فهرس الكتاب

مكتبة العقائد الإمامية

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

تمهيد

لا يجازف من سبر الأحاديث - برويّة وإمعان - إذا قطع بمحبوبية الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) في كل الأحوال، لأن الله تعالى اشتق نوره - ونور نبيّه - من الشعاع (تعالت نورانيّته)(1) ومنحه الخلافة الكبرى بعد انقضاء أمد الرسالة، وأتحفه بالمنزلة العالية عدا النبوة، وأمر (جلّ شأنه) رسوله الأعظم (صلى الله عليه وآله) ليلة المعراج أن يعرّف علياً بهذه الحبوة المباركة، فنظر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الوصي (عليه السلام) فإذا هو رافع رأسه كالمنتظر، فحيّاه الرسول (صلى الله عليه وآله) من قبل الله تعالى وأعلمه بما منحه من الخلافة الإلهية(2) واختصّه بإمرة المؤمنين التي هي وقف عليه ولم يخصّ بها أيّ أحد من الخلق(3) مهما عظم قدراً وارتفع شأناً وتخطّى إلى أعلى مستوى الفضائل، حتى أن الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) - وإن تكوّنوا من الألق الإلهي(4) واختارهم المولى (عزّ وجل) أعلام دينه وأمناء شرعه - أبوا عن التسمية بإمرة المؤمنين(5) لا لقصور فيهم - فانهم نور واحد، أوّلهم كآخرهم وآخرهم كأولهم(6) وحازوا جميع المآثر لجدّهم الأعظم (صلى الله عليه وآله) (إلا النبوة والأزواج)(7) ومنها: وقوفهم على ما في الكون من خبايا وملاحم، وما في الطبايع من خواص وأسرار، أقداراً لهم من منشئ كيانهم، ومودع العصمة فيهم - بل تميزاً لجدّهم الوصي (عليه السلام) الذي لا يحدّه إلا الله الذي برأه وعاءً لعلمه الذي لا يغادر كبيراً ولا صغيراً، وإلا رسوله المرتضى لغيبه كما قال سبحانه: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول)(8) ومن كان من ربه تعالى قاب قوسين أو أدنى هو الرسول المرتضى حيث لم يفضله من الخلق.

وهذه الدعوى في الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لا يهضمها من لم يفقه الأسرار الإلهية التي أوقفتنا عليها الأخبار المستفيضة، فيسارع إلى رمي معتنقها بالغلو، غفلةً عن أن المغالات في شخص عبارة عن إثبات صفة غير واجد لها، كإثبات العلم للجاهل، والكرم للبخيل، والشجاعة للجبان، وهؤلاء الأئمة المعصومون (عليهم السلام) حازوا أرقى صفات الكمال والجلال، فكانت لهم القابلية لتلقّي الفيوضات الربوبية، والشحّ لا يعتري ذات الجلالة (تعالت نعماؤه) فاجتمع مبدأٌ فيّاض وذات قابلة للفيوضات بأسرها، فلا غرابة إذاً في دعوى شمول علم الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) لما كان وما يكون وما هو كائن.

وان حديث النبي (صلى الله عليه وآله): (يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت ولا عرفني إلا الله وأنت ولا عرفك إلا الله وأنا)(9) يفسّر جهل البشر بحقيقة أمير المؤمنين (عليه السلام) وما أختصه بارئه (جل شأنه) من الميزات التي يحار العقل بها، فان شخصيته اللامعة لا تماثلها شخصية أحد، مهما ترقّى في العلم واستقى من منبع الوحي، إلا من كان من النبي محمّد (صلى الله عليه وآله) بمنزلة هارون من موسى، فلا يحدّ تلك الذات المكوّنة من نور القدس إلاّ من فطرها حجة دامغة ومعجزة خالدة لنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله).

نعم.. رفع نبي الأمّة بعض الستار عما حوته تلك الشخصية الفذّة من الفضائل، وتحلّت به من الملكات حين جاهر بقوله: (علي مني وأنا منه)(10) فان ذات خاتم الرسل لا تتناهى معارفها، ولا تحدّ ملكاتها القدسية التي ميّزته على مبلّغي الشرائع الإلهية، وقد أثبت لسيد الأوصياء علي (عليه السلام) في هذا التنزيل جميع ما حواه من المواهب غير النبوة (فمحمّد نبي وعلي وصيّ وآدم بين الماء والطين) فلم يعسر على أمير المؤمنين الاستمداد من اللّوح المحفوظ في كل ما يمرّ عليه من المشاكل، فيكشف الحجاب عما أبهم على الأمّة في أمر الدين والدنيا، بجليّ البرهان، فيؤب السائل ثلج الفؤاد، ويندحر المعاند مفلوج الحجة.

ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكرّر على مسامع الحاضرين ومن يعي خطابه من الأجيال ما يؤكد هذه الخاصة الثابتة لعلي (عليه السلام) فيقول: (صلى الله عليه وآله): (أنا مدينة العلم وعلي بابها)(11) فعرف المسلمون مكانته العلمية وقدّروا مواقفه في حلّ المشكلات يوم تعقّدت على رؤساء الأمة، وقد أماط(12) أمير المؤمنين (عليه السلام) الستار عنها بواضح البيان، ولم يزل عمر بن الخطاب يهتف غير مرة: (لولا علي لهلك عمر)(13).

 

1- بحار الأنوار: ج 15 ص 12 و 13 عن أمالي الشيخ الطوسي.

2- المحتضر ص 108 للحسن بن سليمان الحلي من تلامذة الشهيد الأول.

لعل غيرنا يستغرب ما تضمنه هذا الحديث فيرميه بالشذوذ و يتّهم راويه بالغلو، حيث لم يفهم مدى شخصية من له الولاية الكبرى، ولا نراه يستغرب ما يصرح به ابن العربي في شرحه جامع الترمذي ج 1 ص 306 والزرقاني على شرح المواهب اللدنية ج 1 ص 379 من سماع عمر وبلال أذان جبرائيل في السماء.

3- قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ليلة أسرى بي إلى السماء، أوحى الله إلي: يا محمّد اخترت لك علياً، فاتخذه لنفسك خليفة ووصياً... وهو أمير المؤمنين حقاً، لم ينلها أحد قبله، وليست أحد بعده...) هذا الحديث وأمثاله تجده في كتاب المناقب للخوارزمي ص 240 وكنز الفوائد للكراجكي ص 122، وأمالي الصدوق: ص 80 مجلس 27 وبشارة المصطفى لشيعة المرتضى ص 229، ومستدرك الوسائل للنوري ج 2 ص 234 وغيرها من كتب السنة والشيعة.

وهذا الحديث يدل على اختصاص لقب (أمير المؤمنين) بالإمام علي (عليه السلام) ويؤكده قوله تعالى - في هذا الحديث القدسي -: (هو أمير المؤمنين حقاً) مما يدل على أن إطلاق هذا اللقب على غير الإمام علي ليس حقاً بل هو باطل (فماذا بعد الحق إلاّ الضلال)؟ - الناشر -.

4- بحار الأنوار: ج 15 ص 12 و 13.

5- دخل رجل على الإمام الصادق (عليه السلام) فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فوقف الإمام الصادق على قدميه وقال - بغضب -: (مه ... هذا اسم لا يصلح إلاّ لأمير المؤمنين، سماه (الله) به، ولم يسمّ به أحد غيره فرضى به إلاّ كان منكوحاً، وان لم يكن به ابتلي) بحار الأنوار: ج 37 ص 332.

6- المحتضر: ص 159.

7- المحتضر: ص 20.

8- سورة الجن: الآيتين 26 و 27.

9- المختصر ص 165 ومختصر البصائر ص 125 للحسن بن سليمان، وقد روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (يا علي لولا أن تقول فيك طوائف ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالاً، لا تمر بملأ إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك) الإرشاد للشيخ المفيد: ص 68، المناقب للخطيب الخوارزمي ص 95.

10- ذخائر العقبى للمحب الطبري ص 68 وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 142 والخصائص للنسائي ص 67 وكنز العمال ج 6 ص 154.

11- مستدرك الصحيحين ج 3 ص 126 لسان الميزان لابن حجر العسقلاني ج 1 ص 432 وغيرهما.

12- أماط أي: أبعده ونحاه وأزاله وأذهبه مجمع البحرين ج 4 ص 274 مادة ميط.

13- رواه من أهل السنة: المحب الطبري في ذخائر العقبى ص 82 والرياض النضرة ج 2 ص 194 والمناوي في الفيض القدير شرح الجامع الصغير ج 4 ص 354 وابن قتيبة في مختلف الحديث ص 202 والكنجي في كفاية الطالب ص 105 والقوشجي في شرح التجريد ص 407 ط إيران والقاضي عضد الدين في المواقف كما في شرحه للجرجاني ج 3 ص 332 وابن عبد البر في الاستيعاب بترجمة علي (عليه السلام) وابن أبي الحديد في شرح النهج ج 1 ص 6 وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص 87 ط إيران وابن طلحة في مطالب السؤل ص 13 الملحق بتذكرة الخواص.