى آثار حبيبه ورسوم داره وأطلاله فيحتفظ بألبسته وأثاثه وقلمه وخطوطه، ولا يكتفي بذلك بل يحاول أن يزور قبره وتربته حيناً بعد حين. كل ذلك بباعث ذاتي من صميم خلقته، فلا يصح لدين أسّه الفطرة إن يخالفه أو يمنعه من وصل أحبائه وتعاهدهم.

لكن للإسلام أن يحددها ويذكر آدابها ويمنع عن بعض الأمور غير الدخيلة في صميمها، لكن ليس في وسعه بما أنه مناد لدين الفطرة أن يقوم بقطع العلائق مع الأحبة بتاتاً.

وعلى ضوء ذلك ترى أن السنة حثت على زيارة القبور وذكرت آثارها البناءة، ولو منعت في فترة خاصة - لو صح المنع - فإنما هو لمانع عن تطبيق الحكم وتنفيذه كما سيظهر لك.

هذا هو أصل الزيارة، وقضاء الفطرة على وفقه.

مضافاً إلى ذلك فلها آثار تربوية وهي ما يلي:

الآثار التربوية لزيارة القبور

إن زيارة القبور تنطوي على آثار تربوية، وأخلاقية وذلك لأن مشاهدة المقابر التي تضم في طياتها مجموعة كبيرة من الذين عاشوا في هذه الحياة الدنيا، وكانوا بمكان عال من القدرة والسلطة، ثم انتقلوا إلى الآخرة، تؤدي إلى الحد من روح الطمع، والحرص على الدنيا، وربما تغير سلوك الإنسان لما يرى أن المنزل الأخير لحياته إنما هو بيت ضيق ومظلم باق فيه إلى ما شاء الله، فعند ذلك ربما يترك المظالم والمنكرات ويتوجه إلى القيم والأخلاق.

وإلى هذا الجانب من الأثر التربوي يشير النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) ويقول:

(كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها فإنها ترق القلوب، وتدمع العين وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجراً)(2).

وفي لفظ آخر:( كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور فإنها تزهد في الدنيا)(3). وفي لفظ ثالث: (وتذكر الآخرة)(4).

وعن أبي هريرة أن النبي(صلى الله عليه وآله) زار قبر أمه ولم يستغفر لها. قال:( أمرت بالزيارة ونهيت عن الاستغفار فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت)(5).

وعنه(صلى الله عليه وآله) أنه قال: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة)(6).

ويظهر من بعض الروايات أن النبي الأكرم(صلى الله عليه و آله) نهى يوماً عن زيارة القبور ثم رخصها وكان النهي والترخيص من الله سبحانه.

لعل النهي كان بملاك أن أكثر الأموات يومذاك كانوا من المشركين، فنهى النبي(صلى الله عليه وآله) عن زيارتهم ولما كثر المؤمنون بينهم رخص بإذن الله.

ولعل النهي كان بملاك آخر وهو أن زيارة القبور تذكر الموتى والقتـــلى وتـــورث الجـــبن عن الجـــهاد، وإذ قــــوي الإسلام رخص الزيارة(7).

وعن أم سلمة عنه(صلى الله عليه وآله) :(نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها فإن لكم فيها عبرة)(8).

الآثار الاجتماعية لزيارة أكابر الدين

قد تعرفت على الآثار التربوية لزيارة قبور المسلمين، وهنا آثار تختص بزيارة أكابر المسلمين ورؤسائهم، وفي طليعتهم زيارة النبي الأكرم(صلى الله علية وآله) وهي: أن في زيارتهم نوعاً من الشكر والتقدير على تضحياتهم، وإعلاماً للجيل الحاضر بأن هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحق والهدى والدفاع عن المبدأ والعقيدة.

ولأجل هذا الأثر الممتاز لزيارة صلحاء الأمة، نجد أن الأمم الحية تتسابق على زيارة مدفن رؤسائهم وشخصياتهم، الذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل إحياء الشعب واستقلاله من أيدي المستعمرين والظالمين، ويقيمون الذكريات المئوية لإحياء معالمهم، ويعدونه تعظيماً وتكريماً لأهدافهم.

وهذا هو العالم بغربه وشرقه، فيه قبور وأضرحة لشخصياته وعظمائه وصلحائه من غير فرق بين ديني ودنيوي، لأن الإنسان يرى زيارتهم تكريماً لهم وتأدية لحقوقهم ووفاءًَ لعهدهم، فكل ما يقوم به فهو بوحي الفطرة ودعوتها إلى ذلك.

إن القبور التي تحظى باهتمام واحترام المؤمنين بالله في العالم - وخاصة المسلمين - هي في الغالب قبور حملة الرسالات الإصلاحيين الذين أدوا مهمتهم على الوجه المطلوب.

وهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

1- الأنبياء والقادة الدينيون الذين حملوا على عاتقهم رسالة السماء وضحوا- من أجلها - بالنفس والمال والأحباب، وتحملوا أنواع المتاعب والمصاعب من أجل هداية الناس.

2- العلماء والمفكرون الذين كانوا كالشمعة تحرق نفسها لتضيء للآخرين، وقد عاش هؤلاء حياة الزهد والحرمان، وقدموا للعالم، البحوث القيمة والتحقيقات الرائعة في مجالات العلم والفكر والطبيعة ومفاهيم السماء وعلوم الكون والمخلوقات وغير ذلك.

3- المجاهدون الثائرون الذين ضاقوا ذرعاً بما يعيشه المجتمع من الظلم وسحق الحقوق والتمييز العنصري أو القومي، فثاروا ضد الظلم والطغيان و طالبوا بحفظ كرامة الإنسان وأداء حقوقه، وأقاموا صرح العدالة بدمائهم الغالية.

إن أية ثورة أو تغيير اجتماعي لا يقدر له النجاح إلا بدفع الثمن، وإن ثمن الثورة التي تستهدف تدمير قصور الظالمين، وخنق أنفاسهم هو الدماء الزكية التي يضحي بها المقاتلون الأبطال لإعادة الحق والحرية إلى الوطن الإسلامي.

إن الناس يزورون قبور هؤلاء ويذرفون عندها الدموع، ويتذكرون بطولاتهم وتضحياتهم، ويسعدون أرواحهم بتلاوة آيات من القرآن الحكيم هدية إليهم، وينشدون قصائد في مدحهم وثنائهم وتقدير مواقفهم المشرقة.

إن زيارة مراقد هذه الشخصيات هي نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم، وإعلام للجيل الحاضر بأن هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحق والهدى والفضيلة والدفاع عن المبدأ والعقيدة.

إن جزاءهم هو خلود الذكر الحسن والثناء الجميل، بالرغم من مرور الزمان على وفاتهم، وتعريف الناس بتلك الشخصيات الراقية وبمعتقداتهم التي ضحوا من أجلها، واحترام مراقدهم وتجنب كل ما يمس بكرامتها، لأن احترام قبورهم احترام لرسالاتهم وعقائدهم، كما أن أي نوع من الإهانة والتحقير تجاه مراقدهم هو في الحقيقة إهانة لرسالاتهم وتحقير لشخصيتهم.

ثم إن لبعض أهل المعرفة تحليلاً علمياً رائعاً في زيارة النبي الأكرم نذكره بنصه قال:

أعلم أن النفوس القوية القدسية، لا سيما نفوس الأنبياء والأئمة(عليهم السلام)، إذا نفضوا أبدانهم الشريفة وتجردوا عنها، وصعدوا إلى عالم التجرد، وكانوا في غاية الإحاطة والاستيلاء على هذا العالم يكون العالم عندهم ظاهراً منكشفاً، فكل من يحضر مقابرهم لزيارتهم يطلعون عليه، لا سيما ومقابرهم مشاهد أرواحهم المقدسة العلية، ومحال حضور أشباحهم البرزخية النورية، فإنهم هناك يشهدون (بل أحياء عند ربهم يرزقون)[سورة آل عمران: ص169]، وبما آتاهم الله من فضله فرحون، فلهم تمام العلم والاطلاع بزائري قبورهم، وحاضري مراقدهم وما يصدر عنهم من السؤال والتوسل والاستشفاع والتضرع، فتهب عليهم نسمات ألطافهم، وتفيض عليهم من رشحات أنوارهم، ويشفعون إلى الله في قضاء حوائجهم، وإنجاح مقاصدهم، وغفران ذنوبهم وكشف كروبهم.

فهذا هو السر في تأكد استحباب زيارة النبي والأئمة(عليهم السلام) مع ما فيه من صلة لهم. وبرهم وإجابتهم، وإدخال السرور عليهم، وتجدد عهد ولايتهم، وإحياء أمرهم، وإعلاء كلمتهم، وتنكيت أعدائهم. وكل واحد من هذه الأمور مما لا يخفى عظيم أجره وجزيل ثوابه.

وكيف لا تكون زيارتهم أقرب القربات، وأشرف الطاعات، ومع أن في زيارة المؤمن - من جهة كونه مؤمناً فحسب - عظيم الأجر وجزيل الثواب، وقد ورد به الحث والتوكيد والترغيب الشديد من الشريعة الطاهرة، ولذلك كثر تردد الأحياء إلى قبور أمواتهم للزيارة، وتعارف ذلك بينهم، حتى صارت لهم سنة طبيعية.

وأيضاً قد ثبت وتقرر جلالة قدر المؤمن عند الله، وثواب صلته وبره وإدخال السرور عليه. وإذا كان الحال في المؤمن من حيث إنه مؤمن، فما ظنك بمن عصمه الله من الخطأ، وطهره من الرجس، وبعثه الله إلى الخلائق أجمعين، وجعله حجة على العالمين، وارتضاه إماماً للمؤمنين، وقدوة للمسلمين ولأجله خلق السماوات والأرضين، وجعله صراطه وسبيله، وعينه ودليله، وبابه الذي يؤتى منه، ونوره الذي يستضاء به، وأمينه على بلاده، وحبله المتصل بينه وبين عباده، من رسل وأنبياء وأئمة وأولياء(9).

وفي الختام نقول: ليس الهدف من هذا التقديم تصويب بعض ما يقع عند الزيارة من محرمات الأفعال فإنها أمور جانبية لا تمت لأصل الزيارة بصلة، والذي ندعيه وعليه يشهد عمل العقلاء في العالم دينهم وغيره، أن للإنسان علاقة بمن كان يعشقه ويحبه فلا يقطع علاقته به بموته بل يحتفظ بها بشكل خاص بعد الفراق أيضاً، وهذا شيء يلمسه الإنسان من صميم ذاته وليس لشريعة سماوية بما أنها تجاوب الفطرة تمنعه من ذلك، بل لها أن تعدله وتحدده وتعزل ما ليس منه عنه.

وها نحن نعالج الموضوع بالبحث في الأمور التالية:

1- زيارة القبور في الكتاب السنة النبوية.

2- أعلام الأمة وزيارة النبي الأكرم.

3- زيارة النبي(صلى الله عليه وآله) في الكتاب.

4- زيارة النبي(صلى الله عليه وآله) في السنة.

5- شد الرحال إلى زيارة قبر النبي الأعظم.

6- شبهات وتشكيكات حول زيارة النبي الأكرم.

7- خاتمة: تذكرة وإنذار.

 

1 - نهج البلاغة، الخطبة الأولى.

2 - المتقي الهندي، كنز العمال: ج 15، الحديث 42555و42998.

3 - كنز العمال 15: الحديث 42552.

4 - ابن ماجة، السنن ج1: ص501 ح 1571.

5 - مسلم، الصحيح ج2: ص671 ح 108- أحمد بن حنبل، المسند ج1: ص444 - ابن ماجة، السنن ج1: ص676- أبو داود، السنن ج2:ص 72- البيهقي، السنن ج4: ص76- النسائي، السنن ج4: ص90- الحاكم، المستدرك ج1:ص 376.

6 - ابن ماجة، السنن ج1: ص500 ح1569.

7 - الجناحي النجفي: منهج الرشاد: 144.

8 - لمتقي الهندي، كنز العمال ج15:ص647ح42558.

9 - محمد مهدي النراقي، جامع السعادات ج3:ص398و399.