الصفحة الرئيسية

مكتبة الموقع

مكتبة العقائد الإمامية

فهرس الكتاب


    

فاسألوا أهل الذكر



( 5 )


المقدّمة


     بسم الله الرحمن الرحيم ـ الحمد لله ربّ العالمين ـ وأفضل الصلاة وأزكى التسليم على سيدنا ومولانا محمد المبعوث رحمة للعالمين سيد الأولين والآخرين والمُنزه عن كل ما هو مُشين، وعلى آله الطيبين الطاهرين أعلام الهدى ومصابيح الدّجى وأئمة المسلمين. أمّا بعد فهذه أسئلة أعددتها للمسلمين الباحثين خاصّة منهم أهل السنّة الذين يظنون أنهم هم وحدهم المتمسّكون بالسنة النبويّة الصحيحة على صاحبها أفضل الصّلاة وأزكى التسليم وعلى آله الطاهرين. بل ويشدّدون نكيرهم على غيرهم من المسلمين وينبزونهم بالألقاب.
     وقد بُعثتْ في شتّى البلاد الإسلامية جمعيات جديدة باسم الدّفاع عن السنّة المحمّدية ـ وباسم أنصار السنّة وأنصار الصحابة، وكتبت كتبٌ عديدة لشتم وتكفير الشيعة وأئمّتهم والاستهزاء بعلمائهم، ورَوّجت وسائل الإعلام العالمية هذه الأفكار في كل أقطار العالم الإسلامي وغير الإسلامي، وأصبح حديث النّاس اليوم هو «السنة والشيعة».
     وكثيراً ما ألتقي في المناسبات مع بعض الشباب المثقّف من المسلمين الصادقين الذين يتساءلون ويسألون عن حقيقة الشيعة وباطلهم، وهم حائرون بين ما يشاهدونه ويعيشونه مع أصدقاء لهم من الشيعة وما


( 6 )

يسمعونه ويقرؤونه عنهم ولا يعلمون أين يوجد الحق. وقد تحدثت مع البعض منهم وأهديت لهم كتابي «ثم اهتديت» والحمد لله أن الأغلبية من هؤلاء وبعد المناقشة والبحث يهتدون لمعرفة الحق فيتبعونه، ولكن هذا يبقى مقصوراً على نخبة من الشباب الذين ألتقي بهم صدفةً، أما البقية فقد لا يتاح لهم مثل هذا اللقاء فتبقى مشوّشة الفكر بين الآراء المتضاربة.
     وبالرغم من وجود الأدلة المقنعة والحجج الدّامغة في كتاب «ثم اهتديت» وكتاب «مع الصادقين» إلا أنهما لا يكفيان لمواجهة تلك الحملات المسعورة والدعايات المكثفة التي تموّلها بعض الجهات الشريرة بالبتر ودولار في مختلف وسائل الأعلام.
     وبالرغم من كل ذلك سيبقى صوت الحق مدويّاً وسط الضوضاء المزعجة ويبقى بصيص النور مضيئاً الظلام الدّامس لأن وعد الله حق ولا بدّ لوعده من نفاذ قال تعالى: «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون» [الصف: 8]. وقال تعالى مُبيّناً بأنّ أعمالهم هذه ستبوءُ بالفشل وتنقلب عليهم: «إن الذين كفروا يُنفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حَسْرَةً ثمّ يُغلَبُون والذين كفروا إلى جهنّم يحشرون» [الأنفال: 36].
     لأجل ذلك، كان واجباً على العلماء والكُتّاب والمفكّرين أن يوضّحوا للنّاس ما أشكل عليهم ويهدوهم سواء السبيل. قال تعالى: «إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّناه للنّاس في الكتاب، أولئك يلعنُهُم اللهُ ويلعنُهم اللاّعنون، إلاّ الذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا فأولئك أتوبُ عليهم وأنّا التواب الرحيم» [البقرة: 160].
     فلما لا يتكلم العلماء ويبحثون في هذا الموضوع بجدّ وإخلاص لوجه الله تعالى، وإذا كان سبحانه قد انزل البيّنات والهدى، وإذا كان قد أكمل الدّين وأتمّ النّعمة، وإذا كان رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد أدّى


( 7 )

الأمانة وبلّغ الرسالة ونصح للأمّة، فلماذا هذه التفرقة والعداوة والبغضاء والتنابز بالألقاب، وتكفير بعضنا البعض.
     وأنا بدوري أقف وقفة صريحة هنا لأقول لكلّ المسلمين بأن لا خَلاص ولا نجاة ولا وحدة ولا سعادة ولا جنّة إلاّ بالرجوع إلى الأصلين الأساسين كتاب الله وعترة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإلاّ بالركوب في سفينة النجاة وهي مركب أهل البيت عليهم السلام. وليس هذا القول كلاماً من اختراعي، إنما هو كلام الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، إن المسلمين اليوم أمام اتجاهين أثنين في طريق الوحدة المنشودة.
     الأول: هو ان يقبل أهل السنة والجماعة بمذهب أهل بيت الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو ما يأخذ به الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، ويصبح بذلك المذهب الخامس لديهم ويتعاملون مع نصوص الفقهية بالنحو الذي يتعاملون به مع المذاهب الإسلامية الأربعة، فلا ينقصونه ولا ينبزون معتنقيه بشيء ويتركون للطلبة والمثقفين حرية اختياره المذهب الذي يقتنعون به، وضمن نفس السياق فإن على المسلمين ـ سنة وشيعة ـ القبول بالمذاهب الإسلامية الأخرى كالأباضية والزيدية.. ورغم أن هذا الإتجاه يمثل حلاً يوفّر على أمتنا كثيرا من التنافر والتفرقة إلا أنه لا ينهض إلى مستوى المعالجة الحاسمة للمعضل التاريخي الذي تعيشه منذ قرون.
     * الاتجاه الثاني: هو أن يتوحّد المسلمون كافّة على عقيدة واحدة رسمها كتاب الله ورسوله وذلك عن طريق واحد وصراط مستقيم وهو ابتاع أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ولهذا السبب فالمسلمون كافّة سنة وشيعة مُتّفقون على أعلميتهم وتقدُمهم في كل شيء من تقوى وورع وزهد وأخلاق وعلم وعمل، ويختلف المسلمون في الصحابة، فليدع المسلمون ما اختلفوا فيه إلى ما اتفقوا عليه، من باب قول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم «دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك». فتجتمع بذلك الأمّة وتتوحّد على قاعدة أساسية هي مَدَارُ كلّ شيء أسّسَها صاحب الرسالة في قوله: «تركتُ فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبداً،


( 8 )

كتاب الله وعترتي أهل بيتي» صحيح مسلم.
     وإذا كان هذا الحديث صحيحاً عند الطرفين بل عند كل المسلمين على اختلاف مذاهبهم، فما بال قسم من المسلمين لا يعمل به؟؟؟ ولو عمل المسلمون كافة بهذا الحديث لنشأت بينهم وحدة إسلامية قوية لا تزعزها الرّياح ولا تهدّها العواصف، ولا يبطلها الإعلام ولا يفشلها أعداء الإسلام.
     وحسب اعتقادي أن هذا هو الحلّ الوحيد لخلاص المسلمين ونجاتهم وما سواه باطل وزخرف من القول، والمتتّبع للقرآن والسنّة النبوية والمطّلع على التاريخ والمتدبر فيه بعقله يوافقني بلا شكّ على هذا.
     أما إذا فشل الإتجاه الأول وهو فاشل من أول يوم فارق فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الحياة حيث اختلف الصحابة وتسبب ذلك في انقسام الأمة وتمزيقها، وحيث فشلت الأمة عبر قرون في الرجوع إلى الإتجاه الثاني وهو الاعتصام بالكتاب والعترة، لما بثّته وسائل الإعلام قديماً في العهدين الأموي والعباسي، وحديثاً في عصرنا الحاضر من تشويه وتضليل وتكفير لأتباع أهل البيت النبوي ـ فلم يبق أمامنا حينئذٍ إلا المواجهة بصراحة وإظهار الحقّ لكل من يرغب يه، متوخّين في ذلك أسلوب القرآن الكريم إذ يتحدّى فيقول: «.. قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» [البقرة: 111]. والبرهان والحجة لا يُفرضان بالقوّة ولا بالأموال ولا يطرحان بوسائل الترغيب والترهيب عند الأحرار الذين باعوا أنفسهم لله وحده ولم ولن يرضوا بديلاً للحق ولو كلّفهم ذلك إزهاق النّفوس.
     فيا ليت علماء الأمة اليوم يعقدون مؤتمراً ليبحثوا فيه هذه المسائل بقلوب منفتحة وعقول واعية ونفوس صافية، ويخدمون بذلك الأمة الإسلامية ويعملون على لَمِّ شتاتها وتضميد جراحاتها وتوحيد صفوفها وجمع كلمتها.
     إن هذه الوحدة قادمة لا محالة أحبّوا أمْ كرهوا لأن الله سبحانه رصد لها إمَاماً من ذرية المصطفى سيملئها قسطاً وعدلاً كما ملئتْ ظلماً وجوراً. وهذا الإمام هو من العترة الطاهرة وكأن الله سبحانه جلّت حكمته يمتحنُ


( 9 )

هذه الأمّة طيلة حياتها، حتى إذا قرب أجلُها كشف لها عن خطأ اختيارها وأعطاها فرصة للرجوع إلى الحقِّ واتباع النهج الأصيل الذي دعا إليه محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي كان يقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون».
     وإلى أن يحين ذلك الوقت أقدّم كتابي هذا «فاسئلوا أهل الذكر» وهو جملة من الأسئلة مع الإجابة عليها من خلال مواقف وتعاليم أئمة أهل البيت سلام الله عليهم ـ عسى أن يستفيد منها المسلمون في كل البلاد الإسلامية ويعملوا على تقريب وجهات النظر للإعداد للوحدة المنشودة.
     وما توفيقي إلا بالله عليه توكلتُ وإليه اُنيب، ربِّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري وأحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، أسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل عملي ويجعل فيه الخير والبركة، فما هو إلا لبنةً واحدة لبناء رباط الوحدة.
     أقول هذا لأنّ المسلمين اليوم ما زالوا بعيدين عن أبسط حقوق الإنسان والتعامل بالحسنى مع بعضهم البعض.
     لمستُ ذلك بنفسي خلال رحلاتي وزياراتي الكثيرة في البلدان الإسلامية أو البلدان التي فيها مسلمون. وآخرها عهداً في القارة الهندية التي يسْكنها أكثر من مائتي مليون مسلم ربعهم شيعة وثلاثة أرباعهم من السنّة، وقد سمعتُ عنهم الكثير ولكن ما شاهدته يبعث فعلاً على الدهشة والحيرة والخوف، ولقد تأسّفتُ وبكيتُ على مصير هذه الأمة، وكاد اليأس يدبُّ إلى قلبي لولا الرّجاء والأمل والإيمان.
     وفور رجوعي من الهند أرسلتُ رسالة مفتوحة إلى العالم الهندي الذي يرجع إليه أهل السنّة والجماعة في تلك القارّة وهو أبو الحسن الندوي ووعدته بنشرها مع الردّ عليها ولكن لم أتلقَّ الردّ عليها حتى الآن وإني أنشرها في مقدمة هذا الكتاب كما هي لتكون وثيقة تاريخية تشهد لنا عند الله وعنه النّاس بأنّنا من دعاة الوحدة.
الدّكتور محمد التيجاني السماوي



( 10 )




( 11 )


بسم الله الرحمن الرحيم


والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وآله الطاهرين


رسالة مفتوحة إلى السيد أبو الحسن الندوي العالم الهندي


     السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد:
     أنا محمد التيجاني السماوي التونسي الذي منّ الله عليه بالهداية والتوفيق فاعتنق مذهب أهل البيت النبوي بعد بحث طويل وبعدما كنتُ مالكياً ومن أتباع الطريقة الصوفية المشهورة في شمال إفريقيا وهي التيجانية، وعرفتُ الحقّ من خلال رحلة موفّقة إلى علماء الشيعة، وكتبتُ في ذلك كتاباً أسميته «ثم اهتديت» ثمّ طبعه عندكم في الهند من طرف المجمع العلمي الإسلامي بعدة لغات وبالمناسبة دُعيت لزيارة الهند.
     سيدي العزيز قدمتُ إلى الهند في زيارة قصيرة، وكان أملي أن ألتقي بحضرتكم لما أسمعه عنكم ولما أعلمه بانّكم المشار إليه بين أهل السنّة والجماعة عندكم. ولكن عاقني عن ذلك بعد المسافة وضيق الوقت، واكتفيتُ بزيارة مدينة «بومباي» وبونة وجبل بور وبعض المدن الأخرى في كوجراتي وتألّمت كثيراً لما شاهدته في الهند من عداوة وبغضاء بين أهل السنّة والجماعة وإخوانهم المسلمين من الشيعة.
     وقد كنتُ أسمع بأنهم يتحاربون ويتقاتلون أحياناً وتُسفك دماء بريئة من الطرفين باسم الإسلام.


( 12 )


     ولم أكن أصدّق، معتقداً بأنّه مبالغة في التشويه، ولكنّ ما شاهدته وما سمعته من خلال زيارتي يبعث حقّاً على الجيرة والاستغراب وأيقنتُ بأنّ هناك نوايا خسيسة ومؤامرات خطيرة تُحاك ضد الإسلام والمسلمين للقضاء عليهم جميعاً سنّة وشيعة وممّا زاد يقيني وضوحاً وعلمي رسوخاً تلك المقابلة التي دارت بيني وبين مجموعة من علماء أهل السنّة يتقدّمهم الشيخ عزيز الرحمن مفتي الجماعة الإسلامية وكان اللقاء في مسجدهم «بومباي» وبدعوة منهم.
     وما أن حللتُ بينهم حتّى بدأ الأزدراء والتهكّم والسبُّ واللّعنُ لشيعة آل البيت، وقد أرادوا بذلك استفزازي وإثارتي لعلمهم مسبّقاً بأنّي قد ألّفتُ كتاباً يدعو للتّمسك بمذهب أهل البيت سلام الله عليهم. ولكنّي فهمتُ قصدهم وتمالكتُ أعصابي وابتسمتُ لهم قائلاً: أنا ضيق عندكم وأنتم الذين دعوتموني فجئتكم مُسرعاً مُلبياً، فهل دعوتموني لتسبّوني وتشتموني، وهل هذه هي الأخلاق التي علّمكم إيّاها الإسلام؟؟ فأجابوني بكل صلافة بأني لم أكن يوماً في حياتي مسلماً لأنني شيعي والشيعة ليسوا من الإسلام في شيء وأقسموا على ذلك.
     قلتُ: اتّقوا الله يا إخوتي فربّنا واحد ونبيّنا واحد وكتابنا واحد وقبلتنا واحدة، والشيعة يوحّدون الله ويعملون بالإسلام اقتداءاً بالنبي وأهل بيته، وهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة ويحجّون بيت الله الحرام، فكيف يجوز لكم تكفيرهم؟؟
     أجابوني: أنتم لا تؤمنون بالقرآن، أنتم منافقون تعملون بالتقية وإمامكم قال: التقية ديني ودين آبائي. وأنتم فرقة يهودية أسّسها عبد الله بن سبأ اليهودي.
     قلتُ لهم مبتسماً: دعونا من الشيعة، وتكلّموا معي أنا شخصياً فقد كنتُ مالكياً مثلكم واقتنعتُ بعد بحث طويل بأن أهل البيت هم أحق وأولى بالاتّباع، فهل عندكم حجّة تجادلوني بها، أو تسألوني ما هو دليلي وحجّتي عسى أن نفهم بعضنا بعضاً؟


( 13 )

قالوا: أهل البيت هم نساء النبي وأنت لا تعرف من القرآن شيئاً قلت: فإنّ صحيح البخاري وصحيح مسلم يفيدان غير ما ذكرتم! قالوا: كل ما في البخاري ومسلم وكتب السنة الأخرى من حجج تحتجّون بها هي من وضع الشيعة دسّوها في كتبنا.
     أجبتهم ضاحكاً: إذا كان الشيعة وصلوا للدّس في كتبكم وفي صحاحكم فلا عبرة ولا قيمة لها لمذهبكم القائم عليها!! فسكتوا وأفحموا ولكنّ أحدهم عَمَدَ إلى التهريج والإثارة من جديد فقال: من لا يؤمن بخلافة الخلفاء الراشدين سيدنا أبي بكر وسيدنا عمر وسيدنا عثمان وسيدنا علي وسيدنا معاوية وسيدنا يزيد رضي الله عنه وأرضاه فليس بمسلم!
     ودهشت لهذا الكلام الذي ما سمعتُ مثله في حياتي وهو تكفير من لا يعتقد بخلافة معاوية وابن يزيد، وقلتُ في نفسي: معقول أن يترضّى المسلمون على أبي بكر وعمر وعثمان فهذا أمرٌ طبيعي أما على يزيد فلم أسمع ذلك إلا في الهند. والتفتُ إليهم جميعاً أسألهم: أتوافقون هذا على رأيه! فأجابوا كلّهم: نعم.
     وعند ذلك عرفتُ بأن لا فائدة في مواصلة الكلام، وفهمتُ بأنهم إنّما يريدون إثارتي حتّى ينتقموا منّي، وربّما يقتلوني بدعوى سبّ الصحابة فمن يدري؟
     ورأيت في أعينهم شرّاً وطلبتُ من مرافقي الذي جاء بي إليهم أن يُخرجني فوراً، فأخرجني وهو يتحسّر ويعتذر إليَّ على ما وقع. وهذا الشخص البريء الذي كان يرمي من وراء هذا اللقاء أن يتعرّف على الحقيقة هو الشاب المهذّب شرف الدين صاحب المكتبة والمطبعة الإسلامية في «بومباي» فهو شاهد على كل ما دار بيننا من هذه المحاورة المذكورة ولم يُخفِ استياءه من هؤلاء الذين كان يعتقد بأنهم من أكبر العلماء.


( 14 )


     وغادرتهم وأنا ساخط متأسّف على ما وصلت إليه حالة المسلمين وخصوصاً الذين يتزعّمون مراكز الصدارة ويتسمّون بالعلماء وقلتُ في نفسي إذا كان العلماء بهذه الدرجة من التعصّب الأعمى فكيف يكون عامة النّاس وجهّالهم، وعرفتُ عندئذٍ كيف كانت تقوم المعارك والحروب التي تسفك فيها الدماء المحرّمة وتُهتك فيها الأعراض والحُرماتُ باسم الدفاع عن الإسلام، وبكيتُ على مصير هذه الأمة التّعيسة المنكوبة التي حمّلها الله سبحانه مسؤولية الهداية وحمّلها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أيضاً مسؤولية إيصال النور إلى القلوب المظلمة فإذا بها تصبح بحاجة إلى بصيص من النّور، وفي وقت يكون فيه في الهند وحدها سبعمائة مليون نسمة يعبدون غير الله تعالى، ويقدّسون البقر والأصنام والأوثان، وبدلاً من أن تتوحّد جهود المسلمين لهدايتهم وإرشادهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور حتى يُسلموا لربّ العالمين، نرى أن المسلمين اليوم وخصوصاً في الهند هم بحاجة إلى الهداية والتصحيح.
     لهذا سيدي أرفع كتابي إليكم داعياً إيّاكم باسم الله الرحمن الرحيم وباسم رسوله الكريم وباسم الإسلام العظيم ولقوله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا» أدعوكم أن تقفوا وقفة المسلم الشجاع الذي لا يخشى في الله لومة لائم ولا تأخذه العصبية ولا الطائفية إلى حيث يحب الشيطان وأولياءه.
     أدعوكم لوقفة مخلصة وصريحة، فأنتم من الذين حمّلهم الله المسؤولية ما دمتم تتكلمون باسم الإسلام في تلك الربوع، فلا يرضى الله منكم أن تقفوا وقفة المتفرّج الراضي بما يقعُ هنا وهناك من مآسٍ يدفع ثمنها الأبرياء من المسلمين سنّة وشيعة، والله سائلكم يوم القيامة عن كل صغيرة وكبيرة ومحاسبكم عن كل شاردة وواردة لأنّه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم.


( 15 )


     وما دمتم تتزعّمون علماء الهند فمسؤوليتكم عظمى لا شك فيها وكلمة منكم قد يكون فيها صلاح الأمّة في الهند كما قد يكون فيها هلاك الحرث والنسل فاتقوا الله يا أولي الألباب!.
     وبما أن الله سبحانه أعطى للعلماء المرتبة الأولى بعد الملائكة فقال عز من قائل: «شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط» . وإذا كان سبحانه يأمرنا جميعاً بقوله: «وأقيموا الوزن بالقسط ولا تُخسروا الميزان» وإذا كان المفسّرون يذهبون إلى ضرورة إقامة العدل في الموازين المادّية ذات القيمة المحدودة، فما بالكم بإقامة العدل في القضايا العقائدية التي تتأرجح بين الحق والباطل وتتوقف عليها هداية البشرية ونجاة الإنسانية بأسرها.
     قال الله تعالى: «وإذا حكمتم فاحكموا بالعدل» وقال أيضاً: «يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله» .
     وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «قل الحق ولو على نفسك، قل الحق ولو كان مُرّاً».
     سيدي العزيز إلى كتاب الله أدعوكم، وإلى سنّة رسوله أدعوكم، فقولوها صريحة مُدوّية ولو كانت مرّة تكون لكم شهادة عند الله، بربّك هل الشيعة عندكم غير مسلمين.
     هل تعتقدون حقّاً أنهم كفّار؟ هل أتباع أهل البيت النّبوي الذين يوحّدون الله ويعظّمونه أكثر من كل الفرق ـ لقولهم بتنزيهه عن المشابهة والمشاكلة والتجسيم. ويؤمنون برسوله محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ويعظّمونه أكثر من كل الفرق ـ لقولهم بعصمته المطلقة حتى قبل البعثة، هل هؤلاء تحكمون بكفرهم؟؟
     هل الذين يتولّون الله ورسوله والذين آمنوا، ويهوون هوى عترة النّبي


( 16 )

ويوالونهم، كما عرّفهم ابن منظور في لسان العرب في مادة شيعة، فهل تقولون أنتم بأنهم غير مسلمين؟؟
     هل هؤلاء الشيعة الذين يُقيمون الصلاة كأفضل قيام، ويؤتون الزكاة ويزيدون عليها خمس أموالهم طاعة لله ولرسوله ويصومون رمضان وغيره من الأيام ويحجون البيت ويعظمون شعائر الله ويحترمون أولياء الله ويتبرؤون من أعداء الله وأعداء الإسلام، هل هؤلاء عندكم مشركون؟؟
     هل الذين يقولون بإمامة اثني عشر إماماً من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وقد نصّ عليهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، كما أخرج ذلك البخاري ومسلم وغيرهما من صحاح أهل السنّة، هل هؤلاء عندكم مارقين عن الإسلام؟؟
     هل كان المسلمون يوماً يجهلون الإمامة ولا يقرّون بها سواء كان ذلك في حياة الرسول أو بعد وفاته حتى نلصق نظرية الإمامة ومبادئها بالفرس والمجوس؟
     وهل تقولون فعلاً بكفر من لا يعترف بإمامة يزيد بن معاوية الذي عرف فسقه الخاص والعام من المسلمين، ويكفي يزيد خسّة وسقوطاً ما أجمع عليه المسلمون من إباحته المدينة المنورة لجيشه وجنده يفعلون فيها ما يشاؤون لأخذ البيعة له بالقهر على أنهم له عبيد، فقتلوا عشرة آلاف من خيرة الصحابة والتابعين وهتكوا فيها أعراض المحصنات من النساء والفتيات المسلمات حتّى ولدن من سفاح ما لا يُحصي عدده إلا الله. ويكفيه عاراً وشناراً وخزياً مدى الدهر قتله سيد شباب أهل الجنّة وسبيه بنات الرسول، وضربه ثنايا الحسين بقضيبه وتمثله بالأبيات المعروفة:
     ليت أشياخي ببدر شهدوا إلى قوله لعبت هاشم بالملك فلا خبرٌ جاء ولا وحي نزل».
     وهو صريح بأنه لا يؤمن بنبوّة محمد ولا بالقرآن الكريم، فهل حقّاً


( 17 )

توافقون على تكفير من تبرّأ من يزيد وأبيه معاوية الذي كان يلعن عليّاً ويأمر بلعنه بل ويقتلُ كلّ من امتنع عن ذلك من خيرة الصحابة كما فعل مع حجر بن عدي الكندي وأصحابه، وسنّها سنة متبعة دامت سبعون عاماً، وهو يعلم قول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم «من سبّ علياً فقد سبني ومن سبني فقد سبّ الله». كما أخرج ذلك صحاح أهل السنّة. إضافة إلى ما قام به من أعمال تتنافى مع الإسلام، وقتله الأبرياء والصلحاء من أجل أخذ البيعة لابنه يزيد بالقهر والقوّة، وقتله الحسين بن علي عن طريق جعدة بنت الأشعث، إلى جرائم أخرى كثيرة يذكرها له التاريخ عند أهل السنة كما يشهد له بها شيعة علي.
     فما أظنكم سيدي توافقون على كل ذلك، وإلا فعلى الإسلام السّلام، وعلى الدنيا العفا. وعندها لا يبقى بعد ذلك مقاييس ولا عقل ولا شرع ولا منطق ولا دليل.
     والله سبحانه وتعالى يقول: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا وكونوا مع الصادقين» . ولقد صدق والله عالم الباكستان المغفور له أبو الأعلى المودودي رحمه الله عندما ذكر في كتابه المسمّى بـ«الخلافة والملك» في صفحة 106 نقلاً عن الحسن البصري قوله:
     أربع خصال كنّ في معاوية لو لم تكن له إلا واحدة لكانت موبقة له:
     1 ـ أخذه الأمر من غير مشورة المسلمين وفيهم بقايا الصحابة ونور الفضيلة.
     2 ـ استخلافه بعده ابنه السكير الخمير الذي يلبس الحرير ويضرب الطنابير.
     3 ـ إدّعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم «الولد للفراش وللعاهر الحجر».


( 18 )


     4 ـ قتله حجراً وأصحاب حجر فيا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر (أعادها ثلاثاً).
     فرحم الله أبا الأعلى المودودي الذي صدع بالحقّ ولو شاء لزاد فوق هذه الخصال الأربع أربعين ولكنّه رحمه الله رأى أنّ في ذلك كفاية لتكون موبقة لمعاوية، والمعروف أنّ كلمة موبقة معناه (توبق في النار).
     ولعلّ المودودي كان يراعي عواطف النّاس الذين تعلّموا من أسلافهم تقديس معاوية واحترامه والترضّي عليه بل وحتّى على ابنه يزيد أيضاً كما سمعت ذلك بنفسي من علمائكم في الهند فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
     ولكل ذلك راعيتُ أنا أيضاً عواطف أولئك الذين دعوني ليستفزّوني، فلم أذكر لهم شيئاً من ذلك خوفاً على نفسي.
     فأنا أهيب بكم سيدي أن تقفوا وقفة صريحة تبغون بها وجه الله تعالى فإن الله لا يستحي من الحقّ ولا أطلب منكم الاعتراف بمساوىء هؤلاء ولا بنشر فضائحهم فالتاريخ كفانا وإياكم مؤونة ذلك.
     ولكن المطلوب منكم أن تعترفوا وتُعلّموا أتباعكم بأنّ الذين لا يعترفون بإمامة هؤلاء ولا يوالونهم، هم مسلمون حقيقيون جديرون بالاحترام وليس في ذلك شكّ. أن تقولوا بأنّ الشيعة مظلومون على مرّ التاريخ لأنّهم لم يتّبعوا ولم يعترفوا بإمامة الشجرة الملعونة التي ضربها الله مثلاً في القرآن.
     فما هو ذنب الشيعة بربّكم، إذا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يأمر المسلمين باتّباع أهل بيته من بعده حتى جعلهم كسفينة نوح ينجو من يركب فيها ويهلك من يتخلّف عنها. وما ذنب الشيعة إذا امتثلوا لأمر الرسول بقوله «تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً» كما تشهد بذلك صحاح السنّة فضلاً عن كتب الشيعة.


( 19 )


     وبدلاً من شكرهم وتقديمهم وتفضيلهم على غيرهم لامتثالهم أوامر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، نشتمهم ونكفّرهم ونتبرّأ منهم، فما هذا بإنصاف ولا هو معقول.
     دعونا سيدي من أقوال التخريف والتزييف التي لم تعد تقوم على دليل وبرهان ولم تعد تنطلي على المثقفين من أبناء أمّتنا، من أن الشيعة لهم قرآن خاص بهم، أو أنهم يقولون بأن صاحب الرسالة هو علي، أو أنّ عبد الله بن سبأ اليهودي هو مؤسس التشيّع، إلى غير ذلك من الأقوال السخيفة المغرضة التي يشهد الله أنها من خيال أعداء الإسلام وأعداء أهل البيت وشيعتهم، والتي ما أوجدها إلا التعصّب الأعمى والجهل المقيت.
     وأنا أسأل سيدي العزيز أين علماء الهند من علماء الأزهر الشريف الذين أفتوا بجواز التعبّد بمذهب الشيعة الإمامية منذ ثلاثين عاماً، ومن علماء الأزهر الأعلام من يرى بأن الفقه الجعفري الذي تعمل به الشيعة هو أشمل وأثرى وأقرب إلى روح الإسلام من المذاهب الإسلامية الأخرى التي هي عيالٌ عليه. وعلى رأس هؤلاء فضيلة الشيخ محمود شلتوت رحمه الله الذي ترأس الأزهر في حياته فهل أمثال هؤلاء العلماء لا يعرفون الإسلام والمسلمين؟ أم أنّ علماء الهند أعلم منهم وأعرف؟ فما أظنّكم تقولون بذلك…!!
     سيدي الكريم أملي فيكم وطيد وقلبي إليكم مفتوح بالمحبّة والشفقة والحنان، وقد كنتُ في ما مضى مثلكم محجوب عن الحقيقة وعن أهل البيت وشيعتهم، فهداني الله سبحانه إلى الحقّ الذي ليس بعده إلاّ الضّلال، وتحررتُ من قيود التعصب والتقليد الأعمى، وعرفتُ بأنّ أغلب المسلمين لا زالت تحجبهم الإشاعات والأباطيل وتصدّهم الدعايات عن الوصول إلى الحقيقة ليركبوا جميعاً في سفينة النجاة ويعتصموا بحبل الله المتين فليس هناك كما تعلمون بين السنّة والشيعة فرقٌ إلا فيما اختلفوا فيه بعد الرسول من أجل الخلافة، وأساس الفرقة هو اعتقادهم في الصحابة،


( 20 )

والصحابة رضي الله عنهم اختلفوا فيما بينهم حتّى لعنوا بعضهم بل وتحاربوا وقتل بعضهم بعضاً.
     فإن يكن الإختلاف فيهم خروجاً عن الإسلام فالصحابة هم أولى بهذه التهمة والعياذ بالله. ولا أعتقد بأنكم ترضون بذلك والإنصاف يدعوكم أن لا ترضوا بإخراج الشيعة عن الإسلام وكما دأب الشيعة على تقديس أهل البيت واحترامهم كذلك دأب السنّة على احترام الصحابة وتقديسهم أجمعين وشتّان بين الموقفين، فإذا كان الشيعة في ذلك مُخطئين فأهل السنّة أولى بالخطأ، لأن الصحابة بأجمعهم يُقدّمون على أنفسهم أهل البيت ويصلّون عليهم كصلاتهم على النّبي ولم نعرف أحدً من الصحابة رضوان الله عليهم قدّم نفسه أو فضّلها على أهل بيت المصطفى في علم أو في عمل.
     فالوقتُ قد حان لرفع المظلمة التاريخية عن شيعة أهل البيت والتقارب معهم والتآخي والتعاون على البرّ والتقوى ـ ويكفي هذه الأمة إراقة الدِّماء وإثارة الفتن.
     فعسى الله سبحانه يجمع بكم الكلمة ويلمّ بكم الشتّات ويرتق بكم الفتق ويُداوي بكم هذه الجراح ويُخمدَ بكم نار الفتنة ويُخزي بكم الشيطان وحزبه فتكونون عند الله من الفائزين خصوصاً وأنّكم من سلالة العترة الطاهرة على ما أسمع، فاعملوا على أن تُحشروا معهم «وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون» . «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون» وفّقكم الله وإيانا لما فيه خير البلاد والعباد وجعلكم الله وإيانا من العاملين المخلصين لوجهه الكريم.
     أبعث لسيادتكم وبصحبة هذه الرسالة نسخة من كتاب «ثم اهتديت» الذي ألّفتُه بخصوص هذا الموضوع هدية منّي إليكم عسى أن يجدَ لديكم القبول.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
المخلص محمد التيجاني السماوي التونسي



( 21 )


فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون (1)


     إنّ هذه الآية الكريمة تأمر المسلمين بالرّجوع إلى أهل الذكر في كلّ ما أشكل عليهم حتّى يعرفوا وجه الصواب لأن الله رشّحهم لذلك بعدما علّمهم، فهم الرّاسخون في العلم الذين يعلمون تأويل القرآن.
     وقد نزلت هذه الآية لتعرّف بأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وذلك في عهد النُبوة، أمّا بعد النّبي وحتّى قيام السّاعة فهم هؤلاء الخمسة المذكورين أصحاب الكساء يضاف إليهم الأئمّة التسعة من ذرية الحسين الذين عيّنهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في عدة مناسبات وسمّاهم أئمّة الهدى ومصابيح الدّجى وأهل الذكر، والراسخون في العلم الذين أورثهم الله سبحانه علم الكتاب.
     وهذه الروايات ثابتة صحيحة ومتواترة عند الشيعة منذ عهد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد أخرجها بعض علماء أهل السنّة ومفسّروهم معترفين بنزولها في أهل البيت عليهم الصّلاة والسّلام. أذكر من هؤلاء على سبيل المثال:
     1 ـ الإمام الثعلبي في تفسيره الكبير في معنى هذه الآية من سورة النّحل.
____________
    
     (1) سورة النحل آية 43. وسورة الأنبياء آية 7.



( 22 )


     2 ـ تفسير القرآن لابن كثير في جزئه الثاني الصفحة 570.
     3 ـ تفسير الطبري في جزئه الرابع عشر الصفحة 109.
     4 ـ تفسير الألوسي المسمّى روح المعاني في جزئه الرابع عشر الصفحة 134.
     5 ـ تفسير القرطبي في جزئه الحادي عشر الصفحة 272.
     6 ـ تفسير الحاكم المسمّى شواهد التنزيل في جزئه الأول الصفحة 334.
     7 ـ تفسير التستري المسمّى إحقاق الحق في جزئه الثالث الصفحة 482.
     8 ـ ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي الصفحة 51 و140.
     ولمّا كان أهل الذكر في ظاهر الآية هم أهل الكتاب من اليهود والنّصارى كان لزاماً علينا أن نوضّح بأنّهم ليسوا المقصودين من الآية الكريمة.
     أولاً: لأن القرآن الكريم ذكر في العديد من الآيات بأنهم حرّفوا كلام الله وكتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً وشهد بكذبهم وتقليبهم الحقائق فلا يمكن والحال هذه أن يأمر المسلمين بأن يرجعوا إليهم في المسائل التي لا يعلمونها.
     ثانياً: روى البخاري في صحيحه في كتاب الشهادات باب لا يسأل أهل الشرك من الجزء الثالث صفحة 163.
     عن أبي هريرة: قال النّبي صلّى الله عليه وآله وسلم: «لا تصدّقوا أهلَ الكتاب ولا تكذّبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل»… الآية.
     وهو يفيد عدم الرجوع إليهم في المسألة وتركهم وإهمالهم، لأنّ عدم


( 23 )

التصديق وعدم التكذيب ينفيان الغرض وهو السؤال الذي ينتظر الجواب الصحيح.
     ثالثاً: روى البخاري في صحيحه من كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: «كل يوم هو في شأن» من جزئه الثامن صفحة 208.
     عن ابن عباس قال: يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم صلّى الله عليه وآله وسلّم أحدث الأخبار بالله محضاً لم يُشبْ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب قد بدّلوا من كتب الله وغيّروا فكتبوا بأيديهم قالوا هو من عند الله ليشتروا بذلك ثمناً قليلاً أو لا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم. فلا والله ما رأينا رجُلاً منهم يسألكم عن الذي أنزل عليكم.
     رابعاً: لو سألنا أهل الكتاب من النّصارى اليوم فإنهم يدّعون بأن عيسى هو إله واليهود يكذّبونهم ولا يعترفون به حتى نبيّاً. وكلاهما يكذّب بالإسلام ونبيّ الإسلام ويقولون عنه كذّاب ودجّال ـ لكل هذا لا يمكنُ أن يَفهم من الآية بأنّ الله أمرنا بمسألتهم ولمّا كان أهل الذكر في ظاهر الآية هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى. فإنّ هذا لا ينفي أنّها نازلة في أهل بيت النبوّة كما ثبت عند الشيعة والسنّة من طرق صحيحة وبذلك يُفهم منها أن الله سبحانه وتعالى أورث علم الكتاب الذي ما فرّط فيه من شيء إلى هؤلاء الأئمة الذين اصطفاهم من عباده ليرجع إليهم النّاس في التفسير والتأويل وبذلك تّضمن هدايتهم ـ إذا ما أطاعوا الله ورسوله.
     ولأن الله سبحانه وجلّتْ حكمته أراد أن يُخضِع النّاس عامّة إلى نخبةٍ منهم اصطفاهم وعلّمهم على الكتاب لكي تسهل القيادة وتنتظم أحوال النّاس بذلك، فلو غاب هؤلاء عن حياة النّاس لأصبح المجال مفتوحاً أمام المُدَّعين والجاهلين ولَرَكِبَ كلّ واحد هَوَاهُ واضطربت أمور النّاس ما دام كل واحد يمكنُه ادّعاء الأعلمية.


( 24 )


     ولأُبَرْهِنَ على الرأي بعد اقتناعي بأنّ أهل البيت هم أهل الذكر ـ فسأوردُ بعض الأسئلة التي ليس لها جواب عند أهل السنّة والجماعة، أو أن لها جواباً ولكن متكلّف لا يستند إلى حجّة يقبلها الباحث المحقق. أمّا جوابُها الحقيقي فهو عند هؤلاء الأئمة الأطهار الذين ملأوا الدنيا علماً ومعرفةً، وعملاً وصلاحاً.


( 25 )


الفصل الأول


فيما يتعلّق بالخَالِق جلّ جلاله

السّؤال الأوّل: حول رؤية الله سبحانه وتجسيمه:
     يقول الله سبحانه في كتابه العزيز: «لا تدركه الأبصار» [الأنعام: 103] . «وليس كمثله شيء» [الشورى: 11] ويقو لموسى لمّا طلب رؤيته، «لن تراني» [الأعراف : 143].
     فكيف تقبلُون بالأحاديث المرويّة في صحيح البخاري وصحيح مسلم بأنّ الله سبحانه يتجلّى لخلقه ويَروْنَه كما يرون القمر ليلة البدر (1)، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا في كلّ ليلة (2) ويضع قدمه في النار فتمتلىء (3) وأنّه يكشف عن ساقه لكي يعرفهُ المؤمنون (4) وأنه يضحك ويتعجّب، وإلى غير ذلك من الرّوايات التي تجعل من الله جسماً متحركاً ومتحولاً، له يدان ورجلان وله أصابع خمسة يضع على الأول منها السماوات وعلى الإصبع الثاني الأرضين، والشجر على الإصبع الثالث وعلى الرابع يضع الماء
____________
    
     (1) صحيح البخاري: 7/205. صحيح مسلم: 1/112.
     (2) صحيح البخاري: 2/47.
     (3) صحيح البخاري: 8/178 و187.
     (4) صحيح البخاري: 8/182. صحيح مسلم: 1/115.



( 26 )

والثرى ويضع بقية الخلائق على الإصبع الخامس (1) وله دار يسكُن فيها ومحمدٌ يستأذن للدخول عليه في داره ثلاث مرات (2). تعالى الله عن ذلك عُلوّاً كبيراً ـ سبحان ربّك ربّ العزة عمّا يصفون.
     والجواب على هذا عند أئمة الهُدى ومصابيح الدّجى هو التنزيه الكامل لله سبحانه وتعالى عن المجانسة والمشاكلة والتصوير والتجسيم والتشبيه والتحديد.
     يقول الإمام علي عليه السلام في ذلك:
     «الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يُحصي نعماءهُ العادّون، ولا يؤدّي حقّه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا ينالُه غوصُ الفطن، الذي ليس لصفته حدّ محدود ولا نعت موجود ولا وقتٌ معدود ولا أجل ممدُودُ…
     فمن وصف الله سبحانه فقد قرنَهُ، ومن قرنَهُ فقدْ ثنّاهُ ومن ثنَّاهُ فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهلُه، ومن جهلَهُ فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حَدَّهُ، ومن حدّهُ فقد عَدَّهُ، ومن قَال فِيمَ فقدْ ضمَّنه، ومن قال علامَ فقد أخلَى منه كائنٌ لاَ عن حَدَثٍ، موجودٌ لا عن عَدَمٍ، مع كل شيء لا بمُقارنةٍ وغيرٌ كل شيءٍ لا بمزايلةٍ، فاعِلٌ لا بمعنى الحركات والآلةِ بصيرٌ إذْ لا منظور إليه من خلقِهِ (3).
     وإنّي ألفِتُ نظر الباحثين من الشباب المثقفين إلى الكنوز التي تركها الإمام علي عليه السلام والتي جُمعتْ في نهج البلاغة ذلك السفر القيّم الذي لا يتقدّمه إلاّ القرآن والذي بقي مع الأسف مجهولاً لدى أغلبية النّاس نتيجة الإعلام والإرهاب والحصار المضروب من قبل الأمويين والعبّاسيين
____________
    
     (1) صحيح البخاري: 6/33.
     (2) صحيح البخاري: 8/183. صحيح مسلم: 1/124.
     (3) نهج البلاغة للإمام علي: شرح محمد عبده ج1 الخطبة الاولى.



( 27 )

على كل ما يتّصل بعلي بن أبي طالب.
     ولستُ مبالغاً إذا قلتُ بأن في نهج البلاغة كثيراً من العلوم والنصائح التي يحتاجها النّاس على مرّ العصور، وفي نهج البلاغة علم الأخلاق وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وإشارات قيمة في علم الفضاء والتكنولوجيا إضافة إلى الفلسفة والسّلوك والسياسة والحكمة.
     وقد اثبتُ ذلك شخصياً في الأطروحة التي قدمتها إلى جامعة السربون والتي نُوقِشتْ على مواضيع أربعة اخترتها من نهج البلاغة وحصلتُ من خلالها على شهادة الدكتوراه. فيا ليتَ المسلمين يولون نهج البلاغة عناية خاصّة فيبحثون فيه كلّ الأطروحات وكل النّظريات فهو بحر عميق كلّما غاص فيه الباحث استخرج منه اللؤلؤ والمرجان. تعليق:
     هناك فرق واضح بين العقيدتين:
     عقيدة أهل السنة والجماعة التي تقول بالتجسيم وتجعل من الله سبحانه وتعالى جسماً وشكلاً يُرى وتصوره وكأنّه إنسان فهو يمشي وينزل ويحوي جسمه دارٌ إلى غير ذلك من الأشياء المنكرة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
     وعقيدة الشيعة الذين ينزّهون الله عن المشاكلة والمجانسة والتجسيم ويقولون باستحالة رؤيته في الدنيا وفي الآخرة وأعتقد شخصيّاً بأنّ الروايات التي يحتج بها أهل السنة والجماعة كلها من دسّ اليهود في زمن الصحابة لأن كعب الأحبار اليهودي الذي أسلم في عهد عمر بن الخطّاب هو الذي أدخل هذه المعتقدات التي يقول بها اليهود، عن طريق بعض البسطاء من الصحابة أمثال أبي هريرة ووهب بن منبّه فأغلب هذه الروايات مروية في البخاري ومسلم عن أبي هريرة وقد تقدم في بحث سابق كيف أنّ أبا هريرة


( 28 )

لا يفرق بين أحاديث النّبي وأحاديث كعب الأحبار حتّى ضربه عمر بن الخطاب ومنعه من الرواية في قضية خلق الله السماوات والأرض في سبعة أيام.
     وما دام أهل السنة والجماعة يثقون في البخاري ومسلم ويجعلون منهما أصحّ الكتب وما دام هؤلاء يعتمدون على أبي هريرة حتى أصبح عمدة المحدّثين وأصبح عند أهل السنة راوية الإسلام فلا يمكن والحال هذه أن يغيّر أهل السنّة والجماعة عقيدتهم إلاّ إذا تحرّروا من التقليد الأعمى، ورجعوا إلى أئمة الهدى وعترة المصطفى وباب مدينة العلم الذي منه يُؤتى.
     وهذه الدعوى لا تختصّ بالكبار والشيوخ ولكن الشباب المثقف من أهل السنّة والجماعة كذلك ومن واجبه أن يتحرّر من التقليد الأعمى ويتّبع الحجة والدليل والبرهان. السؤال الثاني: حول العدل الإلهي والجبر
     يقول الله سبحانه في كتابه العزيز: «وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» [الكهف: 23]. «لا إكراه في الدّين قد تبيّن الرشد من الغي» [البقرة: 256]. «فمن يعملْ مثقال ذرة خيراً يَرَهُ ومنْ يعمل مثقال ذرة شراً يره» [الزلزلة: 8]. «إنما أنت مذكّر لست عليهم بمصُيطر» [الغاشية: 22]. فكيف تقبلون بالأحاديث المروية في صحيح البخاري وصحيح مسلم بأنّ الله سبحانه قدّر على عباده أفعالهم قبل أن يخلقهم فقد روى البخاري في صحيحه (1) قال: أحتجَّ آدم وموسى فقال له موسى: يا آدم أنت أبونَا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنَّة. قال له آدمُ: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخطّ لك بيده أتلومني على أمرٍ قدّرَهُ الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنةٍ فحجَّ آدمُ موسى ثلاثاً…
____________
    
     (1) صحيح البخاري: 7/214 كتاب القدر باب تحاج آدم وموسى. صحيح مسلم: 8/49.



( 29 )


     كما روى مسلم في صحيحه (1) قال: إنّ أحدكم يُجمَعُ خَلْقُهُ في بطن أمّهِ أربعين يوماً ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك ثم يكون في ذلك مُضغة مثل ذلك ثم يُرسل الملكُ فينفُخُ فيه الرّوح ويُؤْمَرُ بأربع كلماتٍ بِكَتْبِ رِزِقِهِ وأجلهِ وعَملِهِ وشقيٌ أو سًعِيدٌ فوالذي لا إله غيرهُ إنّ أحدكم ليعملُ بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينُه وبينها إلاّ ذراع فيسبقُ عليه الكتابُ فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وأن أحكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعملُ بعمل أهل الجنة فيدخلُها.
     كما روى مسلم في صحيحه (2) عن عائشة أمّ المؤمنين قالت: دُعي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى جنازة صبيٍّ من الأنصار فقلتُ يا رسول الله طوبى لهذا عصفورٌ من عصافير الجنّة لَمْ يعمل السّوء ولم يدركْهُ، قال: أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنّة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنّارٍ أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم.
     وروى البخاري في صحيحه (3) قال رجلٌ: يا رسول الله أيُعرفُ أهل الجنة من أهل النّار؟ قال: نعم. قال: فلم يعمَلُ العاملون؟ قال: كلٌّ يعملُ لما خُلقَ له أو لما يُسيَّر لَهُ.
     سبحانك ربّنا وبحمدك تباركت وتعاليتَ عن هذا الظلم علوَّاً كبيراً ـ فكيف نصدّق بهذه الأحاديث المناقضة لكتابك العزيز الذي قُلت فيه وقولك الحقّ:
     «إن الله لا يظلم النّاس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون» [يونس: 44]. «إن الله لا يظلم مثقال ذرّة» [النساء: 40] «ولا يظلم ربّك أحداً» [الكهف: 49]. «وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون» [آل عمران: 117].
____________
    
     (1) صحيح مسلم: 8/44 كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه. صحيح البخاري: 7/210.
     (2) صحيح مسلم: 8/55 كتاب القدر باب كل مولود يولد على الفطرة.
     (3) صحيح البخاري: 7/210 كتاب القدر باب جفّ القلم على علم الله.



( 30 )

«فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون» [التوبة: 70 ـ العنكبوت: 40 ـ الروم: 9] «وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين» [الزخرف: 76]. «ذلك بما قدّمت أيديكم وأنّ الله ليس بظلاّم للعبيد» [الأنفال: 51] «من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربّك بظلام للعبيد» [فصلت: 46]. وكما قال في حديث قدسي «يا عبادي إني حرّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا» فكيف يصدق مسلم آمن بالله وبعدالته ورحمته أنّ الله سبحانه خلق الخلق وحكم على بعضهم بالجنة وعلى الآخرين بالنار حسب اختياره هو، وقدّر لهم أعمالهم فكلّ ميسّرٌ لما خُلِقَ له. على حسب هذه الروايات المعارضة للقرآن الكريم، وللفطرة التي فطر الله الناس عليها، وللعقل والوجدان ولأبسط حقوق الإنسان؟
     كيف نؤمن بهذا الدّين يحجّر العقول على أنّ هذا الإنسان هو دمية تُحرِّكُها أَيْدي القدر كيف شاءت لتُلقي بها بعد ذلك في التنّور ـ هذا الاعتقاد الذي يمنع العقول من الخلق والابتكار والإبداع والتطوّر والمنافسة التي تأتي بالأعاجيب ويبقى الإنسان جامداً راضٍ بما هو فيه وبما عنده بدعوى أنه ميسّر لما خُلقَ لَهُ.
     كيف نقبلُ هذه الرّوايات التي تصادمُ العقول السليمة وتصور لنا بأن الله سبحانه هو خالقُ جبّارٌ قويٌ قاهرٌ وله أن يخلق عباده الضعفاء ليزجُّ بهم في نار جهنم لا لشيء إلاّ لأنّه يفعل ما يشاء، وهل يسمّي العقلاء هذا الإله حكيماً أو رحيماً أو عادلاً؟
     كيف لو تَحدّثنا مع المثقّفين والعلماء من غير المسلمين وعَرفُوا بأنّ رَبّنا على هذه الصّفات وأنَّ دِينّنَا قد حكم على النّاس قبل ولاداتهم بالشقاء، فهل سيقبلون الإسلام ويدخلون في دين الله أفواجاً؟؟
     سبحانك إنّ هذا زورٌ من القول ركَّزَهُ الأمويّون وروّجوا له لحاجة في نفس يعقوب، والباحث يعرف سرّ ذلك. وهو زورٌ من القول لأنه يعارض


( 31 )

كلامك، وحاش رسولك أنّ يتقوّل عليك بما يُناقضُ وَحْيُك الذي أوحيتَ إليه. وقد ثبت أنَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: «إذا جاءكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافق الكتاب فخذوه وما خالف كتاب الله فاضربوا به عرض الجدار».
     وكل هذه الأحاديث وأمثالها كثيرة تعارض كتاب الله وتعارض العقل فليضرب بها عرض الجدار ولا يُلتفتُ إليها وإن كان أخرجها البخاري ومسلم فما كان معصوميْن عن الخطأ. ويكفينا دليلاً واحداً للردّ على هذا الأدّعاء الباطل، هو بعثة الأنبياء والمرسلين من قبل الله إلى خلقه، وعلى طول التاريخ البشري ليُصلحوا مفاسد العباد ويوضّحوا لهم الصراط المستقيم ويعلّموهم الكتاب والحكمة ويبشّروهم بالجنّة إن كانوا صالحين وينذروهم من عذاب الله في النّار إن كانوا مُفسدين.
     ومن عدالة الله سبحانه في خلقه ورحمته بهم أنّه لا يعذّب إلا من بعث إليه رسولاً وأقام عليه الحجّة قال تعالى: «من اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضلُّ عليها ولا تَزِر وازرة وزر أخرى وما كُنّا مُعذِّبين حتّى نبعث رسولاً» [الإسراء: 15].
     فإذا كانت هذه الروايات التي أخرجها البخاري ومسلم والتي تقول بان الله كتب على عباده أعمالهم قبل أن يخلُقهم وحكم على البعض منهم الجنّة وعلى البعض بالنّار، كما قدّمنا سابقاً وكما يؤمنُ بذلك أهل السنّة والجماعة. أقول إن كان هذا صحيح، فإن إرسال الرّسل وإنزال الكتب يصبح ضرباً من العبث! ـ تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً ـ وما قدروا الله حق قدره ـ فما يكون لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم.
     «تلك آيات الله نتلوها عليك بالحقّ وما الله يريد ظلماً للعالمين» [آل عمران: 108]. والجواب على هذا عند أئمة الهدى ومصابيح الدّجى ومنار الأمّة، هو تنزيه الله سبحانه عن الظلم والعبث.


( 32 )


     فلنستمع إلى باب مدينة العلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وهو يشرح للنّاس هذا الاعتقاد الذي بقي لغزاً عند بعض المسلمين الذين تركوا الباب يقول عليه السلام (لمّا سأله أحد أصحابه: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله وقدره؟):
     «ويحك لعلّلك ظنَنْتَ قضاءً لازماً وقدراً حاتماً، ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد. إنّ الله سبحانه أمر عباده تخييراً، ونهاهُم تحذيراً، وكلّف يسيراً ولم يكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يُرسل الأنبياء لعباً، ولم يُنزل الكُتبَ للعباد عَبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، «ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار» (1). صدق الإمام عليه السلام فويلٌ للذين يُنسبون العبث والظلم لله من عذاب أليم.
     والجدير بالذكر والحقُّ يقال بأنّ أهل السنّة والجماعة ينزّهون الله عن العبثِ والظلم فإذا ما سألت أحدهم فسوف لن يُنسب الظلم لجلال الله سبحانه، ولكنّه سوف يجد نفسه متحرّجاً لرفض أحاديث أخرجها البخاري ومسلم ويعتقد ضمنيّاً أنّها صحيحة، ولذلك تراه عندما تجادله بالمنطق المعقول، يدّعي بأنّ ذلك لا يُسمّى ظلماً عند الله إذ أنّه الخالق، وللخالق أن يفعل في مخلوقاته ما يشاء! فهو لا يسأل عمّا يفعل وهم يُسألون وعندما تسأله: كيف يحكم الله على عبدٍ بالنار قبل خلقه لأنّه كتب عليه الشقاء، ويحكم على آخر بالجنّة قبل خلقه لأنه كتب عليه السعادة؟ أليس في ذلك ظلم للأثنين؟ لأن الّذي يدخل الجنّة لا يدخلها بعمله وإنّما باختيار الله له، وكذلك الّذي يدخل النار لا يدخلها بما اقترفه من ذنوبه وإنّما بما قدّره الله عليه. أليس في ذلك ظلم، وهو يناقض القرآن؟ فسيجيبك «بأن الله فعّالٌ لما يريد». فلا تفهم من موقفه المتناقض شيئاً، وهذا بديهي إذا أنه يُنزل
____________
    
     (1) نهج البلاغة شرح محمد عبده: 673 ـ 674 من الجزء الرابع.



( 33 )

البخاري ومسلم بمنزلة القرآن ويقول أصحّ الكتب بعد كتاب الله البخاري ومسلم. وفي البخاري ومسلم عجائب وغرائبٌ ومصائبٌ ابتُلي بها المسلمون وقد نجح الأمويون ومن بعدهم العبّاسيون نجاحاً كبيراً في بثّ بدعهم وعقائدهم التي تتماشى وسياستهم العقيمة وبقيتْ آثارهم حتى اليوم إذ يعتبرها المسلمون أعزّ وأعظم تراث لأنّه جمع الأحاديث النبويّة الصحيحة على حدّ زعمهم ولو يعلم المسلمون مقدار ما كذّبوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من أجل أغراضهم السّياسية لما صدّقوا بتلك الأحاديث وخصوصاً منها المتناقض مع كتاب الله.
     ولأن القرآن الكريم تكفّل الله بحفظه ولأنّه كان محفوظاً عند الصحابة وكانوا يعرضونه على النّبي لذلك لم يتمكّنوا من تحريفه وتبديله فعمدوا إلى السنّة المطهّرة فوضعوا ما شاؤوا لمن شاؤوا، وبما أنّهم كانوا أعداءاً لأهل البيت حفظة القرآن والسنّة، اختلفوا لكل حادثة حديث نسبوه للنّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم. وموّهوا على المسلمين بأن هذه الأحاديث هي أصحّ من غيرها فقبلها النّاس على حسن نيّة وهم يتداولونها بالوراثة جيلاً بعد جيل. وللإنصاف أقول بأنّ الشيعة هم الآخرون ضحية الدس والتمويه في كثير من الأحاديث التي تُنسب للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أو لأحد الأئمة الأطهار سلام الله عليهم. فهذا الدس والتمويه لم يسلم منه المسلمون سنة وشيعة على مرّ التاريخ ولكن الشيعة يمتازون على أهل السنّة والجماعة بثلاثة أشياء ميّزتهم على غيرهم من الفرق الإسلامية الأخرى وأبرزت عقائدهم سليمة ومتّفقة مع القرآن والسنّة والعقل، وهذه الأشياء الثلاثة هي:
     أولاً: انقطاعهم لأهل البيت النّبوي فهم لا يقدّمونه عليهم أحداً وكلّنا يعلم من هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
     ثانياً: عدد أئمة أهل البيت وهو اثني عشر إماماً امتدتْ حياتهم


( 34 )

وآثارهم طوال ثلاثة قرون. وقد وافق بعضهم بعضاً في كل الأحكام والأحاديث ولم يختلفوا في شيء ممّا جعل شيعتهم وأتباعهم متعلّمين في كل مجالات العلم والمعرفة بوضوح وبدون تناقض في العقائد أو في غيرها.
     ثالثا: اعترافهم وإقرارهم بأنّ ما لديهم من الكتب يحتملُ الخطأ والصّواب وليس عندهم كتاب صحيح إلا كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويكفيك أن تعرف مثلاً أن أعظم كتاب عندهم وهو «أصول الكافي» يقولون بأنّ فيه آلاف الأحاديث المكذوبة، ولذلك تجد علماءهم ومجتهديهم دائبين على البحث والتنقيب فلا يأخذون منه إلا الثّابت بالمتن والسند وما لا يتعارض مع القرآن والعقل.
     أمّا أهل السنة والجماعة فقد ألزموا أنفسهم بكتب سمّوها الصحّاح الستّة باعتبار أن كل ما فيها صحيح وأغلبهم يتناقلون هذا الرأي بالوراثة بدون بحث ولا تمحيص، وإلا فإنّ كثيراً من الأحاديث التي رُويتْ في هذه الكتب لا تقوم على دليل علمي وفيها الكفر الصريح وبما يتناقض والقرآن وأخلاق الرسول أفعاله والحطّ من كرامته ويكفي الباحث أن يقرأ كتاب الشيخ المصري محمود أبو رية «أضواء على السنّة المحمدية» ليعرف ما هي قيمة الصحاح الستّة والحمد لله أنّ كثيراً من الشباب الباحث اليوم تحرّر من تلك القيود وأصبح يُفرّق بين الغث والسمين، بل حتّى الشيوخ المتعصّبين للصحّاح أصبح الكثير منهم اليوم يُنكرها لا لأنّه ثبت لديه ضعف بعض الأحاديث فيها ولكن لأنّه وجد فيها حجّة الشيعة التي يقولون بها سواء في الأحكام الفقهية أو في العقائد الغيبيّة، فما من حُكم أو عقيدة يقول بها الشيعة إلاّ ولها وجودٌ فعلي في أحد الصحاح الستّ لدى أهل السنة والجماعة.
     وبالمقابل قال لي بعض المتعصّبين ما دُمتم تعتقدون بأنّ أحاديث


( 35 )

البخاري ليست صحيحة فلماذا تحتجّون بها علينا؟ أجبت: ليس كل ما في البخاري صحيح وليس كل ما فيه مكذوب فالحقّ حقّ والباطل باطل وعلنيا أن نُغربل ونصفّي.
     قال: هل عندك مِجْهرٌ خاصّ تعرف به الصحيح من المكذوب؟ قلت: ليس عندي أكثر ممّا عندك، ولكن ما اتُفق عليه السنة والشيعة فهو صحيح لأنه ثبتت صحّته عند الطرفين ونُلزمهم به كما ألْزموا أنفسهم. وما اختلفوا فيه حتى لو كان صحيحاً عند أحدهم فلا يُلزم الطرف الثاني بقبوله، كما لا يلزم الباحث الحيادي قبوله والاحتجاج به لأنه دوريٌ.
     وأضرب لذلك مثلاً واحداً حتّى لا يبقى هناك إشكال في هذا الموضوع وحتّى لا يعاد نفس الانتقاد بأساليب متعدّدة.
     * يدّعي الشيعة بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نصّب علياً خليفة للمسلمين في غدير خم يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة بعد حجّة الوداع وقال بالمناسبة:
     «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه». فهذه الحادثة وهذا الحديث نقله كثير من علماء أهل السنّة والجماعة في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم. فيمكن للشيعة عندئذ أن يحتجّوا به على أهل السنّة والجماعة.
     * ويدّعي أهل السنّة والجماعة بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عيّن أبا بكر ليصلّي بالناس في مرض موته وقال بالمناسبة: «ويأبى الله ورسولّه والمؤمنون إلا أبا بكر».
     فهذه الحادثة وهذا الحديث لا وجود له في كتب الشيعة وإنّما يروون بأنّ رسول الله بعث إلى عليّ، فبعثت عائشة إلى أبيها ولمّا عرف رسول الله ذلك قال لعائشة: «إنكنّ لصويحبات يوسف» وخرج هو ليصلّي بالنّاس وزحزح أبا بكر.


( 36 )


     فلا يمكن وليس من الإنصاف أن يحتجّ أهل السنّة والجماعة على الشيعة بما انفردوا هم به وخصوصاً إذا كانت الروايات متناقضة ويكذّبها الواقع والتاريخ ـ لأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عيّن أبا بكر ليكون ضمن جيش أسامة وتحت إمرته وقيادته ومن المعلوم أنّ أمير الجيش في السّرية هو إمام الصّلاة، وقد ثبت تاريخياً بأنّ أبا بكر لم يكن موجوداً في المدينة عند وفاة الرّسول وكان بالسّنح يتجهّز للخروج مع أميره وقائده أسامة بن زيد الذي لم يبلغ من العمر إلاّ سبعة عشر عاماً ـ فكيف والحال هذه يمكن لن أن نصدّق بأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عيّنه لإمامة الصّلاة؟ اللّهم إلاّ إذا صدّقنا بقول عمر بن الخطاب بأنّ رسول الله يهجر ولا يدر ما يفعل ولا ما يقول، وهذا أمرٌ لا سبيل إليه فهو مستحيلٌ ولا يقول به الشيعة.
     فعلى الباحث هنا أن يتقي الله في بحثه ولا تأخذه العاطفة فيميل عن الحق ويتّبع الهوى فيضلّ عن سبيل الله، إنّما واجبُه أن يخضع للحق ولو كان الحقّ مع غيره، ويحرّر نفسه من الرّواسب والعواطف والأنانيّة فيكون من الذين امتدحهم الله عزّ وجلّ في قوله: «فبشّر عبادي الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب» [الزمر: 18].
     فليس من المعقول إذاً أن يقول اليهود إنّ الحقّ عندنا ويقول النّصارى إن الحقّ عندنا ويقول المسلمون إن الحق عندنا وهم مختلفون في العقائد والأحكام!
     فلا بدّ للباحث أن يُمحّص أقوال الديانات الثلاثة ويقارن بعضها ببعض حتّى يتبيّن له الحق.
     وليس من المعقول أيضاً أن يقول أهل السنّة بأنّ الحقّ معهم ويقول الشيعة بل الحقّ عندهم وحدهم وهم يختلفون في بعض المفاهيم والأحكام! فالحقّ واحدٌ لا يتجزأ.


( 37 )


     فلا بد للباحث أن يتجرّد ويُمحّص أيضاً أقوال الطّرفين ويقارن بعضها ببعض ويُحَكِّم عقلَهُ حتّى يتبيّن له الحقّ، وذلك هو نداء الله سبحانه لكل فرقة تدّعي الحق؛ إذ يقول: «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين » [البقرة: 111].
     فليست الأكثرية بدالّة على الحقّ: بل العكس هو الصّحيح قال تعالى: «وإن تطع أكثر من في الأرض يضلّوك عن سبيل الله» [الأنعام: 116]. وقال أيضاً: «وما أكثر النّاس ولو حرصت بمؤمنين» [يوسف: 103]. مثلما أنّ المتقدّم الحضاري والتكنولوجي والثّراء ليس دليلاً على أنّ الغرب على حقّ والشرق على باطل قال تعالى: «فلا تُعجِبْكَ أموالهم ولا أولادهم إنّما يريد الله ليعذّبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون» [التوبة: 55].

قول أهل الذكر في الله تعالى


     يقول الإمام علي: الحمد لله الّذي بطن خفيات الأمور، ودلّت عليه أعلام الظهور، وامتنع على عين البصير. فلا عين من لم يره تنكره. ولا قلب من أثبتَه يبصره، سبق في العلوّ فلا شيء أعلى منه، وقُربٌ في الدُنوّ فلا شيء أقربُ منه. فلا استعلاؤه بأعده عن شيء من خلقه، ولا قربه ساواهم في المكان به. لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته فهو الذي تشهد له أعلام الوجود على إقرار قلب ذي الجحود. تعالى الله عمّا يقول المشبّهون به والجاحدون له علوّاً كبيراً.
     والحمد لله الذي لم يسبق له حالٌ حالا فيكون أوّلاً قبل أن يكون آخراً. ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً. كل مسمّى بالوحدة غيره قليل، وكلُ عزيز غيره ذليل. وكل قويّ غيره ضعيف، وكلّ مالك غيره مملوك، وكلّ عالم غيره متعلّمٌ، وكل قادر غيره يقدر ويعجزُ، وكلّ سميع غيره يصمُّ عن لطيف الأصوات ويصمُّهُ كبيرها ويذهب عنه ما بعد منها، وكل بصير


( 38 )

غيره يعمى عن خفيّ الألوان ولطيف الأجسام، وكل ظاهر غيره باطن، وكل باطن غيره ظاهر. لم يخلق ما خلقه لتشديد سلطان ولا تخوّفٍ من عواقب زمان، ولا استعانة على ندٍّ مشاورٍ، ولا شريك مكائرٍ ولا ضدّ مُنافرٍ، ولكن خلائق مربوبون وعباد داخرون. لم يحلل في الأشياء فيقال هو فيها كائن. ولم ينأ عنها فيقال هو منها بائنٌ. لم يؤدْه خلقُ ما ابتدأ ولا تدبير ما ذرأ، ولا وقف به عجزٌ عمّا خلق، ولا ولجت عليه شبهة فيما قضى وقدّر. بل قضاءٌ متقنٌ وعلمٌ محكمٌ وأمرٌ مبرمٌ، المأمول مع النِّقم والمرهوب مع النعم. ليس لأوليته ابتداءٌ ولا لأزليته انقضاء، هو الأول لم يزل والباقي بلا أجل. خرّت له الجباه ووحّدته الشفاه، لا تقدّره الأوهام بالحدود والحركات، ولا بالجوارح والأدوات، لا يقال له متى، ولا يضربُ له أمد بحتّى الظاهر لا يقال مما، والباطن لا يقال فيما، لا شبحٌ فيتقضّى ولا محجوبٌ فيحوى. تعالى الله عمّا ينحله المحدّدون من صفات الأقدار ونهايات الأقطار وتأثّل المساكن وتمكّن الأماكن، فالحدّ لخلقه مضروبٌ وإلى غيره منسوبٌ. لم يخلق الأشياء من أصوال أزلية ولا أوائل أبدية، بل خلق ما خلق فأقام حدّه، وصوّر ما صوّر فأحسن صورته ليس لشيء منه امتناع. ولا له بطاعة شيء انتفاعٌ علمه بالأموات الماضين كعلمه بالأحياء الباقين، وعلمه بما في السماوات العُلى كعلمه بما في الأرضين السفلى.


( 39 )


الفصل الثاني


فيما يتعلّق بالرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم

السؤال الثاني: حول عصمة الرّسول؟
     يقول الله سبحانه وتعالى في حقّ نبيّه محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم: «والله يعصمك من النّاس» [المائدة: 67]. وقال أيضاً: «وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى» [النجم: 3]. وقال: «وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» [الحشر: 7]. وتدل هذه الآيات دلالة واضحة على عصمته المطلقة في كل شيء. وتقولون بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم معصوم فقط في تبليغ القرآن وما عدا ذلك فهو كسائر البشر يُخطِىءٌ ويُصيب وتستدلّون على خطئه في عدة مناسبات بأحداث تروونها في صحاحكم!
     فإذا كان الأمر كذلك فما هو حجّتكم وما هو دليلكم في ادّعائكم التمسّك بكتاب الله وسنّة نبيّه ما دامت هذه السنّة عندكم غير معصومة ويمكن فيها الخطأ؟
     وعلى هذا الأساس فالمتمسّك بالكتاب والسنّة على حسب معتقداتكم لا يأمن من الضلالة، وخصوصاً إذا عرفنا بأن القرآن كُلّه مفسَّرٌ ومُبَيّنٌ بالسنّة النبويّة. فما هي حجّتكم في أن تفسيره وتبيانه لم يكن مخالفاً لكتاب الله تعالى؟


( 40 )


     قال لي أحدهم معبّراً عن هذا الرأي: لقد خالف الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في القرآن في كثير من الأحكام حسب ما تقتضيه المصلحة.
     ـ قلت متعجّباً: أعطني مثلاً واحداً على مخالفته.
     ـ أجاب: يقول القرآن: «الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة» [النور: 2]. بينما حكم الرّسول على الزاني والزانية بالرّجم وهو غير موجود في القرآن.
     ـ قلت: إنّما الرّجم على المحصن إذا زنى، ذكراً كان أم أنثى والجلد على الأعزب إذا زنى ذكراً كان أم أنثى.
     ـ قال: في القرآن ليس هناك أعزب أو مُحصن لأن الله لم يخصّص بل أطلق لفظ الزانية والزاني بدون تخصيص.
     ـ قلت: إذاً على هذا الأساس فكلّ حكم مطلق في القرآن خصّصه الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فهو مخالفٌ للقرآن؟ قأنت تقول بأن الرّسول خالف القرآن في أكثر أحكامه؟
     ـ أجاب متحرّجاً: القرآن وحده معصوم لأن الله تكفّل بحفظه أمّا الرسول فهو بشر يخطىء ويصيب كما قال القرآن في حقّه: «قل ما أنا إلا بشر مثلكم» !
     ـ قلت: فلماذا تُصلّي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء وقد أطلق القرآن لفظ الصّلاة بدون تخصيص لأوقاتها؟
     ـ أجاب: القرآن فيه «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً» والرّسول هو الذي بيّن أوقات الصلاة.
     ـ قلت: فلماذا تصدّقه في أوقات الصلاة وتردّ عليه في حكم رجم الزاني.
     وحاول جهده أن يُقنعني بفلسفات عقيمة متناقضة لا تقوم على دليل


( 41 )

عقلي ولا منطقي كقوله: بأنّ الصّلاة لا يمكن الشك فيها لأنّ رسول الله فعلها طيلة حياته وفي كل يوم خمس مرّات، أمّا الرّجم فلا يمكن الاطمئنان إليه لأنّه لم يفعله في حياته غير مرّة أو مرتين ـ وكقوله بأن الرّسول لا يُخطىءُ عندما يأمره الله بأمره. أما عندكم يحكم بفكره فهو ليس معصوم، ولذلك كان الصّحابة يسألونه في كل أم، هل هو من عنده أم من عند الله، فإذا قال هو من عند الله امتثلوا بدون نقاش، وإذا قال هو من عندي، عند ذلك يُناقشونه ويجادلونه وينصحونه ويتقبّل نصائحهم وآراءهم، وقد ينزل القرآن أحياناً موافقاً لآراء بعض الصّحابة ومُخالفاً لرأيه كما في قضيّة أسرى بدر، وقضايا أُخرى مشهورة.
     وحاولتُ بدوري إقناعهُ ولكن بدون جدوى ـ لأنّ علماء أهل السنّة والجماعة مقتنعون بذلك وصحاحُهم مشحونةٌ بمثل هذه الروايات التي تخدش في عصمة الرسول وتجعل منه شخصاً أقل مستوى من الرّجل الذكي، أو القائد العسكري، أو حتى شيخ الطريقة عند الصوفية، ولست مبالغاً إذ قلت أقلَّ مستوى حتى من الرجل العادي، فإذا ما قرأنا بعض الرّوايات في صحاح أهل السنّة والجماعة يتبينُ لنا بوضوح إلى أي مدى وصل التأثير الأموي في عقول المسلمين، من عهدهم وبقيت آثاره حتى يوم النّاس هذا.
     وإذا ما بحثنا الغرض أو الهدف من ذلك فسوف نخرج بنتيجة حتمية ومرّة ألا وهي: أنّ أولئك الّذين حكموا المسلمين في عهد الدولة الأموية وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان، لم يعتقدوا يوماً من الأيّام بأنّ محمّداً ابن عبد الله، هو مبعوث برسالة من عند الله أو هو نبيّ الله حقّاً. وأغلب الظن أنّهم كانوا يعتقدون بأنّه كان ساحراً وقد تغلّب على النّاس وشيّد ملكه على حساب المستضعفين من النّاس وبالخصوص العبيد الذين أيّدوا دعوته وناصروه. وليس هذا مجرّد ظنّ فإنّ بعض الظنّ إثم ولكن عندما نقرأ في كتب التاريخ لنتعرف على شخصيّة معاوية وأحواله. وما فعله طيلة حياته


( 42 )

خصوصاً مدة حكمه فالظن يصبح حقيقة لا مفرَّ منها. ‌‌
     فكلّنا يعرف من هو معاوية. ومن هو أبوه أبو سفيان ومن هي أمّهُ هند فهو الطّليق ابن الطّليق الذي قضى شبابه في رحاب أبيه وفي تعبئة الجيوش لمحاربة رسول الله والقضاء على دعوته بكل جهوده حتّى إذا ما فشلت جميع محاولاته وتغلّب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عليه وعلى أبيه استسلم للأمر الواقع في غير قناعة، ولكن الرّسول لكرمه ولعظمه خُلقه عفى عنه وسمّاه الطّليق،وبعد موت صاحب الرسالة حاول أبوه إثارة الفتنة والقضاء على الإسلام وذلك عندما جاء في اللّيل للإمام عليّ يحرّضه على الثورة ضد أب بكر وعمر ويمنّيه بالمال والرجال ولكن الإمام علي سلام الله عليه عرف قصده فطرده وبقي يعيش حاقداً على الإسلام والمسلمين طيلة حياته حتى آلت الخلافة إلى ابن عمّه عثمان عند ذلك أظهر ما في نفسه من كفر ونفاق فقال: تلقّفوها تلقّف الكرة يا بني أمية فوالذي يحلف به أبو سفيان ليس هناك جنّة ولا نار (1). وأخرج ابن عساكر في تاريخه من الجزء السادس في صفحة 407 عن أنس أن أبا سفيان دخل على عثمان بعدما عمي فقال: هل هنا أحد؟ فقالوا: لا. فقال: اللّهم اجعل الأمر أمر جاهلية والملك ملك غاصبية واجعل أوتاد الأرض لبني أميّة.
     وأما ابنهُ معاوية وما أدراك ما معاوية فحدّث ولا حرج وما فعله بأمّة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم طيلة ولايته في الشّام ثم بعد تسلّطه على الخلافة بالقهر والقوة وما ذكره المؤرخون من هتكه للقرآن والسنّة وتعدّيه كل الحدود التي رسمتها الشريعة والأعمال التي يتنزّه القلم عن كتابتها واللّسان عن ذكرها لقُبحها وفحشها، وقد ضربنا عنها صفحاً مراعاةً لعواطف إخواننا من أهل السنة والجماعة والذين أشربوا في قلوبهم حبّ معاوية والدفاع عنه.
     ولكن لا يفوتنا أن نذكر هنا نفسيات الرجل وعقيدته في صاحب
____________
    
     (1) تاريخ الطبري : 11/357. مروج الذهب: 1/440.



( 43 )

الرسالة فهي لا تبعد عن عقيدة أبيه وقد رضعها من حليب أمّه آكلة الأكباد والمشهورة بالعهر والفجور (1) كما ورثها عن أبيه شيخ المنافقين الذي ما عرف الإسلام يوماً إلى قلبه سبيلاً.
     وكما عرفنا نفسية الأب فها هو الابن يعبّر بنفس التعبير ولكن على طريقته في الدّهاء والنّفاق.
     فقد روى الزبير بن بكار عن مطوف بن المغيرة بن شعبة الثقفي قال: دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف إليّ فيذكر معاوية وعقله ويعجب ممّا يرى منه. إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء فرأيته مغتمّاً فانتظرته ساعة وظننتُ أنّه لشيء حدث فينا أو في عملنا فقلتُ له: ما لي أراك مُغتمّاً منذ الليلة؟
     قال: يا بني إني جئتُ من عند أخبث الناس، قلتُ له: وما ذاك، قال: قلتُ لمعاوية وقد خلوتُ به: إنك قد بلغتَ مُناك يا أمير المؤمنين، فلو أظهرت عدلاً، وبسطت خيراً، فإنّك قد كبرت ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه. وإن ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه. فقال لي: هيهات هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل: أبو بكر: ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمّر عشر سنين، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلاّ أن يقول قائل: عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه فعمل ما عمل وعُمل به فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فُعل به، وإن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرّات: أشهد أن محمداً رسول الله: فأي عمل وأي ذكر يبقى مع
____________
    
     (1) الزمخشري في ربيع الأبرار ج2 باب القرابات والأنساب. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/111.



( 44 )

هذا لا أمّ لك؟ والله إلاّ دفناً دفناً (1).
     خسئت وخبت وأخزاك الله يا من أردت دفن ذكر رسول الله بكلّ جهودك وأنفقت في سبيل ذلك كل ما تملكه ولكنّ جهودك كلّها باءت بالفشل لأن الله سبحانه لك بالمرصاد وهو القائل لرسوله: «ورفعنا لك ذكرك» فلست أنت بقادر على دفن ذكره الذي رفعه ربّ العزّة والجلالة، فكدْ كيدك واجمع جمعك فأنت غير قادر على إطفاء نور الله بفيك، والله متمّ نوره رغم نفاقك فها قد مَلكت الأرض شرقاً وغرباً وما إن هلكت حتّى هلك ذكرك إلاّ أن يذكرك ذاكر بأفعالك الشنيعة التي أردت بها هدم الإسلام، كما جاء ذلك على لسان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (2). وبقي ذكر محمد بن عبد الله أخي هاشم عبر القرون والأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كلّما ذكره ذاكر إلاّ صلّى الله عليه وآله وسلّم رغم أنفك وأنوف بني أميّة الذين حاولوا بقيادتك وزعامتك القضاء عليهم وعلى فضائلهم فما زادهم ذلك إلاّ رفعة وسموّاً وسوف تلقون الله يوم القيامة غاضباً عليكم لما أحدثتموه في شريعته فيجزيكم بما تستحقون.
     وإذا ما أضفنا إلى هؤلاء فرخهم يزيد بن معاوية الماجن الفاسق شارب الخمور والمجاهر بالفسق والفجور فسوف نجده هو الآخر يحمل نفس العقيدة التي ورثها عن أبيه معاوية وجدّه أبي سفيان كما ورث عنهم الخسّة والدناءة وشرب الخمر ومعاقرة العاهرات ولعب القمار ولو لم يرث كل هذه الصفات البشعة لما أورثه أبوه معاوية الخلافة وسلّط على رقاب المسلمين وكلهم يعرفوه حق معرفته وفيهم فضلاء الصحابة كالحسين بن علي سيد شباب أهل الجنة ولا أشك في أنّ معاوية قضى حياته وأنفق ماله الذي
____________
    
     (1) كتاب الموفقيات: 576. تاريخ المسعودي مروج الذهب: 2/341. وشرح النهج لابن أبي الحديد: 5/130. الغدير للعلامة الأميني: 10/ 283.
     (2) كتاب صفين: 44.



( 45 )

اكتسبه من حرام في سبيل القضاء على الإسلام والمسلمين الحقيقيين، ولقد رأينا كيف كان يريد دفن ذكر محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وما قدر على ذلك فأشعلها حرباً على ابن عمّه علي وصيّ النّبي حتى إذا ما قضى عليه ووصل للخلافة بالقهر والغش والنفاق سنَّ سنّة سُنّته المشؤومة وأمر عمّاله في كلّ الأقطار بلعن علي وأهل البيت النّبوي على كل المنابر وفي كلّ صلاة وهو بذلك يريد سبّ ولعن رسول الله (1) ولما أعيته الحيل وأدركه الأجل ولم يصل إلى مأربه إنتدب إبنه وولاّه على الأمة ليواصل ذلك المخطط الذي رسمه هو وأبوه أبو سفيان ألا وهو القضاء على الإسلام وإعادة الأمر إلى الجاهلية.
     فاستلم ذلك الماجن الفاسق الخلافة وشمّر سواعده للقضاء على الإسلام حسب رغبة أبيه فبدأ باستباحة مدينة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لجيشه الكافر ففعل فيها ما فعل طيلة ثلاثة أيّام وقتل فيها عشرة آلاف من خيرة الصحابة وثنّى بعد ذلك بقتل سيد شباب أهل الجنة وريحانة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وكل أهل البيت النّبوي وهم أقمار الأمّة حتّى أخذت حرائر أهل البيت سبايا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
     ولو أن الله لم يقصف عمره لتمكّن ذلك الوغد اللئيم من القضاء على الإسلام والمسلمين. والذي يهمّنا في هذا البحث هو الكشف عن عقيدته هو الآخر كما كشفنا عن عقيدة أبيه وجدّه.
     فقد حدّث المؤرخون (2) أنه بعد وقعة الحرّة المشؤومة وقتل عشرة آلاف من خيرة المسلمين سوى النساء والصبيان، وأفتضّ فيها نحو ألف بكر، وحبلت ألف إمرأة في تلك الايام من غير زوج، ثم بايع من بقي من
____________
    
     (1) أخرج ابن عبد ربه في العقد الفريد: 2/301 قال إن معاوية لعن علي على المنبر وكتب إلى عمّاله أن يلعنوه على المنابر ففعلوا، فكتبت أمّ سلمة زوج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى معاوية: إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم. وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبّه، وأنا أشهد أن الله أحبّه ورسوله، فلم يلتفت معاوية إلى كلامها.
     (2) أنساب الأشراف للبلاذري: 5/42. لسان الميزان: 6/294. تاريخ ابن كثير: 8/221. الإصابة: 3/473.



( 46 )

الناس على أنّهم عبيد ليزيد ومن امتنع قتل، ولما بلغ يزيد خبر تلك الجرائم والمآسي التي يندى لها الجبين ولم يشهد لها التاريخ مثيلاً حتى عند المغول والتتار وحتى عند الإسرائيليين فرح بذلك وأظهر الشماتة بنبيّ الإسلام وتمثّل بقول ابن الزبعّري الّذي أنشده بعد موقعة أحد قائلاً:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسلْ


لأهلّوا واستهلّوا فرحاً * ثم قالوا: يا يزيد لا تشلْ


قد قتلنا القرم من ساداتهم * وعدلنا ميل بدر فاعتدلْ


لست من خندفٍ إن لم أنتقم * ومن بني أحمد ما كان فعلْ


لعبت هاشم الملك فلا * خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ


     فإذا كان الجدّ أبو سفيان العدوّ الأول لله ورسوله يقول صراحة:
     تلقّفوها يا بني أمية تلقّف الكرة فوالذي يحلف به أبو سفيان فما من جنّة ولا نار.
     وإذا كان الأب معاوية العدوّ الثاني لله رسوله يقول صراحة: (عندما يسمع المؤذن يشهد أن محمداً رسول الله) أي عمل وأي ذكر يبقى مع هذا لا أمْ لك؟ والله إلاّ دفناً دفناً.
     وإذا كان الابن يزيد العدوّ الثالث لله ورسوله يقول صراحة:

لعبت هاشم بالملك فلا * خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ


     وإذا ما نحن عرفنا عقيدة هؤلاء في الله ورسوله وفي الإسلام وإذا ما نحن عرفنا أعمالهم الشنيعة التي أرادوا بها هدم أركان الإسلام والإساءة إلى نبي الإسلام والتي لم نذكر منها إلاّ النزر اليسير روماً للاختصار ولو أردنا التوسّع لملأنا مجلداً ضخماً في أعمال معاوية وحده التي بقيت عليه عاراً وشناراً وفضيحة مدى الدهر ولو تجنّد لتغطيتها وسترها بعض علماء السّوء الذين كان لبني أمية عليهم أيادي وعطايا أعمت عيونهم فباعوا آخرتهم بدنياهم وألبسوا الحق بالباطل وهم يعلمون، وبقي أغلب المسلمين ضحية


( 47 )

هذا الدسّ. والتزوير، ولو علم هؤلاء الضحايا الحقيقة، لما ذكروا أبا سفيان ومعاوية ويزيد إلاّ باللّعن والبراءة.
     ولكن الذي يهمّنا في هذا البحث الوجيز هو التوصّل إلى مدى تأثير هؤلاء وأشياعهم وأتباعهم الذين حكموا المسلمين طيلة مائة عام ولمّا يزل في خطواته الأولى.
     ولا شك في أنّ تأثير هؤلاء المنافقين كان كبيراً على المسلمين فغيّر عقيدتهم وغيّر سلوكهم وأخلاقهم ومعاملاتهم وحتى عباداتهم وإلاّ كيف يمكن لنا تفسير قعود الأمة عن نصرة الحق وخذلان أولياء الله والوقوف مع أعداء الله ورسوله.
     وكيف يمكن لنا أن نفسّر وصول معاوية الطّليق ابن الطّليق واللّعين ابن اللّعين إلى الخلافة التي تمثل مرتبة وخلافة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وفي الوقت الذي يموّه علينا المؤرخون بأن النّاس كانوا يقولون لعمر بن الخطاب لو رأينا فيك إعوجاجاً لقوّمناك بسيوفنا. نراهم يتحدّثون عن معاوية وهو يعتلي منصّة الخلافة بالقهر والقوة وأول خطبة يقولها في جميع الصّحابة: «إني ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ولكن لأتأمّر عليكم وها أنا ذا أميرٌ عليكم» فلا يحرّك منهم أحدٌ ساكناً ولا يعارضوه بل يَجْرُوا في ركابه حتى يسمّوا ذلك العام الذي استولى فيه معاوية على الخلافة بعام الجماعة في حين أنه كان بحق عام الفرقة.
     ثم نراهم بعد ذلك يقبلون منه أن يولّي عليهم ابنه الفاسق يزيد المعروف لديهم جميعاً فلا يثورون ولا يتحرّكون إلاّ ما كان من بعض الصلحاء الذين قتلهم يزيد في وقعة الحرّة وأخذ ممن بقي منهم البيعة على أنهم له عبيد. فكيف لنا تفسير كل ذلك. على أننا نجد بعد ذلك أنّه وصل للخلافة باسم إمارة المؤمنين الفسّاق من بني أميّة كالوزغ مروان بن الحكم والوليد بن عقبة وغيرهم.


( 48 )


     ووصل الأمر بأمراء المؤمنين أن يستبيحوا مدينة رسول الله ويفعلوا فيها الأفاعيل وتُهتكُ فيها الحرمات، بل ويحرقوا بيت الله الحرام ويقتلوا في الحرم خيار الصحابة. ووصل الأمر بأمر المؤمنين أن يسفكوا دماء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وذلك بقتلهم ريحانة رسول الله وذريته ويستبيحوا سبي بناته، فلا يحرّك أحدٌ من الأمة ساكناً ولا يجد سيد شباب أهل الجنة ناصراً.
     ووصل الأمر بأمراء المؤمنين أن يمزّقوا كتاب الله ويقولون له إذا لقيت ربّك يوم حشرٍ فقل يا رب مزّقني الوليد. كما فعل الوليد الأموي.
     ووصل الأمر بأمراء المؤمنين أن يلعنوا على المنار علي بن أبي طالب ويأمروا النّاس بلعنه في كل الأقطار وهم لا يقصدون بذلك غير لعن رسول الله فلا يحرك منهم أحدٌ ساكناً ومن امتنع قُتِلَ وصُلب ومُثّل به.
     ووصل الأمر بأمراء المؤمنين أن يتجاهروا بشرب الخمر والزنا واللهو بالطرب والغناء والرقص وو… وحدّث ولا حرج!
     فإذا كان أمرُ الأمة الإسلامية قد وصل إلى هذا الحدّ من الانحطاط في الأخلاق والذلّ والاستكانة فلا بد أن هناك عوامل أثّرت في عقيدتها وهذا ما يهمّنا في هذا البحث لانّه يتعلّق بموضوع العصمة وشخصية الرّسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم.
     وأوّل ما يُلفتُ انتباهنا هنا هو أنّ الخلفاء الثّلاثة أبو بكر وعمر وعثمان منعوا كتابة حديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بل وحتى التحدّث به.
     فهذا أبو بكر يجمع النّاس في خلافته ويقول لهم: إنكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والنّاس بعدم أشدّ إختلافاً فلا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه (1).
____________
    
     (1) تذكرة الحفاظ للذهبي: 1/ 2 و3.



( 49 )


     كما أن عمر بن الخطاب هو الآخر منع أن يتحدّثْ الناس بحديث الرسول. قال قرظة بن كعب: لما سيّرنا عمر بن الخطاب إلى العراق مشى معنا وقال أتدرون لما شيعتكم؟ قالوا: تكرمة لنا، قال: ومع ذلك إنكم تأتون أهل قرية لهم دوّي بالقرآن كدوي النّحل فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم جوّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم.
     يقول هذا الراوي: فلم أنقل حديثاً قط بعد كلام عمر، ولمّا قدم العراق هرع النّاس إليه يسألونه عن الحديث فقال لهم قرظة: نهانا عن ذلك عمر (1).
     كما أن عبد الرحمن بن عوف قال بأنّ عمر بن الخطاب جمع الصّحابة من الآفاق لمنعهم من التحدث بأحاديث رسول الله في النّاس وقال لهم: أقيموا عندي ولا تفارقوني ما عشتُ، فما فارقوه حتى مات (2).
     كما يذكر الخطيب البغدادي والذهبي في تذكرة الحفاظ بأنّ عمر بن الخطاب حبس في المدينة ثلاثة من الصّحابة وهم أبو الدرداء وابن مسعود وأبو مسعود الأنصاري بذنب الإكثار من نقل الحديث ـ كما أنّ عمر أمر الصحابة أن يحضروا ما في أيديهم من كتب الحديث فظنّوا أنّه يريد أن يُقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف فأتوه بكتبهم فأحرقها كلها في النّار (3).
     ثم أتى بعده عثمان فواصل المشوار وأعلن للنّاس كافة أنّه «لا يحل لاحد أن يروي حديثاً لم يسمع به على عهد أبي بكر ولا عهد عمر» (4).
     ثم بعد هؤلاء جاء دور معاوية بن أبي سفيان لمّا اعتلى منصّة الخلافة
____________
    
     (1) سنن ابن ماجة: 1/12. وسنن الدارمي: 1/85. والذهبي في تذكرة الحفاظ: 1/ .
     (2) مستدرك الحاكم: 1/110. كنز العمال: 5/239.
     (3) الطبقات الكبرى لابن سعد: 5/140. الخطيب البغدادي في تقييد العلم .
     (4) منتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد: 4/64.



( 50 )

صعد على المنبر وقال: «أيها الناس إيّاكم والحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، إلاّ حديثاً يذكر على عهد عمر» (1).
     فلا بدّ أنّ هناك سرّاً لمنع الأحاديث التي قالها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والتي لا تتماشى وما جرت عليه المقادير في ذلك العصر وإلاّ لماذا يبقى حديث الرّسول ممنوعاً طوال هذه المدة الطويلة ولا يُسمح بكتابته إلاّ في زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
     ولنا أن نستنتج طبقاً لما سبق من الأبحاث بخصوص النصوص الصريحة في الخلافة والّتي أعلنها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على رؤوس الأشهاد بأنّ أبا بكر وعمر منعا من الرّاوية والحديث عن النبيّ خوفاً أن تسري تلك النّصوص في الأقطار أو حتى في القرى المجاورة فتكشف للنّاس بأنّ خلافته وخلافة صاحبه ليست شرعية وإنّما هي اغتصاب من صاحبها الشرعي علي بن أبي طالب. وقد تكلّمنا في هذا الموضوع وكشفنا عن هذه الحقيقة في كتابنا «لأكون مع الصّادقين» فليراجع لمزيد الإطمئنان.
     والعجيب في أمر عمر بن الخطاب هو مواقفه المتناقضة بالخصوص في كل ما يتعلق بأمر الخلافة.
     ففي حين نجده هو الذي ثبّت بيعة أبي بكر وحملَ الناس عليها قهراً يحكم عليها بأنها فلتةً وقى الله شرّها ـ وفي حين يختار هو ستّة للخلافة نراه يقول: لو ولّوها الأجلح (يقصد علي بن أبي طالب) لحملهم على الجادّة فما دام يعترف بأن علي هو الشخص الوحيد الذي يحمل النّاس على الجادّة فلماذا لم يعيّنه وينتهي الأمر ويكون بذلك قد بذل النصح لأمّة محمّد. ولكنّا نراه بعد ذلك يتناقض فيرجّح كفّة عبد الرحمن بن عوف ثم يتناقض
____________
    
     (1) الخطيب البغدادي شرف أصحاب الحديث: 91.



( 51 )

مرة أخرى فيقول: لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لوليته عليكم (1).
     والأعجب من ذلك في أمر أبي حفص هو منعة الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وحبسه الصّحابة في المدينة ومنعهم من الخروج منها، ونهيَه المبعوثين من قِبله إلى الأقطار بأن لا يحدّثوا النّاس عن السنّة النبوية، وحرقه للكتب التي كانت بأيدي الصّحابة وفيها أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم.
     ألم يفهم عمر بن الخطاب بأن السنّة النبويّة هي تبيان للقرآن الكريم؟ أو لّم يقرأ قوله سبحانه وتعالى: «وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للنّاس ما نُزّل إليهم» [النحل: 4]. أم أنه فهم من القرآن ما لم يفهمه صاحب الرسالة الذي أنزل عليه القرآن؟
     وهذا ما يحاوله بعض المهوّسين الذين يقولون بأن القرآن كثيراً ما ينزل موافقاً لآراء عمر، ومخالفاً لآراء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إنهم لا يفقهون.
     وكنت دائماً أتعجب عندما أقرأ في البخاري رفض عمر قبول رواية عمّار بن ياسر بخصوص تعليم النبي له كيفية التيمّم، كما أتعجّب من قول عمّار: إن شئت لا أحدّث به. مخافة من عمر، فيتبيّن بوضوح بأن عمر بن الخطاب كان شديداً على كل من يروي أحاديث الرّسول فيلحقه الأذى.
     وإذا كان الصحابة من قريش يخافون من الخليفة فلا يخرجون من المدينة وحتى الذين يخرجون منها يمتنعون عن نقل الأحاديث النبويّة، ثم يحرق لهم كتبهم التي جمعوا فيها الأحاديث فلا يتكلم منها أحدٌ، فما قيمة عمّار بن ياسر الغريب البعيد والبغيض لقريش لوقوفه مع علي بن ابي طالب وحبّه إيّاه؟
____________
    
     (1) وهذا الحديث اتخذه أبو حنيفة حجة على جواز الخلافة للموالي وخالف بذلك الصريح من حديث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن الخلافة لا تكون إلاّ في قريش، ومن أجل ذلك اعتنق الأتراك مذهب أبو حنيفة عندما استولوا على الخلافة وسمّوا أبا حنيفة الإمام الأعظم.



( 52 )


     وإذا ما رجعنا قليلاً بالبحث، وبالضّبط يوم الخميس الذي سبق وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، والذي سمّاه ابن عبّاس يوم الرّزية، وذلك عندما أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الحاضرين أن يأتوه بالكتف والدواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً، نرى في ذلك اليوم أن عمر بن الخطّاب هو الذي اعترض على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم واتّهمه بالهجر ـ أي الهذيان ـوالعياذ بالله، وقال: «حسبُنا كتاب الله يكفينا» وقد أخرج هذه الحادثة البخاري ومسلم وابن ماجة والنسائي وأبو داود والإمام أحمد وغيرهم من المؤرخين كثير.
     فإذا كان عمر يمنعُ رسول الله من كتابة أحاديثه وبمحضر كثير من الصحابة وأهل البيت ويتّهمه بالهجر بتلك الجُرأة التي لم يعرف التاريخ لها مثيلاً، فليس غريباً ولا عجيباً أن يشمّر عن ساعديه بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ليمنع النّاس من نقل أحاديث الرسول بكل جهوده وهو الخليفة القوي الذي يملك الحول والطول، ولا شك أنّ له في الصّحابة أنصاراً كثيرين من سراة قريش الذين لهم نفوذ في القبائل والعشائر والذين كانوا يصحبون النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إما طمعاً أو خوفاً أو نفاقاً، وقد رأينا هؤلاء على كثرتهم يؤيدون قولة عمر بأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يهجُر ويشاركونه في منع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من كتابة الكتاب، وأعتقد بأن ذلك كان هو السبب الرّئيسي في سكوت النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الكتابة لأنّه علم بوحي ربّه بأنّ المؤامرة قوية وقد تهدّد مسيرة الإسلام بكامله إذا ما كُتب ذلك الكتاب.
     ذلك الكتاب الذي أراد به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تحصين أمّته من الدخول في الضّلالة فإذا بالمتآمرين يقلّبون الموقف ويصبح ذلك الكتاب (إذا ما كُتبَ) سبب الضلالة والانقلاب عن الإسلام.
     فكيف لا يُغير رسول الله ـ بأبي هو وأمّي ـ وهو على تلك الحال من المرض على فراش الموت رأيهُ وبوحي من ربّه الذي يرنّ في أذنيه، ويملأ قلبه حسرة وأسى على أمّته المنكوبة قوله: «أفإن مات أو قتل انقلبتم على


( 53 )

أعقابكم» ولم تنزل هذه الآية عفوية بل هي نتيجة حتمية لما علمه الله سبحانه من دسائسهم ومؤامراتهم ومكرهم فهو يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور ـ والذي يُعزّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّ ربّه أعلمه عن كل ذلك وسلاّه وأجزاه خير ما يجزي نبي عن أمّته ولم يحمّله مسؤولية ارتداد الأمة وانقلابها ـ بل قال له مسبّقاً: «ويوم يعَضُّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذتُ مع الرسول سبيلاً، يا ويلتي ليتني لم أتّخذ فلاناً خليلاً، لقد أضلّني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولاً، وقال الرسول يا ربّ إنّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدواً من المجرمين وكفى بربّك هادياً ونصيراً » [الفرقان: 27]. والذي لا مفرّ منه في هذا البحث هو النتيجة المؤلمة التي وصلنا إليها، وهو أن أبا سفيان ومعاوية ما كانا ليتجرّءا على صاحب الرسالة لولا مواقف عمر السّابقة وجرأته على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وبحضرته صلّى الله عليه وآله وسلم. وخصوصاً إذا بحثنا مواقفه طيلة حياة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ومعارضته إياه في كثير من المواقف.
     والاستنتاج الذي لا بدّ منه هو أن هناك مؤامرة كبرى حيكت للنّيل من شخصية الرسول الأكرم وانتقاصه وتصويره للناس الذين لم يعرفوه بأنّه شخصٌ عاديٌ أو أقلّ من ذلك فقد تأخذه العاطفة ويميل مع هواه ويزيغ عن الحق كل ذلك ليموّهوا على الناس بأنّه ليس معصوماً والدليل أنّ عمر عارضه عدة مرات والقرآن ينزل بتأييد ابن الخطاب حتّى وصل الأمر بأن يهدد الله نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم فيبكي ويقول: لو أصابنا الله بمصيبة لم ينجُ منها إلا ابن الخطاب (1) في قضية اسرى بدر.
     أو أن عمر كان يأمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن يحجُب نساءه ولم يكن
____________
    
     (1) البداية والنهاية لابن كثير نقلاً عن مسلم والإمام أحمد وأبي داود والترمذي وكذلك في السيرة الحلبية والسيرة الدحلانية: 1/512.



( 54 )

النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يفعل ذلك حتى نزل القرآن بتأييد عمر، وأمر نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يحجب نساءه (1) أو أن الشيطان لا يخاف من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ولكنّه يخاف ويهرب من عمر (2) إلى غير ذلك من الروايات المخزية التي تحطّ من قيمة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وترفع من قيمة الصحابة ولكن عمر ضرب الرقم القياسي في هذا الصدّد حتى رووا (أخزاهم الله) بأن رسول الله كان يشكّ في نبوّته وذلك لحديث يروونه بأنه قال صلّى الله عليه وآله وسلم: «ما أبطأ عني جبرئيل إلاّ ظننت أنّه ينزل على عمر بن الخطاب»!!.
     وأنا أعتقد بأن هذه الأحاديث وأمثالها وضعت في زمن معاوية بن أبي سفيان لما أعيته الحيلة في طمس حقائق علي بن أبي طالب فلجأ إلى إطراء أبي بكر وعمر وعثمان واختلاف الفضائل لهم كي يرفعهم في نظر النّاس على مقام علي ويرمي من ذلك إلى هدفين:
     الهدف الأوّل تصغير شان ابن أبي طالب (أبو تراب) كما يُسمّيه هو للتمويه على النّاس واعتبار الخلفاء الثّلاثة الذين سبقوه أفضل منه. والهدف الثاني لوضعه الأحاديث هو لكي يتقبل الناس تجاوز أوامر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ووصاياه في أمر الخلافة في أهل بيته خصوصاً الحسنين عليهما السلام اللذين كانا يعاصران معاوية ـ فإذا كان من الممكن أن يتجاوز الثلاثة أوامر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في علي عليه السلام لِمَ لا يمكن أن يتجاوز معاوية (الرابع) أوامره صلّى الله عليه وآله وسلّم في أولاد علي عليه السلام.
     وقد نجح ابن هند في مخطّطه نجاحاً كبيراً والدليل أنّنا اليوم عندما نتحدث عن علم علي وشجاعته وقرابته وأفضاله على الإسلام والمسلمين يقفُ في وجوهنا من يقول: «قال رسول الله لو وزن إيمانُ أمتي بإيمان أبي
____________
    
     (1) صحيح البخاري: 1/46 باب خروج النساء إلى البراز.
     (2) البخاري: 4/96 وج8/161.



( 55 )

بكر لرجح إيمان أبي بكر» ويقف في وجوهنا من يقول: «عمر الفاروق هو الذي يفرق بين الحق والباطل» ويقف في وجوهنا من يقول: عثمان ذو النورين الذي استحت منه ملائكة الرحمن.
     والمتتّبع لهذه الأبحاث يجد أن عمر بن الخطاب أخذ نصيب الأسد في باب الفضائل وليس ذلك من باب الصدفة، كلاَّ ولكن لمواقفه المعارضة والمتعددة تجاه صاحب الرسالة. أحبّتْهُ قريش. وخصوصاً للدور الذي لعبه عمر في إقصاء أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب عن الخلافة وإرجاع الأمر إلى قريش تتحكّم فيه كيف شاءت ويطمع فيه الطلقاء والملعونين من بني أميّة، وقريش كلّها وعلى رأسهم أبو بكر يعرفون بأنّ الفضل كلّه يرجع لعمر في تسلطهم على رقاب المسلمين. فعمر هو بطل المعارضة لرسول الله وعمر هو المانع لرسول الله بأن يكتب الخلافة لعليّ، وعمر هو الذي هدّد الناس وشكّكهم في موت نبيّهم حتّى لا يسبقوه بالبيعة لعلي، وعمر هو بطل السّقيفة، وهو الذي ثبّت بيعة أبي بكر، وعمر هو الذي هدّد المتخلّفين في بيت علي بأن يحرق عليهم الدار بمن فيها إن لم بايعوا أبا بكر، وعمر هو الذي حمل الناس على بيعة أبي بكر بالقوّة والقهر، وعمر هو الذي كان يعيّن الولاة ويعطي المناصب في خلافة أبي بكر، بل لسنا مبالغين إذا قلنا بأنّه هو الحاكم الفعلي حتّى في خلافة أبي بكر نفسه فقد حكى بعض المؤرخين بأنّ المؤلفة قلوبهم لما جاؤوا لأبي بكر لأخذ سهمهم الذي فرضه الله لهم جرياً على عادتهم مع سول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فكتب لهم أبو بكر بذلك فذهبوا إلى عمر ليتسلّموا منه فمزّق الكتاب وقال: لا حاجة لنا بكم فقد أعزّ الله الإسلام وأغنى عنكم فإن أسلمتم وإلاّ فالسيف بيننا وبينكم. فرجعوا إلى أبي بكر، فقالوا له أنت الخليفة أم هو؟ فقال: بل هو إن شاء الله تعالى وأمضى ما فعله عمر (1).
____________
    
     (1) كتاب الجوهرة النيرة في الفقه الحنفي: 1/164.



( 56 )


     ومرة أخرى كتب أبو بكر لصحابيين قطعة من الأرض وأرسلها لعمر ليمضي فيه فتفل فيه عمر ومحاه فشتماه ورجعا لأبي بكر يتذمّران فقالا: ما ندري أأنت الخليفة أم عُمر؟! فقال: بل هو، وجاء عمر مغضباً إلى أبي بكر وقال له: ليس من حقك إعطاء الأرض إلى هذين. فقال أبو بكر: لقد قلتُ لك بأنّك أقوى منّي على هذا الأمر ولكنّك غلبتني (1).
     ومن هنا يتبيّن لنا سرّ المكانة التي حظي بها عمر بن الخطاب لدى قريش عامة ولدى بني أمية خاصّة حتى سمّوه بالعبقري وبالملهم وبالفاروق وبالعدل المطلق إلى أن فضّلوه على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم.
     وقد رأينا عقيدة عمر في رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من يوم صلح الحديبية إلى يوم الرّزية أضف إلى ذلك أنّه منع الصحابة من التبرّك بآثار رسول الله صلّى اله عليه وسلّم فقطع شجرة بيعة الرضوان، كما توسّل بالعبّاس عمّ النبيّ ليُشعرَ الناس بأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مات وانتهى أمره فلا فائدة حتى في ذكراه، فلا لوم على الوهابية الذين يقولون بهذه المقالات فهي ليستْ جديدة كما يتوهّم البعض.
     ومن هنا فُتح الباب إلى أعْداء الإسلام والمستشرقين ليستخلصوا بأنّ محمّداً رجلٌ عبقري عرف أنّ قومه وثنّيّين تربّوا على عبادة الأصنام فأزال الأصنام ولكنّه أبدلهم بذلك حجراً أسوداً.
     ونرى بعد كل هذا عم هو بطل المعارضة لكتابة الأحاديث النبويّة حتى يحبس الصحابة في المدينة ويمنع آخرين من الحديث ويحرق كتب الحديث حرصاً منه بأن لا تتفشّى السنّة النبوية بين النّاس.
     ونفهم أيضاً من خلال ذلك لماذا بقي علي حَبيس الدّار لا يخرج إلاّ عندما يُدعى لحلّ معضلة عجز عنها الصحابة ولم يُشركه عمر في منصب ولا
____________
    
     (1) الإصابة في معرفة الصحابة للعسقلاني في ترجمة عيينة. ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: 3/108.



( 57 )

في ولاية ولا في مسؤولية ولا في بعث، وحُرم حتّى من ميراث فاطمة وليس عنده ما يُطمع الناس فيه ولذلك يذكر المؤرخون بأنّه اضطرّ للبيعة بعد موت الزهراء سلام الله عليها لمّا رأى تحوّل وجوه الناس عنه: لك الله يا أبا الحسن فكيف لا يبغضُك الناس وقد قتلت أبطالهم وفرّقت جموعهم وسفّهت أحلامهم، وما تركت لهم في سوق الفضائل فضيلة ولا في ميدان الحسنات حسنة ومع ذلك فأنت ابن عمّ المصطفى وأقربهم إليه وزوج فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو السبطين سيدي شباب أهل الجنّة وأوّلهم إسلاماً وأكثرهم علماً.
     وعمّك حمزة سيد الشهداء، وجعفر الطيار ابن أمّك وأبيك، وأبو طالب سيد البطحاء وكفيل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هو أبوك، والأئمة الميامين كلهم من صُلبك، سبقت السَّابقين ونأيت عن اللاّحقين فكنت أسد الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وكنت سيف الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وكنت أمين الله ورسوله صلّى اله عليه وسلّم عندما بعثك صلّى الله عليه وآله وسلّم ببراءة ولم يأتمن عليها غيرك ـ وكنت أنت الصّديق الأكبر لا يقولها بعدك إلاّ كذّاب وكنت الفاروق الأكبر الذي يسير الحق في ركابه فيُعرف الحقُ به من بين ركام الباطل، وكنت العلم الظاهر والمنار الساطع يُعرفُ بحبّه إيمان المؤمن وببغضه نفاق المنافق. وكنتَ الباب لمدينة العلم، من أتاك أتاها، فقد كذب من زعم الدخول من غيرك والوصول بدونك.
     فمن منهم له سهم كسهمك يا أبا الحسن ومن منهم له فضلٌ كفضلك فإن كان للشرف دليلاً فأنت دليله وأنت مبتداه ومنتهاه لقد حسدوك على ما أتاك الله من فضله ولقد أبعدوك لمّا خصّك الله من قُربه فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
     لقد شط بنا القلم إلى مناجاة أمير المؤمنين المظلوم حيّاً وميّتاً وله في أخيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أسوة حسنة فهو أيضاً مظلوم حيّاً وميّتاً لأنّه قضى حياته صلّى الله عليه وآله وسلّم مجاهداً ناصحاً حريصاً على المؤمنين بهم رؤوف


( 58 )

رحيم وقابلوه في آخر لحظة بالكلام القبيح ورموه بالهجر وجابهوه بالعصيان والتمرّد في تأميره أسامة وهرعوا للسقيفة من أجل الخلافة وتركوه جثة هامدة ولم يشتغلوا حتى بتجهيزه وغسله وتكفينه بأبي هو وأمي، وبعد وفاته عملوا على انتقاصه في أعين الناس والحط من قيمته وتجريده من العصمة التي يشهد بها القرآن والوجدان كل ذلك من أجل حكم زائل ودنيا فانية.
     وإذا عرفنا من خلال البحث، موقف بعض الصحابة تجاه شخصية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من أجل الوصول للخلافة.
     فإنّ حكام بني أميّة على رأسهم معاوية بن أبي سفيان جاءتهم الخلافة بالوراثة واطمأنّوا لها ولم يكن يدور في خلد أحدٍ منهم بأنها في يوم من الأيام سوف تخرج منهم، فلماذا استمرّ بنوا أميّة في انتقاص شخصية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وتزوير الرّوايات للحطّ من قيمته.
     وأعتقد بأنّ هناك سببين رئيسيين وهما:
     السبب الأول: إن في الحطّ من قيمة رسول الله، هو إرغام أنوف بني هاشم الذين نالوا عزّاً وشرفاً بين كل القبائل العربية لوجود النبي منهم وخصوصاً إذا عرفنا أن أمية كان ينافس أخاه هاشماً ويحسده ويعمل كل ما في وسعه للقضاء عليه.
     زد على ذلك بأن عليّاً هو سيد بني هاشم بعد الرسول من غير منازع وقد عرف الخاص والعام بغض معاوية لعلي والحروب التي شنّها ضدّه لانتزاع الخلافة منه وبعد مقتله أولغ في سبّه ولعنه على المنابر. فالحطّ من شخصية الرسول بالنسبة لمعاوية هو تحطيم شخصية علي كما أن سبّ ولعن علي هو في الحقيقة موجّهٌ لرسول الله.
     السبب الثاني: إن في الحطّ من قيمة رسول الله ـ فيه تبرير لما يقوم به حكام بني أمية من أعمال مخزيّة وقبائح شنيعة سجلها لهم التاريخ ـ فإذا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كما يصوره بني أمية ـ بميل مع هواه


( 59 )

ويحبّ النّساء إلى درجة أنّه ينسى واجباته ويميل إلى إحداهن إلى درجة أنه لا يعدل بينهن حتى يبعثن له يطالبنه بالعدل. فلا لوم بعد ذلك على البشر العاديين أمثال معاوية ويزيد وأضرابهم.
     وتكمن الخطورة في السبب الثاني في أن الأمويين اختلقوا روايات وأحاديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أصبحت أحكاماً يُعمل بها في الإسلام، والمسلمون يأخذونها مسلّمة على أنها من أقوال وأفعال الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فتصبح عندهم سنّة نبويّة.
     وأضرب لذلك بعض الأمثلة من الأحاديث المخزية التي وُضعت للنيل من شخصية الرسول والحطّ من قيمته ولا أريد أن أتوسّع في هذا الموضوع وسوف أقتصر فقط على ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما (روايات مخزية للطّعن في النّبي).
     1 ـ أخرج البخاري في كتاب الغسل في باب إذا جامع ثم عاد ـ قال أنس: كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يدور على نسائه في السّاعة الواحدة من اللّيل والنّهار وهنّ إحدى عشرة. قال: قلت لأنس: أو كان يُطيقه؟ قال: كنا نتحدّث أنه أعطي قوة ثلاثين.
     أنظر معي أيها القارئ إلى هذه الرواية المخزية التي تصوّر لنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على هذا النهم من الجماع فيجامع إحدى عشرة زوجة في ساعة واحدة ويجامعهنّ في الليل أو النهار وبهذه السرعة ومن غير أن يغتسل من الأولى فيجامع الثانية بماء الأولى وما عليك أيها القارئ إلاّ أن تتصور وتتخيّل كيف يرتمي إنسان على زوجته كالحيوان بدون مقدمات ولا تهيئة وقد شاهدنا أنّه حتى عند الحيوانات تستغرق عملية الجماع مدة طويلة وتتطلّب مقدّمات وتهيأ فكيف بهذا الرسول العظيم يفعل مثل هذا؟ قاتلهم الله ولعنهم أنّي يؤفكون ـ ولأن العرب في ذلك العهد والرجال حتى في هذا العهد ما زالوا يفتخرون بقوة الجماع ويعتبرون ذلك علامة الرجولة فوضعوا


( 60 )

هذه القصة على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم. وحاشاه وهو الذي كان يقول: «لا ترتموا على نسائكم كالبهائم واجعلوا بينكم وبينهنّ رسولاً».
     فبمثل هذه الروايات يتحامل أعداء الإسلام على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ويصفونه بأنه رجل يتهالك على الجنس والجماع وحبّ النساء إلى غير ذلك من التّهم.
     وهل لنا أن نسأل أنس بن مالك راوي هذه القصّة، من أخبره بها؟ من أعلمه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يُجامع نساءه في ساعة واحدة وهن إحدى عشرة؟
     هل النبي هو الذي حدّثه بذلك؟ فهل يليق بأحدنا أن يحدّث الناس على مجامعته لزوجته؟ أمْ أنّ زوجات النبي هنّ اللاتي حدّثنه بذلك؟ فهل يليق بالمرأة المسلمة أن تحكي للرجال عن جماع زوجها لها؟ أم أنّ أنس هو الذي تجسّس على النبي وتتبّع خلواته مع زوجاته وتفرج عليه من ثقوب الأبواب؟ أستغفر الله من همزات الشياطين ولعن الله الكذّابين.
     ولا أشكّ في أن الحكام الأمويّين والعباسيين الذين اشتهروا بكثرة النساء والجواري هم الذين وضعوا مثل هذه القصّة لتبرير أعمالهم.
     2 ـ أخرج البخاري في صحيحه من الجزء الثالث صفحة 132 وكذلك مسلم في صحيحه من الجزء السابع في صفحة 136 قالا: قالت عائشة أرسل أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فاطمة بنت رسول اله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى رسول الله فاستأذنت عليه وهو مُضطجع معي في مرطي فأذن لها، فقالت: يا رسول الله إنّ أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في أبنة أبي قحافة، وأنا ساكتة، قالت: فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «أي بُنيّة ألست تُحبّين ما أحبُّ فقالت: بلى، قال: فأحبّي هذه»…
     ثم تمضي الرواية فتقول إلى أن يبعث أزواج النبي مرّة ثانية بزينب بنت جحش زوج النبي ينشدنّهُ العدل في بنت أبي قحافة فتدخل هي الأخرى على رسول الله وهو مضطجع مع عائشة ولابس مرطها على الحالة التي


( 61 )

دخلت عليه فاطمة فتنشد الرسول العدل في بنت أبي قحافة على لسان أزواج النبيّ ثم تقع في عائشة وتسبّها فتنتصر عائشة لنفسها وتقع هي الأخرى في زينب حتى تسكتها فيبتسم عند ذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ويقول «إنها إبنة أبي بكر».
     فما عساني أن أقول في هذه الرواية المنكرة التي تجعل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يميل مع هواه ولا يعدل بين زوجاته،وهو الذي جاء القرآن على لسانه: «وإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم» .
     ثم كيف يأذن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لابنته فاطمة سيدة النساء لتدخل عليه وهو على تلك الحالة مضطجع مع زوجته ولا بس مرطها، فلا يجلس ولا يقوم ويبقى مضطجعاً حتى يقول، أي بنية: ألست تحبّين ما أحبّ. وكذلك عندما تدخل عليه زوجته زينب وتطالبه بالعدل يبتسم ويقول إنها ابنة أبي بكر.
     أنظر أيها القارئ الكريم إلى هذه المخازي التي يُلصقونها برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رمز العدالة والمساواة في حين أنهم يقولون مات العدل مع عمر بن الخطاب ويصوّرون رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم شخصاً مستهتراً بالقيم الأخلاقية فلا يعرف الحياة ولا المروءة ـ ولهذه الرواية نظائر كثيرة في صحاح السنّة والتي يقصد الرّواة من ورائها إبراز فضلية لصحابي أو لعائشة بالذات لأنها ابنةُ أبي بكر، فينتقصون رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من حيث يشعرون أو لا يشعرون ـ وكما قدّمت في البحث، بأن هذه الرّوايات موضوعة للنيل من شخصيّة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فإليك الرواية الثالثة وهي شبيهة بهذه.
     3 ـ أخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عثمان بن عفان. عن عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وعثمان حدّثا أنّ أبا بكر استأذن على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو مضطجع على فراشه لابسٌ مِرَط عائشة فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف ثم استأذن


( 62 )

عمر فأذن له وهو على تلك الحال فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: أجمعي عليك ثيابك فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت. فقالت عائشة: يا رسول الله مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما فزعت لعثمان قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إنّ عثمان رجلٌ حَييٌّ وإنّي خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلُغ إليّ في حاجته.
     وهذه الرواية أيضاً هي الأخرى شبيهة بما أخرجه البخاري ومسلم في فضل عثمان بن عفان ومفادها بأنّ رسول الله كان كاشفاً على فخذيه فاستأذن أبو بكر فلم يغطّي رسول الله فخذيه وكذلك فعل مع عمر فلما استأذن عثمان غطّى رسول الله فخذيه وسوّى ثيابه ولمّا سألته عائشة عن ذلك قال لها: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة».
     قاتل الله بني أميّة الذين ينتقصون رسول الله لرفع مكانة سيّدهم.
     4 ـ أخرج مسلم في صحيحه في باب وجوب الغسل بالتقاء الختانين عن عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الرّجل يجامع أهله ثم يُكسل هل عليهما الغسْلُ وعائشة جالسة فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «إنّني لأفعل ذلك أنا وهذه ثم نغتسل».
     وأترك لك أيها القارئ أن تُعلّق بنفسك على هذه الرواية. فقد بلغ من تدليل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لزوجته عائشة أن يحدّث بجماعها الخاص والعامّ من الناس وكم لعائشة بنت أبي بكر من أمثال هذه الروايات التي فيها مسّ من كرامة الرسول والحطّ من قيمته، فمرة تروي بأنه يضع خدّه على خدّها لتتفرج على رقص السودان ومرّة يحملها على كتفه ومرّة يتسابق معها فتغلبه وينتظر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى تسمن فيسابقها ويقول هذه بتيك، ومرة يستلقي على ظهره والنساء يضربن بالدفوف ومزمارة الشيطان في بيته فينتهرها أبو بكر.


( 63 )


     وكم في كتب الصحاح أمثال هذه الروايات المخزية التي لا يقصد منها إلاّ انتقاص نبي الإسلام صلّى الله عليه وآله وسلم، كالروايات التي تقول بأنّ الرسول سُحر حتّى لا يدري ما يفعل وما يقول وحتى يخيّل له أنه يأتي نساءه ولا يأتيهنّ (1) وكالروايات التي تقول بأنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يصبح في رمضان جنباً (2) وأنه ينام حتى يغطّ في نومه ثم يقوم فيصلّي بغير وضوء (3).
     ويسهو في صلاته فلا يدري كم ركعة صلّى (4) ولا يدري رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما هو مصيره يوم القيامة وما يفعل به (5) وأنه يبول قائماً والصحابي ) يبتعد عنه فيناديه الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ليقترب منه حتى يفرغ من بوله (6).
     نعم لقد بلغ من تدليل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم زوجته عائشة بنت أبي بكر أنه يحبس نفسه ويحبس المسلمين معه ليبحثوا عن عقد ضاع من عائشة وليس معهم ماء حتّى أن الناس يشتكون من عائشة لأبي بكر فيأتي أبوها يوبّخها ويلومها كل ذلك ورسول الله مشغول بالنوم في حجر زوجته. وإليك الرواية بالتفصيل!
     أخرج البخاري في صحيحه في باب التيمم ومسلم في صحيحه في باب التيمم أيضاً عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في بعض أسفاره حتّى إذا كنّا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على التماسه وأقام الناس معه وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما
____________
    
     (1) البخاري: 4/68 وج7/29.
     (2) البخاري: 2/232 وصفحة 234.
     (3) البخاري: 1/ 44 و171.
     (4) البخاري: 1/123 وج 2/65.
     (5) البخاري: 2/71.
     (6) صحيح مسلم: 2/157 في باب المسح على الخفين.



( 64 )

صنعت عائشة أقامت برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وبالناس معه وليسوا على ماءٍ وليس معهم ماء. فجاء أو بكر ورسول الله صلّى الله عليه واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. قالت: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرّك إلا مكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على فخذي فنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى أصبح على غير ماءٍ فأنزل الله آية التيمّم فتيمّموا. فقال أسيد بن الحُضير وهو أحد النقباء: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر. فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنتُ عليه فوجدنا العقد تحته (1).
     فهل يصدق مؤمن عرف الإسلام بأن رسول الله يتهاون في أمر الصلاة إلى هذه الدرجة ويحبس المسلمين وهم على غير ماء وليس عندهم ماء كل ذلك من أجل البحث على عقد زوجته الذي ضاع منها. ثم يترك المسلمين يتحسّرون على الصلاة ويشتكون إلى أبي بكر، وهو يذهب فينام على فخذ زوجته ثم يستغرق في نوم لا يشعر معه بدخول أبي بكر وتوبيخه عائشة وطعنها في خاصرتها، وكيف يجوز لهذا الرسول أن يترك النّاس يموجون من أجل الماء واقتراب وقت الصلاة وينام هو في حجر زوجته.
     ولا شك بأن هذه الرواية وضعت في زمن معاوية بن أبي سفيان ولا أساس لها، وإلاّ كيف نفسّر حادثة مثل هذه حضرها كل الصحابة وتغيب عن عمر بن الخطاب فلا يعرفها عندما يسئل عن التيمّم كما أخرج ذلك البخاري ومسلم في صحيحيهما في باب التيمّم.
     والمهم في كل هذه الأبحاث هو أن نعرف بأنّ المؤامرة ضد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كانت مؤامرة خسيسة ودنيئة تعمل على الانتقاص من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وتحط من قيمته إلى درجة أن
____________
    
     (1) صحيح البخاري: 1/86. وصحيح مسلم: 1/191.



( 65 )

أحدنا اليوم (ورغم كل الفساد الذي عمّ البرّ والبحر) لا يرضى لنفه مثل هذه المواقف والأفعال. فما بالنا بأعظم شخصية عرفا تاريخ البشرية والذي يشهد له ربّ العزة والجلالة بأنّه على خلق عظيم.
     وقد بدات المؤامرة حسب اعتقادي بعد حجة الوداع وبعد تنصيب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم للإمام علي كخليفة له يوم غدير خم وبذلك عرف الطّامعون في الرئاسة أن ليس أمامهم إلاّ المعارضة والتمرّد على هذا النّص كلّفهم ذلك ما كلّفهم ولو أدّى إلى الانقلاب على الأعقاب. وبذلك يستقيم تفسير الأحداث التي بدأت بمعارضة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في كل أوامره من كتابة الكتاب إلى تأمير أسامة إلى عدم الذهاب في الجيش الذي عبأه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بنفسه، وكذلك الأحداث التي أعقبت وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم من حمل الناس على البيعة بالقوة وتهديد المتخلفين بالحرق وفيهم علي وفاطمة والحسنين، إلى منع الناس من نقل أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وحرق الكتب التي فيها سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وحبس الصحابة لئلا يتحدثوا بأحاديث النبي، إلى قتل الصحابة الذين امتنعوا عن أداء الزكاة لأبي بكر لأنه ليس هو الخليفة الذي بايعوه على عهد نبيّهم، إلى اغتصاب حق فاطمة الزهراء من فدك والإرث وسهم الخمس وتكذيبها في دعواها، إلى إبعاد الإمام علي عليه السلام عن كل مسؤولية وتولية الفسّاق والمنافقين من بني أمية على رقاب المسلمين إلى منع الصحابة من التبرّك بآثار الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ومحاولة محو اسمه من الأذان إلى إباحة مدينته المنورة للجيش الكافر يفعل فيها ما يشاء إلى ضرب البيت الحرام بالمنجنيق وحرقه وقتل الصحابة في داخله ـ إلى قتل عترة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وسبّهم ولعنهم وحمل الناس على ذلك ـ إلى قتل وتشريد من يحبّ أهل البيت ويتشيع لهم، إلى أن أصبح دين الله لعباً وهزؤاً والقرآن يُمزق ويُعبث به.
     والمؤامرة ما زالت حتى اليوم وآثارُها ومفعولها يسري في الأمة الإسلامية وما دام هناك في المسلمين من يترضّى عن معاوية ويزيد ويبّرر


( 66 )

أفعالهم بأنها اجتهاد ولهم بها أجرٌ عند الله وما دام هناك من يكتب الكتب والمقالات ضد شيعة أهل البيت ويرميهم بكل شتيمة وشنيعة، وما دام هناك من يستبيح قتل شيعة أهل البيت في بيت الله الحرام وفي موسم الحجّ ـ فالمؤامرة ما زالت متواصلة وستبقى متواصلة إلى أن يشاء الله.
     وأنا لست بقادر على كشفها كلها أو الإحاطة بكل تفاصيلها وجوانبها ولكني أحاول بجهدي المتواضع أن أُنزّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من الروايات المخزية التي ألصقت بحضرته وأدافع عنه وعن عصمته، وأحاول إقناع المسلمين المثقّفين والمتحرّرين بأنّ هذا الرسول الذي أرسله الله لهداية البشرية جميعاً وجعله قمراً وسراجاً مُنيراً هو أجلّ وأعظم وأسمى وأظهر وأنقى وأكمل إنسان خلقه الله تعالى فلا يمكن لنا أن نسكت على مثل هذه الروايات التي لم يقصد من ورائها إلا النّيل من كرامته والحطّ من قيمته.
     فلا ولن نرضى بهذه الروايات ولو اتّفق عليها أهل السنة والجماعة وأخرجوها في صحاحهم ومسانيدهم، لا بل ولو اتفق عليها أهل الأرض كافّة. فقوله سبحانه وتعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم» هو القول الفصل والحكم الأصل وليس بعده إلا الأباطيل والأوهام.
     وهذا هو قول الشيعة في سيد الأنام ومنقذ البشرية من العمى والضلال وقائدها إلى الأمن والسّلام فاعتبروا يا أولى الألباب!.

قول أهل الذكر في الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم


     يقول الإمام علي: حتّى أفضتْ كرامة الله سبحانه إلى محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم فأخرجه من أفضل المعادن منبتاً وأعزّ الأرومات مغرساً. من الشجرة التي صدع منها أنبياءه وانتخب منها أمناءه، عترته خير العتر وأسرتُه خير الأسر وشجرته خير الشجر نبتت في حرم وبسقت في كرم، لها فروع طوالٌ وثمرة لا تنال فهو إمام من أتّقى وبصيرة من أهتدى، سراج لمع ضوءه


( 67 )

وشهابٌ سطع نوره وزندٌ برق لمعه سيرته القصد وسنّته الرشد وكلامه الفصل وحكمه العدل، أرسله على حين فترة من الرسل وهفوةٍ عن العمل وغباوة من الأمم… فبالغ صلّى الله عليه وآله وسلّم في النّصيحة ومضى على الطريقة ودعا إلى الحكمة والموعظة الحسنة… مستقره خير مستقرّ ومبتُهُ أشرف منبت في معادن الكرامة ومماهد السلامة قد صُرفت نحوه أفئدة الأبرار وثنيت إليه أزمة الأبصار دفن به الضّغائن وأطفأ به الثّوائر. ألّف به أخواناً وفرّق به أقراناً، أعزّ به الذلّة وأذلّ به العزّة كلامه بيان وصمته لسان أرسله بحجة كافية، وموعظة شافية ودعوى متلافية، أظهر به الشرائع المجهولة وقمع به البدع المدخولة، وبيّن به الأحكام المفصولة.
     أرسله بالضياء وقدّمه في الاصطفاء فرتق به المفاتق وساور به المغالب وذلَّل به الصعوبة وسهّل به الحزونة حتى سرّح الضلال عن يمين وشمال.


( 68 )




( 69 )


الفصل الثالث


فيما يتعلّق بأهل البيت عليهم السلام

السؤال الثالث: من هم أهل البيت؟
     يقول الله سبحانه وتعالى: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً» [الأحزاب: 33].
     يقول أهل السنة والجماعة بأن هذه الآية نزت في نساء النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، ويستدلّون على ذلك بسياق ما قبلها وما بعدها من الآيات، وعلى حسب زعمهم فإنّ الله أذهب الرجس عن نساء النبي وطهّرهن تظهيراً.
     ومنهم من يضيف إلى نساء النّبي علي وفاطمة والحسن والحسين، ولكنّ الواقع النقلي والعقلي والتاريخي يأبى هذا التفسير، لأن أهل السنة يروون في صحاحهم بأنّ الآية نزلت في خمسة وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين،وأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي خصّهم ونفسه الشريفة بهذه الآية الكريمة عندما أدخل عليّاً وفاطمة والحسنين معه تحت الكساء. وقال: اللهم هؤلاء أهلي فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
     وقد أخرج ذلك من علماء أهل السنة جمع غفير أذكر منهم:


( 70 )


     1 ـ مسلم في صحيحه في باب فضائل أهل بيت النبي: 2/368.
     2 ـ الترمذي في صحيحه: 5/30.
     3 ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل: 1/330:
     4 ـ مستدرك الحاكم: 2/123.
     5 ـ خصائص الإمام النسائي: 49.
     6 ـ تلخيص الذهبي: 2/150.
     7 ـ معجم الطبراني: 1/65.
     8 ـ شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني: 2/11.
     9 ـ البخاري في التاريخ الكبير: 1/69.
     10 ـ الإصابة لابن حجر العسقلاني: 2/502.
     11 ـ تذكرة الخواص لابن الجوزي: 233.
     12 ـ تفسير الفخر الرازي: 2/700.
     13 ـ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: 107.
     14 مناقب الخوارزمي: 23.
     15 ـ السيرة الحلبية: 3/212.
     16 ـ السيرة الدحلانية: 3/329.
     17 ـ أسد الغابة لابن الأثير: 2/12.
     18 ـ تفسير الطبري: 22/6.
     19 ـ الدر المنثور للسيوطي: 5/198.
     20 ـ تاريخ ابن عساكر: 1/185.
     21 ـ تفسير الكشاف للزمخشري: 1/193.
     22 ـ أحكام القرآن لابن عربي: 2/166.
     23 ـ تفسير القرطبي: 14/182.
     24 ـ الصواعق المحرقة لابن حجر: 85.
     25 ـ الاستيعاب لابن عبد البر: 3/37.


( 71 )


     26 ـ العقد الفريد لابن عبد ربه: 4/311.
     27 ـ منتخب كنز العمال: 5/96.
     28 ـ مصابيح السنة للبغوي: 2/278.
     29 ـ أسباب النزول للواحدي: 203.
     تفسير ابن كثير: 3/483.
     وغير هؤلاء من علماء أهل السنة والجماعة كثيرون لم نذكرهم واكتفينا في هذه العجالة بهذا القدر.
     وإذا كان كل هؤلاء يعترفون بأنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي بيّن المقصود من هذه الآية فما قيمة أقوال غيره من الصحابة أو التابعين أو المفسّرين الذين يريدون حمل معناها على غير ما يريده الله ورسوله، ابتغاء مرضاة معاوية وطمعاً في ما عنده.
     كما أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أشار إليهم مرّة أخرى وخصّهم بأنهم هم أهل البيت لا غيرهم، وذلك عندما نزل قوله سبحانه وتعالى: «فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين» [آل عمران: 61]. فدعا علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً وقال هؤلاء أبناؤنا وأنفسنا ونساؤنا فهلمّوا أنفسكم وأبناءكم ونساءكم. وفي رواية مسلم «اللهم هؤلاء أهلي» (1).
     وعلماء أهل السنّة والجماعة الذين ذكرتهم في المصادر السّابقة كلّهم يعترفون أيضاً بنزول هذه الآية في هؤلاء الخمسة المذكورين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
     على أنّ أزواج النبي رضي الله تعالى عنهن عرفْن مقصود الآية
____________
    
     (1) صحيح مسلم: 7/121. باب فضائل علي بن أبي طالب.



( 72 )

الكريمة ولذلك لم تدّعي واحدة منهن أنّها من أهل البيت وعلى رأسهن أمّ سلمة وعائشة وقد روت كل واحدة منهنّ أن الآية خاصة برسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين وقد أخرج اعترافهن كل من مسلم والترمذي والحاكم والطبري والسيوطي والذهبي وابن الأثير وغيرهم.
     أضف إلى كل ذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، قد رفع هذا للّبس وهذا الإشكال لأنّه علم بأنّ المسلمين قد يرؤون القرآن ويحملون أهل البيت على سياق الآيات السابقة واللاّحقة والتي تحذّر نساء النبي، فبادر إلى تعليم الأمّة بمقصود آية إذهاب الرجل والتطهير عندما داوم طيلة ستة أشهر (بعد نزول الآية) على المرور بباب علي وفاطمة والحسنين قبل الشروع في إقامة الصلاة فيقول: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً، قوموا إلى الصلاة يرحمكم الله» .
     وقد أخرج هذه المبادرة التي فعلها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الترمذي في صحيحه: 5/31 والحاكم في المستدرك: 3/158 والذهبي في تلخيصه ـ وأحمد بن حنبل في مسنده: 3/259 وابن الأثير في أسد الغابة: 5/521 والحسكاني في شواهد التنزيل: 2/11 والسيوطي في الدر المنثور: 5/199 والطبري في تفسيره: 22/6 والبلاذري في أنساب الأشراف: 2/104 وابن كثير في تفسيره: 3/483 والهيثمي في مجمع الزوائد: 9/168 وغيرهم.
     وإذا أضفنا إلى كل هؤلاء أئمة أهل البيت وعلماء الشيعة الذين لا يشكّون في اختصاص محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين بهذه الآية الكريمة فلا تبقى بعد ذل أية قيمة لمن خالفهم من أعداء أهل البيت والمتشيعين لمعاوية وبني أميّة الذين يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.
     وقد كشف أولئك الذين يفسّرون الآية على غير تفسير النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم


( 73 )

لها، بأنهم من المتزلّفين إلى الحكّام من الأمويين والعبّاسيين قديماً، وحديثاً بأنهم من النواصب الذين يبغضون عليّاً وإن تستروا بزي العلماء والفقهاء.
     على أنّ العقل وحده يحكم بعدم شمول هذه الآية، أعني (إذهاب الرجس ـ والتطهير) لزوجات النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.
     1 ـ فإذا ما أخذنا على سبيل المثال أمّ المؤمنين عائشة التي تدّعي أنها أحبّ أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إليه وأقربهم لديه حتّى أن باقي أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم غرن منها وبعثن للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ينشدنه العدل في ابنة أي قحافة كما قدّمنا، لم تتجرّأ، ولم يتجرّأ أحد من أنصارها ومحبّيها ولا من السّابقين أو من اللاّحقين أن يقول بأنّ عائشة كانت تحت الكساء يوم نزول الآية، فما أعظم محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم في أقواله وأفعاله وما أعظم حكمته عندما حصر أهل بيته معه تحت الكساء حتى أن أمّ المؤمنين أمّ سمة زوجة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أرادت الدخول معهم تحت الكساء وطلبت ذلك من زوجها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ولكنّه منعها من ذلك وقال لها: «أنت إلى خير».
     2 ـ ثم إنّ الآية بمفهومها الخاص والعام دالّ على العصمة. فإن إذهاب الرّجس يشمل كل الذّنوب والمعاصي والرّذائل صغيرها وكبيرها وخصوصاً إذا أضيف إليها تطهير من ربّ العزّة والجلالة، وإذا كان المسلمون يتطهرون بالماء والتراب طهارة جسدية لا تتعدّى ظاهر الجسم، فأهل البيت طهرهم الله طهارة روحية غسلت العقل والقلب والفؤاد فلم تترك لوساوس الشيطان ولا لارتكاب المعاصي مكانا.ً فأصبحت قلوبهم صافية نقية خالصة مخلصة لخالقها وبارئها في كل حركاتها وسكناتها.
     3 ـ ولكلّ ذلك كان هؤلاء المطهّرون مثالاً للإنسانية جمعاء في الزهد والتقوى والإخلاص والعلم والحلم والشجاعة والمروءة والعفّة والنّزاهة والعُزوف عن الدنيا والقُرب منه جلّ وعلا ولم يسجّل التاريخ لواحد منهم معصية أو ذنباً طيلة حياته.


( 74 )


     وإذا كان الأمر كذلك، فلنعد إلى المثال الأول لزوجات النبي صلّى اله عليه وآله وسلّم وهي عائشة التي بلغت من المرتبة السّامية والمكانة العالية والشهرة الكبيرة ما لم تبلغه أيّة زوجة أخرى للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم، لا ولا حتّى لو جمعنا فضائلهنّ بأجمعهنّ ما بلغنَ عشر معشار عائشة بنت أبي بكر، هذا ما يقوله أهل السنة فيها والذين يعتبرون أنّ نصف الدّين يؤخذ عنها وحدها.
     وإذا ما تجرّدنا للحقيقة بدون تعصّب ولا انحياز، فهل من المعقول أن يحكم العقل بأنها مطهّرة من الذنوب والمعاصي؟ أم أنّ الله سبحانه رفع عنها حصانته المنيعة بعد موت زوجها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم؟ فلننظر معاً إلى الواقع.

عائشة في حياة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم


     وإذا ما بحثنا حياتها مع زوجها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وجدنا الكثير من الذنوب والمعاصي فكانت كثيراً ما تتآمر مع حفصة على النبي حتّى اضطرّته إلى تحريم ما أحل الله له كما جاء ذلك في البخاري ومسلم وتظاهرتا عليه أيضاً كما أثبت ذلك كل الصحاح وكتب التفسير وقد ذكر الله الحادثتين في كتابه العزيز.
     كما كانت الغيرة تسيطر على قلبها وعقلها فتتصرف بحضرة النبي تصرّفاً بغير احترام ولا أدب، فمرّة قالت للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عندما ذكر عندها خديجة: مالي ولخديجة إنها عجوز حمراء الشدقين أبدلك الله خيراً منها، فغضب لذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى اهتزّ شعره (1) ومرّة اُخرى بعث إحدى أمهات المؤمنين للنبي (وكان في بيتها) بصحفة فيها طعام كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يشتهيه، فكسّرت الصحفة أمامه بطعامها (2) وقالت للنبي مرة أخرى: أنت
____________
    
     (1) صحيح البخاري: 4/231 باب تزويج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم خديجة وكذلك صحيح مسلم.
     (2) صحيح البخاري: 6/157 في باب الغيرة.



( 75 )

الذي تزعم أنك نبي الله (1) ومرّة غضبت عنده فقالت له: اعدل وكان أبوها حاضراً فضربها حتى سال دمها (2) وبلغ بها الأمر من كثرة الغيرة أن تكذب على أسماء بنت النعمان لمّا زُفّت عرساً للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم، فقالت لها: أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ليعجبُه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول له أعوذ بالله منك، وغرضها من وراء ذلك هو تطليق المرأة البريئة الساذجة والتي طلقها النبي بسبب هذه المقالة (3). وقد بلغ من سوء أدبها مع حضرة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، أنّه كان يصلّي وهي باسطة رجليها في قبلته فإذا سجد غمزها فقبضت رجليها وإذا قام أعادت بسطتها في قبلته (4).
     وتآمرت هي وحفصة مرّة أخرى على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى اعتزل نساءه بسببها لمدّة شهر كامل ينام على حصير (5). ولمّا نزل قول الله تعالى: «ترجي من تشاء منهنّ وتؤوي إليك من تشاء…» قالت للنبي في غير حياء: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك (6) وكانت عائشة إذا غضبت (وكثيراً ما كانت تغضب) تهجر اسم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فلا تذكر اسم محمد وإنما تقول وربّ إبراهيم (7).
     وقد أساءت عائشة إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كثيراً وجرّعته الغصص ولكن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم رؤوف رحيم، وأخلاقه عالية وصبره عميق، فكان كثيراً ما يقول لها: «ألبسك شيطانك يا عائشة» وكثيرا ما كان يأسى لتهديد الله لها ولحفصة بنت عمر، وكم من مرّة ينزل القرآن بسببها
____________
    
     (1) إحياء علوم الدين للإمام الغزالي: 2/29 كتاب أدب النكاح.
     (2) كنز العمّال: 7/116 وكذلك إحياء العلوم للغزالي.
     (3) الطبقات الكبرى لابن سعد: 8/145. الإصابة لابن حجر: 4/233. تاريخ اليعقوبي: 2/69.
     (4) صحيح البخاري: 1/101 باب الصلاة على الفراش.
     (5) صحيح البخاري: 3/105 في باب الغرفة والعلية المشرفة من كتاب المظالم.
     (6) صحيح البخاري: 6/24 و128 باب هل للمرأة ان تهب نفسها لأحدٍ. صحيح مسلم باب جواز هبة المرأة نوبتها لضرّتها.
     (7) صحيح البخاري: 6/158 باب غيرة النساء ووجدهنّ.



( 76 )

فقد قال تعالى لها ولحفصة: «وإن تنوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما» ، أي أنها زاغت وانحرفت عن الحق (1) وقوله: «إن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيراً» هو تهديد صريح من رب العزة لها ولحفصة التي كانت كثيراً ما تنصاع لها وتعمل بأوامرها. وقال الله لهما: «عسى ربّه إن طلّقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكنّ مسلمات مؤمنات» وهذه الآيات نزلت في عائشة وحفصة بشهادة عمر بن الخطاب كما جاء في البخاري (2). فدلّت هذه الآية لوحدها على وجود نساء مؤمنات في المسلمين خير من عائشة.
     ومرّة بعثها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا أراد أن يخطب لنفسه شراف أخت دحية الكلبي، وطلب من عائشة أن تذهب وتنظر إليها ولما رجعت كانت الغيرة قد أكلت قلبها فسألها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما رأيت يا عائشة؟ فقالت: ما رأيت طائلاً! فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: لقد رأيت طائلاً، لقد رأيت خالاً تجدها اقشعرت منه ذوائبك. فقالت: يا رسول الله ما دونك سرّ، ومن يستطيع أن يكتمك (3).
     وكل ما فعلته عائشة مع حضرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من مؤامرات كانت في أغلب الأحيان تجرّ معها حفصة بنت عمر والغريب أننا نجد تفاهماً وانسجاماً تامّاً بين المرأتين عائشة وحفصة كالانسجام والتفاهم بين أبويهما أبو بكر وعمر غير أنّه في النّساء كانت عائشة دائماً هي الجريئة والقوية وصاحبة المبادرة وهي التي كانت تجرّ حفصة بنت عمر وراءها في كل شيء. بينما كان أبوها أبو بكر ضعيفاً أمام عمر الذي كان هو الجريء والقوي وصاحب المبادرة في كل شيء ولقد رأينا في ما مرّ من الأبحاث أنّه حتّى في خلافته كان ابن الخطاب هو الحاكم الفعلي ـ وقد حدث بعض
____________
    
     (1) صحيح البخاري: 3/106 باب الغرفة والعلية من كتاب المظالم.
     (2) صحيح البخاري: 6/69 و71 باب وإذا أسرّ النبي إلى بعض أزواجه.
     (3) طبقات ابن سعد: 8/115. كنز العمال: 6/294.



( 77 )

المؤرخين أنّ عائشة لما همّت بالخروج إلى البصرة لمحاربة الإمام علي فيما سُمّي بحرب الجمل أرسلت إلى أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أمهات المؤمنين تسألهن الخروج معها فلم يستجب لها منهن إلاّ حفصة بنت عمر التي تجهّزت وهمّت بالخروج معها لكن أخاها عبد الله بن عمر هو الذي منعها وعزم عليها فحطّت رحلها (1) ومن أجل ذلك كان الله سبحانه يتهدد عائشة وحفصة معاً في قوله: «وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا» وكذلك قوله: «إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما» ولقد ضرب الله لهما مثلاً خطيراً في سورة التحريم ليعلمهما وبقية المسلمين الذين يعتقدون بأنّ أم المؤمنين تدخل الجنّة بلا حساب ولا عقاب لأنها زوجة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كلاّ، فقد أعلم الله عباده ذكوراً وإناثاً بأن مجرد الزوجية لا تضر ولا تنفع حتّى ولو كان الزوج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وإنما الذي ينفع ويضرُّ عند الله هو فقط أعمال الإنسان. قال تعالى: «ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل أدخلا النار مع الدّاخلين» [التحريم: 10].
     وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذا قالت: «رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجنّي من فرعون وعمله ونجّني من القوم الظالمين. ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربّها وكتبه وكانت من القانتين» [التحريم: 11 ـ 12].
     وبهذا يتبين لكل الناس بأن الزوجية والصّحبة وإن كانت فيهما فضائل كثيرة إلا أنهما لا يغنيان من عذاب الله إلاّ إذا اتسمتا بالأعمال الصالحة، وإلاّ فإن العذاب يكون مضاعفاً. لأن عدل الله سبحانه يقتضي أن لا يعذّب البعيد الذي لم يسمع الوحي كالقريب الذي ينزل القرآن في بيته والإنسان الذي عرف الحق فعانده كالجاهل الذي لم يعرف الحق.
____________
    
     (1) ابن أبي الحديد شرح نهج البلاغة: 2/80.



( 78 )


     وإليك الآن أيها القارئ بعض رواياتها بشيء من التفصيل لكي تتعرف على شخصية هذه المرأة التي لعبت أكبر الأدوار في إبعاد علي عن الخلافة وحاربته بكل ما أوتيت من قوة ودهاء.
     ولكي تعرف أيضاً بأنّ آية إذهاب الرجل والتطهير بعيدة عنها بعد السماء عن الأرض، وأنّ أهل السنة أكثرهم ضحايا الدسّ والتزوير فهم أتباع بني أمية من حيث لا يشعرون.

أم المؤمنين عائشة تشهد على نفسها


     ولنستمع إلى عائشة تروي عن نفسها وكيف تفقدها الغيرة صوابها، فتتصرّف بحضرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تصرفاً لا أخلاقياً، قالت: «بعثت صفية زوج النبي إلى رسول الله بطعام قد صنعته له، وهو عندي، فلما رأيت الجارية أخذتني رعدة حتّى أستقلّني أفكل، فضربت القصعة ورميت بها، قالت: فنظر إليّ رسول اله صلّى الله عليه وآله وسلّم فعرفت الغضب في وجهه، فقتل: أعوذ برسول الله أن يلعنني اليوم، قالت، قال: أوِّلي، قلت وما كفّارته يا رسول الله؟ قال: طعام كطعامها وإناء كإنائها (1).
     ومرة أخرى تروي عن نفسها، قالت: قلت للنبي حسبُك من صفيّة كذا وكذا، فقال لي النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: لقد قلتِ كلمة لو مُزجتْ بماء البحر لمزجته (2).
     سبحان الله! أين أم المؤمنين من الأخلاق وأبسط الحقوق التي فرضها الإسلام في تحريم الغيبة والنّميمة؟ ولا شكّ بأن قولها: «حسبك من صفية كذا وكذا»، وقول الرسول بأنها كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته بأنّ ما قالته عائشة في ضرّتها أمّ المؤمنين صفية أمرٌ عظيم. وخطبٌ جسيم.
____________
    
     (1) مسند الإمام أحمد بن حنبل: 6/277. وسنن النسائي: 2/148.
     (2) صحيح الترمذي وقد رواه عنه الزركشي في صفحة 73.



( 79 )


     وأعتقد بأنّ روّاة الحديث استفضعوها واستعظموها فأبدلوها بعبارة (كذا وكذا) كما هي عادتهم في مثل هذه القضايا.
     وها هي عائشة أم المؤمنين تحكي مرة أخرى عن غيرتها من أمهات المؤمنين قالت: ما غرت على امرأة إلاّ دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة وأعجب بها رسول الله، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت حارثة بين النعمان، وفزعنا لها فجزعت، فحوّلها رسول الله إلى العالية فكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشدّ علينا ثم رزقه الله الولد منها وحرمناه (1).
     كما أنّ عائشة تعدت غيرتها دائرة مارية ضرّتها إلى إبراهيم المولود الرضيع البريء! قالت لما ولد إبراهيم جاء به رسول الله إليّ، فقال: أنظري إلى شبهه بي، فقلت: ما أرى شبهاً. فقال رسول الله: ألا ترين إلى بياضه ولحمه؟ قالت فقلت: من سقي ألبان الضّان إبيضّ وسمن (2).
     وقد تعدّت غيرتها كل الحدود وفاقت كل تعبير عندما وصلت بها الظّنون والوساوس إلى الشك في رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فكانت كثيراً ما تتظاهر بالنّوم عندما يبات عندها رسول الله ولكنّها ترقب زوجها وتتحسّس مكانه في الظلام وتتعقّبه أين ما ذهب وإليك الرواية عن لسانها والتي: أخرجها مسلم في صحيحه والإمام أحمد في مسنده وغيرهم قالت: لمّا كانت ليلتي التي كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع فلم يلبث إلاّ ريثما ظنّ أن قد رقدتُ فأخذ رداءه رويداً وانتعل رويداً وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويداً فجعلت درعي في رأسي
____________
    
     (1) الطبقات الكبرى لأبن سعد: 8/212، أنساب الأشراف: 1/449، الإصابة في معرفة الصحابة للعسقلاني أخرجها في ترجمة مارية القبطية.
     (2) الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/37 ترجمة إبرايم بن النبي ـ وكذلك في أنساب الأشراف.



( 80 )

واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرّات ثم انحرف فانحرفت فأسرع فاسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: مالك يا عائش حشياً رابيهً؟ قالت فقلت: لا شيء قال: لتخبريني أو ليخبرني اللّطيف الخبير قالت قلت: يا رسول الله بأبي أنت واُمّي فأخبرته قال: فأنت السّواد الذي رأيت أمامي قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله… (1).
     ومرة أخرى قالت فقدت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فظننت أنّه أتى بعض جواريه، فطلبته فإذا هو ساجد يقول: رب اغفر لي (2) وأخرى قالت: إن رسول الله خرج من عندي ليلاً، قالت: فغرت عليه، قالت فجاء فرأى ما أصنع فقال: مالك يا عائشة، أغرتِ؟ فقلت: ومالي أن لا يغار مثلي على مثلك! فقال رسول الله: أفأخذك شيطانك… (3).
     وهذه الرواية الأخيرة تدلّ دلالة واضحة على أنها عندما تغار تخرج عن أطوارها وتفعل أشياء غريبة كأن تكسّر الأواني أو تمزّق الملابس مثلاً. ولذلك تقول في هذه الرواية فلمّا جاء ورأى ما أصنع قال: أفأخذكِ شيطانكِ؟
     ولا شك أنّ شيطان عائشة كان كثيراً ما يأخذها أو يلبسها وقد وجد لقلبها سبيلاً من طريق الغيرة وقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: «الغيرة للرّجل إيمان وللمرأة كفرٌ». باعتبار أن الرّجل يغار على زوجته لأنّه لا يجوز شرعاً أن يشاركه فيها أحد ـ أما المرأة فليس من
____________
    
     (1) صحيح مسلم: 3/64 باب ما يقال عند دخول القبور. مسند أحمد بن حنبل: 6/221.
     (2) مسند الإمام أحمد: 6/147.
     (3) مسند أحمد بن حنبل: 6/115.



( 81 )

حقّها أن تغارٍ على زوجها لأنّ الله سبحانه أباح له الزواج بأكثر من واحدة، فالمرأة الصالحة المؤمنة التي أذعنت لأحكام الله سبحانه تتقبّل ضرّتها بنفس رياضية كما يقال اليوم وخصوصاً إذا كان زوجها عادلاً مستقيماً يخاف الله، فما بالك بسيّد الإنسانية ورمز الكمال والعدل والخلق العظيم؟ على أنّنا نجد تناقضاً واضحاً في خصوص حبّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لعائشة وما يقوله أهل السنّة والجماعة من أنّها كانت أحبّ نسائه إليه وأعزّهم لديه حتّى أنّهم يروون أنّ بع نسائه وهبْنَ نوبتهنّ لعائشة لمّا علمن بأنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يحبّها ولا يصبر عليها، فهل يمكن والحال هذه أن نجد مبرّراً وتفسيراً لغيرة عائشة المفرطة؟ والمفروض أن العكس هو الصحيح. أي أن تغار بقية أزواج النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من عائشة لشدّة حبه إياها وميله معها كما يروون ويزعمون، وإذا كانت هي المدلّلة عند الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فما هو مبرّر الغيرة؟
     والتاريخ لم يحدّث إلا بأحاديثها وكتب السيرة طافحة إلاّ بتمجيدها وأنها حبيبة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المدلّلة التي كان لا يطيق فراقها.
     واعتقد بأنّ كل ذلك من الأموّيين الذين أحبّوا عائشة